رواية الشيطان شاهين شاهين وكاميليا كاملة جميع الفصول

رواية الشيطان شاهين شاهين وكاميليا هي رواية رومانسية درامية بقلم الكاتبة ياسمين عزيز، تجمع بين "شاهين" الرجل الذي اشتهر بقسوته ودهائه حتى لُقِّب بالشيطان، و"كاميليا" الفتاة الهادئة التي تحمل جمالًا لا يلين، وقوة خفية قادرة على إرباك أقسى القلوب.

رواية الشيطان شاهين شاهين وكاميليا كاملة جميع الفصول

رواية الشيطان شاهين شاهين وكاميليا كاملة جميع الفصول

في احد شوارع القاهرة المزدحمة اتكأت كاميليا على جدار احد المحلات، انحنت لتضع يديها على ركبتيها و هي تقول بصوت لاهث:
“خلاص يا هبة معدتش قادرة اتحرك خطوة زيادة.. تعبت و رجليا تخدرت من الجري ”
قدمت لها هبة قارورة صغيرة من المياه لتشرب منها ثم هتفت ضاحكة:
“انت عملتي ايه يا مجنونة عاوزة تبيتينا في القسم النهارده”.
كاميليا و هي تلتقط أنفاسها :”يستاهل انا لو كنت اقدر كنت اديته قلم ثاني، راجل عجوز مبيختشيش بيتحرش بواحدة اد بناته “.
هبة و هي تضحك بقوه حتى ادمعت عيناها:
“المسكين عجبتيه و مقدرش يمسك نفسه…داه..عرض… عليكي تشتغلي حتى ساعتين في اليوم و بضعف المرتب المهم…. “. اكملت و هي تقلده:
اطلبي اللي انت عاوزاه المهم أتصبح كل يوم على وشك الحلو دا يا جميل”.
كاميليا و هي تشاركها الضحك :
” يخرب بيته دا اللي ناقصني واحد اد جدي يعجب بيا الحمد لله ان احنا قدرنا نهرب قبل ما يمسكنا”.
هبة بمزاح:” حرام عليكي يا كاميليا قد جدك إزاي… متظلميش الراجل داه حتى شعره كان لونه اسود…”.
نظرت لها قليلا قبل أن تكمل :
” هو كان شعره و الا باروكة؟ “.
ضربتها الأخرى بخفة على كتفها قبل ان تنفجرا في الضحك من جديد..
هدأتا بعد دقائق لتتنهد كاميليا قائلة بحزن:
” انا تعبت يا هبة و احنا من الصبح بندور عالفاضي، صنف عاوزين حد يشتغل وقت كامل و كمان بمرتب يدوب يكفي مواصلات و الصنف التاني زي الراجل العجوز داه”.
هبة بتشجيع :
“خليكي متفائلة و متيأسيش احنا عملنا اللي علينا و الباقي على ربنا ”
كاميليا برجاء:
” يا ريت يا هبة انت عارفة انا محتاجة الشغل دا اد إيه…الجامعة كل يوم مصاريفها بتزيد و بابا مرتبه يدوب يكفي طلبات البيت، حتى أخواتي هديل و أسامة محتاجين يدفعوا أقساط المدرسة دا غير الكتب و الهدوم… انا مش عارفة اعمل إيه ياريتني كنت سمعت كلام ماما و مدخلتش هندسة… لو كنت دخلت إدارة أعمال كنت خلصت السنة اللي فاتت و كنت قدرت اشتغل و أساعد اهلي و مكانش حالي كده؟ “.
هبة :” متقوليش كده انت بالعكس انت متفوقة جدا في مجال الهندسة و بكرة انشاء الله حتتخرجي و حتشتغلي و حتبقي اشطر مهندسه في مصر كلها…دا انت الأولى على دفعتنا من أربع سنين و ندمانة امال اقول ايه انا اللي كل سنة بنجح بالعافية “.
ضحكت كاميليا بخفة قبل أن تقول بسخرية:” دا انا بقالي شهور بدور على شغل، بياعة في محل هدوم او في مكتبة، انشاء الله حتى امسح سلالم العمارات و بردو مش لاقية تقوليلي مهندسة اذا كان انا مش عارفة حكمل دراسة السنة دي و الا أأجلها”.
هبة و هي تلطم صدرها :” يا لهوي..تأجلي ايه يا كاميليا دي آخر سنه لينا في الكلية “.
كاميليا بحزن:” السنة لسه في اولها يا هبة و انت عارفة المصاريف بقت الضعف عن السنة اللي فاتت فأنا قلت اني ممكن اشتغل اي شغلانه بوقت كامل و احوش عشان ادرس السنة اللي جاية”.
هبة بصدمة:
“انت غبية يا بنتي و تخسري سنة من عمرك لالا حنتصرف، اكيد في حل غير داه..”.
كاميليا :
” يا رب يا هبة “.
اكملت الفتاتان طريقها لنذهب كل واحدة منهما الي منزلها.
وصلت كاميليا الى مدخل حارتها لتتنهد بضيق و هي تلمح ذلك المدعو المعلم زكريا صاحب القهوة، رجل في بداية الأربعين من عمره متزوج مرتين و له أربعة بنات، ميسور الحال، معجب بكاميليا و يريد أن يتزوجها و لايدع اي شاب يقترب منها..
تأففت بصوت مسموع قبل أن تواصل سيرها بخطوات مسرعه متجهة الى منزلها و الذي من سوء حظها يقع في العمارة المقابلة للمقهى..
زكريا و هو يعترض طريقها :
“اهلا بست البنات، نورتي الحارة”.
كاميليا بتعمد :
“اهلا يا عم زكريا..”.
زكريا بضيق :
“الله الله ماقلنا بلاش عمي دي…ليه مصرة على الجفاء يا بنت الناس و انا شاريكي بالغالي و كل الحتة عارفة”.
كاميليا بنفاذ صبر :
“بقلك ايه يا عم زكريا ابعد عن طريقي احسنلك.. انا اللي فيا مكفيني بلاش كلامك اللي يفور الدم داه و روح شوف اكل عيشك و ابعد عن سكتي.. كل الحتة عارفة ان انت راجل قد ابويا و متجوز أثنين و عندك عيال…حل عني انا مش ناقصاك”.
زكريا و هو يمسح شاربيه الكثيفين:
“طب ما توافقي تتجوزيني و انت حتبقي ملكة زمانك و كل اللي تطلبيه حيكون تحت امرك..حنغنغك و حعيشك في العز انت و عيلتك كلها…”.
كاميليا:
تشكر يا خويا عرضك مرفوض انا لا عاوزة اتجوزك و الا اتجوز غيرك ابعد من قدامي بدل اقسم بالله اصوت بعلو صوتي و ألم عليك امه لا اله إلاالله و اعملك فضيحة”.
تجاوزته و هي تشتمه :
“اهو دا اللي كان ناقصني…يا ميلة بختك يا كاميليا مبقاش غير الراجل العجوز داه يطمع فيكي
حلاقيها منين و الا منين يا رب حلها من عندك انا تعبت “.
ظل زكريا ينظر في اثرها و هو يتخيل ذالك اليوم الذي يتزوج فيها منها و تصبح كتلة الجمال تلك ملكه و في بيته الى ان أفاق على صوت احد صبيانه يناديه
زكريا بغضب:
” ماهو لو مش حتقبل بمزاجها يبقى غصب عنها انا مستحيل اسيب غيري يتمتع بجمالها… البنت عاملة زي الممثلات التركي عينين زرقاء و شعر حرير و شفايف إنما ايه بسبوسة بالقشطة.. و الا جسمها يا لهوي كرباج…
” يا معلم زكريا”.
قاطعه صوت الصبي ثانية ليندفع الى المقهى هادرا بعنف:
” كرباج لما ينزل على لحمك يفتته.. ايه يالا مالك فيه ايه”
الصبي بخوف:
“اصل تليفونك مبطلش رن بقاله ساعة يا معلم”.
زكريا و هو يتجه الى مكتبه و هو عبارة عن طاولة خشبية كبيرة تحتوي على عدة ادراج و خزنة يضع بها النقود و الأوراق المهمة قائلا بصوت اجش:
“هاتلي قهوة و تعالى غير حجر الشيشة خليني أعدل المزاج اللي طيرته بنت ال… و الا بلاش دا بردو حيبقى ابو نسب.. “.
جلس على كرسي الخشبي ثم جذب عدة أوراق من الدرج ليبدأ في مراجعة حسابات المقهى…
وصلت كاميليا الى منزلها، طرقت الباب لتفتح لها اختها الصغرى نور.
نور متذمرة:
” يووه يا كامي انت مبتفتحيش الباب بمفتاحك ليه ضروري تجيبيني من آخر الشقة يعني”.
كاميليا و هي ترتمي على الاريكة القديمة :
بطلي زن يا نور انا تعبانة و مفياش حيل اناقشك.. اللي يسمعك يفتكر انك جيتي من آخر الشارع عشان تفتحيلي … دي حتى شقتنا اوضتين و صالة.. روحي هاتيلي كباية ميه ريقي نشف من زنك يا شيخة..”.
رمقتها شقيقتها بغيظ قبل أن تتجه الي غرفتها متجاهلة لطلبها…
بعد دقيقة خرجت والدتها من المطبخ و في يدها كوب الماء.
كاميليا بابتسامة :
” تسلم إيدك يا ست الكل تعبتي نفسك ليه؟ “.
الام :” تعب ايه يا حبيبتي دا انت اللي باين عليكي مهدودة خالص ربنا يعينك يا حيبيتي يلا قومي غيري هدومك و انا حجهزلك الاكل”.
كاميليا:
“هو بابا فين لسة مجاش من الشغل؟”.
الام :
“لا يا حبيبتي قال انه عنده ساعتين شغل إضافي اهو يطلع بقرشين زياده ينفعونا”.
كاميليا بحزن:
” بس هو كده حيتعب زيادة “.
الام و هي تتجه الى المطبخ :
” انت عارفة ان مرتبه معادش مكفي مصاريف اخواتك و البيت و الكام ملطوش اللي باخذهم من شغل المكنه بدفعهم في إيجار الشقة…حنعنل ايه مفيش حل غير داه”.
اتجهت كاميليا الى غرفتها التي تشاركها مع أختها نور لتجدها منكبة تذاكر دروسها بتركيز، فشقيقتها لا تقل عنها ذكاءا و تفوقا في دراستها..
كاميليا :
“هو كريم فين انا مشفتوش من ساعة مجيت؟ “.
نور دون أن ترفع رأسها :
” راح يلعب مع سامي ابن طنط نجوى “.
كاميليا بضيق:
“و هو معندوش مذاكرة طول النهار بيلعب و ازاي ماما تسمحله يروح”.؟
نور بلامبالاة :”عندك امك اسأليها… انا مالي”.
كاميليا :
“ليه هو مش اخوكي و مسؤول منك؟ المفروض تقعديه جنبك و تزاكريله”.
نور بملل:
“وهو من امتى بيسمع كلامي مدلل ماما داه.. بقلك ايه سيبيني اذاكر و بلاش ازعاج”.
هزت كاميليا رأسها بيأس من تصرفات والدتها فهي كما قالت نور تفرط في تدليل ابنها الأصغر كريم و لا ترفض له طلبا.. تتركه يلعب بالساعات على حساب مذاكرته،و قد حاولت معها كاميليا عده مرات و لكنها لم تستمع لها،بحجة انه طفل و من حقه اللعب
………….
في إحدى النوادي المشهورة المخصصة للطبقة المخملية تجلس فتاتان في أواخر العشرينات كم عمرهما و هما
سيدرا رأفت تبلغ من العمر 28 سنة متزوجة من رجل أعمال ثري و الأخرى ميرهان اسماعيل 27 سنة ابنة احد الوزراء السابقين مخطوبة لابن أحد الأثرياء…
سيدرا و هي تضع احد ساقيها فوق الاخرى:
“شفتي آخر الأخبار يا ميرو بيقولوا صوفيا حتتفتح عيادة التجميل بتاعتها انا شفت صورها في الانستقرام بتاعها واو… فوق الخيال بيقولوا جايبين أربعة مهندسين من اليابان مخصوص عشان تكون بالدقة و الفخامة دي”.
ميرهان و هي تترشف كوب الكوكتيل :
“ايوا انا كمان شفتها بس انت عارفة انها نايمة على بنك شاهين الالفي انا لو مكنتش مخطوبة مكنتش حخليه يفلت من إيدي “.
سيدرا :
” و ايه يعني مخطوبة و هو فين اصلا خطيبك داه متزعليش مني يا ميرو بس انا بقول الواقع… فريد مش معبرك و لا سائل عنك و كل يوم مع واحدة شكل قال إيه بعد الجواز حيبطل صياعة و حيبقى ملتزم و بعدين حتى لو عمل كده فلوسه و فلوس عيلته كلها متجيش نقطة في بحر ثروة شاهين الالفي… انا لو منك احاول اوقعه باي طريقة و اديكي شفتي صوفيا دي مجرد عشيقة من عشيقاته و شوفي عمللها ايه فمابالك لو انت بقيتي خطيبته او مراته… ”
ميرهان بلهفة :
تفتكري يا سيدرا حقدر اوقعه؟”.
سيدرا مشجعه:
“طبعا يا ميرو و هي صوفيا أجمل منك يعني…انا مش عارفة عجبه فيها ايه دي معاه من حوالي سنتين… بصي انت حاولي معاه توقعيه و لو نجحتي يبقى برافو عليكي و لو خسرتي مفيش مشكلة محدش حيعرف حاجة”.
ميرهان بثقة:” و الله عندك حق… انا لازم اجرب و بعدين هو حيلاقي احسن مني فين…حلوة و من عيلة معروفة دا اسم بابي لوحده كفاية… و اهو اكون ارتحت من فريد و انتقمت منه على اهماله ليا و خيانته… انا لو لا ثروة عيلته و مركزهم مكنتش وافقت عليه ابدا.. ”
سيدرا :
“ما أنا قلتلك اسمعي كلامي تكسبي صدقيني انا لو مكنتش متزوجة كنت وقعته… يا بنتي داه فارس احلام كل البنات، ثروة و نفوذ داه كل رجال الأعمال بتترعب منه و مفيش حد يقدر يقف قصاده يعني انت اللي حتكوني الليدي نامبر وان غير بقى وسامته و شياكته انت عارفاه طبعا… “.
تحولت ملامح ميرهان الى القلق بعد أن تذكرت حقيقة شاهين الألفي الملقب بالشيطان.. ابتلعت ريقها بصعوبه و هي تدرك صعوبة تحقيق غايتها لكنها لم تستطع قول ذلك أمام صديقتها.
لتقول بصوت مهزوز:
” طبعا يا سيدرا عارفاه… عارفاه كويس “.
دلف شاهين الالفي غرفة الاجتماعات بهيبته
المعتادة، هالة من البرود و الثقة تحيطان به ليدب الرعب في نفوس الآخرين،
الجميع يرتجف خوفا بمجرد سماع
إسمه”الشيطان”، فهو لم يطلق عليه هذا اللقب المخيف من فراغ.
جلس مترئسََا طاولة الاجتماعات الضخمة كعادته،بينما جلس عمر مدير مكتبه على يمينه و
بقية رؤساء الأقسام الذين اتخذوا اماكنهم على الطاولة ليسود الهدوء و الظلام كافة القاعة و تضيئ شاشة العرض الجدارية ليبدأ أربعة مهندسين شباب في تقديم تصميماتهم الهندسية الخاصة لإحدى المنتجعات الترفيهية الذي سيتم إنشائها في مدينة شرم الشيخ.
تراجع شاهين بجسده على الكرسي الجلدي ليجلس بأريحيةو يراقب الجميع بنظراته الحادة بعيونه
الحادة كالصقر…
أمسك بقلمه الذهبي الخاص به و المنقوش باسمه الثلاثي ليبدأ بطرق الطاولة بحركات متتالية رتيبة ليزيد من توتر الحاضرين….
يعلمون انه بهذه الحركة لن ينتهي الاجتماع على خير و انه سيقوم بطرد أحدهم دون رحمة فقانونه معروف لدى الجميع ، من يخطئ يعاقب… لا مكان التسامح و لا وجود لفرصة ثانية في قاموسه…
انتهى المهندسين من عرض أفكارهم و تصاميمهم المختلفة ثم وقفوا أماكنهم منتظرين رأيه الأخير لاختيار الأفضل بينهم..
طال سكوته و هو يرمقهم بنظرات فاحصة أثارت رعبهم…
توجس الجميع من صمته الغريب و هو يلتفتون لبعضهم البعض متسائلين بأعينهم عما سيفعله بهؤلاء المهندسين المساكين …
نهض من مكانه فجأة ثم اتجه الى شاشة العرض بخطواته الواثقة استدار بهدوء مريب ليواجه بقية الموظفين ليقول بصوت حاد و هو يرمق المهندسين بنظرات محتقرة :”إيه رأيكم في التصاميم اللي قدموها البشمهندسين دول من شوية… تنفع لحديقة حيوانات او مدينة العاب صح….”.
استدار الى الشاشة ليجذب التصاميم المعلقة و يرميها على الأرض بعنف صارخا بحدة:”دا اسمه تهريج و لعب عيال مش شغل… اكبر منتجع سياحي في المدينة بملايين الدولارات عاوزين تعملوه بالتصاميم الزبالة دي…”
توجه ببصره لرئيس قسم الهندسة ليتابع باستهزاء :” ايه يا أستاذ حسن كبرت و خرفت و مبقتش عارف تركز في شغلك كويس عشان تدي مشروع زي دا لشوية عيال يجربوا فيه مواهبهم… لو مش قادر قلنا و احنا نجيب غيرك….يومين بالكثير و التصاميم الجديدة تكون عندي أو انت عارف مصيرك حيكون إيه،
و انت يا عمر اطرد العيال دي بره الشركة مكانهم مش عندي… ”
انهى كلماته ثم خرج متجها الى مكتبه غير مبال بهمهمات الموظفين الذين اكتفوا بسبه و لعنه خفية بسبب غطرسته و تكبره و معاملته الحقيرة لهم و كأنهم عبيد لديه….
بعد نصف ساعة دخل عمر مكتب شاهين و هو يرمق الاخر بنظرات ساخطة….
شاهين ببرود :” مالك…. “.
عمر و هو يجلس على الكرسي المقابل له :”انت كل مرة تعمل كده و لا همك حد، كان ممكن تديهم فرصة ثانية المهندسين دول.. هو صحيح تصاميمهم فيها شوية أخطاء بس ممكن تتصلح…”
شاهين باستهزاء :”أخطاء و تتصلح.. من امتى و انا بستعمل الكلمتين دول في قاموسي؟؟؟ “.
عمر :”للأسف عارفك كويس، بس….
شاهين :”يعني من الاخر سيادتك عاوزني اسلم مشروع بالضخامة و الأهمية دي لشوية مهندسين مبتدئين “.
عمر :”انا مقولتش كده بس الأستاذ حسن يعتبر من أفضل المهندسين في مصر و كمان هو بقاله شغال سنين طويلة في الشركة يعني… ”
شاهين مقاطعا بصرامة:”و بالرغم من كل داه هو غلط غلطة كبيرة و انا نبهت عليه قبل كده أكثر من مرة و قلتله انه لو لقى اي صعوبة فهو ممكن يستعين بمهندسين من برا الشركة يكون عندهم خبرة اكثر … و انت عارف كويس ان الكل بيتمنى انه يشتغل معانا…هوالموظف الوحيد عندي اللي بيغلط و بديله فرص ثانية و كل داه علشان خاطرك انت…متنساش داه
المهم سيبك من الموضوع داه، كلها يومين و هو حيتصرف انا عارفه كويس…. قلي ظبطت سهرة الليلة “.
عمر بضيق :” أيوا كل حاجة جاهزة، ادوارد بتاع الملهى كلمني بنفسه و قال انه عنده بنات جداد حيعجبوك اكيد “.
شاهين باستهزاء:” انت رجعت لادوارد داه ثاني …البنات اللي عنده كلهم زبالة مفيش واحدة فيهم دخلت مزاجي… “.
عمر :” ما انت اللي شروطك صعبة الصراحة
و بعدين فين صافي بتاعتك “.
شاهين بوقاحة :” صوفيا تعبانة و لازمها فترة علشان
ترتاح و بعدين انا زهقت منها و عاوز اجدد”.
عمر بتقزز :”انت إيه يا أخي مش بتمل ابدا من القرف داه.. امتى حتفوق لنفسك و تنسى الماضي و تخرج من المستنقع اللي انت فيه “.
شاهين بصرامة :” عمر… يا ريت تقفل الموضوع داه و متتكلمش فيه ثاني، انت تعمل اللي قلتلك عليه من غير مناقشة … البنت تكون عندي الليلة… يلا تفضل على شغلك دلوقتي “.
لوى عمر فمه بضيق قبل أن ينهض من مكانه و يغادر تاركا شاهين يتخبط وحيدا في ذكرياته…
++++++++++++++++
ليلا…
في منزل زكريا
نعمة (زوجة زكريا الأولى) :مالك ياخويا من اول ما جيت و انت مش على بعضك كده؟”.
زكريا :”عاوزة ايه يا نعمة بقالك ساعة بتزني فوق نفوخي قصري و هاتي من الاخر، تعبان و عاوز ارتاح ”
نعمة :” بقالي ساعة بكلمك على البنت بطة قال إيه عاوزة تسافر عند خالتها سميحة اسكندرية علشان تحضر عيد ميلاد غادة،بس انا قلتلها اخذ رأي أبوكي الأول… ”
زكريا :”عيد ميلاد و كلام فارغ ايه مش فاضي و عندي شغل…. “.
نعمة باصرار:” و مالوا ياخويا احنا مش حنعطلك على شغلك انت تخلي الواد زغلول يوصلنا و يرجع على طول و انا حاخذ البنتين معايا و مش حنطول هنا بس يومين و حنرجع على طول…”.
زكريا بتفكير :” ماشي على الاقل ارتاح من زنك…
نعمة بثرثرة متجاهلة كلامه الاذع الذي تعودت عليه :”ربنا يخليك لينا و لا يحرمنا منك ابدا انا بكرة الصبح حنزل علشان أجيب الهدايا و بعد بكرة انشاء الله نسافر…. يااه وحشتني سميحة اختي جدا…… زكريا.. زكريا رحت فين يا راجل بكلمك..سرحان في إيه؟؟؟؟
زكريا بملل:”و انت مالك يا ولية بتحشري مناخيرك دايما فللي ملكيش فيه فكري في عيد ميلاد بنت اختك و سيبيني في حالي ؟ “.
نعمة بردح:” نعم ياخويا.. هو ايه اللي مليش فيه مش جوزي و عاوزة اطمن عليك؟ فاكرني هبلة و مش عارفة مالك؟ دي كل المنطقة عارفة انك بتجري ورا بنت سعيد و هي مش معبراك ”
زكريا بشرود و لم ينتبه لصوتها العالي او كلامها :”مسيرها تلين و توقع في إيدي… دا انا المعلم زكريا على سن و رمح حتلاقي زيي فين”.
نعمة بصوت خافت لا يصل اليه:” حنشوف و بعدين انا مالي مبقتش فارقة من يوم ما تجوزت عليا العقربة اللي اسمها جميلة و انا بتوقع منك اي حاجة بس البنت كاميليا مش هاينة عليا تتجوز ثور زيك دي مهما كان صغيرة و حلوة و خسارة فيك…مش زي ضرتي الهي تتشك في نظرها قال جميلة قال و هي شبه سنبل آغا بتاع مسلسل السلطان سليمان… بس
الحمد لله ربنا اخذ بثاري منكم انتوا الاثنين و جابتلك بنيتين توأم و بقيت ابو البنات… ”
أكملت بصوت عال و هي تضع آخر قطعة ملابس في الخزانة:” أحضرلك العشا يا معلم؟ “.
زكريا بصوت اجش :” لا مش عاوز اطفي النور و تعالي عاوزك….
نعمة باشمئزاز مخفي :”اسفة ياخويا مقدرش اصل عندي ظروف…
زكريا بغضب :” روحي جتك البلا سديتي نفسي
نسوان تجيب الغم…
نعمة و هي تخرج من الغرفة :” أحسن…اما اروح اشوف البت رضوى و اقلها تجهز نفسها للسفر… على الاقل ارتاح من وشه يومين،راجل ناقص مفيش في مخه غير النسوان….
…………………….
في شقة فخمة في منطقة راقية…
فتح شاهين الباب ثم دخل تتبعه فتاة جميلة، طويلة القامة ببشرة بيضاء و شعر مصبوغ باللون الأشقر…
أغلق الباب بقدمة ثم اتجه نحو الاريكة ليجلس باسترخاء و قد تبدلت ملامحه الجامدة الى أخرى
مستمتعة.
مرر نظره على جسدها بوقاحة، قبل أن يتحدث بلهجة آمرة :”انت عارفة حتعملي إيه، يلا خلصي”.
الفتاة بطاعة :”حاضر يا باشا”.
أشعل سيجاره لينفث دخانه و هو يطالعها بنظرات فاحصة و هي تخلع ثيابها ببطئ متعمدة إشعال رغبته، تحركت بإغراء لتجلس على الأرض أسفل قدماه و قد تحررت من جميع ثيابها ما عدا ملابسها الداخلية الشفافة التي لم تكن تخفي شيئا..
مدت يديها لتنزع حذائه و جواربه برفق
ثم تبدأ في تقبيل قدميه بطريقة مهينة …
ابتسم شاهين برضى و هو هو يشعر بمتعة عارمة تحتاح كيانه، رفع قدمه الأخرى ليصغها فوق رأسها و يضغط عليه ثم دفعها فجأة لتسقط على الأرض، نظرت إليه
مستفسرة و هي تحاول النهوض من جديد و ما أن استقرت جالسة على ركبتيها من جديد أمامه حتى فاجئها بصفعة قوية من ظهر يده حتى شعرت انها فقدت سمعها،صاحت بألم و هي تردد بأسف :”آسفة يا باشا ارجوك سامحني..”.
صمتت عندما امسك شعرها بقوة حتى كاد يقتلع من جذوره قائلا بغضب عارم :”اخرسي ياكلبة… متتكلميش غير لما أديكي الإذن…و ثاني مرة تناديني سيدي… انا هنا سيدك و انت عبدة عندي، يعني ممنوع تتكلمي او تتحركي او حتى تبصي في وشي من غير إذني…انت هنا لمزاجي و بس..
قبض على شعرها بعنف اكثر و هو يديرها الى الجهة الأخرى…ثبت قبضته اكثر حتى يمنعها من التحرك
ليطفئ سيجارته أسفل ظهرها غير مبال بصراخها الذي تعالى و هي ترجوه ان يصفح عنها و يتركها..
ابتسم بشر قبل أن يرميها باشمئزاز ثم يتحرك ناحية إحدى الغرف ليغبب داخلها عدة دقائق ثم يعود ليجد الفتاة جالسة مكانها تنظر إلى الأرض…
رمقها بغموض ثم قال بصوت جامد :” كلما حتبسطيني اكثر حديكي أكثر و دلوقتي يلا ورايا…
استدار ليتجه الغرفة التي في آخر الرواق،و الفتاة تتبعه بصمت و هي تمشي على يديها و ركبتيها كحيوان آليف ،أغلق الباب ورائها لتنتفض برعب و هي تنظر إلى السوط الموضوع على طرف السرير… هي عاهرة و هذا عملها، تعلم جيدا لماذا أتت الى هنا، هي فقط ستقوم بعملها كأي يوم و ستأخذ مقابلا، كلما صرخت و تألمت اكثر كلما زادت أجرتها، لطالما سمعت عن شاهين الألفي من زميلاتها…. رجل سادي عنيف جدا صعب الارضاء و لكنه كريم جدا لذلك قبلت المجيئ الى هنا فالمحظوظة فقط من تحصل على فرصة لقضاء ليلة معه ،…
ابتلعت ريقها بصعوبة قبل أن تخفض بصرها أرضا منتظرة اوامره…راقبت خطواته و هو ينتقل من مكان إلى آخر داخل الغرفة لترتجف بخوف و هي تسمع أصوات أدوات حديدية لم تعرف ماهيتها… ثوان أخرى و سمعت صوته المخيف يأمرها :”قومي اقفى هناك ووشك للحيط…
وقفت بهدوء عكس الآلام المبرحة التي تشعر بها على خدها ومكان السيجارة الذي كان يحرقها بشدة…
تأمل شاهين جسدها الشبه عار برضى بالغ….تشبه قليلا مها.. زوجته الخائنة… تلك الحقيرة التي حولته الى مسخ، شيطان يكره جنس حواء بأكمله ماعدا والدته الوحيدة التي مازال يحبها و يثق بها…
زوجته التي تزوجها بعد قصة حب جميلة هادئة و رزق منها بولد جميل…لم يتوقع في يوم من الايام انها ستخونه بتلك الطريقة، لم يصدق عينيه ذلك اليوم عندما وصلت له صورها و هي في أحضان رجل غريب يبدو كم هيئته انه أجنبى الجنسية…
لوهلة ظن ان الصور مفبركة و غير حقيقة حتى بعد أستعانته بخبير…
ليال طويلة مرت عليه و هو يفكر… كيف فعلت ذلك و لماذا؟ زوجته، حبيبته التي اختارها من بين كل نساء الدنيا،
طوال فترة زواجهما و هو يغدقها بجميع انواع الهدايا القيمة، سيارات، الماس و عطور فاخرة.. فقط تأمر و هو ينفذ…
آلاف النساء اللواتي يتمنين لو كن َ مكانها …
وجد نفسه تلقائيا يتتبع سيارتها ليجدها تدخل احد الشقق و تغيب عدة ساعات داخلها…
لازالت صورتها محفورة في مخيلته عندما دخل عليهما تلك الشقة، بعد أن سلمه صاحب الشقة نسخة من المفتاح.. منظرها و هي ترقص عارية أمام ذلك الرجل الغريب لا يستر جسدها سوى ملابسها الداخلية…
حرك رأسه طاردا تلك الذكريات اللعينة التي لازالت تطارده منذ اكثر من ثلاثة سنوات..
قلب السوط عدة مرات بين يديه قبل أن يضرب به الأرضية ليصدر صوتا مخيفا جعل تلك الوقفة أمامه ترتعش برعب لك يخفى عليه..
امسك بيديها الاثنتين ليرفعهما فوقها و يكبلهما بإحدى السلاسل الغليظة التي أحضرها معه من الغرفة الأخرى..
ثم أخذ بتمرير طرف السوط على كامل جسدها حتى وصل لمكان الحرق… ضغط عليه بقوة لتصدر الفتاة انينا مكتومامن شدة تألمها ليهمس هو في اذنها بتهديد :”إياكي أسمع صوتك…لو عاوزة تخرجي من هنا حية… فاهمة يا وسخة؟”.
حركت الفتاة رأسها بطاعة…ليهوي بسوطه على ظهرها بقوة صارخا بغضب :”لما أسألك تجاوبي يا زبالة”.
لتسرع الفتاة هامسة بصوت مهزوز و هي تكتم آلامها :”حاضر يا سيدي حعمل كل اللي انت عاوزه عشان ترضى عني “.
شاهين وهو يضربها مرة أخرى :” انت هنا إيه.. ؟”.
الفتاة بخضوع:”خدامتك يا سيدي… اعمل فيا كل اللي انت عاوزة”.
شاهين و هو يبتسم بنشوة :” شاطرة يا وسخة،… كلكم زبالة زي بعض تبيعوا نفسكم علشان الفلوس،..
اكمل كلماته و هو يجلدها باستمتاع غير مبال بصرخاتها التي تعالت…
شاهين بقسوة :”صرخي اكثر عشان كل ما صوتك ألمك بيعلا انا بستمتع أكثر…”.
دقائق قليلة حتى رأى جسدها يسترخي و يتهاوى ليعلم انها قد فقدت وعيها، فك السلاسل لتسقط أرضا…
رمق جسدها الأبيض الذي تزين بعلامات سوطه ليزفر بملل و ضيق قبل ان يتجه الى المطبخ و يحضر زجاجة مياه و يسكبها على وجهها لتستيقظ مذعورة و تنكمش على نفسها و هي ترى نظراته النارية المسلطة عليها ليقول باشمئزاز :”قومي البسي هدومك و اطلعي من هنا مش عاوز اشوف خلقتك ثاني…حتلاقي ثمن خدماتك فوق الطربيزة برة… و لو انك متستاهليش”.
تركها ثم تحرك متجها الي الحمام ليقف تحت المياه الباردة بملابسه عدة دقائق قبل أن يخلعها و يكمل استحمامه بهدوء و يخرج ليجد الشقة خالية…ارتدى ملابسه ثم خرج الى الصالون متجها الى بالبار الصغير الموجود في أحد الأركان…
أختار زجاجة ثم عاد الى الاريكة ليملأ كأسه و يترشفه بهدوء…
لفت انتباهه ربطة شعر باللون الأخضر مرمية على السجادة ليتذكر انها لتلك الفتاة.. ابتسم باستهزاء قبل أن يهمس :”زبالة… زي اللي قبلها مستحملتش خمس دقائق…”.
:”جميلة.. انت يا ولية فين القميص الأزرق اللي انا جايبه امبارح؟”
هتف زكريا بحنق و هو يبحث عن قميصه الذي اشتراه امس عندما كان مارا بإحدى المحلات الرخيصة الموجودة قريبا من الحارة..
جميلة بتعمد
:”اهو يا حج زكريا… على فكرة القميص حلو اوي ذوقك يجنن خالص:”
زكريا بضيق و هو يخطف القميص من يديها
:” حج ايه يا بومة انت… أنا لسه في عز شبابي الظاهر انك انت اللي عجزتي و خرفتي يلا اطلعي برا و روحي شوفي وراكي ايه؟ قال حج قال…
جميلة و هي تتجه الي الباب :”جرا ايه يا راجل هو انا قلت إيه لكل داه… مالك مش طايقلي كلمة من امبارح …
زكريا مقاطعا:”بقلك إيه روحي شوفي اللي وراكي و بلاش رغي عالصبح بدل ما اديكي على نافوخك…نسوان تجيب الغم…
خرجت جميلة و تركته يرتدي ملابسه، اتجهت الى غرفة ابنتيها لتوقضهما و تعدهما للذهاب إلى مدارسهم…
زكريا و هو يقفل بقية ازراز القميص بصعوبة و خاصة ببطنه الكبير
:”القميص داه يستاهل كل الفلوس اللي دفعتها فيه، داه رجعني عشر سنين لورا…اه لو ترضى عليا بس بنت سعيد …،على العموم هانت كلها كام يوم و اكلم ابوها عشان اخطبها رسمي ماهو مش معقول اللي يشوفها يبقى عاوز يتجوزها…نثر بعض العطر على ثيابه قبل أن يكمل
:” اتجوزها بقى و اصطبح على الوش الحلو و العنين الزرقاء مش زي جوز الغفر اللي عندي…
انتهى من ارتداء ملابسه ثم خرج ليجد زوجته و ابنتيه يجلسون على الطاولة و يتناولون طعام الفطور…
البنات بصوت واحد:” صباح الخير يا بابا “.
زكريا :” صباح الخير…ايه انتوا لسه مرحتوش مدارسكم لحد دلوقتي..
جميلة بنبرة سخرية
:” لسه بدري يا معلم اصلك انت اللي صحيت بدري النهاردة، الظاهر عندك مشوار مهم مخليك حتى ناسي الوقت اد ايه “.
زكريا بعدم اهتمام:” عندي شغل بدري في القهوة… المهم محتاجين حاجة قبل ما انزل”.
جميلة :”انت حتنزل كده من غير فطار؟”.
زكرياء :”حبقى افطر في القهوة…يلا سلام “.
تابعت جميلة طيفه الذي اختفى وراء الباب بشرود، شرائه و ارتدائه لقميص جديد مختلف عن قمصانه القديمة و خروجه باكرا دون إفطار و هذا مالم يفعله من قبل جعلها تشك في حدوث امر جديد…لمعت عيناها فجأة عندما تذكرت ندائه لها البارحة باسم مألوف
فجأة ضربت صدرها بحركة شعبية:” يالهوي… كاميليا بنت سعيد البنت اللي حكالي عليها الواد سلامة “.
سلمى(البنت الكبرى) باستغراب:”مالك يا ماما… و مين كاميليا”.
جميلة باستدراك:”و لاحاجة يا حبيبتي دي واحدة صاحبتي انت متعرفيهاش… يلا خلصي فطارك بسرعة الباص زمانه على وصول”.
فرح(البنت الصغرى):”ماما انا عاوزة فلوس علشان الميس…”.
جميلة :”خلاص يا حبيبتي حديكي اللي انت عاوزاه
خير ابوكي كثير… ثم اكملت بصوت منخفض و هي تخرج النقود من ملابسها
:”و يقدر يفتح بيت ثالث كمان، اما وريتك يا حج زكريا مبقاش انا جميلة يا انا يا انت يا بتاع النسوان، كل ماشوف بنت حلوة حيتجوزها لا و قد بنته كمان
يلا بنات..الوقت تأخر، خذي يا بنت الفلوس و متنسيش تاكلي الساندوتشات انت كل يوم بترجعيها زي ماهي”.
فرح و هي ترتدي محفظتها:” حاضر يا ماما. ”
هرعت جميلة الى الداخل متجهة نحو هاتفها لتتصل بأحد الأرقام.. جلست على الاريكة الذهبية اللون واضعة ساقها فوق الأخرى.
:” اهلا ،اهلا بضرتي ازيك؟
هتفت جميلة بعد أن اتاها صوت نعمة.
نعمة بملل :”اهلا بيكي يا ختي…خير عاوزة ايه؟ “.
جميلة:” وحشتيني قلت اسلم عليكي و اطمن عليكي و على البنات، عاملين إيه؟ “.
نعمة بتعجب :” فيكي الخير يا ضرتي…كلنا كويسين الحمد لله، لو عاوزة تقولي حاجة قصري اصلي مستعجلة دلوقتي”.
جميلة باهتمام :”كنت عاوزة أسألك على المعلم، حالته اليومين مش عاجباني،بقى بيغير من شكله وهدومه هو ناوي على إيه، اكيد انت عارفة”.
نعمة بضحكة عالية:”هو انت لسه مش عارفة ياختي، دا ناوي يتجوز الثالثة .. لا و ايه المرة دي عرف ينقي بصحيح بنت قمر لا قمر ايه دي بدر منور اسمها كاميليا أجمل بنت في الحارة كلها، و كمان متعلمة و كلها سنتين و تبقى مهندسة …دا لغاية دلوقتي المعلم مطفش يجي الف عريس متقدميلنها و مفيش راجل في الحارة يستجري يبصلها بصة حتى…و الظاهر كده انه ناوي يخطبها الايام دي، على العموم انا بكرة رايحة عند اختي اسكندرية فهو حيبقى يجي يبات عندك و انت حاولي تعرفي منه التفاصيل
جميلة بغيرة :” ناوي يخطبها … انا قلبي كان حاسس و الله دا بقى بيلبس و بيتشيك، اشي قمصان و برفانات….طب و العمل يا نعمة انت حتسكتي على اللي بيحصل داه ”
نعمة بتشفي:” عاوزاني اعمل إيه ياختي انا لو كنت اقدر امنعه مكنش زمانه متجوزك دلوقتي… خليه على راحته هو راجل مقتدر و يقدر يفتح بدل البيت عشرة و كمان الشرع محلل اربعة”.
جميلة بحقد
:” نعم يعني انت عاوزاه يتجوز علينا و بتشجعيه كمان.. انت جرا لعقلك حاجة يا نعمة… الظاهر كبرتي و خرفتي و مبقيتش عارفة مصلحتك فين، بقى في ست عاقلة تسيب جوزها يتجوز عليها دا مش بعيد بعد ميتجوز البت اللي اسمها كاميليا دي يطلقنا انا و انت و يرمينا احنا و عيالنا… دي كلت عقله خلاص و طول الليل بيحلم بيها “.
نعمة بلامبالاة
:” بقلك إيه يا جميلة انا مش فاضية للهري بتاعك انا لا عاد يهمني طلاق و لا جواز خليه يعمل اللي هو عاوزه… على الاقل ارتاح من وشه يوم كمان في الاسبوع.. مع السلامة عندي مشوار و مستعجلة”.
انهت نعمة المكالمة تاركة ضرتها تكاد تنفجر من شدة الغيظ، رمت جميلة الهاتف و هي تصرخ غضبا
:” الله يحرقك يا نعمة زي ما حرقتي دمي، إلهي تولعي و متلاقيش حد يطفيكي… يا ولية يا بومة عاوزة المعلم يتجوز عليا زي ما تجوز عليها هي زمان، بس هي لسه متعرفنيش كويس، فاكراني سهلة زيها اما وريتك مبقاش انا جميلة بنت سمعة سيد المعلمين في الحتة كلها…مش حخليكي تشمتي فيا يا نعمة و مش حخليه يتجوز لا البنت دي و لا غيرها و بكرة تشوفي انا حعمل إيه “.
اخذت هاتفها من جديد لتطلب احد الأرقام ثم تقول :” بقلك إيه يا واد انت ترجع تراقبلي المعلم زكريا و كمان تجيلي قرار اللي اسمها كاميليا دي اوعى عينك تغفل عنه دقيقة و انا حبقى ازودلك اللي اتفقنا عليه… المهم تجيلبي الاخبار اول بأول “.
في منزل سعيد والد كاميليا
تقف كاميليا في المطبخ تساعد والدتها في إعداد الإفطار… انتهت من اعداد الشاي ووضعه على الطاولة لتقول لها الام
:” روحي انت يا كاميليا صحي اخواتك و لبسي كريم زمانه ابوكي صحي عشان نفطر كلنا..
كاميليا و هي تنشف يديها :”حاضر يا ماما… انا كمان لازم اجهز عندي محاضرة بدري الصبح و مش حقدر افطر معاكم…
الام بحنان :”طيب ححظرك سندويتش تاكليه في الطريق، مش معقول تروحي جامعتك و انت جعانة كده مش حتعرفي تركزي “.
كاميليا :” لا يا ماما مش عاوزة حاجة مليش نفس لو جعت حبقى آخذ اي حاجة من كافتيريا الجامعة…
اتجهت كاميليا الى غرفتها المشتركة مع اختها نور لتوقضها ثم تتجه الي غرفة أخيها الصغير لتجد مستيقضا و يحاول ارتداء ملابسه
هتفت كاميليا بابتسامة :”مش كده يا كيمو انت حتقطع البنطلون استنى حلبسك”.
كريم بضيق :”اصل البنطلون داه مش مقاسي اكبر مني و ماما مصرة تلبسهولي انا زهقت منه و عاوز واحد جديد..”
كاميليا :”حاضر يا حبيبي حبقي اشتريلك واحد جديد بس مش دلوقتي ماشي يلا عشان تلبس الجزمة و تطلع تفطر، الوقت تأخر و بابا يا دوب يلحق يوديك المدرسة و يروح شغله”.
خرج كريم من الغرفة و اتجه الى المطبخ ليتناول الإفطار مع عائلته لتذهب كاميليا بدورها الى غرفتها… وجدت اختها نور ترتدي ملابسها…
أخرجت بعض الملابس من الخزانة ليقاطعها رنين هاتفها..
كاميليا :” صباح الخير يا هبة،… لا انا لسه في البيت….. طيب مش متأخر مسافة السكة ماشي اشوفك في الجامعة”.
رمت الهاتف ثم بدأت في ارتداء ملابسها المكونة من بنطال جينز اسود اللون و قميص ارزق غامق طويل يصل إلى فوق ركبتيها بقليل تركت العنان لشعرها البني الطويل، لململت بعض الأوراق و الملازم في حقيبتها المهترئة انتبهت لنظرات اختها التي تكاد تخترقها منذ دخولها لتقول و هي تكمل ترتيب اغراضها:”مالك يا نور في حاجة؟”.
نور بانكار :”لا مفيش حاجة بس…
كاميليا بانتباه :” بس ايه…قولي
نور :”انت مش ناوية تحطي ميكاب زي البنات اللي في الجامعة ؟”.
كاميليا بضحك :”مش كل البنات اللي في الجامعة بيحطو ميكاب و بعدين انا رايحة أدرس مش احط ماكياج”
نور بتحمس :” يا سلام يا كامي لو تحطي شوية روج و ماسكارا حتبقي أجمل من كده و مش بعيد تلاقي ابن الحلال اللي يخرجك من الحارة المعفنة دي هو مفيش اولاد أغنياء في جامعتك دي “.
زفرت كاميليا بملل فهي تعرف اختها و كرهها للحارة
:” مالها الحارة يا ست نور دلوقتي بقت مش عاحباكي و بعدين انا لا عاوزة احط روج و لا زفت و الاغنياء دول حيبصوا لواحدة فقيرة زي ليه ها و الا من قلة البنات الاغنياء اللي زيهم “.
نور بغيظ:” يعني عاحباكي عيشة الفقر و البهدلة دي، و الا انت ناوية ترضي تتجوزي العجوز اللي اسمه زكريا، داه واقفلك في الرايحة و الجاية و مطفش كل العرسان اللي جاييلك و مش ناوي يحل عنك و ابوكي و امك ملهمش قوة عشان يوقفولك…انا بس خايفة عليكي و الله مستخسراكي في الحارة الزبالة دي، انت حلوة اوي و كمان كلها سنتين و حتبقي مهندسة ”
كاميليا و هي تعانق اختها :” متخافيش يا نور انا اقدر ادافع على نفسي كويس و مستحيل اتجوز او افكر حتى في المعلم زكريا و لا في غيره انا بس عاوزة اشتغل عشان اساعد بابا في مصاريف البيت… انت متفكريش في حاجة غير مذاكرتك اتفقنا و انا ربنا معايا وحيحميني “.
نور بطاعة :”حاضر انا حطلع دلوقتي علشان اتأخرت و زمانها زينب مستنياني تحت “..
كاميليا :” ربنا معاكي يا حبيبتي “.
بعد ساعة من عذاب المواصلات و الطرق الزحمة وصلت كاميليا الي جامعتها حيث وجدت هبة في انتظارها
هبة بعتاب :” انت اتأخرتي يا كامي و بصراحة مقدرتش ادخل المحاضرة من غيرك “.
كاميليا بتعب:” ما انت عارفة المواصلات و موال كل يوم داه…بس انت لو كنتي دخلتي على الاقل كنت نقلت منك المحاضرة”.
هبة :”نبقى ناخذها من البنت شيماء… بقلك إيه انا جيبالك خبر حلو اوي… لقيتلك شغل إنما إيه زي الفل مرتب كويس مكنتش تحلمي بيه و كمان حتقدري تيجي الجامعة زي ما انت عاوزة ”
كاميليا بفرح:” بجد يا هبة لقيتيلي شغل… طب احكيلي فين و ازاي…
هبة مقاطعة :”يا بنتي استني و انا ححكيليك كل حاجة…انا عندي خالتي بتشتغل مشرفة على الخدم في فيلا واحد من الاغنياء و انا كنت موصياها عليكي انها تلاقيلك شغل معاها فامبارح كلمتني..
كاميليا بتعجب:”عاوزاني اشتغل خدامة يا هبة…
هبة :”خدامة ايه يا بنتي اصبري بس انت مالك مستعجلة كده… المهم الراجل الغني داه عنده ولد صغير عمره حوالي اربع سنين فهما محتاجين مربية تكون متعلمة و ذكية و تتكلم مع الولد لغات اجنبية زي الفرنسي و الانجليزي..
كاميليا :”ليه هو مش بيتكلم عربي… هو مصري و الا من برا
هبة :” لا هما مصريين بس اولاد أغنياء.. يعني بيتعلموا لغات و هو ليه بيرضعوا مش زينا… ركزي بقى يا كاميليا مالك… المهم هما محتاجين مربية للولد و انا حكيت لخالتي عليكي و هي قالتلي لازم تيجي في أقرب وقت و يا ريت يكون النهاردة”.
كاميليا و هي تخرج هاتفها ذو الطراز القديم
:” الساعة بقت تسعة و نص…خلينا نمشي و ساعة بالكثير و نرجع و لو اتفقت معاهم حبدأ شغل من بكرة… هما عيلة مين دول يا هبة “.
هبة بصوت بتردد:” شاهين الألفي و الولد يبقى ابنه “.
كاميليا ببلاهة :” شاهين الألفي مين؟”
هبة :”شاهين الألفي وحش المعمار انت مش عارفاه
ارتجفت كاميليا بخوف بمجرد ذكر اسمه لتهمس بصوت منخفض:” يا لهوي يا شاهين الألفي… انت عاوزاني اشتغل عنده ،دا شيطان يا هبة و كل الناس بتترعب منه و انت عاوزاني اروح للخطر برجليا ؟”.
هبة بسخرية :” شيطان و الا ملاك يا كامي احنا مالنا بيه انت حتكوني مربية يعني مسؤليتك حتكون ابنه و بس و ملكيش دعوة بيه”.
كاميليا بتفكير :” طب افرضي اني غلطت في حاجة، أو عملت حاجة تزعله… لالا يا هبه انسي اللي بتتكلمي عنه دا شيطان و مفيش قلبه الرحمة دا مش بني آدم زينا انت مسمعتيش عن جرايمه و بلاويه، انا مستحيل اشتغل عنده… خلينا ندور على شغل ثاني و اكيد حلاقي”…
قلبت هبة عينيها بانزعاج قبل أن تهتف :” احنا بقالنا ثلاث شهور بندورلك على شغر و مش لاقيين كلهم عاوزين وقت كامل، يعني شغل طول النهار انا كنت موصية خالتي انها تشرفلك شغل في قصر الألفي عشان مرتباتهم عالية اوي و اول ماقالتلي على شغل المربية انا فرحت جدا خصوصا انها كلمت الهانم الكبيرة و حكتلها على ظروفك و انك لسه بتدرسي فهي وافقت و حتظطري تروحي الجامعة وقت ما انت عاوزة فكثر خيرها الست باين فيها طيبة ووافقت. وافقي يا كاميليا انت حتلاقي فين شغل مريح و مرتبه كويس زي دا خصوصا انك محتاجة فلوس ظروري الايام دي “.
أطرقت كاميليا رأسها بحزن فهي بالفعل تحتاج بشدة لهذا العمل فمصاريف جامعتها تزداد يوما بعد يوم و كذالك احتياجات المنزل و اخوتها و والدها المسكين يعمل بدوام إضافي من أجل بعض الجنيهات…
قاطعت هبة تفكيرها مشجعة:” بتفكري في ايه يا بنتي انت جربي يومين كده و لو ما ارتاحتيش ابقي سيبي الشغل و متخافيش خالتي هناك يعني حتكون معاكي و توريكي كل حاجة…يلا بقى حنتأخر”.
اومأت كاميليا برأسها لتتبع هبة بخطوات مترددة و و قد ازدادت دقات قلبها..
استقلت الفتاتان احد سيارات الأجرة للذهاب إلى الفيلا… مرت عدة دقائق قبل أن تدخل السيارة الى احد الأحياء الراقية و الهادئة…
نظرت كاميليا من نافذة السيارة بتعجب، أحست و كأنها دخلت الى بلد جديد…فيلات و قصور فخمة تحيط بها الحراسة من كل جانب، افاقت على صوت السائق و هو ينبهما بالوصول الي الجهة المنشودة، نزلت هبة من السيارة لتجد نفسها أمام فيلا فخمة تتوسط حديقة شاسعة خضراء، نظرت حولها لتجد عدة رجال صخام يرتدون ملابس سوداء و يحملون أسلحة مخيفة، ارتعشت كاميليا بخوف و هي تهمس لهبة :”ايه دا يا هبة انت متأكدة من العنوان… ومين دول هما حيقتلونا قبل ما ندخل”.
هبة بضحك :”اسكتي يا مصيبة دول حراسة، انت مش شايفة حواليكي دا كومباوند للاغنياء و طبيعي يكون في عليه حراسة يلا خلينا ندخل خالتي قالتي انها حتسيب خير للقاردز عشان يدخلونا”.
أمسكت هبة بكف كاميليا المرتجف ثم تقدمت بها نحو الغرفة الصغيرة الموجودة بجانب البوابة، اقتربت من احد الحراس ثم قالت :” صباح الخير… انا هبة بنت اخت الست خديجة اللي بتشتغل عنا. ”
الحارس بتفهم :” ايوا احنا معانا خبر ندخلك…
طرق الحارس شباك الغرفة الصغير قبل أن يصيح :” افتح الباب يا أحمد دول الناس اللي قالت عليهم الست خديجة “.
توسعت عينا كاميليا بدهشة و هي تشاهد جمال الحديقة التي كانت تضج بأنواع الزهور و الورود المختلفة و أشجار و نباتات نادرة تراها لأول مره في حياتها،
بعد عدة دقائق من المشي وصلتا الى مدخل الفيلا،لتستقبلهما خالة هبة بسرور قبل ان تقودهما الى قاعة كبيرة يتوسطها صالون فاخر باللون البيج تطل على الحديقة و لايفصل بينهما سوى حائط زجاجي
خديجة و هي تشير لهما بالجلوس :”دقائق و أدى خبر الهانم الكبيرة هي اصلا كانت مستنية وصولك من الصبح و انت يا هبة تعالي معايا عاوزاكي في موضوع ضروري “.
اومأت لها هبة ثم وقفت من مكانها و تبعتها الي ان وصلتا الى المطبخ الذي لم يكن يقل فخامة عن باقي أجزاء الفيلا
طلبت خديجة من احدى الخادمات اخبار السيدة ثريا
بقدوم المربية الجديدة ثم جلست و أجلست هبة على احد الكراسي الموجودة في المطبخ.
نظرت خديجة حولها جيدا حتى تضمن عدم وجود أي شخص بقربهما حتى تستطيع التكلم على راحتها.
خديجة بصوت منخفض:”انت تجننتي يا هبة جايبلي بنت زي دي و عاوزاها تشتغل هنا…اش حال ماكنتش بحكيلك و قايلالك اخبار الناس اللي عايشين هنا.. عارفة لو صاحبتك دي شافها شاهين بيه و الا صاحبه الدكتور اللي اسمه ايهم ربنا ياخذهم هما الاثنين.. مش حتفلت من إيدهم، دي باين عليها غلبانة و دول شياطين و العياذ بالله و مبيرحموش “.
هبة بخوف :” قصدك إيه يا خالتو؟ مش فاهمة”.
خديجة بغضب:” يعني مش حيسيبوها في حالها يا فالحة، البنت حلوة و حتشتغل هنا عندهم و كمان انت عارفة كويس ازاي البيه بيكره الستات و بيعاملهم زي العبيد عنده “.
هبة :” انا و الله مكنش عندي حل ثاني يا خالتو أصلها محتاجة فلوس ضروري و كمان ملقيناش شغل بقالنا شهور و احنا بندور في كل مكان بس مش لاقيين و بعدين متخافيش هي مش من النوع داه.. دي عاقلة و متربية و ملهاش في الغلط.. ”
ضحكت خديجة باستهزاء و هي تقول :” انت مش فاهمة حاجة… شاهين بيه لو حط حاجة في دماغه مفيش حد حيمنعه دا… دا ممكن يعمل اي حاجة خصوصا ان صاحبتك حلوة بصراحة دا حتى الحارس اللي وصلكم لباب الفيلا كان حياكلها بعنيه…انا عشان كده مكنتش بحب تجيلي هنا ابدا خايفة عليكي من الناس دي، انا قلتلك تيجي النهاردة عشان البيه عنده شغل كثير و مش حيجي غير بالليل متأخر “.
هبة :” طيب انا حاخذها و امشي و بلاش شغل هنا قبل ما تتفق مع الهانم “.
خديجة بتفكير :” تمشي فين؟ داه زمان الحرس عرفوه انكم جيتو و كمان الكاميرات المزروعة في كل مكان هنا… بقلك إيه مفيش غير حل واحد “.
هبة :” حل إيه؟ ”
خديجة باهتمام:” حقول للست ثريا دي طيبة و عارفة عمايل ابنها كويس و كمان لازم صاحبتك دي تغير شكلها شوية… خليها تلبس حجاب و نظارة و تعمل حاجات في وشها تخليها وحشة… مش عارفة ازاي بس اتصرفي لو عايزاها تشتغل هنا “.
هبة باستنكار :” دي لو غرقت نفسها في برميل طين بردو حتطلع حلوة… على العموم انت احكي للست هانم و انا حتصرف متقلقيش بكره حتيجي بس بشكل ثاني و مختلف”.
جلست كاميليا باضطراب و هي تنتظر مجيئ السيدة ثريا… دقائق قليلة حتى وجدت سيدة تجلس على كرسي متحرك تقترب منها وقفت لتحييها باحترام لتبتسم لها الأخرى باعجاب بجمالها الباهر
كاميليا بترحيب :” اهلا يا ست هانم… انا كاميليا اللي حكتلك عني طنط خديجة.
ثريا بابتسامة :” أهلا يا بنتي… هي حكتلي بس مقتليش انك قمر كده.. “.
كاميليا بخجل :” داه من ذوق حضرتك “.
ثريا :” اقعدي يا بنتي خلينا نتفاهم… طبعا زي ما قالتلك خديجة انت حتهتمي بفادي… دا حفيدي الوحيد و ابن شاهين اللي هو ابني…هو عمره خمس سنين، بس ذكي جدا و بيتكلم فرنساوي و انجليزي و كمان مصري احنا حريصين اننا نعلمه لغات من دلوقتي… المهم انت المسؤولة عنه و عن كل حاجة تخصه حبقى افهمك كل حاجة عملي لما تستلمي الشغل انشاء الله… و متخافيش انا عارفة انك لسه بتدرسي و حسمحلك تروحي الجامعة من وقت للثاني دا غير المرتب الكبير اللي حتاخذيه “.
كاميليا بابتسامه :” ميرسي لحضرتك وانا ممكن ابدأ
الشغل من بكره انشاء الله “.
ثريا :” تمام.. اتفقنا بكرة تيجي بدري الساعة ثمانية و نص تكوني هنا و لما تعوزي تروحي الجامعة ابقي اديني خبر قبلها بيوم علشان اسيب وحدة من البنات تهتم بفادي”.
وقفت كاميليا و ابتسامة كبيرة ارتسمت على وجهها، هاتفة بحماس:” انشاء الله يا هانم… ميرسي جدا لحضرتك استأذن أنا “.
صاحت ثريا لتنادي على خديجة بعد أن غادرت الفتاتان.
ثريا بسعادة :” انا اتفقت مع البنت و حتبدأ شغل من بكرة، باين عليها طيبة و في حالها… هي بتدرس إيه أنا نسيت”.
خديجة :”هندسة زي هبة بنت اختي.. ست هانم انا كنت عاوزة اقلك على حاجة بس محرجة منك شوية
ثريا باهتمام :” اتكلمي في إيه… البنت عندها مشكلة
خديجة بنفي:”لا يا ست هانم مفيش حاجة بس بصراحة انا كنت عاوزة اقلك ان البنت زي ما شفتيها حضرتك… حلوة و صغيرة و حتيجي تشتغل هنا و انت عارف البيه و أصحابه يعني… “.
أشارت لها بيدها لتتوقف عن الكلام،و هي تفكر في ماقالته لها للتو….
ثريا باستدراك :”معاكي حق يا خديجة انا كنت ناسية الموضوع داه…البنت بصراحة حلوة اوي و ملفتة جدا و انا عارفة ابني كويس مش حيسيبها في حالها و انا ميرضينيش داه ابدا…شاهين من وقت الحادثة اياها و هو بقى بني آدم ثاني و انا مش مستعدة اشيل ذنب بنت بريئة في آخر عمري… اسمعي كويس و نفذي كل اللي حقلك عليه بالحرف الواحد… روحي ابعثيلي مجدي عشان يشيل كل تسجيلات الكاميرا اللي فيها كاميليا و بنت أختك و قوليلها اني رفضت انها تشتغل عندنا….اخترعيلك اي حجة و خلصيني من الموضوع داه. ”
خديجة :” حاضر ياهانم بس البنت مسكينة ظروفها صعبة جدا و محتاجة الشغل داه اكثر من اي حد ثاني دي حتى هبة بنت اختي كانت حاكيالي انها بقالها شهور بتدور و مش لاقية و يمكن تسيب جامعتها عشان ممعهاش فلوس “.
ثريا بحنق:” حبقى اديكي مبلغ اديهولها عبال متلاقي شغل ثاني… مش حقدر اعملها أكثر من كده “.
خديجة بلهفة:” لا ياست هانم انا عندي فكرة احسن… انا قلتلها انها تغير من شكلها شوية يعني تلبس نظارة و تحط طرحة فوق شعرها… تعمل حاجات علشان تبين وحشة “.
ثريا بتعجب:”انت بتقولي إيه باين عليكي تجننتي يعني إيه تغير من شكلها “.
خديجة :” انا بس صعبانة عليا البنت فقيرة و محتاجة مساعدة و بعدين حضرتك بتدوري على مربية للبيه الصغير يعني حتشغليها هي أو غيرها، انا بقول نستنى لبكرة و نشوف شكلها إزاي و انا حبقى أكلم بنت أختي عشان أأكد عليها “.
ثريا بتفكير:” تفتكري كده…”.
خديجة بتأكيد :”طبعا مفيش حل غير داه خصوصا ان البنت معرفة و نقدر نوثق فيها و هي مع البيه الصغير “..
ثريا :” معاكي حق يا خديجة انت عارفة اني انا بثق فيكي جدا اعملي اللي عاوزاه و متنسيش تبعثيلي مجدي بسرعة”.
اومأت لها خديجة بطاعة و قد ارتسمت على وجهها علامات الفرح و قد عزمت على تنفيذ خطتها.
نظرت كاميليا لصديقتها هبة ببلاهة قبل أن تهتف
متسائلة :”تقصدي إيه بأغير شكلي؟؟ هو انت عايزانى اتنكر يا هبة.. انا مش فاهمة حاجة”.
هبة بنفاذ صبر :”اووف منك يا كامي انا ساعات بستغرب من غبائك اللي مش بيطلع غير في الأوقات المهمة بقلك إيه ركزي معايا علشان مفيش وقت و الظاهر اننا حنضطر منحضرش بقية المحاضرات و نبقى ناخذهم من البنت شيماء”
كاميليا :” ليه حنروح فين؟؟؟ “.
جذبتها هبة من ذراعها لتحثها على إكمال سيرها فمنذ خروجهم من فيلا شاهين الألفي و هي تحدثها و تحاول اقناعها بضرورة تغيير شكلها لتجنب مضايقات رجال الطبقة الغنية دون أن تبالغ في وصف الخطر المحدق بها حتى لا تخسر صديقتها الوظيفة فهي آخر أمل لها لتتمكن من تحسين احوالها و مواصلة دراستها.
هبة و هي تدخل بها احد المحلات الخاصة بالنظارات الطبية :”اول حاجة لازمك نظارة…دوري بقى على ابشع نظارة في المحل داه.
جربت كاميليا عدة انواع من النظارات قبل أن يقع الاختيار على نظارة بشعة خاصة بكبار السن دائرية الشكل غليظة ذات إطار اسود كلاسيكي قديم..
أصرت هبة على شرائها تحت أنظار صاحبة المحل المتعجبة و التي حاولت كثيرا ان تثنيها عن رأيها و تقنعها باختيار اي موديل آخر من النظارات الموجودة في المحل…
خرجت الفتاتان من المحل لتنفجر هبة من الضحك و هي تتحدث بصعوبة:” لايقة عليكي اوي النظارة دي يا كأني بقيتي شبه الدادة دودي…مش ناقص غير الطرحة و تبقي تمام”.
نزعت كاميليا النظارة من على عينيها و هي تتنفس الصعداء فهي منذ أن ارتدتها و هي تتعثر في مشيتها و لا تستطيع النظر جيدا
كامي بضيق:”بقيتي بتتريقي عليا طب ايه رأيك اني مش حلبس البتاعة دي انا مش قادرة اشوف حاجة ادامي و ممكن اقع على وشي في اي لحظة…خذي البسيها انت، انا مش عاوزاها”.
هبة بشهقة :”نعم… انت اللي حتشتغلي في بيت الألفي يعني لازم تلبسيها غصب عنك و دي أوامر الهانم الكبيرة على فكرة هي اللي طلبت من طنط خديجة انها تقلك ان من شروط قبولك في الشغل هو
عدم الاهتمام بالمظهر يعني لازم تكون المربية بشعة مش ملكة جمال زيك….
كاميليا بسخرية :” اول مرة اشوف شغل بيطلبوا فيه طلب زي ده…
هبة بتأكيد :” ما انت عارفة السبب هي بس خايفة عليكي علشان الناس اللي هناك مش زينا… يعني اي حد حيشوفك حيطمع فيكي و دول ناس قادرين و مش حيسيبوكي… دا كثر خيرها ست غيرها كانت مهمتمش باللي حيحصل معاكي مش قلتلك انها طيبة زي ماحكتلي طنط عليها و هي على فكرة بتختار البنات اللي بيشتغلوا عندها بالوحدة…”.
كاميليا بملل :”انا ايه اللي خلاني اتزفت و اسمع كلامك و اروح الشغل داه هو يعني مفيش غيره.. تعالي ندور على شغل ثاني و بلاش وجع الدماغ داه كله “.
هبة بردح و هي ترجع خصلات شعرها الأسود القصير وراء اذنها بحركة عصبية :” نعم يا ختي انت تجننتي بقلك ايه يا بت اتلمي انا على آخرى منك شغل ايه اللي حتلاقيه ماهو على عينك اللي عاوز وقت كامل و اللي عينه زايغة و اللي مرتبه ميكفيش ثمن المواصلات….
احنا مش حنعيد الموضوع داه ثاني انت تسمعي الكلام و كل حاجة حتمشي تمام…غيري من شكلك شوية عشان تستلمي الشغل، دي فرصة كويسة جدا و المرتب حلو اوي انت تشتغلي شهرين بس و بعدين تقدري تبطلي انت و مزاجك بقى و انا بصراحة مطمنه جدا علشان ثريا هانم عارفة كل حاجة يعني مفيش قلق و لا خوف”
كاميليا :” ماشي يلا خلينا نمشي من هنا انا جالي صداع من زنك… حجرب الشغل الأول و بعدين أرد عليكي بس على الله الفلوس اللي صرفناها في حق النظارة دي متروحش هدر “.
هبة :” استني بس انت عندك طرح صح ”
كاميليا ايوا ليه؟”.
هبة :”ما انت لازم تلبسي الطرحة علشان تداري شعرك الحلو داه و كمان خدي دي كريم انا كنت اخذتها من شوية من البنت شيماء انت تحطي منها على وشك و ايديكي علشان تسمر بشرتك ماشي”.
كاميليا و هي تأخذ منها العلبة:”نظارة و طرحة و كمان كريم فاضل إيه ثاني يا ام الأفكار”.
هبة و هي تدفعها أمامها بلطف :” مفيش يا اختي عدي الجمايل بقى…بكرة لما تقبضي اول مرتب افتكريني بهدية انشاء الله حتى قلم روج من ناصية الشارع ”
كاميليا بضحك :” روج ايه بس انا حشتريلك نظارة زي اللي عندي دي…”.
هبة :” يلا يا اختي مش عاوزة منك حاجة المهم بكرة الصبح انا عاوزة اشوفك قبل ما تروحي الفيلا علشان احط التاتش النهائي بتاعي ”
كاميليا :” ليه هو انت مش حتروحي معايا.. انا لسه محفظتش المكان يا هبة و خايفة اتوه و خصوصا و انا لابسه النظارة الكعب كباية دي “.
هبة بضحك :” حاضر ياختي انا حاجي معاكي و بالمرة اوصي خالتي عليكي و بعدين بصراحة عاوزة ادخل الفيلا ثاني…انا بصراحة عمري مارحت هناك قبل كده بس المكان حلو اوي زي اللي بنشوفه في المسلسلات… داه حتى الهواء متغير هناك”.
كاميليا بضحك :” متغير ازاي يعني…”
هبة و هي تشير بيديها :” تحسيه كده صافي و نظيف و ريحته حلوة مش زي اللي عندنا في الحارة، يا بختهم الاغنياء دول عايشين في الدنيا و مستمتعين بيها مش زينا، قصور و فيلات و عربيات و فلوس… ”
كاميليا :” بس… بس..يعني نور في البيت و انت هنا.. الواحد مش ناقص وقع دماغ و توتر بلاش احلام وردية خلينا في واقعنا المنيل يا اختي، و ركزي في حفلة التنكر بتاعة بكرة اللي وقعتيني فيها بذكائك الفذ اما اشوف آخرتها معاكي”
هبة و هي تغني بضحك :” بكرة تشوف بعنيك… يا حبيبي”.
لكمتها الأخرى بخفة على كتفها قبل أن تجيبها ضاحكة :” طب يلا يا ست هيفاء…نشوف حنروح ازاي”
اتجهت الفتاتان الي إحدى محطات الحافلات لتركبا احد المواصلات العامة للعودة الى المنزل استعدادا ليوم غد….
……………………..
في مشفى البحيري
نظرت ليليان الى ساعتها الذهبية التي كانت تزين معصم يدها الرقيق، ابتسمت بخفة قبل أن تقف لتغادر مكتبها استعدادا للقيام بجولتها التفقدية لبعض المرضى من الاطفال المسؤولة عن علاجهم.
فتحت إحدى الغرف التي يقبع بها احد المرضى، رامي ذلك الطفل الصغير الذي يعاني من مشاكل في رئته و التي استوجبت مكوثه في المستشفى لوقت طويل..
ليليان بابتسامة رائعة تزين وجهها :”ازيك يا بطل عامل ايه النهاردة؟؟”.
رامي و هو يبادلها الابتسام :”انا بقيت كويس…الحمد لله”.
ليليان و هي تقرأ تقارير حالته :”برافو يا بطل انت بقيت كويس علشان انت قوي و شاطر و بتسمع الكلام..”.
رامي برجاء:”طب لما انا كويس امتى حخرج من هنا انا عاوز اروح بيتنا يا طنط لولو عاوز ارجع المدرسة و لصحابي دول وحشوني اوي”.
أعادت ليليان التقارير الى مكانها ثم اقتربت من الصغير تربت على رأسه بحركات حانية قائلة بلطف:”
قريب جدا انشاء الله حتخرج من هنا و حتعمل كل اللي انت عاوزه بس لسه في شوية تحاليل لازم نعملها علشان نطمن عليك، انت طبعا علشان ذكي و شاطر حتسمع الكلام ماشي و انا اوعدك كلها اسبوع و كل حاجة حتبقى تمام ماشي…”.
رامي بحزن :”حاضر يا طنط بس انا زهقت هنا اوي حتى ماما لسه مجاتش لحد دلوقتي “.
ليليان بحب :” اكيد زمانها في الطريق و بعدين هو انت عاوز تخرج كده و تسيبني لوحدي في المستشفى الكئيبة دي “.
رامي ببراءة:” لا انا حاخذك معايا مش حسيبك هنا علشان انا بحبك اوي يا طنط لولو”.
ليليان بحب :” يا روح و قلب طنط لولو و انا كمان بحبك اوي… انا حسيبك دلوقتي تتفرج على الكرتون اللي بتحبه علشان عندي شوية اولاد صغيرين زيك محتاجيني اكشف عليهم و اول مخلص حرجعلك اتفقنا”.
رامي بايجاب:” اتفقنا بس مش تتأخري عشان انا بحب اقعد معاكي اوي “.
ليليان :”حاضر يا استاذ رامي مش حتأخر أنشاء الله “.
خرجت ليليان من الغرفة بعد أن اطمئنت ان حالة رامي مستقرة ثم اخذت طريقها الى بقية الغرف للكشف على بقية المرضى…
تسلل الى اذنها صوت مالوف، رفعت رأسها لتجد والدة رامي تتحدث مع إحدى الممرضات اقتربت منها لتسمع والدة رامي تقول برجاء:” ارجوكي يا بنتي انت بس دليني على مكتب مدير المشفى و انا حتكلم معاه”.
الممرضة:”يا فندم و الله ما حينفع، اصلا الدكتور ايهم مش بيقابل حد خالص انا مليش دعوة بكل دا هما بس قالولي اديكي الورقة دي انت روحي للحسابات و تفاهمي معاهم.
قاطعت ليليان حديثهم مسائلة:” في ايه يا ميساء، مالها مدام رقية و ايه الورقة اللي في إيدك دي؟”.
ميساء و هي توجه حديثها لوالدك رامي :”اهي جات الدكتورة ليليان دي خطيبة صاحب المستشفى داه انت ممكن تتكلمي معاها و هي حتساعدك….
ليليان بغضب:” ميساء، انا قلتلك قبل كده بطلي تطلعي إشاعات على الناس انا مش خطيبة حد و اتفضلي دلوقتي اشرحيلي مالها مدام رقية”.
ميساء بطاعة:” اسفة يا دكتورة…ادارة المستشفى بعثت الورقة دي للمدام علشان هي مدفعتش بقية مصاريف إقامة ابنها في المستشفى و الدكتور ايهم إداها مهلة ساعتين و الا حيضطر يرميهم برا و كمان حياخذ ضدهم كافة الإجراءات القانونية عشان وصولات الامانه اللي مضت عليهم المدام …. ما انت عارفة القوانين هنا و للأسف الدكتور ايهم مش بيسامح و لا بيتعاطف مع حد ”
ليليان بضيق :” للأسف عارفة… طيب هاتي الورقة و انا حتصرف روحي انت شوفي شغلك “.
اعطتها الممرضة الورقة ثم غادرت لتقرأ ليليان الورقة بصوت عال :” 150الف جنيه ..
قاطعتها رقية قائلة بخجل :”انا عارفة اني تأخرت على دفع بقية المبلغ بس و الله بحاول انا قدرت اجمع تسعين ألف جنيه بس هما مش عاوزين يصبروا عليا يومين كمان و انا حجيب الباقي انشاء الله… ارجوكي يا دكتورة ساعديني و انا و الله اوعدك اني حتصرف “.
ليليان بتفكير :”متقلقيش يا مدام رقية انا حتصرف انت روحي لرامي اقعدي معاه و اطمني عليه و انا حشوف الدكتور ايهم و اتكلم معاه…متقلقيش انا حدفع الباقي داه مبلغ صغير مقابل صحة رامي “.
رقية بخجل:” ميصحش يا دكتورة كفاية حبك و اهتمامك لرامي دا لولاكي كنت خسرته. كمان المبلغ كبير انا بس عاوزاكي تساعديني فانك تطلبي منهم يستنوا عليا يومين بس. انا حتصرف…ثم تابعت بصوت خافت من شدة الحرج.. خصوصا اني الممرضة قالت إن صاحب المستشفى يبقى …”
ليليان و هي تنتفض غضبا:”الكلام داه كذب هو مش خطيبي و لا حاجة هو بس ابن عمي. المهم انا وعدتك اني حتصرف انت بس روحي جنب رامي و خلي الباقي عليا … “.
رقية بخجل:” انا مش عارفة اودي جمايلك فين انت ملاك نازل من السماء ربنا يجبر بخاطرك و يفرحك زي مافرحتيني يا رب انا و انا و الله يومين بالكثير و حجيبلك الفلوس “.
ليليان :” متقوليش كده داه واجبي عن اذنك “.
تركتها ليليان ثم اتجهت الى الاسانسير تاركة رقية تحمد الله على حل مشكلتها التي أرقت منامها طيلة ايام.
وصلت ليليان الى الطابق الأخير من المشفى و ني تمتم بغضب :” اما شوف اخرتها مع الشيطان داه اللي مفيش في قلبه رحمة.
طرقت الباب عدة مرات ليأذن لها ايهم بالدخول.
ليليان بضيق مخفي و هي ترى ابتسامته السمجة التي تكرهها :” صباح الخير يا دكتور ايهم “.
ايهم و هو يسلط نظراته المعجبة عليها:” صباح الجمال يا قلب ايهم…وحشتيني و كنت لسه حنزل عشان اشوفك”.
ليليان و هي ترمي أمامه الورقة :”بقلك ايه انا مش فاضية لرزالتك مستعجلة و عندي شغل بس جيت علشان افهم منك إيه داه”…
ايهم و هو يضغط على احد الازرار:” دي ورقة إنذار بالدفع بس مش عارف لمين …. ”
ليليان :” لرامي الولد الصغير اللي في الاوضة 360 ”
ايهم بلامبالاة:”طيب و فيها ايه، شاغلة دماغك الجميل بحاجات تافهة كده ليه “.
ليليان بغضب جلي:” دا ولد صغير و في آخر مرحلة للعلاج لو خرج من المشفى دلوقتي ممكن حالته تتدهور و يرجع زي ماكان…”.
ايهم :” و يطلع ليه؟ خلي أهله يدفعوا اللي عليهم و بكده مش حيخرج… اكمل و هو يقرأ الورقة… ممم فهمت يعني اخر موعد للدفع النهاردة و الا حيطرد”.
ليليان :”ايوا مامته معاها اكثر من نص المبلغ و انا بكرة الصبح حدفع الباقي “.
ايهم بابتسامة لعوبة:” طب ما تدفعيه دلوقتي”.
نظرت له ليليان بحنق قبل أن تجيب :” اكيد مش حيكون مبلغ زي داه في شنطتي.. انا بطلب منك مهلة بس لغاية بكرة الصبح الساعة تسعة حكون محولة المبلغ لحساب المشفى”.
ايهم برفض :” لا عاوزه دلوقتي و الا حكلم السكيورتي يخرجوها هي و ابنها دلوقتي انت عارفة القوانين هنا “.
رفع ايهم سماعة الهاتف و هو يصطنع الضغط على الازرار لتختطف منه ليليان الهاتف و ترميه على المكتب هاتفة بحنق:” انت ايه مفيش في قلبك رحمة ازاي ترمي ولد مريض برا المستشفى علشان ممعوش ثمن العلاج… “.
ابتسم ايهم ابتسامه خبيثة كثعلب استطاع الإيقاع بأرنب صغير اقترب اكثر بكرسيه ليلف ذراعيه على خصرها دون أن تشعر به قائلا :”ليه حد قلك فاتحها جمعية خيرية و بعدين المستشفى دي للناس الاغنياء للي معاهم فلوس و يقدروا يدفعوا.. الفقراء و المساكين اللي بتعطفي عليهم دول يروحوا يشوفولهم مستشفى حكومي على قد امكانيتهم”.
تراجعت ليليان الى الخلف بعد أن رمت الهاتف لكنها فوجئت بنفسها مكبلة و تقف مباشرة أمامه لتهتف بحنق:”انت بني آدم مش طبيعي.. سيبني دلوقتي و انا حتصرف و حجيبلك المبلغ كله دلوقتي… “.
أيهم :” مفيش خروج من المشفى “.
حاولت ليليان التخلص من قبضته التي كانت تزداد على خصرها يقربها منه صارخة بغضب:” طول عمرك حيوان…و مش حتتغير ،انا ححولك المبلغ دلوقتي و مش حخرج من الزفت بتاعتك…ابعد عني.. “.
ايهم بضحكة متسلية :”مش عارف ليه انت الوحيدة اللي بستمتع و انت بتشتميني… صدقيني لو كانت واحدة غيرك كنت دفنتها مكانها بس انت خطيبتي و قريب حتبقي مراتي …”
ليليان بهيجان:” انت واحد مجنون…بتكذب الكذبة و تصدقها، انا مستحيل اقبل اتجوزك لحد امتى حفضل اقولهالك… فوق من اوهامك و بلاش غباء انا عمري مش حبص لواحد قذر زيك.. انت مكانك الأماكن الزبالة اللي بتروحها كل ليلة دور هناك يمكن تلاقي واحدة تناسبك… ااااه حيوان و مريض و بكرهك ”
صرخت بألم و هي تشعر بأصابعه تنغرس في ظهرها كسهام حادة…
تسارعت نبضات قلبها خوفا بالرغم من لسانها السليط و و كلامها المسموم الذي تلقيه في وجهه كلما سنحت لها الفرصة دون خوف او تردد الا ان ذلك لا يمنع من شعورها بالرعب خاصة أمام نوبات جنونه التي تصيبه من حين الى آخر…ليهمس بصوت خافت مرعب بجانب أذنها ارسل الرعب في كامل اوصالها
:”هانت يا ليليان كلها ايام و نتجوز و حربيكي من اول و جديد… حخليكي تندمي على كل كلمة قلتيها و مبقاش انا ايهم البحيري لو مذلتكيش و خليتي تبكي بدل الدموع دم عشان أرحمك… ما انا حيوان بقى.
دفعها بقوة لدرجة انها فقدت اتزانها و سقطت ارضا تحت قدميه.. ليومئ لها باشمئزاز قائلا:”
و دلوقتي بقيتي في مكانك الطبيعي هنا خدامة تحت رجلي،
بس نقول ايه ناكرة للجميل… بعد ما والدتك توفت و ابوكي اللي هو عمي اتجوز ثاني و شاف حياته و رماكي عندنا…امي هي اللي ربتك و اعتبرتك بنتها زيك زي أميرة و عمرها ما فرقت بينكم في يوم… عيشناكي في بيتنا و صرفنا عليكي لحد متبقيتي دكتورة..حتى الشغل بقيتي بتشتغلي في أحسن مستشفى في القاهرة…
فمين بقى اللى يناسب مين؟ انت و الا انا… يلا على شغلك دلوقتي اما بالنسبة للمريض اللي جيتي علشانه فأنا حخلي الأمن يخرجوه برا حتى لو عيلته دفعوا مليون جنيه مش حسيبه هنا يوم واحد و مش حخلي مستشفى ثانية تقبله، عشان تتربي و تعرفي ازاي تكلمني “.
هزت ليليان رأسها بألم و قد بدأت دموعها تتساقط على وجنتيها الورديتين ليس على كلامه الجارح الذي تعودت ان يلقيه على مسامعها كلما رفضته بل على ذلك الطفل البريئ و الذي بسببها من الممكن أن يخسر حياته.
رفعت عيناها ببطئ لتجده ينظر إليها و قد تحولت نظراته المشمئزة الى أخرى جامدة خاليه من التعابير،
لم تعرف ماذا تفعل فابن عمها هذا ليس سوى كتلة من الحقارة و القسوة تمشي على قدمين…
ضغطت بيديها على الأرضية البيضاء التي تكسو قاعة مكتبه لتدفع بجسدها الى أعلى محاولة الوقوف.. مررت اصابعها بحركة وهمية على معطفها الطبي الأبيض قبل أن تهمس بضعف:”انت مش حتعمل كده”
استدار ايهم بكرسيه ليصبح مقابل مكتبه و هو يهتف بصوت حاد :”و مين حيمنعمي، على حد علمي المستشفى دي بتاعتي و انا اقدر اعمل اللي انا عاوزه”
مسحت ليليان دموعها الصامته و هي تتقدم ناحية المكتب بخطوات ضعيفة خايفة، تعلم جيدا انه يستطيع تنفيذ تهديده و إخراج رامي من المستشفي فلطالما فعلها من قبل…
لتقول بصوت راج
:”داه طفل بريئ و ملوش ذنب و عيلته حتدفع كل الفلوس ليه تخرجه”
ليجيبها بصوت جاف خال من الرحمة:”انا حر و دلوقتي اتفضلي على شغلك…مش عاوز اشوفك قدامي”
ابتلعت ليليان اهانته على مضض في سبيل اقناعه فكل ما يهمها هي المحافظة على حياة ذلك الصغير حتى على حساب كرامتها فليقل مايشاء الان المهم ان تصل إلى غايتها…
اما هو فمن المؤكد انه سيأتي يوما ما و ترد له الاهانه….وقفت بجانب حافة المكتب ثم رفعت كفيها
لتمسح دموعها بعنف و ترتب هيئتها قائلة بهدوء تحاول استعادته بعد ثورة الغضب التي انتابتها منذ قليل :”قلي عاوز ايه عشان تلغي قرارك داه”
ضحك ايهم و هو يتراجع بجسده على كرسيه واضعا يديه على حافة المكتب أمامه،صمت فجأة ثم وقف من مكانه ليخطو بخفة ليصبح ورائها… انحنى قبل أن يمد أصابعه ليقبض على خصلة من خصلات شعرها الشاردة و يتلاعب بها و هو يصدر همهمات كمن يدعي تفكير قبل أن يقول فجأة :” بالرغم من اني صعب جدا اغير قراراتي بس….انت دايما استثناء…. المهم انا عندي ليكي عرض لو قبلتيه حسمح للمريض بتاعك يكمل علاجه هنا و كمان ببلاش ايه رأيك “.
ارتجفت بشدة و هي تشعر بانفاسه التي تكرهها تضرب عنقها من خلف قبضت على اصابعها بعنف ثم اغمضت عيناها بقوة لتبدأ بالعد التصاعدي لتحث نفسها على تحمل وجوده الغير مرغوب فيه بجانبها
هامسة داخلها :”كله علشان رامي.. اتحملي يا ليليان اتحملي “.
لتقول بصوت عال:” ببلاش كمان طيب ايه هو العرض داه”.
أكمل ايهم بعد صوت لم يدم طويلا :”الليلة عندي سهرة و عاوزك تروحي معايا”.
فتحت ليليان عيناها بذعر قبل أن تسأله :”سهرة ايه دي؟ فين و مع مين؟”.
اطلق ايهم ضحكة خافته قبل أن يجيبها :”سهرة عادية في فيلة شاهين الثانية احنا متعودين نسهر فيها … و متخافيش مش لوحدنا اصحابي حيكونوا موجودين و معاهم بنات… “.
ليليان باستهزاء:”طبعا بنات ليل ماهو داه مستوا..”
قاطعها ايهم و هو يجذب خصلة شعرها بقوة قائلا :”لسانك داه حقصهولك في يوم من الايام “.
كتمت ليليان المها وهي تضع يدها أعلى خصلة شعرها بتجذبها من يده بعنف قائلة :” و مين قالي انك مش حترجع في كلامك داه بكرة او بعده… رامي لسه قدامه اسبوع كامل على الاقل علشان يكمل علاجه”.
تنفس ايهم بقوة قبل أن يعود إلى كرسيه قائلا بملل:” من الاخر داه اللي عندي…في ايدك ساعتين تقرري فيهم مصير الولد يا اما يعيش و يا اما يموت”.
اومأت ليليان براسها قبل أن تتجه الى باب المكتب
و تغادر، اغلقت الباب ورائها و هي تستنشق الهواء بلهفة كغريق رسى للتو على شاطئ الأمان….
هرولت بخطوات سريعة في اتجاه المصعد تريد الهرب بأقصى قوتها من هذا المكان، التفتت ورائها عدة مرات ناظرة بخوف و كأنها تتوقع لحاقه بها او خروجه فجأة من احد الجدران كما يحصل في الأفلام..
ضغطت ازرار بحركة عصبيه و هي تشتم في سرها
لاعنة تهورها في القدوم الى مكتبه، خرجت من المصعد لتعترضها زميلتها الدكتورة أمنية… متزوجة و لديها طفلين في الرابعة من عمرها و هي صديقة ليليان المقربة و ملجأ أسرارها…
بذلت ليليان مجهودا كبيرة بترسم ابتسامة مصطنعة على وجهها الفاتن و هي تلقى التحية :”صباح الخير يا ميمي ازيك”
أمنية بضحك:”ميمي في عينك يا بت انت مش حتبطلي تندهيني بالاسم دا… دا انا حتى دكتورة و ليا مركزي يعني فاكراني قطة قال ميمي قال “.
ليليان :”الحق عليا اني بدلعك”
أمنية وهي تتفرس ملامح ليليان :”دلعي يا اختي براحتك… بس مالك وشك مصفر كده و مش على بعضك فيكي ايه يا لولو”.
ليليان :” مفيش حاجة يا أمنية…شوية إرهاق و تعب من الشغل “.
أمنية و هي تجذبها الى أحد الغرف :” طيب تعالي ارتاحي و انا حطلبلك عصير فرش “.
تبعتها ليليان بخطوات متثاقلة غير آبهة بتلك النظرات التي تكاد تفترسها من بعيد… و الذي لم يكن سوى الدكتور اسعد احد المعجبين بليليان.
ارتمت على السرير الطبي باعياء تشعر بأن كل قواها مستنزفة، و كأن جبلا من الحجارة يقبع فوق صدرها…
وضعت كفها على وجهها قبل أن تنفجر في بكاء مرير…
تبكي فقدان امها و هي مازالت فتاةََ صغيرة لم تتجاوز الثالثة عشر من عمرها ليسارع والدها بعد أشهر قليلة للزواج من فتاة تصغره سنا بأكثر من عشرون سنة طمعا في ثروته…و كأنه كان ينتظر موت والدتها ليتخلص منها هي الأخرى و يرميها في بيت عمها…
لا تنكر فضل زوجة عمها الحنونة التي عاملتها بكل حب و طيبة و كأنها ابنتها… أبناء عمها سيف و محمد الأول يفوفها بثلاث سنوات، اما محمد فاصغر منها بسنتين كانوا و نعم الأخوة لها..
لم يكن سواه هو ايهم الابن الأكبر لتلك العائلة الطيبة لم يكن مثلهم.. بل كان الأسوأ على الأطلاق.
طوال فترة مكوثها معهم و هو لا يعتبرها سوى دخيلة عليهم…ينتهز جميع الفرص لايذائها و اهانتها…
و تذكيرها بمكانتها الوضيعة في منزلهم…
افاقت على صوت أمنية التي دخلت الغرفة للتو و في يدها كوبا من العصير..
:”مالك يا ليليان انت كويسة، بتعيطي ليه؟”.
ارتمت ليليان في أحضانها تبكي بعنف و هي تردد من بين شهقاتها:”بكره يا أمنية بكره… و مش عارفة ازاي اتخلص منه، الموت ارحملي كم اني اتجوزه”.
ربتت أمنية على ظهرها بحنان بعد أن فهمت سر توترها قائلة باشفاق:”اهدي يا لولو متعمليش في نفسك كده…حتموتي نفسك من العياط على شان واجد ميستاهلش”.
ابتعدت ليليان عنها و هي تمسح دموعها بصعوبة قائلة بتأكيد:” ايوا ميستاهلش داه حيوان..وواطي و قذر بيساومني على حياة طفل بريئ ملوش ذنب، طول عمره كده…انا لسه مش عارفة داه دكتور و بينقذ أرواح الناس ازاي “.
التفتت أمنية بنصف جسدها العلوي لتمسك كوب العصير من فوق الطاولة بجانبها و تقربه من فم ليليان لتساعدها على شربه…
وضعت ليليان يدها المرتجفة لتدعم يدي أمنية و تترشف بعضا من محتوى الكوب و هي تستمع الى صديقتها تقول:” اهدي كده و احكيلي بالتفصيل ايه اللي حصل”.
بدأت ليليان في سرد كل ما حصل معها منذ صعودها الي مكتب ايهم الى لحظة خروجها منه… تحت نظرات أمنية المتعجبة و التي صرخت غاضبة بعد أن انتهت الأخرى من كلامها :”هي حصلت…. وصلت بيه الدناءة و الوقاحة انه يخيرك بين حياة طفل صغير ملوش ذنب و بين انك تطلعي معاه سهراته الوسخة اللي زيه…متروحيش يا ليليان داه واطي و ممكن يعملك حاجة”.
ليليان بصوت مختنق :”طب و رامي اعمل فيه ايه…. انت عارفة انه ممكن يأذيه و يطرده من هنا و ميخليش و لا مستشفى تقبله… انا خايفة عليه اوي و معنديش حل غير اني اروح، ايهم كان دايما بيطلب مني اني اروح معاه سهراته مع أصحابه بس انا دايما كنت برفض..”
امنية باندفاع:”الواطي قليل الشرف عاوز ياخذك عشان يتباهى بيكي قدام أصحابه السكرانين و بنات الليل… عاوزك تدخلي العالم الوسخ بتاعه…. منه لله ربنا ياخذه عشان ترتاحي منه ”
ليليان :”بيكرهني اوي يا امنيه و مصر يذلني من اول يوم جيت فيه بيت عمي و هو الوحيد اللي مش طايقني دايما بيعايرني و بيهنني في الرايحة و الجاية حتى لما ساب بيت عمي و بقى بيسكن في فيلا ثانية…ضغط على عمي علشان يخليني ادرس طب زيه و صمم اني آجي اشتغل هنا عنده علشان يكمل تعذيب فيا…بيستغل جميل عيلته بأنهم آوووني و ربوني علشان يتحكم في حياتي… سنين و انا بستنى اليوم اللي حطلع فيه من هناك علشان ابقى حرة و ملك نفسي و اقدر اعمل اللي انا عاوزاه بس هو مسابنيش في حالي اقنعهم بأنه بقى بيحبني فجأة و عاوز يتجوزني و انه هو أولى بيا من الغريب…لو شفتيه يا امنية ازاي بيعاملني قدام اهله… شيطان في ثوب ملاك….”.
امنية بشفقة :” ربنا يعينك يا حبيبتي… انشاء الله حييجي يوم و تخلصي فيه منه داه مصيبة و مفيش حد بيحبه هنا بس بردو لازم تلاقي حل و متروحيش انا خايفة عليكي منه و من صحابه و خصوصا اللي اسمه شاهين… “.
ليليان بياس :” مفيش حل ثاني انا حروح و اللي يحصل يحصل ايهم داه كابوس و عمري ما حخلص منه “.
ساعدتها أمنية على الوقوف لتتجه الى حمام الغرفة لغسل وجهها و أطرافها علها تهدأ قليلا قبل أن تهاتف ايهم و تخبره بموافقتها.
في مكتب ايهم
:”مش جاي لوحدي الليلة… ليليان معايا “.
قال ايهم بفخر و هو يهاتف صديقهم
ليلا
في فيلا صفوت البحيري والد ايهم و عم ليليان.
تجلس ليليان على سريرها و هي تنظر إلى العلبة الورقية التي احضرتها لها إحدى الخادمات منذ قرابة الساعة لتخبرها ان السيد ايهم هو من بعثها لها و أمرها بارتداء ما بداخله و انها يجب أن تكون جاهزة تمام الثامنة.
نظرت الى هاتفها لتجدها السابعة و بضع دقائق، زفرت بحنق ثم فتحت العلبة لاكتشاف ما بداخلها…
شهقت بذعر و هي لا تصدق ما ترى فستان من الشيفون الأسود اقل ما يقال عنه فاضح قصير يصل إلى ما قبل الركبتين و عاري الظهر و ذو فتحة عنق منخفضة… رمت الفستان على الأرض بعنف و هي تتمتم بغضب:”لا دا اتجنن خالص هو فاكرني ايه؟ زبالة زيه علشان البس داه، انا مش عارفة حخلص منه ازاي الشيطان داه انا مش عارفة لحد امتى حستحمل الذل و الاهانه منه و اسكت مقدرش اتكلم علشان الناس اللي ربتني دي و اعتبروني زي بنتهم و لو لاهم الله اعلم كان حصلي ايه؟ يا رب نجيني منه انا خايفة يعملي حاجة حاسة ان مصيبة حتحصل “.
وقفت من مكانها متجهة الى خزانة ملابسها التي تحتوي على عدد قليل من فساتين السهرة فهي بطبعها لا تخرج كثيرا و لا تذهب الا الى حفلات الأقارب…اختارت فستان ازرق غامق طويل و بأكمام طويلة و صففت شعرها على شكل كعكة مهملة و تركت بعض الخصلات تنزل على جانبي وجهها بعشوائية، وضعت بعض مساحيق التجميل الخفيفة التي أظهرت جمال وجهها الفاتن و ملامحها الجذابة..
نزلت الدرج بخطوات مترددة حتى وصلت إلى الباب الخارجي وجدت ايهم أمامها ينظر بنفاذ صبر الي ساعته و على وجهه علامات التجهم…
رفع رأسه ليجدها أمامه سلط نظراته الحادة عليها مما أثار رعبها، لا ينكر انها بدت رائعة و ساحرة كعادتها لا يتذكر انه رأى امرأة تمتلك هذا القدر من الجمال مثلها هي
بشرة وجهها المستدير الأبيض تذكره ببشرة الأطفال حديثي الولادة و عيناها البنيتان الواسعتان كعيون الغزال تضللهما رموش كثيفة سوداء اما شفتيها الورديتين الناعمتين اللتين لا طالما اشبعهما تقبيلا رغما عنها
يتذكر جيدا ذلك اليوم الذي احضرها فيه والده الى منزلهم و طلب من الجميع الاعتناء بها و معاملتها كأخت لهم… الا انه لم يكن ليفعل ذلك،
آفاق من شروده على صوتها :”لو غيرت رأيك قلي بدل الوقفة اللي ملهاش لازمة دي”
ليجيبها بغضب و قد تذكر للتو انها لم ترتدي الفستان الذي احضره لها :”انت ايه اللي لابساه داه و فين الفستان اللي انا جبتهولك”.
نظرت له بسخرية قبل أن تجيبه بتهكم :”قصدك الفستان اللي لونه اسود و شبه قميص نوم، اسفة انت عارف اني مبلبسش الحاجات دي “.
امسكها من ذراعها بعنف هادرا :”انت مش بتسمعي الكلام ليه هو عند و خلاص انا خطيبك و من حقي تلبسي اللي لنا عاوزه “.
تأوهت بألم و هي تشعر بأصابعه تنغرس شيئا فشيئا حتى كادت تخترق لحمها… لتهتف بصعوبة:” مقدرش البس الحاجات دي انت ايه مشفت… ش الفس.. تان قبل ما تشتريه دا عريان و قصير…”
قاطعها :” بردو تتنيلي تلبسيه…انت تسمعي كلامي و بس و ملكيش حق تعترضي عريان و الا مهبب ملكيش دعوة”.
رفعت ليليان بصرها بضعف نحوه تستجديه ان يرحمها و يتركها فالالم الذي تشعر به لا يحتمل…حتى انها لاتصدق ان الفستان لم يتمزق حتى الآن
الا انه كان في عالم آخر لا يرى سوى رفضها و عنادها معه لم يكن يشعر بآلامها و خوفها منه، لم يكن يرى سوى نظراتها المشمئزة منه و التي كانت تطالعه بها كلما التقت عيناهما و كأنه مرض معد او حشرة مقرفة لا تريدها ان تقترب منها….
ترك ذراعها لتشهق ليليان بارتياح و ترمي حقيبتها أرضا لتمسد مكان قبضته تجزم انها ستترك أثرا بشعا لعدة ايام…
لم يمهلها ايهم وقتا طويلا حتى تسترد أنفاسها ليقبض على يدها ثم ينحني ليلتقط حقيبتها و يجبرها ورائه باتجاه سيارته….
فتح باب السيارة ثم دفعها الى الداخل بعنف و رمى الحقيبة بوجهها ثم استدار ليستقل مقعده…و ينطلق بالسيارة الى وجهته المحددة…
انكمشت ليليان مكانها و هي ترى ملامحه الغاضبة،
تجزم انه سيفتك بها في اي لحظة قاطع أفكارها صوته الغاضب الذي صدح عاليا و هو يضرب المقود بكل قوته :”دايما كده و مش حتتغيري…بتنفذي كل اللي في دماغك و مش عملالي اي اعتبار…في حياتي كلها مشفتش اغبى منك”.
استدارت له ليليان لتقول بشراسة متناسية خوفها منه :”كل داه علشان مقبلتش اني البس فستان عريان… انت ايه يا اخي معندكش شرف و لا اخلاق دا انا حتى بنت عمك و معتبرني خطيبتك ازاي ترضى اني البس كده قدام صحابك و الا ليكون دفعولك مبلغ كويس علشان تعرضني قدامهم و يا عالم واعدهم بايه ثاني ما انتم شلة زبالة كلكم…”
توقفت عن الكلام عندما علمت بتوقف السيارة على احد جوانب الطريق مدت يدها محاولة فتح الباب علها تستطيع الخروج من هذا الجحيم…
صاحت بقوة و هي تشعر بأن شعرها يكاد يقتلع من مكانه جراء قبضة ايهم الذي جذبها اليه دون مبالاة بالمها هامسا بصوت مخيف :” اخرسي… تعرفي تخرسي مش عاوز اسمع صوتك لحد ما نوصل…
تلوت ليليان بين أحضانه محاولة التخلص منه دون جدوى فكانت كمن يدفع جبلا لا يتحرك و لا يتزحزح لتصرخ بنفاذ صبر :” انا بقول الحقيقة انت بتنكر ليه؟ مش دي أخلاقك العظيمة اللي عاوز تفرضها عليا… عاوز تخليني ابقى زي الأشكال اللي انت متعود عليهم…
زمجر ايهم بغضب و هو يهزها بعنف محاولا اخراسها لكن كيف ليليان صاحبة اللسان الطويل ان تسكت على حقها لتضيف :” عارف الراجل اللي يسمح لرجالة ثانية تشوف عرضه يسموه ايه…
:” ليليان…. اخرسي… اخرسي و لا كلمة”..
صرخ ايهم بجنون و هو يدفعها بقوة ليصطدم رأسها ببلور السيارة لتتأوه بألم و هي تتحسسه جبينها و رأسها سامحة لدموعها بالنزول…
ضرب ايهم مقود السيارة عدة مرات و هو يشتم بألفاظ نابية و كلمات غريبة غير مفهومة…
التفت الى جانبه ليجد ليليان تكفكف دموعها المنهمرة و تحاول إصلاح شعرها و ثيابها التي لم تسلم من قبضته…
رمقها باستهزاء قبل يقول آمرا و كأنها موضفة لديه :” آخر مرة اسمحلك تكلميني بالطريقة دي، انت تنفذي اللي اقلك عليه و بس و دماغك القديمة دي تغيريها… انت خطيبة ايهم البحيري يعني لازم تكوني لايقة عليا و خاصة قدام اصحابي… اقسم بالله لو صدر منك اقل تصرف معجبنيش لكون موريكي اللي عمرك مشفتيش…
و متنسيش ان المريض اللي انت قبلتي تخرجي معايا على شانه لسه حياته تحت ايدي يعني بتلفون واحد مني حخلي امن المستشفى يطرده برا…. “.
اومأت ليليان برأسها بايجاب و هي تحاول السيطرة على ارتعاش جسدها من الخوف تعلم أن ايهم لن يمر ما حصل مرور الكرام و ان ابتسامته الخبيثة ليست الا بداية انتقام…
لعنت لسانها السليط الذي لا تستطيع التحكم به و الذي دايما ما يوقعها في المشاكل..
بعد دقائق قليلة عبرت السيارة داخل حديقة كبيرة
تتوسطها فيلا بيضاء ذات تصميم خلاب…
انبهرت بها ليليان للحظات قبل أن تتذكر انها ليست سوى وكر للشياطين، توقفت السيارة ليترجل ايهم و يستدير بخفة ليفتح لها الباب و يجذبها من ذراعها بقوة حتى أصبحت واقفة أمامه…
ليبتسم لها بزيف و هو يضع يدها على ذراعه استعدادا للدخول…
خطت ليليان بتردد داخل الفيلا و هي تنظر يمينا و يسارا.. وصلا الي صالون كبير يتوسط الفيلا يجلس عليه عدة أشخاص لم تتعرف إليهم…
احست برهبة غريبة و هي تلاحظ ان كل العيون مسلطة عليها، ضغطت باصابعها على ذراع ايهم الذي التفت إليها قليلا ثم عاد ببصره الي الحاضرين ليقدما لهم بفخر :” اعرفكم… دي ليليان خطيبتي…”.
سمعت ليليان عدة همسات لترفع عيناها لتجد ايهم يشير الى رجل وسيم ذو جسد رياضي ضخم، بشرته قمحية و تزين وجهه لحية خفيفة قائلا :” تعالي علشان اعرفك على الشلة… داه عمر الشناوي ابن خالة شاهين و شريكه في نفس الوقت….
همست ليليان بصوت خافت و هي تلاحظ علامات الضيق التي كست ملامح هذا الرجل و كأنه لم يعجبه وجودها :” تشرفنا يا استاذ عمر…”
أشار لها عمر برأسه دون أن يتكلم ليشير ايهم الي رجل آخر يضع يده على كتف فتاة ترتدي ملابس مكشوفة لا تخفي سوى مفاتنها.. :”و داه فريد ابو حجر ابن رجل الأعمال اسماعيل ابو حجر و دي ميرهان خطيبته…
جفلت ليليان و هي تلاحظ نظرات المدعو فريد الوقحة و الذي كاد يلتهمها بنظراته ليقف من مكانه فجأة و يمد يده حتى يسلم عليها…
مدت ليليان يدها بتردد و هي تنظر إلى ايهم الذي كان يشجعها بنظراته…
رمقته بنظرات كارهة قبل أن تشعر بملمس شفاه على ظاهر يديها،
شهقت بفزع و هي تجذب يدها بذعر و تتراجع بخطواتها الى الوراء….
تجاهل ايهم فعلتها و هو يكز على أسنانه من شدة الغيظ قبل أن ينتقل بنظراته الى رجل ضخم بشكل مخيف جسده يشبه أجساد المصارعين عضلاته بارزة بوضوح تحت قميصه الأبيض الخفيف الذي فتحت ازراره الأولى… عريض الكتفين وسيم الى حد ما بملامح وجهه السمراء الحادة و لحيته الخفيفة السوداء و عينيه الحادتين كعيني الصقر….
كان يجلس باسترخاء على الاريكة الأخرى و بجانبه فتاة تبدو في أواخر الثلاثين في عمرها سمراء ببشرة جذابة تضع بعض مساحيق التجميل على وجهها البرونزي و ترتدي فستانا قصيرا احمر اللون أظهر جمال و طول ساقيها المغريتين و قد اسدلت شعرها البني على جانبيها..
أشار إليها ايهم و قد رسم ابتسامة عريضة على وجهه قائلا :”اما الجميلة دي صوفيا….
ابتسمت لها صوفيا برقة و هي تشير لهما بالجلوس :” اهلا و سهلا يا ايهم بيه…و أخيرا قدرنا نشوف خطيبتك… بس الصراحة هي حلوة اوي زي ما حكيتلنا عليها بالضبط… “.
أحاط ايهم كتفي ليليان و هو يقودها برفق ليجلسا على احد الارائك ثم يهمس لها ببعض الكلام في أذنها.
قبل أن يقول بصوت عال :”ميرسي يا صوفيا…
ليليان يا حبيبتي داه شاهين الألفي صاحب الفيلا دي هو طبعا غني عن التعريف…
نظرت ليليان بتوجس أمامها لتصطدم بعينين ثاقبيتين اثارتا رعبها حتى انها عجزت عن تحيته…
جسده الضخم الشبيه بأجساد المصارعين و
عضلات صدرة المتكتلة الظاهرة بوضوح تحت قميصه الأبيض الخفيف و الذي فتحت ازراره الأولى،
وسيم الى حد ما رغم ملامح وجهه الحادة والمخيفة…و عيناه الشبيهتين بعيني الصقر…
تحيط به هالة من الثقة و الجاذبية تجعل الجميع
يهابه
ابتسمت ابتسامة مرغمة و هي تنظر لصوفيا تلك الفتاة التي بدت لها لطيفة رغم ان ايهم أخبرها بأنها عشيقة ذلك الوحش الذي يجلس بجوارها…ضحكت ليليان في سرها و هي تلاحظ الفرق الواضح بينها و بين ذالك الضخم فهي تبدو كابنته رغم طولها الفارع…
قاطع صمتهم فريد الذي هتف متسائلا :”تشربي ايه يا آنسة ليليان؟؟ متقلقيش هنا كل الأنواع موجودة”.
نظرت ليليان بتوجس لأيهم الذي أشار له بلا مبالاة قائلا :”ليليان ملهاش في الحاجات دي… حقول لسامنثا تجيبلها عصير”.
ضحك فريد بسماجة قبل أن يهتف بسخرية :”نسيت ان الآنسة دكتورة… اكيد بتخاف على صحتها “.
مالت ميرهان بجسدها للأمام لتسكب كأسا آخر مردفة بتسائل :”هي خطيبتك مالها يا ايهم بيه من ساعة ما جات و هي ساكتة مش بتتكلم ليه؟ “.
راقبتها ليليان بجمود و هي تعطي الكأس لفريد الذي همس لها بكلمات جعلتها تبتسم قبل أن ترمق شاهين بنظرات خفية ذات معنى لم يلاحظها أحد سوي ليليان و طبعا ذلك الشيطان الذي لا يخفى عليه شيئ….. شاهين.”.
تناول ايهم كأس العصير الذي أحضرته تلك الخادمة الأجنبية التي كانت تقف مع بعض زميلاتها في إحدى زوايا الصالون المخفية حتى تجيب طلباتهم.. ثم أعطاه لليليان التي أخذته منه مع حرصها على عدم تناول اي شيئ في هذا المكان المخيف….
رسمت ابتسامة مزيفة قبل أن تقول بصوت خافت :”انا بس مش متعودة عليكم علشان كده مش لاقية كلام اقولة يا آنسة ميرهان”.
رمقتها ميرهان بنظرات كارهة و هي تلاحظ جمالها الاخاذ رغم ملابسها المحتشمة و نظراتها البريئة.
وضعت ليليان الكوب فوق الطاولة بعد أن تظاهرت بأنها ارتشفت بعضا منه…و هي تتجنب النظر أمامها رغم شعورها بنظرات حادة تكاد تخترقها…
استجمعت كل قواها لترفع بصرها أمامها لتجد صوفيا تهمس في أذن شاهين بدلال و هي تمسح بكفيها على صدره باغراء…
رمشت عدة مرات و هي تلاحظ نظراته التي تسلطت عليها متجاهلا صوفيا التي كانت تسعى بكل مجهودها لاغرائه….
أشار لها شاهين برأسه لتقف صوفيا من مكانها و تحمل حقيبتها قائلة بابتسامة واسعة :”للأسف يا جماعة انا مضطرة اسيبكم بدري الليلة دي، اصلي بكرة مسافرة باريس عندي شوية حاجات لازم اعملها…نظرت ليليان و هي تكمل :” تشرفنا يا آنسة ليليان و اعذريني علشان مقدرناش نتعرف على بعض كويس بس اكيد حنتقابل كثير الايام الجاية… يلا اسبيكم انا “.
انحنت لتطبع قبلة طويلة على شفتي شاهين الذي استقبلها دون خجل قبل أن تغادر….
نظرت ليليان أرضا و قد احمر وجهها خجلا.. تظاهرت بفتح حقيبتها و البحث عن هاتفها و هي تشير بيدها لصوفيا دون أن ترفع وجهها…
مرت الساعات ببطئ حتى شعرت ليليان بالملل…
نظرت الى ساعة يدها لتجد ان الوقت يشير الى الحادية عشر و بضع دقائق، زفرت بضيق و هي تتذكر
يوم غد و الذي سيكون حافلا بالعمل…
ترددت قليلا قبل أن تقترب من ايهم الذي كان منشغلا في الحديث مع عمر و شاهين و تهمس في أذنه قائلة :”الوقت تأخر يا ايهم مش يلا بينا نروح..”
رمقها ايهم باستغراب قبل أن يجيب بصوت عادي :”الساعة لسه احداشر… احنا لسه في بداية السهرة”.
ارتبكت ليليان باحراج عندما وجدت ان الجميع ينظر لها بتعجب لتقول بتفسير :”انا اقصد ان بكرة عندنا شغل..”.
ليجيبها ايهم :” كل الموجودين دول كمان عندهم شغل… احنا حنفضل شوية كمان و حنمشي”.
ايده فريد بابتسامة سمجة غير مريحة و هو يغمز ايهم بوقاحة :” ايوا ايهم بيه عنده حق دي لسه السهرة في اولها…و الا انتم مش ناويين ترتاحوا فوق شوية”.
قهقه ايهم بصوت عال قبل أن يقول بوقاحة مماثلة و هو يحيط خصر ليليان :” لا احنا مبنرتاحش غير في بيتنا… مش كده يا لولو”.
هزت ليليان رأسها ببلاهة دون أن تفهم لتتفاجئ بضحكات الجميع..
باستثناء عمر الذي قال موجها حديثه لايهم :” و الله خطيبتك دي باين عليها بريئة مش بتاعة سهرات زي دي… انصحك يا آنسة متجيش هنا ثاني علشان داه مش مكانك “.
ابتسمت له ليليان بارتياح و هي تقول في نفسها :”على الاقل في واحد باين عليه محترم في القعدة دي”.
أشار له ايهم بعدم اهتمام و هو يتابع باهتمام فريد الذي جذب خطيبته من يدها و يصعدا الدرج الى احد الغرف…
اتسعت عينا ليليان بخوف و قد أدركت الان معاني ذلك الحوار الغامض الذي دار بينهم منذ قليل…
انتفضت عندما شعرت بيد ايهم تتحسس ظهرها و خصرها بطريقة غير مريحة لتتململ في جلستها و هي ترمقه بنظرات ذات معنى…
تجاهلها ايهم و هو يبتلع محتوى كأسه بجوفه دفعة واحدة قبل أن يوجه كلامه لعمر :”هو أنت مش ناوي ترحم نفسك من الوحدة الي انت عايشها يا عمر لحد امتى حتفضل سنغل كده”
رفع شاهين كأسه مؤيدا كلام ايهم قبل ام يضيف :”عمر و بنت … حاجة مستحيلة و الا ليكونش ملكش في الستات لو كده قول و احنا حنساعدك متتكسفش”.
ضحك عمر و هو يأخذ هاتفه من فوق الطاولة استعدادا للرحيل و هو يقول :” سيبك مني انت و هو خرجوني من دماغكم انا مرتاح كده.. يلا انا ماشي
تصبحوا على خير”.
ايهم بصوت عال :” بكرة تندم يا شناوي..
أشار عمر بيده بلامبالاة بحديث اصدقائه الذين يحثونه دائما علي ضرورة وجود فتاة ما في حياته
لكنه لا يبالي و لا يهتم فكل اهتمامه موجه لعمله
و انه لحد الان لم يجد فتاة أحلامه المناسبة التي رسمها في خياله…
انتهت السهرة منتصف الليل و غادر الجميع… تنفست ليليان العداء و هي هي تجلس مكانها في السيارة… اتكأت برأسها على النافذة و هي تراقب شاهين و ايهم الذين كانا يقفان أمام مدخل الفيلا و يتبادلان أطراف الحديث…
همست بخفوت لنفسها :”يا ترى بيتكلموا في ايه دول…لا و الغريبة انهم واقفين عادي و كأنهم مش لسه شاربين خمس ازايز شمبانيا جوا… هي كانت شامبانيا و الا نوع ثاني… انا مش عارفة المهم خمرة.. اوووف هو انا بفكر في ايه دلوقتي… أعوذ بالله المكان هنا غريب و مخيف مليان حراسة داه و لا رئيس الوزراء… ”
:” سلامتك يا لولو بقيتي بتتكلمي لوحدك “.
افاقت من شرودها على صوت ايهم الساهر الذي فاجأها بجلوسه بجانبها وراء المقود دون أن يشعر بها
سعلت بخفة قبل أن تجيبه متجاهلة سخريته:” هو انت حتسوق و انت سكران..
نظر لها ايهم قليلا قبل أن يدير السيارة و هو يقول :” خايفة على حياتك يا دكتورة على العموم متخافيش مش حيجرالك حاجة و حرجعك البيت سليمة “.
ارتحت ليليان بجسدها على الكرسي و هي تنظر بشرود الى الاضواء بالخارج دون أن تجيبه فهي تشعر بالتعب و النعاس و لا ينقصها سوى خوض جدال عقيم معه….
التفت لها ايهم بخبث قبل أن يهتف :” ايه رأيك شقتي قريبة من هنا نروح هناك علشان ترتاحي.. الفيلا لسه بعيدة شوية و انت باين عليك تعبانة و متخافيش بكرة الصبح حوصلك”.
انتفضت ليليان باضطراب قبل أن تقول بتلعثم :”لا انا مش تعبانة و لا حاجة… انا كويسة ووديني الفيلا…
ايهم :” انا يهمني راحتك و بس.. المهم قوليلي عجبتك السهرة.. مش زي اللي في دماغك صح”.
ليليان :”بنات و خمرة…يعني مفيش حاجة ناقصة”.
ايهم بسخرية :”خمرة؟؟ ايه جو الأبيض و الأسود داه… و بعدين البنات دول بنات ناس ميرهان دي بنت وزير سابق و اللي معاها فريد خطيبها..
ليليان :”ايوا ما انا خذت بالي من لبسها العريان اللي شبه بنات الكباريه…
ايهم :”لبسها عادي…. كل البنات بتلبس كده على فكرة…
ليليان باشمئزاز :”يعني عاوزني البس لبس عريان زيها و اخلي الرجالة تبص عليا عادي…
ايهم :” على فكرة محدش يتجرأ يبصلك و انت معايا و بعدين دول صحابي…
ليليان مقاطعة :” و اصحابك دول ايه مش رجالة و بعدين انت ملاحظتش اللي اسمه فريد كان بيبص عليا ازاي داه كان حياكلني بعينيه باين فيه بتاع ستات و خطيبته مش مالية عينيه و هي كمان طول القعدة و هي قاعدة بتبص للي اسمه شاهين داه و مهتمة بيه…
ضحك ايهم بخفة و هو يخفى ضيقه قبل أن يقول :”كل داه اكتشفتيه من قعدة واحدة…علي كده بقيتي المفتش كرومبو…
ليليان بضيق :” على فكرة انا بتكلم جد و مش عارفة انت ازاي ملاحظتوش داه او انكم عارفين و مش مهتمين المهم داه ميخصنيش في حاجة علشان انا مش ناوية اروح هناك ثاني انا المرة دي جيت معاك علشان رامي و بس..”.
قاطعها ايهم و هو يخطف قبلة سريعة من شفتيها و هو يقول بغموض :”حنشوف المهم بكرة تقدري تاخذي اجازة…و لو انك حتوحشيني “.
ابعدت ليليان رأسها و هي تخفي اشمئزازها منه نظرت أمامها لتجد ان السيارة قد توقفت أمام مدخل الفيلا حيته باقتضاب قبل أن تفتح الباب و تسارع بدخول الفيلا….
دخلت غرفتها بسرعة ثم فتحت حقيبتها لتجد هاتفها يضيئ بعدة مكالمات من صديقتها أمنية لم تلبث طويلا حتى أعادت الاتصال بها ليأتيها صوت صديقتها المتلهف:”انت كويسة يا لولو…حد عملك حاجة…
ابتسمت ليليان بخفة و هي تجيبها :” اطمني يا ميمي انا كويسة محدش عملي حاجة..
أمنية :”طيب و الدكتور ايهم اذاكي؟ عملك حاجة مش كويسة؟
ليليان :”مفيش حاجة يا ميمي اهدي بقى على فكرة انا في اوضتي دلوقتي.. ”
أمنية :” طب احكيلي ايه اللي حصل.. و شفتي مين هناك”
ليليان بضيق: صحاب ايهم انا اول مرة اشوفهم بس كان في معاهم بنات بيقول انهم خطيباتهم بس البنات كانوا لابسين لبس اوفر زي بنات الكباريهات اللي بنشوفهم في الأفلام… و الغريبة ان ايهم عاجيبنه و بيقولي موضة و كمان عاوزني البس زيهم”.
شهقت أمنية بصوت عال قبل أن تقول بغضب :” عديم الرجولة و الشرف ازاي يقبل على نفسه حاجة زي دي بقلك ايه يا لولو انت لازم تتصرفي اوعي تتجوزيه يا حبيبتي داه مش راجل انت لازم تحكي لعمك و مرات عمك كل حاجة و هما حيتصرفوا”.
ليليان بنبرة يائسة:” يعني هما حيعملوا ايه داه قدامهم بيتلون و يبقى زي الملاك و هما مستحيل يرفضوله طلب و بعدين انا مش عاوزة أثقل عليهم كفاية انهم ربوني و حموني من الدنيا و مسابونيش للشارع زي ماعمل ابويا..
أمنية :”بس انت كده تبقى بتضحي بنفسك و جوازك من ايهم اكبر غلطة ممكن تعمليها في حياتك… داه بتاع ستات كل يوم مع واحدة بالرغم من انه يعتبر خطيبك يعني المفروض يحترمك و يقدر مشاعرك دا غير انه سمج و ثقيل و مغرور و فاكر كل الناس عبيد عنده و كمان عاوز يدخلك العالم الزبالة بتاعه….انت مش كده يا ليليان حاولي تتخلصي منه احسن “.
ليليان بتفكير :” انا عارفة كل داه.. انت مشفتيش أصحابه كانوا بيبصولي ازاي و هو مكانش مهتم…
أمنية :”يا لولو داه شي عادي عند الاغنياء دول…دول بيعملوا كل حاجة تخطر على بالك علشان يرضوا مزاجهم… اوعي ترجعي هناك ثاني”.
ليليان و قد لمعت عيناها بحماس :” ميمي انا قررت البس الحجاب.. انت عارفة ان انا كنت عاوزة اعمل كده من فترة بس كنت مستنية الوقت المناسب.
صرخت أمنية بحماس مماثل :”و الله دي احسن فكرة انت بكده حترتاحي من زنه… و مش حيقلك البسي لا قصير و لا عريان بس داه ممكن تجيه جلطة لو شافك بالحجاب…يا ريت يبقى يريح الخلق منه… بس امتى حتنفذي”.
ليليان و هي تتمدد على السرير بتعب :”بكرة انشاء الله…بالرغم من اني خايفة من ردة فعله بس كده احسن دا احسن حل…
امنية بضحك:”ما انت على طول كده بتستفزيه بالرغم من انك بتترعب منه بس دماغك ناشفة و مش بتعملي غير اللي في دماغك.. المهم اسيبك انا بقى ترتاحي… تصبحي على خير و اشوفك بكرة “.
ليليان بتثاءب :”و انت من اهله”.
…………………………
في مكان آخر شبيه بصحراء خال من المباني و البشر
ارتفع ازيز سيارات سوداء رباعية الدفع…ليشق سكون الليل و ظلمته…
جلس شاهين على كرسي خشبي بين سيارتين متقابلتين…ثم رفع يده ليقوم السائقين باطفاء محركات السيارات…
نظر أمامه الي الرجل المرمي أرضا أمامه و الذي لا يظهر عليه أي ملامح للحياة سوى انينه المتألم بسبب عظامه التي تكسرت على يد أولئك الوحوش التابعين له…
مسح جانب شفتيه بغضب قبل أن يشير الى احد الرجال الواقفين قريبا منه ليحضر دلوا كبيرا من المياه و يسكبه عليه لينتفض المسكين بفزع و هو يصرخ بصوت عال من شده الألم….
نظر شاهين بملل الى ساعة يده ليجدها قد تجاوزت الثانية صباحا زفر بضيق من طول هذا اليوم الذي يأبى ان ينتهي…
وقف من مكانه فجأة ثم ركل الكرسي بقوة حتى اصطدم بمقدمة السيارة ثم تقدم ليصبح واقفا بجانب الرجل…
تأمله باشمئزاز قبل أن يقول بصوت هادئ مخيف:”المدير بتاعك فين …؟”.
ارتعش الرجل بخوف قبل أن يصرخ :”ارجوك يا بيه اناااا ااااه”.
تعالت أصوات صراخه المتألمة بعد أن دهس شاهين بحذائه على ذراعه المصابة و هو يقول بغضب :”انا دماغي مصدعة و مش عاوز كثر كلام هو سؤال واحد..ماركوس فين؟؟؟؟ … انا حديلك آخر فرصة بعد كده حخلي العربية دي تعدي فوقك ثلاث مرات و انت و حظك يا تعيش يا تموت… قلت ايه”
الرجل ببكاء :”يا باشا هو سافر بس مش عارف فين اخر مرة كلمني…
هز شاهين رأسه يمينا و يسارا قبل أن يبتعد و هو يشير بيده…
استقل سيارته ببرود غير مبال بصراخ ذالك البائس الذي اوقعه حظه في طريقه…
قبض شاهين على يده بقوة قبل أن يضرب بلور السيارة عدة مرات و هو يهمس بوعيد و قد
الساعة السادسة صباحا تململت كاميليا في فراشها الصغير وهي تتثاءب بكسل…فالبارحة لم تأخذ كفايتها من النوم لتظل مستيقظة حتى ساعات الفجر الأولى و هي تفكر …
التفتت الي يمينها لتجد اختها نور تغط في نوم عميق تنهدت ثم قامت متجهة الى الحمام للقيام بروتينها اليومي…
وضعت القليل من الكريم الذي أعطته لها هبة مسبقا على وجهها و يديها ثم ارتدت تنورة سوداء فضفاضة و معها قميص وردي و حجاب باللونين الأخضر و الأزرق حتى يبدو شكلها غير متناسق و منفر
ثم تسللت على أطراف اصابعها خارج المنزل قبل أن تراها والدتها و تبدأ في الأسئلة .
وصلت إلى الشارع الرئيسي حيث كانت تقف هبة بملل تنتظرها…
تعثرت كاميليا في مشيتها مما جعل هبة تنفجر ضاحكة و هي تقول :”حاسبي لتوقعي و انت بنظارتك دي”.
فركت كاميليا جانب انفها و هي تنظر لصديقتها شزرا قبل تجيبها :”صباح الخير و يلا بسرعة عشان مش عاوزة اتأخر من اول يوم كفاية التوتر اللي انا فيه”
هبة بضحك و هي تلحقها :”صباح النور…يا بنتي امشي على مهلك دي لسه الساعة سبعة “.
التفتت لها كاميليا ثم جذبتها من ذراعه تحثها على الإسراع قائلة بسخرية :” طبعا ماهي المرسيدس الكحلي الراكنة على جنب الشارع دي هي اللي حتوصلنا… يا بنتي ثريا هانم متأكده عليا اني ثمانية و نص لازم اكون جوا الفيلا يعني ساعة و نص شحططة في المواصلات و يدوب نوصل هناك في الوقت”.
هبة :”عندك حق المكان بعيد بس انت لو كملتي شغل شهر كامل هناك حيبقوا يبعثولك عربية مخصوص تجيبك زي خالتي “.
كاميليا باستغراب و هي تشير الى التاكسي :” انت بتتكلمي بجد.. دا ايه الدلع داه كله…اوووف مفيش تاكسي راضية توقف في المكان داه”.
هبة :” هو انت حتفضلي كل يوم تركبي تاكس على الحال حتفلسي و مرتبك كله حيروح مواصلات “.
كاميليا بارتياح عندما توقفت احد عربات الأجرى بجانبها :” الحمد لله… يلا تعالي نركب بلاش رغي انت حتوصليني الفيلا و بعدين تروحي الجامعة تحضري المحاضرات كلها عشان انقلها منك بعدين.. “.
هبة و هي تركب بجانبها :” ماشي بس اعملي حسابك دي آخر مرة اروح فيها معاكي…مش عاوزة اطب في احد الكائنات الغريبة اللي هناك… “.
كاميليا بتوتر :”حرام عليكي انا مش ناقصة خوف و مش عارفة ايه اللي مستنيني هناك مش كفاية وافقتك على الفكرة المجنونة دي… “.
ظلت الفتاتان تتحدثان طوال الطريق… فتارة تتراجع كاميليا و تقرر عدم الذهاب و تارة أخرى ترضخ لتشجيعات هبة…الى ان وصلتا أمام الفيلا..
ترجلت كاميليا من التاكسي متشبثة في هبة رافضة تركها لتصيح هبة بضجر:” مش قلتيلي من شوية اوصلك و اروح الجامعة.. في ايه مالك يا كاميليا.
كاميليا بخوف :” انت لسه بتسالي مالي… انا كل اما بدخل الكومباوند دا و جسمي بيبقى يترعش لوحده… انت مش شايفة كمية البادي قادرز اللي هنا و الاسلحة اللي عندهم يا نهار اسود…انا مش قادرة ادخل الفيلا لوحدي يا بيبة وصليني عند خالتك و بعدها روحي”.
هبة بضجر و هي تقترب من احد الحرس المرابطين أمام الفيلا :” طول عمرك جبانة… يلا ورايا بس اعملي حسابك دي آخر مرة… “.
دفعتها كاميليا أمامها ثم تبعتها بخطوات متعثرة لتعرف هبة على نفسها قبل أن يسمح لهما الحارس بالدخول دون التفطن الى ان هناك زوج من الأعين تراقبهما بصمت…
خديجة بابتسامة كبيرة عندما رأت الفتاتين :”اتفضلوا يا بنات جوا … انا حقول لفتحية توصل كاميليا عند الهانم و انت تعالي معايا يا هبة…
اومأت كاميليا بايجاب و هي تتبع الخادمة التي اخذتها الى الصالون حيث تنتظرها السيدة ثريا..
اما هبة فقد بقيت تتحدث قليلا في المطبخ مع خالتها.
هبة :” ايه رأيك في اللوك الجديد يا خالتو.. متغيرة صح”.؟
خديجة :”ايوا مية و ثمانين درجة دا انا نفسي مكنتش حعرفها لو منكتيش انت معاها.. بس لو كنتي خليتيها تلبس لانسز اسود بدل عينيها الزرقاء دي”.
هبة:”المرة الجاية بقى و بعدين هي عينيها مش باينة اوي تحت النظارة “.
خديجة :” المهم ربنا يستر و شاهين بيه ميعرفش حاجة المهم يلا انت دلوقتي روحي على جامعتك و انا لو عزتك حبقى اكلمك… اه و متنسيش تسلميلي على نجوي و قوليلها حبقي ازوركم قريب”.
قبلتها هبة بحرارة و هي تقول :” حاضر يا خالتو حقلها.. يلا حمشي انا دلوقتي و مش حوصيكي خلي بالك من كاميليا..
طمئنتها خديجة بأنها سوف تعتني بصديقتها ثم اوصلتها الى باب الفيلا..و عادت لاتمام عملها…
سارت هبة ببطئ في حديقة الفيلا و هي تمتع انظارها بجمال المشاهد الطبيعية الممتدة امامها للنباتات و الورود النادرة و التي تراها لأول مرة في حياتها.. اخذت نفسا عميقا وهي تستنشق الهواء النقي المحمل بعبير و شذى الزهور…
انتفضت فجأة و هي تسمع صوت أحدهم يأمرها بالتوقف :”انت مين و بتعملي إيه هنا؟؟”.
ارتعشت هبة بخوف ثم استدارت بجسدها ببطئ و هي تطمئن نفسها بأنه قد يكون احد الحرس…لتقول بتلعثم دوم ان تنظر له :”انا هبة… قريبة الست خديجة اللي بتشتغل هنا…”.
:”طيب و بتعملي إيه هنا في الجنينة مش المفروض تروحي تشوفي شغلك”.
هبة بتوتر:”لا انا مش بشتغل هنا… انا كنت بزورها و مروحة عن اذنك”.
سارت هبة بخطوات راكضة باتجاه البوابة… لتتفاجئ بأحدهم يجذبها بقوة من ذراعها…و قبل أن تشرع في الصراخ كمم المجهول فمها بعد أن أحاط جسدها من الخلف ليزيد من رعبها و تشنج جسدها بين ذراعيه القويتين ظلت تتلوي و تدفعه دون جدوى حتى ظنت هبة للحظات انها تصارع حائطا او جبلا…
اتسعت عيناها بقوة و هي تسمع ضحكاته المتسلية بجانب اذنهاو يديه تستشعر دقات قلبها المتسارعة كأرنب مذعور وقع بين براثن أسد جائع….
انهمرت دموعها بصوت و عقلها الصغير يصور لها عدة سيناريوهات مرعبة…
قد يكون المدعو شاهين صاحب الفيلا او احد أصدقائه الشياطين الذين لا طالما سمعت خالتها خديجة تتحدث عنهم… او احد الحرس.. لا تعلم من بالضبط كل ماتعرفه انها على وشك الوقوع مغمى عليها بين يدي رجل مجهول و قد ينتهي بها الأمر مرمية في احد المستشفيات او الخرابات بعد الانتهاء منها….
تحفزت جميع حواسه و هي تستمع لصوته الهامس الذي تشوبه نبرة متلاعبة :”لسه مجنونة زي ما انت يا بيبة… متغيرتيش”…
في الداخل وجدت كاميليا نفسها في غرفة كبيرة يغلب عليها طابع طفولي باللونين الأزرق و الأخضر و قد زينت صور شخصيات كرتونية الجدران و الأرضية التي امتلأت بعدة انواع مختلف من الألعاب…
تحتوي على خزانة كبيرة و سرير صغير علي شكل سيارة زرقاء.. ابتسمت بانبهار عندما اصطدمت بعينين رماديتين تنظران إليها بتعجب…
شهقت كاميليا باعجاب من جمال هذا الطفل الواقف أمامها…متمتمة بهمس:”مشاء الله…يجنن زي اللعبة”.
ظل فادي ينظر إلى كاميليا بتعجب و كأنها من كوكب آخر بملابسها الغريبة و نظاراتها الكبيرة التي تغطي اغلب وجهها… اقترب منها و امسك طرف تنورتها الطويلة ليجذبها بلطف و كأنه ينبهها الى وجوده…
لتنحني كاميليا و تجلس على الأرض على ركبتيها حتى اصبحت طوله، مدت يدها اليسرى لتصافحه و هي ترسم ابتسامة عريضة على شفتيها قائلة بمرح:”انا إسمي كاميليا بس تقدر تقلي كامي و انا المربية الجديدة بتاعتك”.
مد فادي كفه الصغير ليصافحها بلطافة و هو يقول بصوته الطفولي :”تيتة قالتلي اناديلك miss kamilia”.
ابتسمت كاميليا و هي تمسك نفسها على القفز عليه و اكله من شدة جماله و لطافته…لتجيبه :”ماشي احنا نسمع كلام تيتة و ننفذ كل اللي بتقوله… يلا بقى يا استاذ فادي قلي انت في العادة بتعمل إيه كل يوم الصبح”.
جلس فادي على سريره الصغير ثم جذب جهاز الايباد الخاص به ليرفعه أمامه قائلا ببراءة:” بلعب…”
رمشت كاميليا بتعجب قبل أن تأنب نفسها قائلة بهمس :” امال فاكراه كريم اخوكي حينزل يلعب استغماية و كرة في الشارع.. يا ابن المحظوظة عمرك اربع سنين و عندك ايباد ثمنه يسددلي مصاريف جامعتي سنة بحالها امال لما تكبر ابوك حيشتريلك ايه… طيارة”
افاقت على صوت الصغير و هو مندمج في شرح احد لعب الرسم الموجودة على جهازه باللغة الإنجليزية.. لتقف كاميليا من مكانها و تجلس بجانبه محاولة استيعاب مايتكلم عنه…
في الخارج
رفعت هبة رأسها رويدا بعد تحررها من قبضة هذا المجنون المحتل….
لتجد رجلا طويلا ضخم ينظر لها و قد ارتسمت على وجهه ابتسامة غامضة…انشغلت بترتيب ملابسها و شعرها و هي تفكر من يكون هذا المجنون و كيف عرف اسمها…
تعالت ضحكات الرجل و هو يشاهد ارتباكهها الظاهر و حركة يديها العشوائية لتكز هبة على أسنانها بغضب و هي تقاوم رغبتها في الانقضاض عليه و اشباعه ضربا على مافعله بها…
همست من بين أنفاسها المتلاحقة و هي توجه له نظرات كارهة :”انت تعرفني منين…”.
تقدم بخطواته تجاهها لتتراجع هي بذعر قبل أن يقفز بخفة أمامها و يمسكها برفق من ذراعها و هي يهتف باسف :”مبدئيا انا آسف علشان خوفتك مني…اهدي يا هبة انا مش حأذيكي انا اعرفك كويس و انت كمان بتعرفيني بس الظاهر انك نسيتيني…”.
عقدت جبينها بتساؤل و دهشة من كلامه و صوته المألوف لها قبل أن تجيبه محاولة التماسك أمامه :”لا مش عارفاك و مش عاوزة اعرفك سيب ذراعي…”.
لم تصدق لوهلة نظراته المتلهفة عليها و هو يقطع كلامها :” انا عمر الشناوى يا هبة ابن الدكتور خيري اللي كان فاتح عيادة زمان في حارتكم… افتكرتيني”.
كتمت هبة شهقتها بيدها الاخرى بينما عيناها كانتا تحدقان فيه ببلاهة و هي تعيد اسمه بهمس غير مصدقة :” مش معقول عمر…. ايوا صح عمر ابن الدكتور انا ازاي معرفتش….”.
ابتسم عمر قائلا بمرح :” اتغيرت صح.. “.
هبة و هي تجذب يدها :” ايوا اتغيرت جدا…دول سبع سنين اكيد حيغيروك…”.
عمر و هو يرمقها بنظرات فاحصة:”بس انت متغيرتيش لسه زي ما انت انا اول ماشفتك عرفتك على طول…حتى شعرك لسه قصير زي ماهو “.
هبة بتوتر و هي تمرر يديها على شعرها القصير :” ايوا…لسه قصير زي زمان…مقلتليش انت بتعمل إيه في قصر الأشباح داه ..
قهقه عمر بقوة و هو يهز رأسه بعدم تصديق قائلا :” دا انت مصيبة يا بنتي انا بقالي سنين بدور على الكلمة المناسبة اللي تليق على المكان داه و مش لاقي فهلا هو شبه قصر الاشباح… المهم انا ياستي
ابن خالة صاحب الفيلا دي و شريكه كمان و انا جيت هنا علشان محتاج شوية ملفات سرية للشغل و انت بتعملي إيه هنا؟؟
هبة :”ما انا قلتلك خالتي بتشتغل هنا فجيت ازورها..”.
عمر بتفكير :”بس انا مشفتكيش هنا قبل كده و كمان الست خديجة بقالها سنين شغالة هنا.. طيب ليه مجيتيش قبل كده هنا؟”.
هبة بتوتر :”ابدا.. اصلي مشغولة في الدراسة…
عمر :” بتدرسي؟؟ انا كنت فاكر انك سيبني المدرسة من زمان علشان مكنتيش بتحبي الدراسة و كنتي بتسقطي زمان في ثانوي”.
شهقت هبة بضيق من وقاحته لتهتف بحنق :”انا سقطت سنة واحدة عشان كانت عندي ظروف و بعلمك بقى انا بقيت في رابعة هندسة و كل سنة بنجح بتقدير كمان”.
عمر بابتسامة و هو يلاحظ انزعاجها :” طب كويس… لو رايحة الجامعة تعالي اوصلك قبل ما اروح الشركة “.
هبة برفض و هي تستدير باتجاه البوابة :”لا طبعا انا خاخذ تاكسي يلا عن إذنك و فرصة سعيدة ”
جذبها عمر من يدها مشددا قبضته حتى يمنع افلاتها و جرها وراءه باتجاه سيارته قائلا بمرح:” طب اعتبريني تاكسي و خليني اوصلك و بالمرة نتكلم شوية على السبع سنين اللي عدوا بسرعة دول “.
هبة باصرار:”انت بتعمل ايه انا مستحيل اركب معاك… ايه داه ؟؟؟
فتح عمر باب السيارة و دفع هبة برفق الى الداخل ثم أغلق الباب بمفتاحه الإلكتروني حتى يمنع خروجها ثم استار الى الجهة الاخرى و استقل مقعد السائق الى جانبها… نظر الى هبة التي كانت تحاول فتح باب السيارة بكل قوتها و هي تضغط على عده ازرار بعشوائية ليتفجر عمر من الضحك عليها قائلا :”يا بنتي اهدي مالك حتبوزي العربية….
هبة بضيق:” يا سلام ما تنفجر حتى… بقلك ايه نزلني هنا لو سمحت ”
عمر بضحك :” طب بذمتك معقولة انزل بنت زي القمر زيك كده في وسط الشارع… دي حتى عيبة في حقي”.
هبة بتوتر:” لو سمحت.. يا استاذ عمر انا مش هبة بتاعة زمان لما كنا صغيرين ميصحش الكلام داه”
عمر بخبث :”يعني لسه فاكره كنت بقولك ايه زمان… طب الحمد لله وفرتي عليا يا بيبة”.
تمسكت هبة بحقيبتها كدلالة على توترها و هي تقول بخفوت :” على فكرة اللي كنت بتعمله زمان داه كان اسمه…. تحرش و انا وقتها كنت صغيرة و قاصر كان عمري ستاشر سنة و انت وقتها كنت كبير و دلوقتي انت خليتني اركب العربية غصب عني انت عاوز مني ايه انا ماصدقت كابوس زمان انتهى و فرحت جدا لما والدك قفل العيادة علشان انت بطلت تيجي هناك….
عمر بنرفزة:”تحرش ايه يا مجنونة.. انا كنت بحبك على فكرة بس انت الغبية كل ما بتشوفيني بتبقي بتترعشي و كانك شفتي عفريت..
هبة بغضب :” حب و كلام فارغ ايه؟؟ انت فاكرني هبلة حصدق حدوثة الأمير اللي وقع في حب بنت فقيرة و تجوزها…
عمر :”ايوا كان لازم تصدقي…صح انت كنتي وقتها صغيرة و انا كنت طايش معرفتش اخليكي تقتنعي اني حبي ليكي كان صادق و لا كنت بضحك عليكي و بتسلى زي ما كنتي فاكرة…على فكرة انا كنت مسافر لندن كملت دكتوراه في إدارة الأعمال و مسكت فرع شركتنا هناك بس رجعت من شهور قليلة و كنت حرجع ادور عليكي بس مكنتش اتوقع الاقيكي قدامي بالسهولة دي “.
هبة بخوف مخفي:” و تدور عليا ليه.. انت عاوز مني ايه مش معقول حترجع تتنططلي في كل حتة زي زمان؟؟
عمر بمكر:”مش كده و بس دا انا حخليكي تشوفيني في كل حتة انت بتروحيها في الجامعة، في الحارة في الشارع… حنرجع ايام زمان يا بيبة..
هبة بعصبية :” بقلك ايه بلاش كلام فارغ و نزلني هنا انت باين عليك فاضي و انا مش فايقالك…
؟
عمر برفض و هو يواصل قيادة السيارة :”مش حنزلك الا لما نوصل قدام الجامعة…و كفاية عناد بقى انت كبرتي دلوقتي على حركات العيال دي “.
هبة :” انا عيلة… طب لما انا كده بتتعامل معايا ليه اساسا يا سي الكبير…
عمر و هو يرمقها بنظرات غامضة :” بكرة تعرفي…و دلوقتي هاتي رقم تليفونك بقى علشان اكلمك و قبل ما ترفضي فكري كويس لأحسن تلاقيني المساء قدام بيتكم في الحارة….
……………………..
بعد ساعة وصل عمر الى الشركة و على وجهه ابتسامة عريضة لم تفارقه منذ أن ودع هبة أمام جامعتها…تلك المشاغبة الصغيرة منذ أن وجدها صباحا أمامه في الحديقة و هو يشعر بسعادة غريبة تغزو قلبه…
دخل الى مكتب شاهين ليعطيه الملفات التي جلبها له من مكتب الفيلا ليجد الاخر يعمل بتركيز على حاسوبه
جلس عمر مقابلا له ثم وضع الأوراق أمامه قائلا :”دول الملفات اللي انت طلبتهم…انا سبت نسخة منهم في الخزنة اللي هناك”.
شاهين :”طيب و ايه أخبار الفيلا.. ازاي فادي و ماما ثريا…
عمر :” كويسين و المربية الجديدة جات النهاردة و بدأت شغل “.
استند شاهين بجسده على كرسيه الجلدي نافثا دخان سيجاره الكوبي الفاخر امامه و هو يقول ببطئ :”مربية جديدة…. حلوة؟”.
زفر عمر بضيق من طباع صديقه الذي لا تتغير قبل أن يجيبه :”معتقدش انها حتعجبك دي محجبة و لابسة نظارة تقريبا وشها مش باين “.
شاهين بوقاحة:”محجبة… انا مجربتش النوع داه قبل كده الظاهر انه جا الوقت المناسب “.
عمر بلامبالاة:”اعمل اللي انت عاوزه بس دي محجبة يعني مش حتقبل…..
شاهين باستهزاء :” قدام الفلوس مفيش حد بيقول لا…عموما اكيد ليها سكة دا لو عجبتني طبعا..
عمر بضيق :”طيب في سهرة الليلة و الا نلغي..
ضحك شاهين استمتاع قبل أن يردف بوقاحة :”لا نبغى ايه داه حتى المزاج عالي بس بقلك ايه عاوز واحدة نظيفة و عارفة شغلها كويس مش زي بتاعة المرة اللي فاتت مكملتش خمس دقايق..
نظر له باشمئزاز قبل أن يجيبه :”داه ايه القرف داه… اي أوامر ثانية..
شاهين بنفي:”تؤ… كلملي ايهم عاوزه يجيني ظروري دلوقتي
…………………………….
مر اليوم بسلام و تأقلمت كاميليا بسهولة في عملها حيث وجدت ان فادي طفل هادئ و مطيع بدرجة كبيرة كما أن استأنست بوجود خديجة التي اهتمت بها جيدا و علمتها كيف تتعامل مع الجميع في الفيلا…
انا هبة فقد امضت بقية اليوم و هي شاردة و كأنها في عالم آخر فصورة عمر لم تفارقها خيالها.. حتى انها اضطرت لمغادرة الجامعة باكرا قبل إنهاء جميع محاضرتها…
ليلا…..
يجلس ايهم في صالون شقته و هيئته المبعثرة تدل على أنه قد خرج للتو من معركة حامية بقميصه المفتوح و خصلات شعره المبعثرة بعشوائية…..
نظر بغضب الى أثاث الشقة التي تحول في دقائق إلى ركام من الخردة جراء نوبة الجنون الذي تمكنت منه منذ رجوعه من مكتب شاهين…
مسح على وجهه عدة مرات بحركة عصبية و هو يتذكر وقوفه امام شاهين منذ ساعات و هو يأنبه كطفل لك يقم بواجبه المدرسي ….
شاهين:”انت عارف اني انا مليش أصحاب و لا ناس اثق فيهم غيرة انت و عمر علشان كده مش عاوزك تزعل مني لما انصحك او انبهك لحاجة انت قاعد بتغلط فيها….انت ازاي تجيب خطيبتك لسهرة امبارح مش قالك الف مرة متجيبهاش انت ايه عاوز تغلط نفسي غلطتي…………………………..
………………….. و على فكرة هي اذكي منك بمراحل علشان من قعدة واحدة اكتشفت حقيقة كل واحد من الموجودين انت ازاي منتبهتش على نظرات فريد اللي كان حياكلها بعينيه…..انت عاوز خطيبتك تبقى زي ميرهان و البنات اللي بنجيبهم للفيلا عندنا.. انت عارف احنا جايبينهم ليه… علشان نتسلى بيهم….. عاوزنا نتسلى ببنت عمك و اللي حتبقى مراتك…. طيب على الأقل سيبها الأول متبقاش انت في النص….بقيت زي الرجالة اللي بتعرض نسوانها على رجالة ثانية مقابل صفقة او شغل……
انا عارف انك مستهتر و زي ما بيقولوا open-minded بس مكنتش فاكرك للدرجة دي
…….
صرخ ايهم بشراسة و هو يحرك رأسه يمينا و يسارا يحاول انتزاع كلمات شاهين من رأسه…هل كان غبيا و أعمى لهذه الدرجة، هل كان يظن ان بقية الرجال مثله لن ينظروا الى امرأة صديقهم كما يفعل هو… هل كان يظن انه قادر على حماية خطيبته من نظراتهم الخبيثة عندما تكون معه و منعهم من النظر إليها…. لقد كانت ترتدي ملابس محتشمة فماذا لو ارتدت ذلك الفستان الذي احضره لها….
ذلك الحقير فريد يقسم انه سيلقنه درسا لن ينساه بعد أن تجرأ على النظر الى شيئ يخصه…
الى ليليانه.
بعد اسبوع
تجلس ليليان في مكتبها تترشف قهوتها الصباحية بهدوء…وضعت يدها على رأسها تتحسس حجابها و هي تبتسم بفرح… منذ أن ارتدته و هي تشعر بأحاسيس جميلة تغزو قلبها،مزيج من الطمأنينة و السكينة و السلام الداخلي خاصة مع تجاهل ايهم لها منذ تلك السهرة… لم تشعر بمثل هذه الراحة و السعادة منذ أن دخلت بيت عمها…. يا إلهي ما أجمل حياتها بدونه، قطع شرودها دخول أمنية…
أمنية بتذمر و هي تجلس على الكرسي بتعب:”الحقني يا ليلي حموت من التعب… اه ياني على ميلة بختك يا أمنية انا ايه اللي خلاني اتنيل ادخل كلية طب.. كان مالها الهندسة و الا ادارة اعمال بس…”
ضحكت ليليان برقة قبل أن تجيبها:”ايه مالك يا بنتي حصل إيه لكل داه؟؟؟”.
أمنية و هي تخطف كوب القهوة من يد ليليان :” قولي محصلش ايه… هاتي رشفة عشان اصحصح كده و احكيلك… “.
ارتشفت بعض الرشفات ثم اكملت :”من شوية جات واحدة للمستشفى وجايبة بنتها قال ايه عندها برد و عايزاها تخف بسرعة علشان عندها مسابقة سباحة في النادي بعد يومين …المهم انا جيت اديها الحقنة و هي اغمى عليها فالست قامت شبطت فيا و اتهمتني ان انا اللي خوفت البنت…”.
ليليان بضحك :”طب و بعدين عملتي ايه “.
هزت أمنية كتفيها بلا مبالاة و هي تردف :” و لا حاجة ناديت الدكتور فهمي علشان يهتم بيها و جيت بصراحة انا مليش خلق للستات المدلعة دي هي كانت حقنة و الا مطوة علشان الهانم بنتها تخاف…”.
ليليان :” طب اهدي بس و روقي كده زمانه الدكتور فهمي حل المشكلة…”.
امنية بضجر:”يحل… يربط مليش دعوة هو دا اللي عندي..بس تعالي هنا قوليلي ايه سر الابتسامة و الضحكة الحلوة اللي من الودن الودن دي…ممممم لسه مكلمكيش صح؟ يا ترى عتقك أخيرا… يا سلام لو يفضل ناسيكي كده على طول او يتجوز مرة واحدة …
ليليان برجاء :” يا ريت يا أمنية يا ريت ينساني و يتجوز و يشوف حياته بعيد عني انا مش قادرة اتخيل اني ممكن ابقى مراته في يوم من الايام، انسان متكبر و اناني ميهموش غير نفسه هو عاوز يتجوزني بس عشان يكسرني و يذلني لاني رفضته كذا مرة فاكر اني حبقى زي الستات اللي هو متعود عليها و بإشارة من صباعه حيلاقيني تحت رجليه
… بس انا خايفة اوي حاسة ان في حاجة مش مضبوطة سكوته طول المدة دي اكيد في وراه مصيبة انا عارفاه داه عنيد و لما يصمم على حاجة مبيرتاحش غير لما يوصلها بأي طريقة… انت متعرفيشه زيي داه شيطان “.
امنية :”متقلقيش يا ليلي بكرة كل حاجة تتصلح و….
قاطع حديثها رنين الهاتف لتنظر لها ليليان بخوف و هي ترى اسم ايهم مكتوب على شاشة هاتفها همست أمنية و ملامح الدهشة تكسو وجهها :” دا إيه اللي فكره بيكي دلوقتي…. يا ريتنا كنا ذكرنا مليون جنيه بدل اللي ميتسمى داه…
أمسكت ليليان هاتفها بأصابع مرتجفة و وضعته على اذنها و هي تحبس أنفاسها ليأتيها صوته الكريه يأمرها بالمجيئ الى مكتبه.
اغلقت السماعة ثم رمت الهاتف على الطاولة و هي تتمتم برعب:” مش قلتلك يا أمنية.. مش قلتلك انا قلبي كان حاسس..
وقفت أمنية من مكانها ثم استدارت حول المكتب حتى أصبحت بجانب ليليان، وضعت يديها على كتفيها محاولة تهدئتها و هي تقول بصوت متوتر:” إهدي يا ليلي.. في ايه مالك هو انت اول مرة تروحي على مكتبه؟ اهدي يا حبيبتي مش كده من امتى بتخافي منه دا انت ياما هزقتيه و اخذتي حقك منه ثالث و مثلث.
ليليان بتوتر و هي تنفي برأسها:” باخذ حقي بالكلام و بس لكن هو بالأفعال….. بالأفعال يا امنية… “.
_________________________
في فيلا شاهين الالفي
نزلت كاميليا الدرج ببطئ و هي تمسك بيد فادي الذي كان يتبعها بهدوء كعادته…
ابتسم الصبي بفرح عندما سمع صوت والده و هو يتحدث مع جدته في الصالون…ترك يدها فجأة ثم اندفع يجري بسرعة ليلقي بجسده الصغير داخل أحضانه…و هو يصيح :”بابي بابي انت جيت…؟
قهقه شاهين بصوت رجولي و هو يضع طفله فوق ساقيه بعد أن قبل وجنتيه المكتنزتين عدة قبلات طويلة..
تسمرت كاميليا في مكانها برهبة و هي تراه يجلس أمامها بكل ثقة و هيبة.
لم تتوقع وجوده هنا فطوال الاسبوع الماضي لم يكن موجودا بسبب سفره…
اول مرة تراه وجها لوجه… يشبه أولئك الحرس الذين يقفون بأسلحتهم أمام الفيلا بجسده الضخم الذي كان يملأ الاريكة و كتفيه العريضين و ملامح وجهه الحادة رغم وسامته الملفتة،
رفع رأسه فجأة ليجد أمامه فتاة غريبة ترتدي ملابس فضفاضة غير متناسقة و تضع نظارات كبيرة شبيهة بنظارات العجائز تخفي معظم وجهها اما شعرها فقد اختفى تحت حجابها الذي كانت تضعه باهمال
عقد جبينه بانزعاج من مظهرها المبعثر و شكلها الغير مرتب قبل أن يسأل والدته عنها :”مين دي يا أمي و بتعمل إيه هنا؟؟”.
ثريا بابتسامة:”دي كاميليا مربية فادي الجديدة بقالها اسبوع هنا، دي شاطرة جدا في التعامل مع الأطفال و دودي مبسوط معاها جدا…”.
رمقها بنظرات غاضبة و هو يشير بابهامه الى كاميليا بتقزز و كأنها حيوان مقرف قائلا بقسوة:”دي مربية ابني انا… شاهين الألفي..انت بتهزري يا أمي انت ازاي تسمحيلها تقرب من ابني و هي بالشكل الغريب داه…مليقيتيش غير دي عشان تاخذ بالها من فادي”.
طأطأت كاميليا رأسها بألم تكبح بشدة جماح دموعها التي تهدد بالنزول و هي تستمع الى كلماته المهينة التي ألقاها على مسامعها دون مراعاة لوجودها،
طوال الاسبوع الماضي و هي تسمع عنه أحاديث و روايات مختلفة من الخدم أثناء تجمعهم لتناول طعام الغداء و كيف انه شخص وقح و قاسي لا يتردد في إهانة من يعملون عنده حتى أنه يعتبرهم كعبيد عنده و لو لاظروفهم الصعبة التي دفعتهم للعمل عند شخص حقير مثله و المرتبات المغرية التي يتقاضونها لما قبلوا بالعمل عنده ساعة واحدة.
انتبهت لصوت والدته و هي تقول بلوم:” و احنا مالنا بشكلها مدام بتقوم بشغلها كويس…كاميليا بنت محترمة و ذكية جدا و أكثر واحدة مناسبة تكون مربية لفادي انت ناسي البنات اللي جو قبل كدة كانوا بيتصرفوا إزاي…
زفر بملل من حديث والدته المعتاد حول المربيات السابقات اللواتي تقدمن للعمل هنا فقط للتقرب منه و إغوائه و هو لم يكن ليرفض عروضهن المجانية ليتمتع بهن لأيام قليلة قبل طردهن بطريقة مهينة فهو في الاخير لم يكن ليرضي أن تكون مربية ابنه إحدى العاهرات الطموحات….
تجاهل كلامها و هو يخاطب الصغير بود و كأنه ليس نفسه ذلك الفظ الذي كان يتحدث منذ قليل :”قلي يا حبيب بابي انت مرتاح مع المربية دي لو مش عاجباك خلينا نطردها و انا حجيبلك غيرها”.
توسعت عينا كاميليا بصدمة من عجرفته و غروره و هو يتحدث الي طفله المدلل… بدا و كأنه يسأله عن رأيه في لعبة او شيئ ما اشتراه له، ليجيبه فادي ببراءة :”لا يا بابي خليها انا بحب miss كاميليا اوي هي علمتني ارسم على الايباد رسمها حلو اوي يا بابي دي حتى رسمتلي بانتان و سبونج بوب زي الحقيقيين ( شخصيات رسوم كرتونية).
تعجب شاهين من كلام الصغير الذي أبدى و لأول مرة ارتياحه مع مربية ليرمق تلك الواقفة بنظرة استعلاء قبل ان يسألها :” انت بتدرسي إيه؟؟
ثريا بفخر و هي تلاحظ توتر كاميليا :”رابعة هندسة و دايما الأولى على دفعتها… و بتتكلم ثلاث لغات بطلاقة الفرنسية و الانجليزية و الروسية كمان… انا تأكدت من داه بنفسي”.
اردف شاهين بصوت واثق و هو يضع فادي على الاريكة بجانبه :” كويس جدا… ابني مسؤوليتك انت يا أمي بس انا لو لاحظت أي تقصير انا حتدخل فورا…
انا طالع ارتاح فوق قوليلهم يصحوني بعد ساعتين علشان عندي موعد مهم “.
ثريا :” انت مش حتتغدى قبل ما تنام؟؟”.
أشار نافيا بيده قبل أن يتجه الى الدرج صاعدا الى جناحه… أخذ حماما دافئا ثم تمدد على سريره ليغمض عينيه و يغط في نوم عميق….
في الحديقة تجلس كاميليا تراقب الصغير الذي كان منشغلا بجهازه اللوحي و هو يحاول بكل جهده إكمال رسمته و كأن حياته تعتمد عليها.
نظرت له بحنق و كره للحظات… هذا الطفل المدلل الذي يعيش حياة الملوك… تعرضت للاهانة و السخرية من قبل والده منذ قليل و هو لا يهتم لشيئ سوى لهذه الرسوم السخيفة…
انتبهت لمجيئ فتحية تلك الخادمة البشوشة التي لا تكف عن الثرثرة و الحديث عن أخبار الباشاوات و الهوانم الذين يأتون الى هذا القصر حتى أنها باتت تعرف العديد منهم و تعرف أخبارهم دون أن تراهم حتى…
فتحية بابتسامة:”انت هنا و انا عمالة ادور عليكي عليكي من ساعة…داه وقت الغداء مجيتيش ليه؟؟”.
كاميليا :”اتغدوا انتم بالهناء و الشفاء انا مليش نفس و فادي أكل من شوية قبل ما نخرج”.
فتحية و هي تلاحظ نبرة صوتها الحزينة :”انت لسه زعلانة من كلام البيه…يا بنتي انسى بكرة تتعودي المهم انك مترديش عليه غير لما يسألك….
كاميليا ببؤس:”و انا في إيدي إيه غير إني أسكت و أبلع الاهانة يعني لو رديت عليه حيحصل إيه داه مش بعيد يشتمني أكثر و يطردني كمان و انا بصراحة مش عاوزة اخسر الشغل انا محتاجاه جدا و معنديش بديل انا لو عليا و الله ماكنت اقبل انه يهيني و لا يقلل من كرامتي بالشكل داه حتى لو اموت من الجوع بس انا بشتغل علشان اساعد عيلتي…
ربتت فتحية على كتفها بحنو و هي تجيبها:”كلنا كده يا حبيبتي لولا الحاجة مكنا قعدنا في الذل داه و كمان علشان خاطر الست ثريا هي طيبة و مش زيه ما انت شفتيها دافعت عنك إزاي”.
كاميليا بانفعال:” الحيوان.. انت مشفتيش كان بيبصلي بقرف إزاي هو يعني علشان ربنا كرمه و رزقه شوية فلوش يدوس على الغلابة اللي زينا هو احنا بنشحت منه ما احنا بنشتغل اهو… إلهي يخذه بني آدم مستفز انا مش مصدقة إزاي هو اب لملاك زي داه”.
أكملت كلامها و هي تشير بعينها لفادي لتضع فتحية يدها على فمها و تشير لها بأن تخفض صوتها:” يا بنتي اسكتي احسن يسمعك دي الحيطان ليها وذان داه بيبقى قاعد في اوضته و بيعرف كل حاجة بتحصل برا و بعدين انت مش قلتي انك حتشتغلي شهر أو شهرين و بعدين تمشي… اهدي كده و كولي عيش و خلي ايامك تعدي على خير إنت مش قد الناس و لا قد نفوذهم، دول إيديهم طايلة اوي و ما بيرحموش، نظرت فتحية يمينا و يسارا لتتأكد من حلو المكان حولهما قبل أن تسترسل في حديثها….داه سجن بنت مسكينة كانت بتشتغل معانا هنا منه لله لبسها قضية زور و سجنها خمس شهور داه غير العلقة اللي خذتها من القاردز… “.
كاميليا بهمس :” ليه؟ هي عملت إيه؟؟ “.
فتحية و هي تتنهد بحزن:” ابدا و الله دي مكملتش يومين شغل و اليوم الثالث لقاها بتنظف في مكتبه و الظاهر كده انها غيرت مكان ملفات او حاجة زي دي المهم شتمها و قلها يا حيوانة فهي المسكينة مستحملتش و دافعت عن نفسها انا فاكرة اليوم داه كويس اوي، انا لحد دلوقتي لسه سامعه صريخها في وذاني و هي بتستنجد و بتترجاه انه يرحمها انت مشفتيشه ازاي جرها من شعرها و رماها برا الفيلا و أمر الحرس انهم يكملوا عليها و بعدين ياخذوها للقسم … الست ثريا وقتها للاسف مكانتش موجودة كانت بتزور واحدة قريبتها….المهم خلي بالك من نفسك حتى لو شتمك اسكتي داه ظالم و مش بعيد يلبسك قضية…
ارتجفت كاميليا و هي تتخيل نفسها مكان تلك المسكينة لتمتم بخوف :”يا نهار اسود إيه الذل داه يعني يا استحمل الاهانة و الشتيمة زي الحيوانة و اسكت و الا اتسجن و اتضرب… منك لله يا هبة ملقيتليش غير الفيلا الشؤم دي علشان اشتغل فيها دي كانت شورة مهببة انا لايمكن استحمل كل داه انا حخلص الشهر علشان اخذت سلفة و بعدين حعتذر من الهانم و ابطل شغل… خليله ابنه المدلل داه يشبع بيه و يربيه على مزاجه “.
فتحية بمواساة :” ربنا يسهل يا حبيبتي يلا هاتي البيه الصغير و تعالي ندخل علشان تتغدي اليوم لسه طويل مش حتقدري تركزي مين غير أكل…”.
_________________________
في مستشفى البحيري
قلبت ليليان عيناها بضجر و هي تنظر لساعتها للمرة العشرون قبل أن تهتف بصوت غاضب موجهة حديثها لسكرتيرة أيهم :”لما حضرته مشغول كده بيناديني ليه…انا كمان عندي شغل اتصلي بيه دلوقتي و قوليله لو مش فاضي انا حمشي و حبقى أرجع وقت ثاني”.
رمقتها وفاء السكرتيرة بنظرة حارقة قبل أن ترفع سماعة الهاتف ليأتيها الرد،
:”اتفضلي يا دكتورة الدكتور مستنيكي “. تشدقت وفاء و هي تمط شفتيها دون اكتراث بغضب الواقفة أمامها التي تكاد تنفجر غيضا…
فتحت ليليان الباب لتندفع داخلا و هي تصرخ بغل:” انت قاصد تهيني صح بقالي ساعة مستنية جنابك
عشان تفضى و تدخلني… بس الحق مش عليا انا الغبية اللي بنفذ اوامرك و باجي هنا”.
إتكأ أيهم على كرسيه و هو يشاهد باستمتاع ملامحها الغاضبة…مشرقة وفاتنة كعادتها، وجهها محمر من شدة الغضب و عيناها تنبعث منهما شرارات الكره.
يعلم انها تكرهه و تمقته منذ طفولتها منذ اول يوم أتت فيه الى منزلهم بسبب معاملته الفظة لها عكس بقية عائلته، لطالما اعتبرها شيئا تابعا له من أملاكه يتحكم به كما يشاء،دراستها أصدقائها عملها كل ما يتعلق بها يخصه هو لوحده…
يعلم نقاط ضعفها و يستغلها جيدا للسيطرة عليها لكنها تفاجئه دائما بتمردها و شراستها، على مدى سنوات لم يتمكن من كسرها و ترويضها بل ازدادات عنادا و جموحا، و ازداد هو اصرارا على الحصول عليها،تليق به كثيرا رغم اختلافهما فالفرق بينهما كالثلج و النار.
ابتسم بتسلية في سره و هو يمثل عدم الاكتراث قبل أن يجيبها:”كان عندي شغل مستعجل اقعدي مالك واقفة ليه؟
رمقته باستهجان و هي تقول بغضب:” عاوز إيه؟ عندي شغل و مش فاضية.
مط أيهم شفتيه بعدم رضا و هو يتلاعب بقلمه بين اصبعه ثم قال بلهجة معاتبة مزيفة :”ليه كده يا ليلي دا انا حتى عندي ليكي أخبار حلوة حتفرحك…
ليليان بسخرية:” أخبار حلوة و منك انت؟؟
تجاهل نبرتها الساخرة ثم رمى القلم الذي كان يتلاعب به بين اصابعه قائلا بجدية:”أقعدي في كلام مهم لازم نحكيه.. و الا انت ناسية انك خطيبتي؟
ازداد حنقها من بروده و لهجته الآمرة التي تثير اشمئزازها يبدو أنه هو من ينسى انها خطيبته و هذا ما أكده لها عندما أخذه معها الى تلك السهرة…
تقر انها تفاجأت كثيرا عندما لم يعارض ارتدائها للحجاب و كأنه كان يتوقع ان تفعل ذلك في أي وقت
إضافة إلى أنه تجاهلها طوال الاسبوع،
لم تره و لم تسمع صوته و لم يأت الى منزل والديه كعادته هذا ما أثار ريبتها و شكها انه يخفى أمرا كبيرا.
جلست و هي تنظر إلى ملامحه الجامدة الخالية من اي تعبير….علها تفهم ما يلمح إليه كانت تنتظر ما سينطق به بقلب منقبض و أيهم بطبعه لم يكن ليخذل إحساسها كعادته عندما نطق بكل ثقة و كأن ما سيقوله امر مفروغ منه لايستحق النقاش او المعارضة.
:”انت كملتي دراستك زي ما كنتي عاوزة و بقيتي بتشتغلي كمان يعني كل طموحاتك و أحلامك حققتيها و مقعدش ليكي حجة علشان نأجل جوازنا…
تجاهل نظراتها المستنكرة و تابع :” حتى بابا موافق و مش هو بس كل العيلة خاصة ماما مبسوطة جدا و….
قاطعته ليليان بغضب و هي تضرب بقبضتها على المكتب :”يعني كلهم عارفين و انا اللي آخر من يعلم….
أيهم بحدة :”أقعدي خلينا نتكلم بهدوء و بلاش تعلي صوتك متخلينيش اتقلب عليكي و اوريكي وشي الثاني.
ليليان :”نتكلم في إيه انت عارف كويس ان انا مش موافقة عليك…. انا مش بحبك و لا انت كمان بتحبني احنا مش شبه بعض… انا رضيت علشان عمي و مرات عمي مكنتش عاوزة اكسر بخاطرهم….انا مقدرش اقلهم لا بس انت تقدر تعمل اللي انت عاوزه….
ايهم بتجاهل :” و انا عاوز اتجوزك و آخر الشهر داه خوذي بقية الشهر إجازة علشان تجهزي نفسك براحتك…”.
ليليان بصدمة :”مستحيل انت بتهزر أكيد…. جواز مين اللي آخر الشهر انا مستحيل اقبل بداه مستحيل اتجوزك افهم يا بني آدم….انا زمان وافقت علشان عمي …
أيهم بصراخ و قد بدأ الغضب يتصاعد الى رأسه :” ليليان…. احترمي نفسك و اعرفي انت بتتكلمي مع مين…مش علشان ساكتلك تسوقي فيها، جوازنا آخر الشهر و مش عاوز كلام ثاني في الموضوع داه اتفضلي روحي دلوقتي انا كلمت ماما من شوية و هي زمانها مستنياكي”.
ليليان و هي تتمالك نفسها محاولة إقناعه ليتراجع عن رأيه :”أيهم…ارجوك داه جواز مش لعبة…بطل تتحكم في حياتي و تمشيها على مزاجك،دراستي و شغلي و حتى اصحابي انا كنت بنفذ كلامك و مش بعترض علشان دين عمي اللي في رقبتي علشان هو اللي اخذني و رباني و عاملني زي بنته بعد ما….. ابويا رماني… بس دلوقتي مقدرش…انا و انت مش شبه بعض انا ليا حياة و انت ليك حياة ثاني مختلفة عني…جوازنا مش حينجح ابدا و انت عارف كده كويس.
ايهم بملل:”بقلك إيه سيبك من الكلام الفارغ داه…انا صبرت عليكي اوي كل مرة تجيبي حجة شكل علشان نأجل جوازنا و بابا كان بيسايرك و لو لاه انا مكنتش حسيبك و كان زمانا متجوزين من زمان بس مش مهم و بالنسبة لأسلوب حياتي فانت حتتعودي اكيد”.
ليليان بحنق:”حتعود على إيه بالضبط؟؟ على معاملتك الزفت ليا و الا اسلوب كلامك معايا و كأني خدامة عندك و الا سهراتك مع اصحابك الفاسدين و الشرب و البنات و الحاجات الحرام اللي انت بتعملها….دا انت كل يوم مع واحدة شكل “.
ايهم بوقاحة :” اصحابي دول اللي بتتكلمي عليهم من أهم رجال الاعمال في البلد و انت عارفة داه كويس اما في مايخص البنات فعاوزاني اعمل إيه لما سيادتك بتعامليني على أساس واحد غريب عنك كل ما أقرب منك بتصديني… انا في الاخير راجل و ليا احتياجاتي “.
ليليان و هي تنظر له باشمئزاز:” يعني كل داه علشان رفضت اسلمك نفسي ….
ايهم بنفاذ صبر :” على فكرة انت غبية اوي انا لو كنت عاوزك بالطريقة دي كنت خذتك من زمان و انت عارفة اني اقدر اعمل كده… انت ليا يا ليليان بتاعتي انا….. من يوم مادخلتي بيتنا و انا قررت انك تكوني ليا فيا ريت تبطلي عناد و رفضك داه ملوش لازمة انت ملكيش غيري….
صرخت ليليان يجنون و هي ترى حبل مشنقته يقترب من رقبتها :”انت مش طبيعي… حل عني بقى انا بكرهك و مش طايقاك انت مش حاسس ازاي بقرف منك و من كل حاجة ليها علاقة بيك انت واحد معندكش اخلاق و لا شرف اخر مرة كنت عاوزني البس لبس عريان قدام اصحابك انا ميشرفنيش اني ارتبط بوا….
بحركة سريعة قبض ايهم على حجابها من الخلف بقوة حتى كاد يقتلع شعرها من جذوره لتصرخ ليليان بألم و هي تتلوى بين ذراعيه محاولة تخليص نفسها، دفعها لتنحني و يصبح رأسها على سطح المكتب ثم مال فوقها ليهمس قرب اذنها بصوت مرعب كفحيح الافعي:”بقيتي قليلة الادب يا لولو و لازمك إعادة تربية من اول و جديد…بس المكان هنا مش مناسب ايه رأيك نروح شقتي اوعدك حتتبسطي هناك”.
انهمرت دموعها بغزارة و هي تحس بضعفها و قلة حيلتها ككل مرة ينفرد بها…تعلم انها وحيدة و لا احد سينقذها من بين براثنه لا تمتلك اما تدافع عنها و لا ابا يهتم لامرها و لا حتى اخا تستند عليه وقت شدتها، تخبطت بعنف و هو يجذبها اليه ليصبح وجهها مقابلا له..
حاولت دفعه بياس لكنه شدد قبضته على شعرها من جديد غير آبه ببكائها المرير و هي تحس بيده الأخرى تتلمس مفاتن جسدها بطريقة وقحة.
تعالت أصوات أنفاسها المختنقة بدموعها لتغلق عينيها و أمل احمق تنامى بداخلها تتمنى ان كل ماتمر به مجرد كابوس…
كتمت أنفاسها التي امتلأت برائحته المميزة التي تمقتها… رائحة عطره الفرنسي الفاخر الممزوجة بالسجائر عندما جذب وجهها اليه ليمرر أنفه على خدها المبلل بدموعها و هو يهمس بصوت خافت مخيف جعل الدماء تتجمد حرفيا في عروقها:”
اعقلي و بلاش تستفزيني اكثر…. آخر الشهر داه حنتجوز يعني كمان اسبوعين… كوني مطيعة و نفذي اللي بقلك عليه متخليش اقلب الوش الثاني انا مجنون و انت عارفاني كويس بتحبيني بتكرهيني مش مهم المهم انك حتكوني ليا في الآخر”.
ترددت كثيرا قبل أن تهمس هي الأخرى بصوت منكسر :” انا بنت عمك ليه بتعمل فيا كده؟؟
ابعدها عنه قليلا ثم نظر الى وجهها الفاتن قبل أن يجيبها :”عشان انت الوحيدة اللي تحديتيني رفضتي ايهم البحيري اللي كل البنات بتتمنى إشارة منه… عاوز اكسرك و أذلك علشان نظرة الكبرياء و الغرور اللي في عينيكي تتمحي…انا كان ممكن اعمل كده بطرق ثانية كثير يعني مثلا آخذ منك اللي انا عاوزه و بعدين ارميكي او اصورك شوية صور حلوة ملي في بالي ساعتها حخليكي تبوسي جزمتي علشان ارضى عليكي…”.
ليليان و هي تكتم المها:” أرجوك يا أيهم بلاش… سيبني في حالي و انا اوعدك مش حتشوف وشي ثاني…. انا حسافر برا و مش حرجع…..
أيهم و هو يقاطعها بحدة زادت من ارتجاف جسدها و بكائها:”مش حتروحي لأي مكان… و الله يا ليليان لو فكرتي تهربي ثاني ماحرحمك المرة دي…يلا دلوقتي روحي اغسلي وشك الحلو داه و روحي البيت ماما مستنياكي”.
دفعها بعنف حتى كادت تسقط أرضا لو لا استنادها على الكرسي الذي كان وراءها مباشرة…
ارتعشت أطرافها و هي تشعر بجسدها عاجز على الوقوف او التحرك.
تنفست باضطراب محاولة الصمود و التماسك ليتعالى صوت لهاثها…رفعت يدها بصعوبة لترخي حجابها الذي بات يخنقها بشدة مررت اصابعها على عنقها تمسده بحركات لا إرادية و تمسح حبات العرق التي غزت وجهها و رقبتها فجأة…
انحنت لتستند على الكرسي بيديها الاثنتين و هي تفتح عينيها على وسعهما محاولة التخلص من الغشاوة التي اكتستهما…
ترنحت للحظات قبل أن تسقط أرضا، اقترب أيهم منها بسرعة و قد تبدلت ملامحه الغاضبة المتجهمة بأخرى قلقة…
انحني بجانبها لتتراجع ليليان بجسدها و هي تهز رأسها بهستيريا يمينا و يسارا و صوت شهقاتها المتقطعة يعلو شيئا فشيئا…
نظرت له بخوف و هي تضم يديها على صدرها المرتعش وكانها تحمي نفسها منه…
زاد ارتعاش جسدها بطريقة مخيفة ليصرخ ايهم بجنون و هو يحملها بين ذراعيه رغم مقاومتها و يضعها على الاريكة.
جلس مقابلا لها ووضع يده على يدها المرتجفة و الاخرى على وجهها محاولا تهدئتها:”ليليان مالك…فيكي إيه ،ايه اللي حصل، إهدي… إهدي”.
ازدادت شهقاتها و دموعها التي أغرقت وجهها و رقبتها و هي تغمض عينيها بقوة و تتراجع برأسها الى الوراء مبتعدة عنه… ظلت تنتفض بعنف للحظات قبل أن تغرس أصابعها بعنف في خصلات شعرها التي ظهرت من تحت حجابها
وقف ايهم من مكانه ثم اسرع الى مكتبه ليعبث بأدراجه باحثا عن شيئ ما…
شتم بصوت عال عندما لم يجد ما يبحث عنه التفت لليليان التي كانت في عالم آخر، يعلم جيدا ان ما أصابها هو انهيار عصبي حاد لشدة ضغطه عليها،
دار حول نفسه بجنون و هو يشد خصلات شعره بغضب لم يكن يتوقع هذا ابدا … لم يتوقع انهيارها … فهذه ليس اول مرة يهددها و يهينها و يذلها بكلماته المسمومة ،و لا اول مرة يتعامل معها بقذارة…او حتى يضربها… لطالما عاملها كما ما يحلو له كلما دعاها الى مكتبه.
رفع سماعة هاتفه ليستدعي احدى الممرضات و معها الدواء المناسب قبل أن يعود و
يجلس بجانبها جاذبا جسدها المرتعش بين ذراعيه القويتين ليضمها بقوة مسيطرا على ارتجافها ثم يضغط بيده خلف رأسها ليدفن وجهها في صدره و يكتم صوت شهقاتها المتعالية.
___________________
وقفت هبة على رصيف احد الشوارع محاولة إيقاف سيارة أجرى لتقلها الى جامعتها، نظرت بتأفف الى ساعتها و هي تتمتم بغيظ :”انا تأخرت أوي اكيد مش حلحق على أول محاضرة…
تراجعت بذهول و هي ترى سيارة فاخرة تتوقف أمامها فجأة… ليترجل عمر منها و ملامح وجهه الغاضبة لاتبشر بالخير
تراجعت بخطواتها الى الوراء عندما وجدته يتقدم نحوها.. صرخت بألم عندما قبض على ذراعها بعنف ليجذبها نحوه موقفا تراجعها و هو يهدر بعنف:”بقالي أسبوع بكلمك على التليفون مش بتردي ليه ها…
مش ناوية تعقلي بقى و تبطلي لعب عيال”.
نظرت هبة حولها بتوتر مخافة ان يراها أحد و هي تحاول باستماتة جذب يدها لكنها فشلت…لتهتف بحنق:”انت تجننت سيب إيدي.. عاوز مني أيه ابعد عني، و ملكش دعوة بيا”.
مسح عمر على وجهه بعنف قبل أن يهدر بعصبية:” متستفزينيش يا هبة احسنلك…تعالي حوصلك الجامعة و بالمرة نتكلم”.
جذبها ورائها بقوة ليجبرها على ركوب السيارة… لم تقاومه كثيرا حتى لا تجلب إنتباه المارة و ما أن صعد بجانبها حتى صرخت في وجهه :” انت عاوز توصل لايه بتصرفاتك دي… انت عاوز ترجع تبوزلي حياتي زي زمان يا ابن الدكتور “.
تراجع عمر برأسه على كرسي السيارة و هو يغمض عينيه بتعب متمتما برجاء:”و النبي يا بيبة اسكتي دلوقتي انا مش ناقص بقالي اسبوع منمتش ساعتين على بعض بسبب الشغل علشان شريكي كان مسافر اول ما جا جتلك على طول…”.
تأملت هبة ملامحه المتعبة للحظات قبل أن تخفض نظرها بخجل و توتر.
تجلس عمر في مقعده قبل أن يحرك السيارة باتجاه الجامعة…ابتسم بسعادة و هو يلتفت بجانبه بين الحين و الاخر.
كزت هبة على أسنانها بغيظ قبل أن تهتف:” انت بتضحك ليه…شايفني اراجوز قدامك؟؟ “.
قهقه عمر بخفة و لم يجبها لتتوه هبة بمظهره الرجولي الوسيم الذي خطف عقلها منذ ذلك اليوم الذي رأته في حديقة الفيلا…
ضغطت على باطن كفها بقوة حتى تطرد تلك الأفكار
ف
ي عقلها لتتفاجئ بيده تحتوي كفها بنعومة و يمرر ابهامه على الاحمرار الطفيف الذي ظهر على بشرة يدها مكان الضغط.
ابتلعت ريقها بتوتر قبل ترفع بصرها نحوه بحذر لتجده يرمقها بنظرات حانية لم تفهمها…. ازدادت دقات قلبها عنفا و حرارة غريبة اجتاحت كامل جسدها…
انها نفسها،تلك النظرة التي كانت تراها في عينيه قبل سبع سنوات كلما مرت بجانبه او اعترض طريقها.
مرت دقائق قصيرة صامتة قبل أن يتوقف بسيارته أمام مبنى الجامعة…التفتت هبة بوجهها الى جهة باب السيارة استعدادا للنزول لتتفاجئ بأنه مقفل رفعت انظارها الى الجالس بجانبها لتجده يستند برأسه على مقود السيارة …
ضحكت بخفوت على مظهرهه قبل تتمالك نفسها و تقول برقة:”عمر… ممكن تفتح الباب علشان انزل”.
همهم عمر بأعتراض قبل أن يهتف :”تؤ.. خليكي جنبي كمان شوية”.
هبة باستنكار:”انا تأخرت على المحاضرة لازم انزل”.
عمر :”فاضل نص ساعة على محاضرتك التانية”.
عقدت هبة حاحبيها دلالة على تعجبها ليقاطعها صوته من جديد :” متستغربيش.. انا حافظ الجدول متاع محاضراتك”.
هبة :”طيب خليني انزل مش معقول حتفضل في الشارع.. و انت كمان باين عليك تعبان…
قاطعها عمر و هو يلتفت إليها بكامل جسده.. أمسك كفيها بين يديه وهو يتفرس في ملامح وجهها الناعمة قبل أن يقول :” تعبان اوي يا هبة و راحتي في حضنك… حضنك اللي تمنيته من سنين و حرمتيني منه بكل قسوة ، بس دلوقتي انا رجعت و مش حستسلم ابدا عارفك ليه علشان انت من حقي…
حاولت هبة التملص منه و هي تردد بتلعثم :” انت بتتكلم على إيه؟ احنا مكانش في بينا حاجة و لا عمره حيكون..متنساش انت تبقى مين و انا….
عمر بصراخ و قد احمرت عيناه بشكل مخيف و برزت عروق يديه التي زادت من ضغطها على معصميها حتى كادا يهشمهما :” اسكتي مش عاوز اسمع الكلام الفارغ داه… احنا كنا بنحب بعض انت صح كنتي صغيرة بس انا كنت كبير و فاهم كويس… انت كمان كنتي بتحبيني يا هبة بس كنتي خايفة و انا معرفتش اتصرف او يمكن الظروف مكانتش ملائمة دراستي و شغلي كنت لسه بأبتدي حياتي بس دلوقتي خلاص… رجعت و مش حسيبك ابدا و تبقي عبيطة لو فكرتي انك حتغيري رأيي بكلامك اللي ملوش لازمة داه… حتوافقي يا بيبة و حنتجوز انا خلاص جبت أخري”.
أفاق من جنونه على صوت شهقاتها المكتومة و هي تضغط على شفتيها بقوة…زفر بحنق و هو يشتم غبائه في سره لقد جعلها تخاف منه من جديد عوض ان يقربها منه و يطمئنها بوجوده…
نظر الى معصميها ليجدهما محمرين بشدة بسبب قوة ضغطه عليهما.. انحنى ليطبع عليها قبلات خفيفة ثم يمسح عليهما بأصابعه قائلا باعتذار :”اسف يا بيبة.. حقك عليا متزعليش…مش حعمل كده ثاني انا بس كنت تعبان و مخنوق…انا والله بحبك و عمري ما نسيتك لحظة و لا فكرت في غيرك و الايام حتثبتلك صدق كلامي… بس اوعديني انك
حتفضلي جنبي و مش حتتخلي عني ابدا”.
أدارت هبة وجهها متحاشية نظراته المترجية و هي تغلق عينيها بضعف كم تتمنى ان تلقي بنفسها بين أحضانه و تخبره بأنه على حق و انها تحبه بل و تهيم به عشقا لكنها لا تستطيع…
قلبها لا يتحمل وجعا آخر لا تريد أن تعد نفسها و تمنح قلبها آمالا مستحيلة،فتحت عينيها عندما حاوط عمر وجهها بيديه هامسا من جديد :”اوعديني يا هبة”.
__________________________
الساعة الرابعة عصرا
نزل شاهين درج الفيلا الخارجي متجها الى سيارته التي توقفت بالقرب منه، ترجل منها الحارس ليعطي المفاتيح لسيده ثم ينحني انحناءة خفيفة قبل أن يشير له شاهين بالمغادرة…
كان على وشك إغلاق الباب عندما سمع أحد الحرس يناديه… تأفف بضيق قبل أن يسمح له بالاقتراب قائلا بلهجة آمرة :”عاوز إيه يا أحمد؟؟”.
تنحنح أحمد منظفا حلقه قبل أن يقول بارتباك :”شاهين بيه في حاجة… مهمة حضرتك لازم تعرفها بخصوص. …
شاهين بحدة :” بخصوص إيه اتكلم؟؟
أحمد بتوتر :”بخصوص المربية سعادتك… اللي اسمها كاميليا”.
نظر له شاهين بتساؤل و قد ظهرت على ملامحه بعض الاهتمام ليتشجع الاخر و يكمل :”البنت دي جات اول يوم هي و صاحبتها علشان يقابلوا الست ثريا هانم علشان الشغل و رجعوا اليوم الثاني كمان مع بعض…
قلب شاهين عينيه بملل قبل أن يهتف بنفاذ صبر :”و بعدين…. فين الحاجة المهمة يا بني آدم الاثنين جو مع بعض اول يوم و ثاني يوم … انت كده بتضيعلي وقت و بس…
ارتعش أحمد بخوف قبل أن يجيب باندفاع :” لا يا بيه انا كنت اقصد ان المربية لما جات اول يوم مكانتش كده اقصد شكلها…انا كنت فاكر انها بنت ثانية غير اللي جات اول بس انا تأكدت انها نفسها لما شفت هويتها
سعادتك شوف CD علشان تتأكد داه تسجيل من الكاميرات بتاعة الفيلا.. الست ثريا هانم كانت أمرت مجدي انه يمسحهم يوم ما جات المربية اول مرة”.
ترجل شاهين من السيارة ثم أغلق الباب وراءه بعنف… أخذ المغلف من يد الحارس بملامح جامدة قبل أن يهدر :” لو كلامك طلع صح فأنا حديك مكافأه عمرك ما كنت تحلم بيها بس لو طلع غلط انصحك تجهز كفنك من دلوقتي… “.
نظر شاهين الى كيس المحلول المتصل بذراع ليليان و الذي شارف على الانتهاء تنهد بارتياح ثم أخرج هاتفه من جيب سترته ليعاود الاتصال بوالدته و يطمئنها.
ايهم بصوت عادي :”أيوا ياماما خير في حاجة؟؟”.
كاريمان :”ايهم يا حبيبي انا كنت مستنية ليليان علشان تيجي بس هي لسه مجاتش و كمان تلفونها مقفول انا بقالي….
أيهم :” أيوا يا ماما اصل ليليان لسه هنا في المستشفى كمان شوية و حتيجي “.
كاريمان :” طيب ممكن تخليها تكلمني ظروري بعد ما تخلص الشغل”.
أيهم بصوت هادئ:” ماما ليليان جالها انهيار عصبي و انا اديتها مهدئ و دلوقتي هي نايمة نص كمان و حتفوق….
صرخت كاريمان بفزع قائلة :”مالها ليليان يا ايهم بنتي جرالها حاجة… انا جاية دلوقتي حالا…. “.
أيهم مقاطعا:”يا ماما إهدي ليليان زي الفل بس هي أغمى عليها و حتفوق و حخليها تكلمك…. اصل في واحد من المرضى بتوعها توفى النهاردة و هي كانت متعلقة بيه و لما مات زعلت جامد و اغمى عليها….
كاريمان ببكاء :”أيهم و النبي انا عاوزة اشوفها حخلي السواق يجيبني المستشفى حالا…
أيهم بنفاذ صبر :” يا ماما انا كمان نص ساعة و حروح بيها بنفسي انت اقعدي في البيت و حضريلها الاكل اللي بتحبه علشان تأخذ الدواء بتاعها ما تنسى أن جوازنا فاضله اسبوعين بس….
كاريمان :”حاضر انا حروح احضرلها كل الاكل اللي هي بتحبه بس و النبي طمني عليها اول ما تفوق و لو تأخرت اكثر من ساعة انا حاجي المستشفى بنفسي..
أيهم :” حاضر يا ماما انا حقفل دلوقتي و حبقى أطمنك بعدين ….
بعد ساعتين عادت ليليان مع عمها الي فيلا عمها لتستقبلها كاريمان بلهفة…
:” يا حبيبتي الف سلامة عليكي انا كنت حجيلك للمستشفى بس أيهم طمني و قلي انه حيجيبك دلوقتي…
أومأت لها ليليان بضعف و هي تجاهد حتى تصعد درجات مدخل الفيلا لتسارع زوجة عمها باسنادها :” تعالي يا حبيبتي ادخلي جوا ارتاحي و انا حجيبلك شوية شربة سخنة تاكليها و تاخذي الدواء بتاعك…
استندت ليليان بيدها على الجدار و هي تغلق عينيها و تفتحها مرارا و تكرارا تقاوم الدوار الذي تمكن منها منذ نزولها من السيارة…
صاحت كاريمان بفزع و هي تنظر إلى وجه ليليان الشاحب :”أيهم تعالى شوف مالها جسمها بيترعش و مش قادرة توقف على رجليها…..
سارع أيهم إليها ليحملها بخفة و يتوجه بها إلى الداخل قائلا :” متخافيش يا ماما جسمها لسه تحت تأثير المهدئ اللي انا إدتهولها في المستشفى انا حطلعها أوضتها و انت هاتي الاكل…
وضعها ايهم على سريرها ثم عدل الوسادة خلف رأسها و وضع فوقها غطاءََ خفيفا…. كل هذا تحت أنظار ليليان الصامته.
جلس على الفراش مقابل لها يتمعن في هيئتها المتعبة و وجهها الذابل و حجابها الذي كان يغطي شعرها بشكل فوضى..
مد يده ليزيح الحجاب بلطف لينهمر شعرها الحريري على جانبها ليعطيها مظهرا ساحرا رغم ضعفها و مرضها الا انها كانت تبدو كالحورية بجمالها الاخاذ مما جعل ايهم يطيل النظر إليها دون وعي منه.
أفاق من تأمله على صوت والدته التي دخلت للتو وفي يدها صنية طعام… نظرت كاريمان لايهم بتساءل و هي تقول :”إزاي تسيبها تنام من غير ماتاكل و تشرب الدواء؟”.
تنحنح أيهم و قد أدرك للتو انه كان مغيبا عن الواقع حتى أنه لم يلاحظ انها كانت نائمة…
وقف من مكانه و هو يردد بصوت هادئ:”سيبيها تنام دلوقتي و لما تفوق حتاكل… هي لسه تعبانة و من المفروض انها تبقى في المستشفى الليله دي بس انا جبتها هنا عشان متقلقيش عليها و كمان تاخذي بالك منها…انا رايح دلوقتي عندي شغل و لو حصل أي حاجة كلميني”…
كاريمان و هي تضع صينيه الطعام فوق الطاولة :” طيب انا حقعد جنبها و لما تفوق حبقى أكلمك…
____________________________
انا أيهم البحيري عندي 33 سنة دكتور جراح اختصاص مخ و أعصاب و عندي مستشفى و هي تعتبر من أكبر و أرقى المستشفيات في البلد و عندي كمان شركة لاستيراد المعدات و المواد الطبية…
و انا من عيلة غنية و معروفة امي من أصول تركية تركية و اسمها كاريمان مامتها تركية لكن باباها اللي هو جدي مصري عندي اخت اسمها أميرة و أخوين محمد و سيف و هما أصغر مني.
مشكلتي اني بارد بشكل غير طبيعي و ما بهتمش غير بنفسي و بعيلتي و بس و طبعا صحابي شاهين و عمر… بحب دايما الحاجة ال perfect عشان كده درست طب و اخترت أصعب إختصاص اللي هو زي ما قلتلكم جراحة مخ و أعصاب و عمود فقري….انا بحب التحدي جدا و عنيد و لما بعوز حاجة بوصلها بأي طريقة و ميهمنيش النتائج….
خطيبتي اسمها ليليان و هي بنت عمي أصغر مني ب خمس سنين و هي بتشتغل عندي في المستشفى طبيبة أطفال…مامتها توفت و هي عندها ثلاثة عشر سنة ابوها اللي هو عمي رماها عندنا و راح تجوز واحدة ثانية… ليليان كانت هادية جدا و عاقلة علشان كده ماما ملقتش صعوبة في تربيتها و عاشت معانا و كأنها واحدة مننا اخواتي بيحبوها و كأنها أختهم…. طبعا الا انا كنت بكرهها و بهينها بس هي مكانتش بتشتكي كنت بتحكم في حياتها صحابها لبسها دراستها خروجها كل حاجة بتتعلق بيها كانت في إيدي و كأنها لعبتي المفضلة.
لما نجحت في الثانوية العامة انا اللي أجبرتها تختار طب كنت عاوزها تطلع زيي مش عارف ليه بس دا اللي حصل لكن هي كانت غبية و مقدرتش انها تتخصص في جراحة المخ زيي فاكتفت بطب الأطفال…المهم لما بقى عمرها عشرين سنة ماما طلبت مني اني أتجوزها علشان كانت بتحبها اوي و قالت إنها مش حتطمن عليها الا معايا انا في الأول كنت رافض الفكرة دي علشان ليليان كانت مجرد لعبة بتسلى بيها و بحياتها صحيح هي كانت حلوة جدا و محترمة و ملتزمة دي حتى كانت عاوزة تلبس الحجاب من و هي صغيرة بس انا رفضت لكن انا مكنتش بفكر اني أتجوزها انا أصلا مكنتش بفكر في الجواز من أصله… كنت بستمتع بحياتي بأقصى حد سفر و سهر و بنات وشرب و كل حاجة كنت عاوزها بعملها….
لكن ماما مستسلمتش و كلمت بابا في الموضوع و هو كان مرحب جدا ولما سأل ليليان على رأيها… رفضت.. تصوروا انا أيهم البحيري اللي كل البنات بتحلم بيه ترفضني واحدة ضعيفة و غبية زي ليليان و داه اللي خلاني اتجنن اكثر و اهددها.
بعد شهر عملنا الخطوبة و زاد تحكمي فيها أكثر بحجة انها خطيبتي و من حقي أتدخل في حياتها. لما خلصت دراستي و فتحت المستشفى قررت اننا نتجوز لكن هي كل مرة كانت بتتجج و تجيب أعذار و في الأخير بابا قرر اننا نتجوز لما تخلص دراسة…
انا انسان عملي جدا و ناجح اوي في شغلي و بحب الحياة و السهر و السفر… لكن ليليان عكسي هادية و مبتحبش الدوشة و الاختلاط بالناس و داه بيعصبني احيانا بحس ان عمرها خمسين سنة بلبسها و اسلوب حياتها الممل حاولت كثير اغيرها و ادخلها الحياة بتاعتي لكن فشلت و دي كانت الحاجة الوحيدة اللي افشل فيها في كل حياتي.
هي بنت حلوة اوي و جمالها ملفت جدا، انا دايما بناديها على مكتبي علشان أتأملها و حاولت في مرات كثير اني اتقرب منها بس كانت بتصدني و بتخليني أعصب و اعصابي تفلت مني و اضربها…. كمان هي عنيدة و مغرورة و لسانها طويل لما اقلها كلمه بترد عشرة و داه كمان بيعجبني فيها :صعبة و انا بطبعي بحب التحدي و الحاجات الصعبة و كلها كام يوم و نتجوز و ساعاتها حكسر غرورها و كبريائها و حعرفها انا مين.
انا ليليان البحيري عمري 27 سنة و بشتغل طبيبة اطفال،مامتي توفت و انا عندي ثلاثة عشر سنة و بابا راح تجوز و رماني في بيت عمي و من ساعتها مشفتوش و لا سأل عليا، عمي كان طيب جدا و حنون معايا و كمان مراته طنط كاريمان و أولادها أميرة و محمد و سيف كانوا بيحبوني و انا كنت بحبهم جدا.. الوحيد اللي كنت بكرهه و بخاف منه هو ايهم و زاد كرهي لما تخطبنا،انا مكنتش موافقة بس هو هددني انه حيأذيني و انا الصراحة خفت علشان هو حقير و شيطان و بينفذ كل اللي بيقول عليه، انا لما نجحت في الثانوية العامة قررت اني حختار اي اختصاص المهم يكون قصير يعني بالكثير ثلاث سنين علشان أقدر اشتغل و اصرف على نفسي و استقل عن عيلة عمي لكن ايهم كالعادة هو اللي اجبرني اني أختار طب فدخلت كلية الطب مرغمة و بعدين بقيت بشتغل عنده في المستشفى.
انا تبهدلت اوي في حياتي بقيت عايشة في كابوس من اول يوم اتخطبت فيه و انا حاسة نفسي اني اتعس بنت في الدنيا… الكل كان بيحسدني جميلة و مثقفة و من عيلة كبيرة و كمان خطيبة ايهم البحيري اللي كل البنات بتحلم بواحد زيه لكن هما ميعرفوش الحقيقة
ايهم داه أقذر وأسوأ بني آدم انا شفته في حياتي….قاسي جدا و مفيش في قلبه اي رحمة و متكبر و مغرور و شايف نفسه و الأسوأ كم كده انه بتاع ستات و كأس و كل يوم مع بنت شكل يعني هو بيخوني و مش عامل اعتبار اني خطيبته او اي حاجة وكل حجته اني مش بخليه يلمسني و ان+
من اول يوم دخلت فيه بيتهم و هو مش بيفلت فرصة انه يهيني و يعايرني بأهلي و اني بقيت عاله عليه و على عيلته و لولاهم انا كنت مرمية في الشارع و كان زماني ضايعة او ميتة.
بيعاملني زي العبدة عنده و لما برفض قراراته بيهني و بيضربني أحيانا.
داه غير محاولات اغتصابه ليا لما كان بيستعديني لمكتبه، انا مبكرهش في حياتي بني آدم زيه و مش عارفة حعمل ايه لو تجوزته بس كل اللي انا عارفاه انه مستحيل اتأقلم مع واحد زيه، و رغم اني احيانا بنفجر في وشه و اشتمه الا اني بخاف منه جدا عشان هو لما بيزعل بيتقلب لشيطان و مابيشوفش قدامه.
انا شاهين الألفي عمري 34 مطلق وعندي ولد عنده اربع سنين و هو و امي أهم حاجتين في حياتي.انا رجل أعمال غني جدا عندي شركات كثير في مصر و في الخارج و ناجح اوي و في شغلي.
انا كنت متجوز عن قصة حب زميلتي في الجامعة اسمها مها… كانت بنت حلوة و دمها خفيف المهم حبينا بعض و تخطبنا و بعدين تجوزنا..
رغم أنها من كانت من أسرة متوسطة لكن انا مهتمتميش بالفارق الاجتماعي اللي ما بينا حتى أهلها انا ساعدتهم و اديتهم فلوس كثير كنت مدلعها اوي و كأنها بنتي مش مراتي كنت مستعد اعمل اي حاجة علشان تبقى مبسوطة…1
هدايا غالية و سفر و مجوهرات و فلوس… كانت عايشة معايا في حلم او دا اللي كان متهيألي…بعد سنه من جوازنا حملت في فادي مقدرش اوصفلكم فرحتي كانت عاملة ازاي…كنت اسعد راجل في الدنيا، و لما طلبت مني اني أكتبلها شركة من بتوعي باسمها كهدية متأخرتش بالعكس انا كمان جبتلها مجموعة هدايا غالية كثير و من بينهم طقم الماس و عربية آخر موديل…. مرت الايام و الشهور و جا فادي حبيب قلب بابي و زادت فرحتي أضعاف… زوجة حلوة بحبها و كمان ولد حعوز إيه ثاني من الدنيا.
لحد ما جا اليوم اللي فقت فيه و كأني كنت مسحور و شفيت… وصلتني صور لمراتي و هي في حضن واحد غريب و كان باين من ملامحه انه أجنبى… انا تجننت مكنتش مصدق ايه اللي بيحصل افتكرت ان واحد من أعدائي هو اللي عمل كده و استعنت بخبير صور علشان اتأكد أن كانت صح او تركيب.
المهم بعد ما تأكدت انها صح ابتديت اراقب مراتي و في يوم من الايام لقيتها داخلة شقة غريبة نزلت من العربية و سألت البواب فقالي ان واحد اجنبي مأجرها و ان الست اللي دخلت دايما بتجيله… ساعتها حسيت اني في كابوس و كلمت ايهم وعمر علشان ييجوا…
و من وقتها تحولت لشخص ثاني بقيت أسوأ من ايهم اللي ياما حذرني و قلي ان مها واحدة طماعة و مش شايفة غير فلوسي و هو كان صح علشان العا…. باعت نفسها مقابل شوية ملايين انا كنت اقدر اديهملها لو طلبتهم مني اصلا هي مكانتش محتاجة فلوس بس هي اللي كانت جشعة و طماعة بزيادة.
طلقتها بعد ما عذبتها شهور و في الاخر رميتها في مستشفى أمراض نفسية طبعا بعد ما غيرتلها هويتها علشان محدش يعرف انها كانت مراتي اما عشيقها فهرب مني و انا لحد دلوقتي بدور عليه.
بقيت سادي في علاقاتي بحب أعذب الستات و استمتع بآلامهم علشان عرفت أخيرا انهم زبالة مفيش في دماغهم غير الفلوس ميستحقوش لا احترام و لا حب و بقى دا مبدئي من ثلاث سنين.
بقيت انسان قاسي جدا ما برحمش، بشك في اي حد بيقرب مني و بكره اللي يستغفلني… كل الناس بقت بتخاف مني و بيعملولي الف حساب علشان كده بقى اسمي الشيطان شاهين.
كاميليا محمود (البطلة)
انا كاميليا سعيد محمود عندي 22 سنة بدرس في سنة رابعة هندسة….انا من عيلة فقيرة علشان كده كل مرة بدور على شغل علشان اصرف على نفسي و اقدر أكمل دراستي و كمان اساعد بابا شوية على مصاريف البيت.. اشتغلت في أماكن مختلفة كثير زي محلات الهدوم و المكتبات و دلوقتي بقيت بشتغل مربية في فيلا واحد غني جدا اسمه شاهين الألفي داه مشهور جدا ،علشان عنده شركات كثير في مجال الهندسة و المعمار و احنا كطلبة هندسة بنحلم اننا ننظم لشركات ناجحة زي شركاته،في ناس كثير بتقول انه صارم جدا في الشغل و مش بيسامح في الغلط…انا عندي حلم واحد بس اني اتخرج و الاقي شغل كويس علشان اصرف على عيلتي.. اختي نور و اخويا كريم بيكبروا و كل يوم بتزيد مصاريفهم، انا آخر مرة بعت سلسلة ذهب كان عندي من زمان هدية من بابا.. بعتها علشان اشتري جزمة لكريم و شوية ملازم لنور كانت محتاجاهم…
انا عندي مشاكل كثير في حياتي و اكبرهم عم زكريا داه راجل عجوز اد ابويا بس غني و معاه فلوس، متجوز مرتين و عنده اربع بنات و عاوز يتجوزني يخرب بيته راجل ناقص انا بقالي سنين كل يوم تقريبا بهزقه و بشتمه و بطلع فيه غلب الدنيا بس البعيد مش بيفهم و مش عاوز يحل عني،داه زي ما يقوله موقف حالي كل ما ييجي واحد يتقدملي يطرده، عندي صاحبة واحدة و هي هبة و هي اللي ساعدتني علشان الاقي الشغل الجديد.
عمر الشناوي
انا عمر الشناوى عندي 30 سنة رجل أعمال و شريك شاهين و كمان مدير مكتبه…شخصيتي هادية و مبحبش الدوشة عكس اصحابي شاهين و ايهم….ناجح في شغلي و بعتبره اهم حاجة في حياتي بعد عيلتي طبعا.مغرور و قاسي شوية بس مع اللي بيستاهل.
ابويا بيشتغل دكتور و هو شخص متواضع جدا عكس مامتي اللي كانت بتهتم بالمظاهر و بمكانتها قدام المجتمع. لما كنت بدرس في الجامعه بابا كانت عنده عيادة في حي شعبي كان بيروح هناك كل يومين في الأسبوع علشان بيعمل كشوفات للمرضى الفقراء بأسعار رمزية و شبه مجانية و داه طبعا كان مزعل ماما جدا علشان رافضة ان جوزها يدخل الأماكن الشعبية على حد تعبيرها،و طبعا انا كنت بزوره احيانا علشان اتعرف على الأماكن اللي بتعتبر جديدة بالنسبالي و في يوم من الايام شفتها….كانت رقيقة جدا و حلوة في اليونيفورم بتاع المدرسة جذبتني ليها من اول نظرة و من ساعتها ابتدت قصتي معاها… هبة… اول و حب و آخر حب في حياتي. هي كانت بتخاف مني جدا و فاكراني بتسلى بيها علشان انا غني و هي بنت فقيرة و كانت شايفة انها مش مناسبة ليا بس انا مستسلمتش و كنت كل يوم بروح و اراقبها في الشارع، في المدرسة، دا انا حتى وصلت ركبت ميكروباص علشان خاطرها.. طبعا دي تعتبر تضحية كبيرة مني.
المهم ماما عرفت بحبي ليها و قيمت الدنيا و راحتلهم البيت و هددتهم انها حتفضحهم في الحارة كلها.
سمعت بعدها ان عيلة هبة عاقبوها و ضربوها و وصلوا انهم حرموها من الدراسة.
انا سافرت بعدها للندن علشان أكمل دراستي بس عمري ما نسيتها كنت مقرر اني ابني نفسي و مستقبلي علشان لما ارجع ابقى قادر أحميها من عيلتي و عيلتها.
و دلوقتي رجعت و مش حرتاح غير لما تبقى هبة ليا
هي من حقي انا زمان دمرت حياتها و سببتلها في مشاكل كثير بس دلوقتي رجعت علشان اعوضها.انا هبة عندي 23 سنة و بدرس رابعة هندسة انا من أسرة متوسطة ساكنه مع بابا و ماما و عندي اخ صغير اسمه باسم، لما كنت في ثانوي كنت بحب واحد اسمه عمر باباه كان دكتور و عنده عيادة خيرية في الحارة بتاعتنا و تعرفت على عمر لما كان بيجي بيزور باباه…
انا كنت عارفة انها علاقتنا مستحيلة و نهايتها الفشل
علشان مكنتش ببينله اني معجبة بيه و كنت برفض حتى اتكلم معاه و و كنت خايفة ان حد يعرف بلي بيننا و داه اللي حصل بعد ماجات مامته و هددت عيلتي انها حتفضحنا في الحارة كلها… يوميها اهانتني جدا و اتهمتني اني بحاول أوقع ابنها الغني و اتجوزه علشان يطلعنا من الفقر، بابا يوميها ضربني جامد و منعني من المدرسة علشان كده سقطت سنة،
و بعدها اختفى عمر و مشفتوش غير بعد سبع سنين، صدفة في فيلا شاهين الألفي، قلي انه رجع و عاوز يتجوزني. انه حيعمل المستحيل علشان تبقى مع بعض.
صوفيا
آنا صوفيا.. مامتي أصلها برازيلية و بابا مصري…عندي 28 سنة و انا خريجة كلية اعلام بس مشتغلتش في المجال داه بابا كان رجل أعمال و عنده شركة كبيرة و ناجحة بس للاسف فلست و بقى عنده ديون كثير و البنوك حجزت على كل املاكه فاضطر انه يهرب لليونان،انا سكنت مع عمتي فترة قصيرة و بعدها تعرفت على شاهين الألفي و بعدها حياتي اتحسنت كان كريم معايا اوي و ساعدني اني ارجع كل ممتلكات بابا و دلوقتي بجهز علشان افتتح عيادة تجميلية.
انا غايتي الوحيدة هي اني أأمن مستقبلي و محتاجكش لأي حد علشان عارفة ان علاقتي بشاهين حيجي يوم و تنتهي و كمان هو واحد ذكي جدا و خبيث مستحيل يوقع و يتجوز واحدة زيي، هو اصلا دايما بيقولي انه مستحيل يتجوز ثاني كل ما تعجبه واحدة يتسلى معاها يومين و بعدين يرميها علشان عارف غايتهم ايه.
بس مفيش واحدة فيهم قدرت تستحمل ساديته و مزاجه الصعب…
و في بنات كثير دخلوا المستشفى بسببه،بيحتقر جدا الستات و بيعاملهم زي العبيد ،بس رغم كل داه الكل بيحاول يتقرب منه و ينال رضاه.
السبب اللي خلى شاهين يفضل معايا طول المدة دي اني مكنتش بتدخل في علاقاته مع الستات الثانية و لا بحاول اخليه يتجوزني، انا كنت بروحله بس لما يطلبني هو مكنتش بخرج او اعمل اي علاقة مع غيره.
فادي الألفي
انافادي و عمري اربع سنين ساكن مع بابي و تيتة ثريا بس مش عندي مامي كل اصحابي عندهم ماما الا انا… انا مش بحب المربيات اللي بيجبهم بابي مش بيلعبوا معايا و طول الوقت بيسألوني على بابي…. بس ميس كاميليا لا انا بحبها اوي و هي علمتني ارسم على الايباد انا بقيت برسم كل الكرتون اللي بحبهم و هي كمان بتلعب معايا و بتأكلني و بتقرالي كتير قصص و بتحكيلي حكايات كثير و كمان بيتجيبلي شكلاطة و حلوى شكلها غريب مش زي اللي بيحبها بابي بس طعمها حلو.. انا بحبها و عاوزها تبقى مامي بس هي قالتلي ان عندها عيلة و لازم كل يوم ترجع بيتها انا حقول لبابي يخليها معايا على طول و حقول لصحابي انه بقى عندي مامي…ميس كاميليا لما بتشيل النظارة بتبقى حلوة اوي و عينيها لونها ازرق زي عينيا…
بس ليه بابي بيقول انها وحشة انا حبقى اقله ان ميس كاميليا حلوة و مش يزعقلها ثاني علشان مش تبكي.
ارتخى شاهين على كرسي البار الصغير الموجود في مكتبه و هو يرفع كأسه الى شفتيه ليترشفه باستمتاع و تمهل… القى نظرة أخيرة على تلك الصور المبعثرة التي وصلته منذ قليل من أحد رجاله الذين كلفهم لمراقبة كاميليا و جلب معلومات عنها و عن عائلتها و حياتها… أمسك إحدى الصور لها و هي مدخل الجامعة، كانت واقفة تتحدث مع إحدى صديقاتها، ترتدي بنطال جينز اسود اللون و كنزة صوفية باللون الزهري الفاتح الذي انعكس على بشرتها البيضاء و الوردية اما شعرها البني فقد تركته حرا ينسدل على ظهرها ليعطيها مظهرا فاتنا…
حدق في الصورة بامعان قبل أن يرتشف رشفة أخرى من كأسه و هو يهمس:”لا حلوة…حلوة اوي و جريئة كمان، اللي تتجرأ انها تفكر تستغفل شاهين الألفي تبقى يا إما جريئة….او مجنونة…. فجأة انفجر ضاحكا بدون سبب لدرجة انه وضع الكأس فوق طاولة البار و انحنى بجذعه الى الامام و هو لايتوقف عن الضحك بصوت عال و كأنه فقد عقله .
وضع كفيه على وجهه الذي اسود فجأة و بدأت عروق يديه و رقبته بالبروز و أصبحت ملامحه اكثر قتامه و جسده ينتفض بشدة بسبب الغضب…
صرخ بجنون قبل أن يرفع قبضة يده و يدفع الكؤوس و الزجاجات التي كانت على سطح البار أرضا لتتحطم و تتناثر الى اشلاء محدثة دويا عاليا ….
خيم الصمت المخيف و لم يعد يسمع سوى صوت أنفاسه اللاهثة في المكان…
بدأ جسده في الارتخاء رويدا رويدا بينما عقله يصور له عدة أفكار لمعاقبتها على فعلتها توحشت عيناه بنظرة مظلمة ليردد بهسيس مخيف :”بنت حلوة و جات برجليها لعرين الشيطان..”
خرج من مكتبه سريعا ليصعد الى جناحه ليأخذ حماما منعشا بعد أن أمر إحدى الخادمات بتنظيف المكتب من الفوضى التي لحقت به…

في شقة أيهم
رمق عمر أيهم بنظرات حانقة بينما لم يعره الاخر أي إنتباه و هو يتفرس بوقاحة عالية جسد تلك الفتاة التي كانت تتمايل أمامهما بحركات راقصة مغرية….
صرخ عمر بنفاذ صبر على تجاهل أيهم له :”إنت يا بني آدم مش بكلمك… مش بترد ليه فين شاهين؟؟؟
أشار له الاخر بيده و هو لايزيح عينيه جسد الفتاة قبل أن يجيبه بصوت عال بسبب صوت الموسيقى :” قال مش جاي عنده شغل مستعجل…اكيد لقى مزاجه في حتة ثانية…
عمر بتذمر :”طبعا و انتم هيهمكم إيه غير مزاجكم ال…بقلك إيه ما تطرد البتاعة دي برا علشان عاوزك في موضوع مهم..
ايهم و هو يتناول حبات من الفواكه الجافة :”في إيه؟؟؟
عمر :” انا حتجوز…. و كنت عاوز شاهين علشان اقله…..
أيهم بصدمة :” انت… عمر الشناوي… حتجوز ؟؟؟
عمر و هو يلوي فمه بتهكم :” أيوا يا خويا حتجوز إيه من حقي؟؟ “.
أيهم بقهقة :” لا ياعم مش قصدي كده بس انا مستغرب انك فجأة قررت تتجوز “.
قام عمر من مكانه و أغلق جهاز الموسيقى ثم أعطى الفتاة مبلغا من المال قبل أن يدفعها باشمئزاز الى الخارج تحت أنظار ايهم الضاحكة:”يلا يا اختي امشي من هنا و مترجعيش ثاني…. انا مش عارف الناس دي مبتزهقش من القرف داه ليه .؟؟؟
أيهم بقهقة :”يا ابني الستات دول احلى حاجة في الدنيا… بيضبطو الدماغ وبيعلوا المزاج…
جلس عمر مقابلا له و هو يقول براحة :”اهو كده نقدر نتكلم…انت طبعا فاكر البنت اللي انا حكيتلكم عليها من زمان اللي كنت بحبها و انا لسه طالب في الجامعة؟؟ “.
ايهم و هو يشير له بكأسه :”أيوا طبعا فاكرها… قصة الحب الملحمية بين الأمير و بنت الحارة الشعبية”.
عمر بضيق :”يا ابني احترم نفسك انت سكرت و الا إيه…. على فكرة اسمها هبة و قريب جدا حتبقى مراتي “.
ايهم بابتسامة :” الف مبروك يا صاحبي داه انت حتبقى خبر الموسم الناس عمرها ما شافتك مع بنت و فجأة كده يلاقوك حتتجوز… ايه رأيك نعمل فرحنا مع بعض في يوم واحد”.
عمر بنفي:” لا مش حلحق اصلا… انا لسه ما فاتحتش اهلي في الموضوع و كمان عيلتها لسه ميعرفوش حاجة فححتاج وقت و انت فرحك بعد اسبوعين “.
ايهم :” بس تفتكر مامتك حتوافق؟؟ انت حكيت قبل كده انها رافضة تماما انك ترتبط ببنت من حارة شعبية “.
عمر باندفاع :” لازم تقبل انا مستحيل اتخلى على هبة مهما حصل… مش حعيد الغلط بتاع زمان لما سبتها و سافرت… انا لو كنت رجعت و لقيتها تجوزت كنت حرتكب جريمة، انا مش عارف ازاي محطيتش إحتمال انها تتجوز واحد ثاني،
صحيح انا كنت متأكد انها بتحبني بس كان لازم افكر في داه كمان… بس الحمد لله عدت على خير “.
أيهم بغرور:” انا مش عارف انت متمسك بيها طول السنين دي ليه… دي حتى مش لايقة عليك يعني مش من مستواك، انا بنصحك شوف واحدة ثانية تكون من عيلة كبيرة….
قاطعه عمر و قد ظهر الضيق على ملامح وجهه :”بقلك إيه يا أيهم لو عاوزنا نفضل صحاب ياريت متتكلمش في الموضوع داه تاني انا بحب هبة و مش حتجوز غيرها غنية او فقيره داه آخر همي
فياريت تحتفظ برأيك لنفسك… طبعاانا مش حقلك يا ريت تشيل افكار الطبقية و الباشوات بتاعت القرن الخامس عشر اللي مالية دماغك دي علشان عارفك مستحيل حتتغير بس حطلب منك حاجة واحدة يا ريت تحترمني و تحترم اختياراتي….
هز ايهم يديه كعلامة استسلام قائلا بابتسامة :”خلاص يا سي عمر فهمنا…. حقك عليا انت و الآنسة هبة و انا طبعا مستعد اساعدك و أقف جنبك في أي حاجة تطلبها….
عمر بملل :”متشكرين يا خويا لما اعوز حاجة حقلك…..بس قلي انت إزاي تسيب خطيبتك تعبانة و مريضة و جاي هنا تضبط دماغك….
أيهم و هو يترشف كأسه بلامبالاة:” انا مش سايبها لوحدها كل اللي في البيت بيهتموا بيها و مش سايبينها لوحدها فملوش لزوم وجودي هناك خصوصا انها تحسنت و بقت كويسة و انا من شوية كلمت أميرة و اطمنت عليها…
عمر و هو ينهض من مكانه :” طيب اسييك انا دلوقتي…
أيهم بتذمر:”يعني تطرد البنت و تخلع؟؟ “.
عمر بضحك :” يا ابني إرحم نفسك شوية دا انت حتى عريس…احتفظ بطاقتك لشهر العسل بلاش تهدرها على الفاضي “.
أيهم بقهقة :” تصدق عندك حق ازاي فاتتني دي…
عمر و هو يتجه الى باب الشقة :”يلا سلام يا عريس
لوح له أيهم بيده مودعا…ثم أغلق عينيه بارتياح و هو يتخيل كيف ستكون حياته بعد الزواج.
______________________
صباحا
جلست كاميليا على طاولة المطبخ مع عائلتها لتناول فطور الصباح…
سعيد :” فكرتي في الموضوع اللي قلتلك عليه امبارح يا كاميليا؟؟
كاميليا و هي تترشف كوب القهوة :” موضوع إيه يا بابا؟؟؟ “.
سعيد بتذمر:” موضوع المعلم زكريا يا بنتي… الراجل بقالوا شهر بيزن فوق دماغي كل يوم بيكلمني عليكي،…
كاميليا بتأفف:”انا مش عارفة الراجل داه مش ناوي يحل عني ليه؟؟ يا بابا داه ادك و متجوز مرتين و عنده اربع بنات الكبيرة فيهم اقل من نور بسنتين..
انت عاوزني ارمي نفسي الرمية السودا دي ليه…
سعيد بهدوء :” بس الراجل غني و يقدر يفتح بدل البيت أربعة…
كاميليا بضجر:”خليه يفتحهم بعيد عني… لو سمحت يا بابا قفل على الموضوع داه انا لا عاوزة اتجوزه لا هو و لا غيره انا دلوقتي مش بفكر غير في دراستي و بس…
سعيد بلامبالاة:”طيب حقله يستنى لما تكملي دراستك اهي كلها سنه كمان و تخلصي… على الاقل يحل عننا المدة دي و بعدين يحلها الحلال…
الام بحيرة :” طب و لو قلك انه عاوز خطوبة او كتب كتاب حتعمل ايه؟؟
نور بضحك :”انا من رأيي توافقي تعملي خطوبة يا كامي… الراجل متريش و حينغنغك فلوس و لبس و مش بعيد يشتريلك عربية و تبقى توصلينا انا و كريم على المدرسة…
ضربتها كاميليا على ذراعها بقوة و هي تتمتم بغيظ:” بت انت اتلمي و بلاش تحرقي دمي عالصبح… انا مستحيل اتجوز الراجل داه حتى لو جابلي كنور الدنيا كلها… روحي يااختي اتجوزيه انت و اشبعي بالعربية….
نور باشمئزاز:” ياااه…
الام :”خلاص يا بنات فضيناها سيرة.. و انت يا كاميليا يا حبيبتي قومي لحسن تتأخري على شغلك…
كاميليا بهدوء :”لا انا رايحة الجامعة الأول عندي test و بعدين جروح الشغل…
سعيد و هو ينهض من كرسيه :”خلي بالك من نفسك يا بنتي و اوعي الشغل يأثر على دراستك…
كاميليا بحب:”اطمن يا بابا انت عارف ان انا شاطرة و مفيش حاجة حتأثر على دراستي و بعدين انا حشتغل على طول كلها شهرين و ابطل شغل و اتفرغ للجامعة… متقلقش عليا انت “.
سعيد :” ربنا يحفظك يا بنتي انت و اخواتك… يلا انا رايح الشغل مش عاوزين حاجة…
الكل في صوت واحد :” سلامتك يا بابا….
هرولت الام تتبع زوجها لتودعه على الباب و تتبادل معه أحاديث سرية بصوت خافت…
_____________________
بعد ساعة في كافتيريا الجامعة
كاميليا بتذمر و هي تنظر إلى كومة الأوراق المبعثرة على الطاولة :” قلتلك الف مرة ان شيماء خطها زفت زي عيال الكي جي وان.. مش بفهم منه حاجة تي حتى الرسومات نصها متلخبط و مش باين…
هبة بعدم اهتمام :” مش مهم حبقى اجيبلك الشرح من زينة لما تيجي…
كاميليا :”طيب و انت محضرتيش ليه يا فالحة بدل ما تخلينا كده بنشحت المحاضرات..
هبة بابتسامة حالمه :”عشان خرجت مع عمر…
كاميليا بتهكم و هي تقلدها :” خرجت مع عمر….يعني علشان خروجة ضيعتي علينا محاضرات يومين كاملين… بس قوليلي انتم رحتو فين ها البرازيل..
هبة :”لا إحنا رحنا تغدينا مع بعض و بعدين وصلني الجامعه فأنا مجاليش مزاج احضر محاضرات فروحت البيت…
كاميليا بزهق:” ها…. و ثاني يوم… خرجتوا كمان…
هبة :”جرا إيه يا كاميليا انت حتحققي معايا علشان شوية اوراق ملهاش لازمة…. ما قلتلك حبقى اجيبلك الشرح من زينة بلاش تعكنني عليا و خليني في فرحتي بلاش ترجعيني للواقع….
كاميليا و هي تلوي فمها بتهكم :”طبعا ماهو حبيب القلب رجع بعد غياب سنين…
هبة بسعادة :”أيوا و حنتجوز… ياه يا كامي انت مش متخيلة انا مبسوطة اد ايه… مهما قلت مش حوصفلك شعور الحب.. داه احلى حاجة في الدنيا انا أصلا دلوقتي حاسة اني في عالم ثاني لدرجة ان كباية القهوة البني اللي قدامك دي انا شيفاها بامبي و انت شافاكي وردة حمراء و الشاب اللي هناك داه شايفاه طائر ابيض….
نظرت لها كاميليا بذهول قبل أن تنفجر من الضحك على صديقتها المجنونة و هي تتمتم :”لا انت حالتك بقت خطيرة و لازمك حل يا بيبة…
هبة :” بكرة لما تحبي زي حتفهمي شعوري.
كاميليا بضحك :”لا ياختي مش عاوزة ابقى مجنونة زيك واقعد اتخيل في الناس…يلا قومي خلينا ندخل الحمام علشان اضبط نفسي قبل ما اروح شغلي…
هبة و هي تلملم الأوراق معها و تقول بضحك :” قصدك تتنكري…
______________________
انتهت كاميليا من عملها كالعادة ثم لملمت اشيائها استعدادا للرحيل و العودة إلى منزل والديها….قبلت الصغير من وجنتيه و هي تودعه و تخبره انها ستعود غدا… لتتفاجئ بالتصاق فادي بها و رفضه تركها ترحل…
ربتت على شعره الحريري بحنان و هي تقول :”حبيبي انا تأخرت و لازم اروح بيتنا…بس اوعدك بكرة حاجي بدري و حجيبلك معايا الشكلاطة اللي انت بتحبها…
حرك فادي رأسه برفض و هو يحتضن خصرها بقوة..
قلبت عينيها بتعب و هي تبعد يديه برفق الا انه ازداد تمسكا بها… لتهتف كاميليا بنفاذ صبر :” يا فادي مينفعش كده انا تأخرت و لازم امشي…بكرة حنكمل لعب و حعلمك رسمة جديدة…
فادي و هو ينفجر بالبكاء:” خليكي معايا يا ميس كاميليا…انا مش عاوز ابقى لوحدي… عاوز مامي، فؤاد صاحبي عنده مامي تنام معاه في الليل و تحكيله حدوته و انا مش عندي مامي…
كاميليا و هي تضمه الى صدرها قائلة باشفاق :” خلاص يا حبيبي متعيطش انا حبقى اقول للست ثريا تبات معاك و هي حتكيلك حدوتة….
فادي بصراخ هستيري :” مش عاوز…. تيتة.. عاوز مامي…عاوز مامييييي…
اجفلت كاميليا من صراخه المفاجئ لتحاول تهدئته بجميع الطرق و هي تقنعه بضرورة رحيلها… فكانت كلما ابعدته عنها ازداد التصاقا بها و تعالى بكاءه و صراخه….
صعد شاهين الدرج بخطوات راكضة أثر سماعه لصراخ إبنه ثم دفع الباب بقوة و هو يتوعد لها بالقتل ظنا منه انها قامت بإيذاء ابنه….
شاهين بصراخ و هو يحدجها بنظرات مهددة:”عملتي إيه لابني… انطقي…
كاميليا بتوتر :” والله ماعملت حاجة هو اللي فجأة بقى بيبكي و يصرخ…
جذب شاهين فادي ليحمله بين ذراعيه ليزداد صراخ الصغير و هو يتلوى بين أحضان والده محاولا الرجوع إلى كاميليا…
شاهين محاولا تهدئته :”مالك يا فادي عملتلك إيه البنت دي…
فادي ببكاء:”عاوز مامي….عاوز تكو…. ن عندي مامي ز….. ي فؤاد..
شاهين بتعجب وقد بدأ غضبه يهدأ رويدا رويدا :”اهدى بلاش عياط و فهمني عاوز إيه…
فادي من بين شهقاته و هو يشير لكامليا :” خلي ميس كاميليا تفضل معايا… عاوزها تحكيلي حدوتة…. صاحبي فؤاد عنده ماما و انا مش ليا ماما….
شاهين بصوت جدي :”يعني انت كنت بتعيط علشان عاوز الميس تبقى معاك….
هز الصغير رأسه بإيجاب وهو يمسح دموعه بيديه الصغيرتين… ليكمل شاهين حديثه وهو ينظر لكامليا التي كانت تمسك حقيبتها بتوتر :” خليكي هنا الليلة…
قفزت كاميليا من مكانها و هي تردف بصوت مرتعش :”مقدرش ابات هنا يا بيه… انا لازم اروح البيت….
انزل شاهين الصغير أرضا ثم وضع يديه في جيوب بنطاله ثم تقدم من كامليا بخطوات بطيئة و هو لا يحيد بعينيه عنها…دار حولها ثم انحنى ليهمس في أذنها قائلا :” بكره الصبح حديكي شيك فيه مبلغ كويس كتعويض بس خليكي الليلة هنا….
ابتلعت ريقها بصعوبة و هي تشعر بنظراته الصقرية تكاد تخترقها لتقول بتلعثم :” بابا.. مش حيقبل ابات برا…
زفر بملل و هو يكمل دورته حولها الى ان وصل أمامها، اطرقت كامليا برأسها قبل أن تتحرك مبتعدة عنه…
قاطعتها طرقات خفيفة على الباب قبل أن تدخل خديجة و فتحية الغرفة لتتفاجآ بوجوده…
خديجة :” ثريا هانم بعثتنا علشان نشوف البيه الصغير… اصلنا سمعنا صوته…
أشار شاهين لها لتأخذ فادي الذي كان يجلس ببراءة على طرف سريره….قائلا :” انزل تحت يا فادي علشان اتكلم مع الميس و أقنعها انها تفضل معاك النهاردة و خلي حسن السواق يروح يجيبلك مجموعة قصص جديدة علشان تقراهالك في الليل….
فرح الصغير ثم احتضن والده بحب قبل أن يغادر الغرفة برفقة الخادمتان….
ارتجفت كاميليا بخوف بعد أن وجدت نفسها وحيدة معه…جف حلقها و تسارعت أنفاسها و هي تشعر و كأن الهواء قد نفذ من حولها…
رمقها بازدراء قبل أن يجلس وراءها على طرف السرير قائلا بصوت آمر لا يقبل النقاش :”انت هنا المربية بتاعة فادي يعني تنفذي كل اللي هو عاوزه… انا مش حقبل ان ابني يبكي و ينهار بسببك..
التفتت كاميليا لتصبح واقفة أمامه مباشرة… حركت نظارتها بابهامها محاولة السيطرة على ارتجافها قبل أن تقول بتردد:” حضرتك انا متفقة مع ثريا هانم ان شغلي يخلص الساعة أربعة و نص و بعدها اروح البيت….
شاهين مقاطعا:” بقلك إيه انا مش بسألك على فكرة انا بأمرك… يا تباتي هنا اليلة دي… ياتباتي في القسم…
شهقت بقوة ثم حدقت به بذهول …تذكرت حكاية رقية المسكينة التي روتها لها فتحية سابقا…
ظلت تنظر له بعدم تصديق و هي تشاهد ابتسامته الساخرة التي ارتسمت على شفتيه…
لتستحمع بقية شجاعتها و تهتف :”هو…. حضرتك حتدخلني السجن علشان رفضت ابات هنا…
لم تكد تكمل كلامها حتى شعرت بلسعة حارقة على خدها بعد أن هوى على خدها بصفعة قوية بظهر يده اردتها أرضا …رفعت يدها تتحسس وجنتها غير مصدقة لما حدث للتو…امتلأت عيناها بالدموع و ارتجف قلبها و جسدها رعبا و هي تشاهده يدعس نظارتها التي طارت بسبب صفعته بحذائه لتتهشم الى قطع صغيرة…..
استندت على يديها بضعف محاولة الوقوف ليدفعها مجدد لتسقط أرضا هاتفا بنبرة حادة مهينة:”كلبة زيك مكانها هناك على الأرض… تحت رجلي…
اغمضت عينيها بتألم و قد تعالت دقات قلبها من فرط خوفها تقسم انه سوف يتوقف في اي لحظة و هي بين يدي هذا الوحش الذي يتربص بها عارما على الفتك بها في أي لحظة….
انتفض جسدها أثر صراخه و هو يأمرها:” امسحى وشك.. و اقلعي الطرحة…
سقط قلبها و انقطعت أنفاسها و هي تلتقط المنديل الورقي المبلل الذي رماه لها بيدين مرتعشتين و هي تتخيل حجم المصيبة التي وقعت بها…ببساطة لقد عرف كل شيئ و اكتشف ما كانت تخفيه عنه، وجهها الحقيقي الذي أخفته وراء مساحيق التجميل و تلك النظارات الكبيرة…
تسارعت أنفاسها بذعر و هي تحرك المنديل على وجهها بعشوائية.. و هي تفكر كيف ستكون نهاية هذه الليلة…
صاحت بذعر حين انحنى بجذعه نحوها ليجذبها بقسوة من ذراعها و يوقفها أمامه و هو يهدر بنفاذ صبر :”ما تنجزي يا روح امك…. و الا ناويه نبات هنا”.
جذب المنديل من بين اصابعها و بدأ يزيل بقية مساحيق التجميل من وجهها بحركات عنيفة….
سلط انظاره على وجهها الأبيض المحمر و عينيها الزرقاء الدامعة ثم بحركة سريعة جذب حجابها و ألقاه أرضا لينسدل شعرها البني الطويل على جانبي وجهها لتكتمل صورتها المهلكة…
ابتسم ببرود و هو يخفي بصعوبة نظرات الإعجاب التي تظهر جليا من عينيه قبل أن يتحدث بخفوت مخيف :”شفتي بقى انا قلتلك حتباتي في القسم ليه…عشان انت انتحلتي شخصية حد ثاني لما دخلتي الفيلا هنا متنكرة و قربتي من إبني….مش يمكن في حد بعثك علشان تقتليه..
هزت كاميليا رأسها بنفي و قد برزت مقلتيها من شدة الذعر….قبل أن تهتف ببكاء:” و الله العظيم ما حصل…انا مليش دعوة بالمواضيع دي ثريا هانم هي اللي قالتلي أعمل كده…أرجوك صدقني…
رفع شاهين حاحبيه بعدم تصديق قبل أن يهتف بتسلية و هو يشاهد ذعرها :” و لو التهمة لبساكي لبساكي و في كاميرات موجودة في الفيلا حتثبت كلامي….تصنع التفكير قليلا قبل أن يضيف ببرود ثلجي :” في الحقيقة هما تهمتين… انتحال شخصية و يمكن محاولة قتل او خطف مش عارف الصراحة بس هما أكيد لما حيحققوا معاكي حيكتشفوا الحقيقة…
انهارت كاميليا أرضا و هي تضع كلتا يديها على وجهها تبكي بصوت مرتفع و هي تصيح :” و الله ما حصل…حرام عليك، ليه بيتخوفني كده انا عمري ما اذيت حد و لا عملت حاجة وحشة لحد…..
انحني مجددا الى مستواها ليربت على شعرها بحنو زائف و هو يقول بخبث:” يبقى نتفق يا حلوة …. “.
تجلست كاميليا على السرير الصغير و الذي أجبرت على النوم عليه مع فادي الذي إلتصق بها كجرو صغير….
التفتت برأسها إلى جانبها لتجده يغط في نوم عميق
و يضع يده الصغيرة على خصرها و يدفن راسه داخل صدرها….ابعدته بهدوء و هي تتمتم داخلها بحنق :”اللي يشوفك كده يقول عليك ملاك بريئ و انك مش سبب بلوتي…عاوز مامتك قول لابوك يجبهالك انا مالي هوانا خلفتك و نسيتك داه ايه الغلب دا ياربي… لا و المصيبة التانية انه عرفني يا ايامك السودا يا كاميليا داه مش حسيبك في حالك و كمان بيخترعلك في تهم بدماغه السم دي… محاولة قتل و خطف و مش عارف إيه، للدرجة دي وشي وش إجرام…..انا ؟؟؟بس يا رب تكون كل غايته اني افضل مع ابنه عشان لو كان بيفكر في حاجات ثانية تبقى نهايتك بجد….
ظلت كاميليا تفكر لساعات طويلة قبل أن يتمكن منها النوم لتغمض اجفانها بإرهاق و تغط في سبات عميق…
استيقظت صباحا على يدين صغيريتين تجذبانها من ذراعيها لتفتح عينيها بتذمر وتجد فادي يحاول إيقاظها….
فركت عينيها و هي تتثائب بتعب فهي لم تنم جيدا ليلة البارحة و مازالت ترغب في أخذ قسط من الراحة…
كاميليا بفتور :”صباح الخير يا فادي… مالك صاحي بدري كده ليه.. ثم أكملت بخفوت قبل الشحاتة و بنتها…
فادي ببراءة و هو مازال يمسك بذراعها:” شحاتة… مين شحاتة يا ميس كاميليا….
انتفظت كاميليا بذعر و هي تلعن نفسها على غباءها :”يا نهار اسود وذانه زي القط بتلقط اي كلمة لو سمعته الست ثريا بيقول كلام زي داه حطين عيشتي دي منبهة عليا مقولش الكلام داه قدامه “.
تصنعت الابتسامة و هي تحذبه إليها لتقبله على خده برقة قبل أن تقول بتنبيه رقيق :”حبيبي يا فادي انا قلت الدادة بس انت اللي سمعتها غلط علشان انا لسه قايمة من النوم و كلامي مش بيبقى مفهوم كويس….

اومأ لها بطاعة و هو يطوق عنقها بفرح قائلا :”حاضر يا ميس كاميليا…
كاميليا و هي تداعب شعره الحريري :”قلي بقى إيه اللي مصحيك بدري كده”.
فادي :”عشان انا نمت كثير جدا امبارح و مش صحيت بالليل و حاسس اني active و عاوز العب كثير…
كاميليا في داخلها :”طبعا و هو انت هامك إيه… يا بختك ياما نفسي أعيش مكانك يوم وأحد و بعدها اموت….انت تجننتي يا كاميليا حتحسديه؟؟ دا ولد صغير ملوش ذنب، دا حتى محروم من مامته استغفر الله العظيم يا ربي
طال شرودها ليلكزها مرة أخرى بخفة قائلا :” يلا يا ميس ننزل انا عاوز افطر ”
أومأت له بخفة و هي تنهض من مكانها متجهة الى الاسفل و فادي يتشبث بيدها بطريقة مضحكة و كأنها ستهرب منه.
دخلت كاميليا المطبخ الواسع و هي تبحث على قارورة ماء تروي به ضمأها لتجد فتحية و خديجة تعدان الفطور.
كاميليا بنبرة متعبة:” صباح الخير “..
فتحية بإيحاء:”يا اهلا و سهلا…و أخيرا إفراج…
كاميليا بضحك :” آه الحمد لله…
فتحية بهمس:”انت بتضحكي يا بت بعد اللي حصلك امبارح… بقلك إيه إحكيلي ايه اللي حصل عملك إيه البيه…
ترشفت كاميليا كوب الماء بتمهل و هي تجيبها :” محصلش حاجة بس فادي كان عاوزني ابات معاه و لما رفضت البيه زعقلي… دي كل الحكاية”.
قلبت فتحية عينيها بانزعاج قائلة بحقد :”يعني كل الزعيق و الرعب بتاع امبارح علشان البيه الصغير بيتدلع… طبعا المهم راحتهم هما أما إحنا و لا كأننا بني آدمين عايشين معاهم”.
خديجة بصرامة:” خلاص يا فتحية كفاية رغي بقى و روحي نادي زينب علشان تجهزوا السفرة”.
فتحية بتذمر:”حاضر ماشية اهو الواحد مش عارف يقول كلمتين على بعض في المكان داه “.
تابعت كاميليا خروج فتحية من الباب الخلفي للمطبخ قم اقتربت من خديجة لتهمس لها :” طنط خديجة… انا كنت عاوزة اقلك حاجة مهمة حصلت امبارح “.
ضيقت خديجة عينيها باهتمام مستشعرة الجدية في حديث كاميليا…. نظرت حولها لتتأكد من خلو المكان حولها قبل أن تهمس هي الاخرى:”في إيه يا بنتي…احكيلي”.
كاميليا بتوتر:”شاهين بيه عرف اني غيرت شكلي علشان اشتغل هنا و بصراحة هو هددني امبارح وقلي انه حيدخلني السجن بتهمة انتحال شخصية و اني…. كنت عاوزة اخطف فادي”.
ضربت خديجة صدرها و هي تشهق :”يا مصيبتي انت بتقولي إيه يا بنتي…. سجن و خطف “.
اومأت لها كاميليا بحزن لتستدرك خديجة هامسة بلهفة:” طيب.. هو عرف منين؟؟ دا مفيش حد شافك هنا غير القاردز و كمان الست ثريا مسحت فيديو الكاميرات كلهم يعني… “.
كاميليا و هي تقاطعها بلطف :”انا مش عارفة حاجة يا طنط بس هو عرف خلاص و بقى بيهددني… انا عاوزة اسيب الشغل و أخرج من هنا ارجوكي كفاية لحد كده”.
خديجة :” إهدي يابنتي و انشاء الله خير متخافيش انا حقول للست ثريا هانم و هي اكيد حتلاقيلك حل و بعدين مش هي اللي قالتلك إعملي كده يبقى”.
كاميليا بارتجاف:” انت مشفتيشه كان بيكلمني إزاي و كأني بجد انا هنا علشان أؤذي إبنه ومصدقش اي كلمه من اللي أنا قلتلهاله… أنا أحسن حاجة أسيب الشغل “.
خديجة و هي تحدث نفسها:” و هو إنت فاكرة لو سبتي الشغل حيسيبك يبقى إنت متعرفيش مين شاهين الألفي داه حيجيبك حتى و لو كنتي في سابع أرض و مش حيسيبك غير بمزاجه.. انا مش عارفة دماغي كانت فين لما قبلت أساعدك تشتغلي هنا يا بنتي… أنا مش حسامح نفسي لو جوالك حاجة…
كاميليا و هي تلاحظ شرودها :”طنط خديجة مالك رحتي فين…
رسمت خديجة إبتسامة مزيفة على شفتيها قبل أن تقول بصوت هادئ:” و لا حاجة يا حبيبتي انا كنت بفكر في فتحية و زينب راحوا فين….
كاميليا :”زمانهم جايي…..
قطعت كلامها عندما وجدت فتحية تندفع الى الداخل و هي تجر زينب ورائها
لتأنبهما خديجة قائلة :” انتوا كنتوا فين…سايبين شغلكم و قاعدين في الجنينة يلا منك ليها بسرعة
خذوا الأطباق دي على السفرة… اكيد ثريا هانم و البيه الصغير قاعدين مستنيين الفطار…
فتحية بتوتر و هي تنظر إلى كاميليا :” في الحقيقة كلهم متجمعين برا و…..كمان شاهين بيه قالي أنادي لكامليا علشان تفطر مع فادي…
شهقت كاميليا بخوف و هي تتمتم :” إيه…شفتي يا طنط مش قلتلك في دماغه حاجة…انا مش متعودة افطر مع فادي طيب ليه النهاردة بالذات….
خديجة مطمئنة :”يا بنتي إهدي داه أكيد البيه الصغير هو اللي عاوزك تفطري معاه زي ما أصر إمبارح انك تنامي جنبه… متخافيش و يلا روحي و إحنا حنجيب الفطار…..
بعد دقائق إستطاعت إقناعها بالذهاب إليهم و اوصتها ان تتصرف على طبيعتها سارت كاميليا إلى غرفة الطعام الكبيرة حيث وجدت شاهين يترأس الطاولة الضخمة و على يمينه تجلس والدته على كرسيها المتحرك اما على يساره فيجلس فادي الذي كان يتحدث بحماس على رسوماته الجديدة التي تعلمها….
جلست كاميليا بهدوء بجانب فادي الذي ما إن رآها حتى إرتمى في أحضانها لتنهره جدته قائلة:”سيب الميس يا فادي خليها تفطر براحتها و بعدين إبقى براحتك….
شاهين ببرود :” خليه يا أمي داه باين بيحبها أوي… خصوصا لما شالت النظارة و الكريمات المعفنة اللي كانت مالية بيها وشها…
ثريا بتأنيب:”هي حرة في حياتها يا شاهين تلبس زي ماهي عاوزة المهم انها تعرف تتعامل مع إبنك و تعتني بيه كويس….
شاهين بنظرة ذات معنى :”يعني إنت موافقاها على اللي عملته…واحدة زي دي قدرت تدخل بيتي بوش مزيف وانا معرفش…. داه اسمه تزوير و انتحال شخصية واحدة ثانية و الله أعلم إيه هي أسبابها الحقيقية….
نظرت كاميليا لثريا بحزن و قلة حيلة و هي تنفي برأسها اتهاماته القاسية لتجيبه ثريا :” كل اللي في دماغك داه غلط و مفيش حاجة منه صح… فادي حفيدي و انا كمان بخاف عليه زيك او أكثر منك كمان و أكيد مش حأذيه…. البنت اول يوم جات فيه كانت عادية بوشها الحقيقي و انا اللي قلتلها تعمل كده…كاميليا بنت جميلة جدا و الفيلا مليانة حرس و رجالة فخفت عليها ان حد يتعرض لها يعني كل اللي حصل كان بعلمي… انت ليه مكبر الحكاية بس…
شاهين بنبرة غاضبة :”لما حد غريب يتجرأ انه يدخل فيلا شاهين الألفي و يتحرك فيها من غير انا أعرف دي في حد ذاتها كارثة، خاصة إنك أنت عارفة و مشجعاها كمان بالرغم من انك عارفة ان أكثر حاجة بكرهها في حياتي هي أن حد يكذب عليا او يستغفلني…
ثريا محاولة تهدئته :” يا إبني صدقني الحكاية مش كده….
رمى شاهين المنديل على الطاولة بعنف قبل أن يقف م مكانه قائلا بصرامة :” بعدين نتكلم في الموضوع داه… انا مش فاضي دلوقتي، و يكون في علمك انا مش هعدي اللي حصل على خير….
بصق كلماته بقسوته المعتادة قبل أن يغادر الفيلا تاركا كاميليا المسكينة ترتجف من الخوف من تهديده و هي تتخيل نفسها وراء قضبان السجن….لتحاول ثريا طمئنتها :” متخافيش يا بنتي شاهين إبني دايما كده لما بيتعصب بيقول أي كلام بس هو بعدين حيهدىو حيعرف ان الحكاية مش مستاهلة كل الدوشة دي خصوصا ان انا اللي قلتلك إعملي كده.. يلا كملي فطارك و انا حقول للسواق يوصلك جامعتك انت بقالك مدة مرحتيش”.
بعد أسبوعين….
في كافتيريا الجامعة،تجلس كاميليا كعادتها مع هبة يتبادلان أطراف الحديث،متجاهلة نظرات الإعجاب الموجهة إليها من الطلبة و الدكاترة…
كاميليا بسخرية و هي تراقب صديقتها تضع رأسها على الطاولة لتنام :” إيه يا ست جولييت لسة سهرات الحب شغالة مع الاستاذ عمر..
هبة بنعاس :”اسكتي خليني أعرف أنام شوية قبل ماندخل المحاضرة الثانية…
كاميليا :”طبعا تلاقيكي نايمة الفجر… يا بختك
هبة بمزاح :” الله انت حتقري عليا يا بنتي… بكرة تحبي و تعشقي و حتعرفي يعني إيه التضحية في سبيل الحب”.
كاميليا ضاحكة:”مش لما ألاقي حد يحبني و أحبه الأول “.
هبة بحركة درامية :” بقى كاميليا هانم ملكة جمال الجامعة كلها مش حتلاقي حد يحبها.. دا انت معجبينك بالهبل انت بس شاوري “.
كاميليا بضجر :” و هما فين المعجبين دول عم زكريا ابو كرش قضى عليهم كلهم واحد واحد…”.
هبة و هي تنفجر من الضحك :” و الله فكرتني بعك زكريا داه هو أخباره إيه…
كامليا بملل و هي تجمع عدة الأوراق أمامها و تضمهم في ملف واحد :”اهو متلحق في قهوته صبحو ليل و كأنه معندوش عيلتين يروحلهم…داه غير عرض الازياء اللي هو عامله داه واخذ دستة قمصان شبه بعض اللي بخطوط رفيعة دي من بتوع عشرين جنيه و كل يوم بيلبس منهم قميص….
هبة و هي تغمزها ضاحكة :” بيرجع شبابه.. داه كله علشانك ياجميل….
كامليا بنظرات حانقة:” بنت انت تلمي احسن و الله حكلم الاستاذ عمر بتاعك و أقله انك بتغازلي رجالة…
هبة بشهقة درامية :”و يهون عليكي الكرواسون و القهوة اللي اللي شربناها مع بعض.. مكانش العشم يا كوكي”.
كامليا :”عشان تحرمي تتريقي و خلي عمك زكريا ينفعك…
استقامت هبة في كرسيها و هي تقول بجدية :” عارفة يا كامي النهاردة بالليل فرح صاحب عمر… اسمه أيهم البحيري دكتور جراح متجوز بنت عمه، هي كمان دكتورة زيه بس إيه لو تشوفيها، زي القمر و عمر كان طلب مني إني أروح معاه بس مقدرتش”.
كامليا باهتمام :”أكيد الدكتور داه صاحب شاهين بيه بردو”.
هبة بإيجاب :”أيوا داه صاحبهم الثالث الانتيم…
كاميليا بسخرية :” قصدك ثلاثي الشر”.
هبة بضحك :”يابنتي لمي لسانك المتبري منك داه… و متنسيش ان اللي بتتكلمي عليه داه حبيبي حيبقى جوزي انشاء الله قريب…و بعدين عمورة داه مش زيهم هو حنين و متواضع جدا عكسهم و الدليل انه عاوز يتجوز واحدة أقل من مستواه بكثير بالرغم من معارضة والدته إلا إنه متمسك بيا جدا و عاوز يعمل خطوبة في أقرب وقت.. “.
كامليا :” طيب و مستنية إيه متفاتحي اهلك و تحكيلهم الموضوع… انت لحد إمتى حتفضلي تكلميه في السر و تخرجي معاه مين غير ماحد يعرف انت عارفة ان داه غلط ياهبة و ميصحش تعملي كده انا بصراحة كنت عاوزة انبهك بس خفت تزعلي مني “.
هبة بنفي :” لا لا انا عارفة ان اللي بعمله غلط و عمر كمان قلي كده هو مش عاوز تكون علاقتنا بالسر بس انا اللي خايفة و مش قادرة اتكلم مع بابا… هو أكيد لسه منساش اللي حصل زمان، الحكاية مش بالسهولة اللي انت متخيلاها”.
كاميليا و هي تربت على يدها الموضوعة فوق الطاولة :” معلش ياهبة استحملي انا عارفة ان الاستاذ عمر شخص كويس و بيخاف عليكي علشان كده متستسلميش و قولي لأهلك.. انت كده كده حتقوليلهم النهاردة او بكره فليه تأجلي، انت لازم تعرفيهم في أقرب وقت علشان لو حصلت مشكلة تقدري تحليها من دلوقتي بلاش تضيعي وقت”.
هبة بتوتر:”بس انا خايفة من بابا ليزعل مني داه زمان لما جات مامة عمر عندنا و هددته… حبسني في البيت و منعني حتى أروح المدرسة و دلوقتي مش بعيد يعيد اللي عمله من سبع سنين و يحرمني اروح الجامعة “.
كامليا بنفي:” يا عبيطة زمان غير دلوقتي خالص ساعتها كنتي صغيرة و هو كان خايف عليكي بس دلوقتي انت كبرتي و كمان الاستاذ عمر كبر و بقى مسؤول و يقدر يحميكي و يقف في وش عيلتك و عيلته كمان..و بعدين انا ممكن آجي و اتكلم مع عم منصور و أكيد هو حيتقنع و متنسيش كمان طنط خديجة هي أكيد لو حكيتيلها هي حتساعدك دي أكثر واحدة تعرف الاستاذ عمر “.
هبة و قد انفرجت أساريرها بعد أن سمعت كلام صديقتها المشجع :” انا كمان فكرت كده و بكره إنشاء الله حكلمها و اقلها…عشان عمر قلي انه بعد فرح صاحبه حيجي البيت عندنا حتى لو انا مقلتلهمش”.
كاميليا بمزاح :الحب يا سيدي…
هبة بنبرة حالمة :” اصلك متعرفيش انا بحبه قد إيه و مش مصدقة انه رجعلي من ثاني بعد السنين دي كلها.. انا خايفة اخسره يا كامي ساعاتها حموت
بجد”.
كاميليا بابتسامة :” متخافيش هو اصلا مش حسيبك داه ممكن اصلا يخطفك…هو حيلاقي أجمل و الا أرق منك يا بيبة”.
هبة بغرور كاذب :”طبعا يابنتي و قريبا حبقي هبة هانم….
كاميليا بضحك :”مش لايقة عليكي الصراحة…ثم أضافت باستدراك… يا لهوي دا انا عمالة أرغي و أضحك من الصبح وناسية المصايب اللي عندي”.
هبة :”يا بنتي انسي و لا يقدر يعملك حاجة انا حقول لعمر و هو حيتصرف متخافيش و كمان الست ثريا أكيد مش حتخليه يعملك حاجة”.
كاميليا بنفي:”دي ست كبيرة و بتنام من المغرب و مبتبقاش حاسة بحاجة و حتى لو كانت موجودة مش حتقدر تقف في وش إبنها انت مشفتيشه يا بيبة داه شيطان زي ما بيقولوا عليه…دماغه سم بشكل رهيب…داه طلعلي تهم من الهواء مكانتش حتخطر على بال أي حد حتى بعد عشرين سنة و المشكلة انها صح… هو لو راح اشتكاني للشرطة حيطلع معاه حق عشان اللي انا عملته داه غباء و مفيش حد يعمله إلا إذا كان حد حمار زيي “.
هبة :” بس والدته كانت عارفه…
كاميليا مقاطعة:”يا بنتي داه إنسان مابيخافش من حد لا تقوليلي والدته و لا أبوه..”.
هبة :”طيب مش انت قلتي انه بقاله مدة مش بكلمك و بيعاملك و لا كإنك موجودة”.
كاميليا :”أيوا بس المشكلة في الدلوع ابنه الاستاذ فادي بقى كل يوم عاوزني ابات معاه…و بقيت مجبرة إني أعمل كده،أنا معدتش قادرة انام طول الليل بفضل سهرانة علشان خايفة يدخل عليا او يعملي حاجة…او حتى يقتلني “.
هبة باستغراب:”لا طبعا يا كامي مش للدرجة دي داه مهما كان شاهين الألفي… داه كل البنات بتجري وراه و بتترمي تحت رجليه يعني أكيد مش حيعمل حاجة زي دي و بصراحة انا مرة سألت عمر عليه فقلي إنه صحيح عنده علاقات كثير مع الستات و بيعمل حاجات كثير مقرفة معاهم بس عمره ما أجبر ست انها تكون معاه بالغصب….لالا انا مفتكرش انه حيأذيكي بالشكل داه و بعدين زي ما قلتلك انا حكلم عمر و أحكيله و هو حيوصيه على الاقل يغير معاملته الزفت ليكي “.
كاميليا بسخرية :” ما أعتقدش انه حيسمع منه داه بيعاملني اقل من أي خدامة في الفيلا…و كل مرة بيهددني انه حيعاقبني علشان استغفلته و كذبت عليه داه لسه منسيش اللي حصل و ناوي يعاقبني بس مأجل التنفيذ “.
هبة :” داه إيه الرعب اللي انت عايشة فيه داه يا بنتي…بقلك إيه انت تسيبي الشغل أحسن الرزق بإيد ربنا “.
كاميليا بتنهيدة :” انتم ليه مش عاوزين تفهموني انت و الست ثريا و طنط خديجة… بقلك بيهددني
و حاطط إثنين من القاردز بيراقبني ليل نهار حبقى اوريهملك لما نطلع.. بقلك إيه خلينا نغير الموضوع داه انا معدتي تقلبت و جسمي كله بترعش من الخوف….
ليلا في فيلا البحيري……
ألقت المزينة (الميكاب أرتيست) نظرة أخيرة على ليليان بعد أن أنهت وضع حجابها الأبيض المزين بفصوص لامعة الملائم مع ثوبها العرائسي الأبيض الفاخر لتتمتم قائلة بإعجاب:”مشاء الله يا ليليان هانم بصراحة انت زي القمر مفيش أجمل من كده، داه أيهم بيه حيتجنن الليلة دي”.
إنسكبت دموع ليليان تلقائيا و ارتفعت شهقاتها دون وعي منها بعد أن سمعت إسمه لتشهق المزينة قائلة بعتاب خفيف :”لسه كده بس يا هانم… ارجوكي بلاش عياط انت كده حتبوزي الميكاب…. “.
كانت ليليان في عالم آخر حتى انها لم تكن منتبهة لحركات المزينة و هي تحاول تجفيف دموعها بخفة متجنبة إفساد مساحيق التجميل التي وضعتها على وجهها منذ قليل….لتزفر الأخرى بيأس و تتراجع متجهة الى خارج الغرفة تاركة ليليان تبكي بقوة،…
بعد لحظات دخلت كاريمان مسرعة و هي تتجه نحوها و تضمها بحنان قائلة بلهفة :”مالك يا حبيبتي بتعيطي ليه، في حاجة مش عاجباكي و عاوزة تغيريها….
نفت ليليان برأسها دون أن تتكلم لتعيد الأخرى سؤالها و علامات القلق مرتسمة على وجهها :” أمال فيكي إيه يا بنتي، إحكيلي إيه اللي حصل؟.
ليليان بصوت متقطع :”مفيش…. إن…. ا بس… إفتكرت…ما…. ما “.
كاريمان بحزن :” الله يرحمها يا حبيبتي، هي أكيد في مكان أحسن من داه و أكيد مبسوطة علشان بنتها الوحيدة النهاردة كبرت و بقت عروسة… يلا يا حبيبتي أيهم مستنيكي برا مش وقت عياط دلوقتي داه وقت فرح….
اومأت لها ليليان و هي تكفكف دموعها بصعوبة محاولة التماسك قائلة في نفسها :”لو كانت ماما موجودة مكانتش خلتني اتعذب في حياتي بالشكل داه و مكانتش حتخليني أتجوز غصب عني أكثر إنسان بكره في حياتي….فينيك يا ماما وحشتني اوي …..
قاطع حديثها مع نفسها إقتراب المزينة منها لإعادة
ضبط ماكياجها…
بعد دقائق قليلة كانت تنزل الدرج بطلتها الساحرة متأبطة ذراع عمها والد أيهم ،لتجذب جميع أنظار الحاضرين الذين انبهروا لشدة جمالها، ثوبها الأبيض الذي صمم خصيصا لها في إحدى أشهر دور الازياء الفرنسية لائم جسدها المنحوت ببراعة و الذي نافس أجساد عارضات الازياء.. حجابها الأبيض يضم وجهها الفاتن الذي
تزين بألوان وردية هادئة جعلتها شبيهة بأميرات القصص الخيالية.
إقترب منها أيهم الذي كان مغيبا ذهنيا لا يصدق كتلة الجمال التي تقف بجانبه رغم نظراتها الحزينة و التي زادتها فتنة، هو يعلم انها جميلة و لكنه لم يكن يعتقد انها ستصل لهذه الدرجة،ابتسم لها و هو يتسلم يدها من والده الذي أوصاه عليها بشدة….
وضع أيهم يده على خصر ليليان و هو يتقدم بها إلى خارج الفيلا وسط تهاني العائلة و مشاكسة أصدقائه….
الحفل كان خياليا… قاعة الفندق الملكية المخصصة لحفلات الزفاف مكتضة بمئات المدعويين من أطباء و رجال أعمال و بعض الوزراء من أصدقاء أيهم و أقاربه…
بديكور الفخم باللونين الأبيض و البنفسجي،يتخللهما لون أزرق خافت عند كرسي العروسين
كل شيئ يصرخ بالفخامة و البذخ… الطاولات، الزهور، الشموع المنتقاة بعناية….
الجميع يهنؤون العريس و يعبرون عن إعجابهم الشديد بجمال الحفل و العروس التي جذبت أنظار جميع المدعويين بمظهرها الأنيق رغم إحتشامها…
اما ليليان فكانت تجاهد لرسم إبتسامات باهتة على وجهها…
و تقاوم بشدة إرتجاف جسدها و التقلبات التي كانت تصيب معدتها من حين إلى آخر كلما تقدم الوقت و إقترب موعد صعودها الى الجناح المخصص للعروسين….
حتى انها لم تستطع ان ترفض عندما طلبت منها أميرة النزول من مكانها لتشارك اولاد عمها سيف و محمد الرقص علها تنسى بعض هواجسها….
في نهاية الحفل.. ودعت أفراد عائلة عمها و صديقتها الوحيدة أمنية التي شجعتها و حاولت تهدئتها قليلا…
سارت كالمغيبة بجانبه و هي لاتزال غير مصدقة أنه أصبح زوجها
شهقت بقوة عندما شعرت بجسدها يطير في الهواء و ذراعين قويتين تحملانها بخفة ليضحك أيهم عليها و هو يشاهد ارتباكها الذي ظهر جليا على كامل ملامح وجهها…
قبل أن يهتف بصوت مشاكس:”إسم الله عليكي يا قمر اتخضيتي….انا بس حبيت أشيلك لما شفتك مش قادرة تتحركي بالفستان الكبير داه و كمان عارف إنك تعبتي أوي في الحفل”.
أومأت له بإيجاب دون أن تتكلم و هي تحاول السيطرة على إرتجاف جسدها و دقات قلبها التي تسارعت تدريجيا كلما إقتربت خطواته من باب الغرفة.
أشار لها برأسه لتفتح الباب بالكارت الخاص
الذي وجدته في جيب بدلته…
ولج أيهم الجناح ليضعها برفق على السرير و هو يدندن لحنا شعبيا كان قد سمعه منذ قليل في الحفل و علق بذهنه…جلس الى جانبها لتنكمش ليليان على نفسها و ترمقه بحذر ليقهقه أيهم بصخب على مظهرها الخائف اللطيف، قطع ضحكاته فجأة و هو يطالعها بنظرات غامضة قبل أن يهتف بتلاعب :”إيه مالك ياليلي؟ من ساعة ما طلعنا من الفيلا و انت بتبصيلي بنظرات غريبة… تكونيشي خايفة مني
تؤتؤ يا قلبي داه انا حتى جوزك…. و الليلة دخلتنا”.
ليليان بصوت ضعيف و هي تلاحظ نظراته الخبيثة :”أرجوك يا أيهم انا تعبانة النهارده ممكن نأجل الكلام داه لبكرة”.
إقترب منها أيهم ثم رفع يديه ليفك حجابها متجاهلا نفورها منه…و هو يقول ببرود قاتل :” متخافيش.. لو فضلتي مطيعة كده كل حاجة حتبقى تمام “.
لم يترك لها المجال حتى تستوعب كلماته لتمتد يداه و يفتح سحاب فستانها الذي إرتخي قليلا ليكشف عن بشرة جسدها البيضاء الناعمة …
تسارعت أنفاسه و ازدادت حرارة جسده و هو يتفرس ملامحهاالتي إزدادت جمالا بعد أن انسدل شعرها على جانبي وجهها قبل أن يهبط بنظراته الى رقبتها و مقدمة صدرها و كتفيها،قاطع تأمله شهقة ليليان المستنكرة و هي تحاول لملمة أطراف فستانها…
ليزفر هو بغضب و يمسك يديها بحدة يبعدها قائلا بأنفاس لاهثة حاول جاهدا ان يكتمها:”و بعدين بقى إهدي…خلي الليلة تهدي”.
دفعت ليليان يديه قائلة برفض :”قلتلك تعبانة… إيه مبتفهمش”.
أغمض أيهم عينيه بقوة و هو يحاول التحكم بالمشاعر المتنوعة التي سيطرت على جسده قبل ان يهتف بتحذير:”انا داخل جوا حغير هدومي.. اطلع الاقيكي جاهزة انا صبرت عليكي كثير و الليلة حتبقي ليا برضاك او غصب عنك يا ليليان حتبقي ملكي”.راقبته ليليان بحذر و هو يدخل الحمام و يغلق الباب وراءه، تنفست الصعداء قليلا و هي تلملم فستانها قبل أن تسير بهدوء الى الخزانة تبحث عن بعض الملابس…
قطبت جبينها بتوتر عندما اكتشفت انها خالية الا من قميص نوم باللون الأبيض شفاف لايكاد يغطي شيئا
تنهدت بيأس و هي تتذكر زوجة عمها عندما كانت تنتقي لها أغراضها الخاصة من مواد تجميل و ملابس حتى قمصان النوم إختارتهم لها بعناية…و يبدو أنها رتبت جميع ملابسها في الحقائب و لم تترك لها سوى هذا القميص الفاضح…
تمتمت ليليان في داخلها قبل أن تشرع بخلع ثوب الزفاف عنها:”مسكينة مرات عمي فاكراه جواز طبيعي مش عارفة اللي فيها… الظاهر مفيش حل ثاني غير انك تستسلمي يا ليليان و ترضي بقسمتك و نصيبك، لازم تعرفي إزاي تتأقلمي علشان تعدي ايامك على خير…”.
انتهت من إرتداء القميص و الروب الخاص بيه ثم اتجهت نحو المرآة لتبدأ في إزالة مساحيق التجميل بهدوء….
أنهى أيهم إستحمامه ثم خرج من الحمام بعد أن ارتدى بنطالا قطنيا من اللون الرمادي…قطرات المياه تتساقط على وجهه و صدره العاري ذو العضلات المنحوتة…
تصنم مكانه للحظات عندما رآها أمامه بتلك الهالة المثيرة، قميص ابيض قصير لا يكاد يغطي شيئا من ساقيها البيضاوين و شعرها البني ينسدل وراء ظهرها
بشموخ…
أطلق صفيرا مشاكسا يملؤه المكر و هو يقترب منها ليضم جسدها من الخلف و ينحني ليرتكز بذقنه على أعلى كتفها الأيمن بجانب رقبتها…محدقا في وجهها الفاتن الذي انعكس في المرآة، تنهدت ليليان بفتور و هي تحاول التملص منه قائلة بتوتر :”أيهم…. لو سمحت”.
بدا كالمخدر و هو يغمض عينيه للحظات و يدير وجهه ليدفنه في رقبتها و شعرها هامسا بصوت أجش :”كل الجمال داه ليا… ليا انا لوحدي”.
ذعرت ليليان من نبرته المتملكة و التي تدل و تأكد لها أن ليلتها لن تمر على خير…تصلب جسدها بين ذراعيه و تسارعت دقات قلبها و هي تحدق في صورتهما معا في المرآة…أخذ ايهم نفسا عميقا متلذذا برائحة الفانيليا التي كانت تنبعث من شعرها و جسدها قبل أن ينحني فجأة و يحملها بخفة متجها نحو الفراش الوثير…
وضعها برفق قبل أن يستلقي الى جانبها و يميل الى شفتيها ليلتقطهما بين شفتيه في قبلة طويلة خبيرة بث فيها كل شوقه و رغبته في الحصول عليها منذ سنين، لم يشعر بنشيج جسدها و ارتجافه بين يديه
و اختناق أنفاسها حتى كاد يغمى عليها…
ابتعد عنها لتشهق بصوت مسموع و هي تضع كليتا يديها على صدره تدفعه بعيدا عنها، الا انه احكم قبضته على خصرها و الاخرى خلف رأسها خلف رأسها ليعيدها اليه من جديد و يعصرها بين أحضانه مانعا عنها كل محاولات الهرب….
صاحت بصوت مختنق، لم تعد تتحمل قربه منها او لمساته لها، لن تستطيع مجاراة جنونه…وهي التي فشلت في الصمود أمام رغبته الجامحة و التي استشعرتها بمجرد قبلة….أيهم أرجوك بالراحة….مش حقدر كده…
ضاعت كلماتها لتصرخ بألم و هي تشعر بعظام جسدها تسحق بين صدره الصلب و ذراعيه الخشنتين و صوت همسه الخافت يشق طريقه جيدا الى مسامعها :”ششش انا بحلم بالليلة دي بقالي سنين، حتى شوفي….
أبعد يده عن خصرها ليضع سبابته على مكان في صدره و تحديدا فوق قلبه و هو يضيف :” عملتلك مفاجأة.. انا كتبت إسمك فوق قلبي بالضبط علشان تشوفيه كل مرة نبقى فيها مع بعض….
توسعت عيناها و هي تقرأ أحرف إسمها المكتوب بخط عربي…ليلياني…رمشت عدة مرات بأهدابها الطويلة غير مصدقة لما تراه أمامها لترفع نظرها اليه و تصطدم بعينيه الحادة التي ترمقها بانتظار لتقول دون وعي :”انت قصدك إيه بداه…
تجاهل مشاعرها المتخبطة و عيناها اللتان تشعان حيرة ليقترب منها من جديد و قد غامت عيناه برغبة جائعة في إمتلاكها و دمغها بإسمه الى الابد…
اطبق على شفتيها من جديد يلثمهما بنهم قبل أن ينتقل بحركات سريعة إلى وجنتيها و عينيها ثم هبط الى رقبتها يقبلها و يستنشق رائحتها بعمق و أنفاسه الهائجة تعبر عن لهفته و جنونه للحصول عليها….
كانت تدرك انه سيحصل على مبتغاه منها عاجلا ام آجلا حتى لو رفضت لتنتهي الليلة باستسلام كامل منها…بعد مقاومات بائسة و ضعيفة منها لتنهار حصونها أمام عاطفته الجياشة التي كان يبثها لها دون كلل او تعب …
آهات متألمة صدرت منها سرعان ما كتمتها حالما ابتعد عنها و هو يستقيم ليستند بظهره على مسند السرير ثم يجذبها ليضع رأسها على صدره القوي
و هو يربت على كتفها و ظهرها بحركات رتيبة مهدئة
و هو يهمس مقبلا مقدة رأسها :”مبروك يا ليلي…دي أحلى ليلة في حياتي…”.
لم تدري بنفسها الا وهي تجيبه بحقد دون أن ترفع وجهها اليه :”بكرهك… و عمري ما كرهت حد زيك”.
قهقه أيهم بصوت عال و هو يحيط جسدها بذراعيه الاثنين يقربها منه أكثر قبل أن يلتف بجسدها ليصبح فوقها، ارتسمت على شفتيه إبتسامة وقحة و هو يتفرس ملامحها القلقة و عيناها اللتان توسعتا بخوف…ارتكز بذراعه الى جانبها ثم مد يده ليجذب الغطاء الذي كانت تتشبث به و كأنه طوق نجاتها…
ليهتف بمشاكسة :”طيب هاتي الغطاء داه و انا حوريكي إزاي تكرهيني كويس …
تمسكت بالملاءة بقوة و هي تتراجع بجسدها مبتعدة عنه هادرة بصوت ضعيف :” لا إبعد عني يا أيهم… انت أخذت اللي انت عاوزه سبني في حالي…”.
ضغط على شفتيه بقوة و هو يعود بجسده الى الوراء ليستلقي من جديد هاتفا بهدوء:”انت مراتي يا ليليان مش واحدة من الشارع، ميصحش الكلام اللي انت بتقوليه داه…ليليان و هي تقاطعه بقوة :” و لما انا مراتك بتفرض عليا نفسك ليه…. ايه متقليش انك محسيتش برفضي ليك “.35
زمجر أيهم بغضب و هو يلتفت لها بعينين حمرواين تطلقان شرارت غاضبة قائلا بصرامة :”ليليان….انتبهي لكلامك و متخلنيش اقلب عليكي وانت أكثر واحدة عارفاني لما اتحول ، مش علشان ساكتلك و براعيكي حتسوقي فيها انا الليلة دي قررت اني انسى كل حاجة و أعاملك على انك عروسة بس الظاهر مصرة على انك تشوفي وشي الثاني في ليلة دخلتنا… سواء برضاكي او غصب عنك انت مراتي و اللي حصل داه من حقي “.
ليليان باستهزاء :” طبعا أهم حاجة راحتك…
أيهم بصوت جاف :”قومي خوذي دش خلي أعصابك تهدى و بعدين تعالي نامي و احتفظي بكلامك الفارغ لنفسك”.
رمقته بنظرات قاسية تنم عن حقد دفين و هي تستقيم بجسدها محاولة النزول من الفراش ببطئ…
صرخت بألم قبل أن تستلقي من جديد و هي تغمض عينيها بقوة لتكتم دموعها التي تجمعت داخل حدقيتيها تنتظر إذنها للنزول…
شهقت بخفة عندما شعرت بنفسها تطير في الهواء و ذراعين صلبتين تحملانها بخفة،في إتجاه الحمام..
فتحت الباب بصمت ليدخل ايهم بها و يضعها على حافة حوض الاستحمام الكبير ثم يدير الصنبور لتبدأ المياه في التدفق لتندمج مع سوائل الاستحمام التي سكبها ايهم في الحوض لتتشكل الرغوة البيضاء و تنتشر رائحة النعناع و الفانيليا في الأجواء…
لم تقاومه عندما حملها مجددا ليجلس بها في الحوض و يضعها فوق سافيه بعد أن رمى الغطاء أرضا ليختبئ جسديهما تحت المياه…
تأوهت بخفوت و هي تشعر بتمدد عضلات جسدها و استرخائها داخل المياه الدافئة لتستند برأسها إلى صدره و تغمض عينيها بتعب بعد ليلتها الطويلة،
لتتوقف عن القلق و التفكير في سبب تغيره الطفيف معها و معاملته اللائقة التي أدهشتها….
صباحا استيقظت ليليان و هي تستشعر ملمس الاغطية الحريرية التي تلف جسدها.. فتحت عينيها ببطئ لتجد نفسها في غرفة كبيرة مختلفة عن غرفتها…استغرق الأمر منها لثوان حتى تدرك وجودها في غرفة الفندق،زفرت بخفوت قبل أن ترفع الغطاء بتمهل لتجد نفسها ترتدي قميصا رجاليا يبدو أنه لأيهم، لمع ذهنها بومضات خافتة لتدرك ان آخر ماحدث معها البارحة هو نومها في حوض الاستحمام بين ذراعي زوجها…
قلبت عينيها في أرجاء الغرفة لتجدها خالية… مشت بخطوات متمهلة لتفتح باب الحمام الذي وجدته بدوره فارغا…
استدارت في اتجاه الشرفة و هي ترجح وجوده هناك بعد أن وصل إلى أنفها رائحة سجائر خفيفة…
توقفت مكانها عندما لمحته يتكئ على السياج الرخامي للشرفة…تأملته بشرود لأول مرة في حياتها
تقر بوسامته…جسده الرياضي الضخم و ذراعيه القويتين و عضلات بطنه و صدره المنحوتة بدقة و كأنه أحد آلهة الإغريق، شعره الاسود الناعم الذي يحرص دائما على تصفيفه، بشرته البيضاء التي تتحول إلى حمراء قانية عند غضبه الذي يتجلى بوضوح في عينيه الخضراء الحادة التي ورثها عن والدته التركية….
لو لم تكن تكرهه لكانت من اول المعجبات به، لطالما سمعت همهمات الممرضات و الطبيبات زميلاتها و هن يتحدثن عن وسامته و أناقته الفائقة و شخصيته الصارمة المسيطرة التي تجعله محط إعجاب أي أنثى…
افاقت من تأملاتها على صوته الساخر و هو يقول :”حتفضلي متنحة كده كثير”.
عضت وجنتيها من الداخل و هي تشعر بتصاعد الحرارة الى وجنتيها لتجيبه بارتباك :”صباح.. الخير
انا كنت بدور عليك بس”.
توقفت عن الكلام عندما وجدته يتفرس جسدها و على وجهه إبتسامة خبيثة… لترمقه بدورها بنظرات غاضبة و تسارع بالدخول الى الغرفة من جديد و هي تشتمه :”السافل مش بيفكر غير في قلة الأدب…”.
لحقها أيهم و هو يقهقه بصخب على مظهرها الحانق و التي بدت فيه و كأنها طفلة صغيرة غاضبة.. إرتمى على الاريكة و هو يستجمع أنفاسه قائلا :” هدومك هناك البسي بسرعة علشان موعد الطيارة بعد ساعتين”.
نظرت ليليان إلى الاريكة موضع إشارته لتجد كيسا ورقيا أخذته بلا مبالاة و هي تتجه الى الحمام ليستوقفها صوته الضاحك و هو يقول :”مفيش داعي تقدري تغيري هنا… ما أنا خلاص شفت كل حاجة و بالتفصيل كمان”.
تسمرت مكانها للحظات وهي تلعنه في سرها قبل أن تسرع الى داخل الحمام صافقة الباب وراءها بعنف…
فتحت الكيس لتجد فستانا أنيقا باللون الأحمر الغامق بحزام ذهبي و بعض النقوش على الاكمام و الصدر، يرافقه حجاب رقيق باللون الذهبي و حذاء بكعب عال بنفس اللون.
لوت ثغرها بتعجب و هي تقول بسخرية قبل أن تبدأ في فتح ازرار القميص الذي ترتديه و تشرع في إرتداء الفستان :” راسم تاتو بإسمي على جسمه و كمان جايبلي فستان حلو دا إيه جواز المفاجآت داه.. يكونش الشيطان تغير فجأة و بقى ملاك… فاكرني مش عارفة عادته لما يحصل على حاجة جديدة بيفرح بيها يومين و بعدين يرميها لما يزهق منها …”.

في مزرعة الألفي
قفز شاهين من على حصانه الأسود رعد بعد أن قام بجولة طويلة في أرجاء المزرعة… ربت على عنقه بمحبة قبل أن يشير إلى أحد العمال ليأتي و يسلمه اللجام ليأخذ الحصان بعيدا.1
إتجه شاهين الى داخل الفيلا الفخمة التي تتوسط المزرعة بخطوات مسرعة ليجد كاميليا تجلس بجانب فادي الذي كان ينظر لها باستغراب و هي تريه بعض الصور لحيوانات غريبة لا يعرفها على جهاز الايباد….
صاح الصغير لينادي والده حالما رآها و هو يقول ببراءة :”بابي تعالى شوف في حيوانات حلوة كثير بس مامي كاميليا بتقول انها بتعيش في الغابة مش هنا…
اقترب منه شاهين ليحمله برفق ويجلس مكانه بجانب كاميليا و يجلس فادي في أحضانه و هو يسأله :” حيوانات إيه دي… ممم خليني احزر اكيد انت بتتكلم على الأسد و النمر… صح يا أسد”
ضحك فادي بصخب عندما بدأ شاهين في دغدغته و تقبيله على وجهه و رأسه ليتلوى الصغير و هو يحاول التملص من يدي والده و هو يصيح :”صح يا بابي صح…”.
توقف عن ملاعبته و يوقفه على قدميه غامزا إياه بخفة قبل أن يهتف بصوت واثق:” طب إيه رأيك أن بابي عنده حيوانات اكبر من الأسد و النمر”.
لمعت عينا الصغير بفرح قبل أن يجيبه و هو يصفق بيديه الصغيرتين :”بجد يا بابي… طب ممكن اشوفهم”.
أنزله شاهين أمامه و هو يربت على وجنتيه قائلا حنو :”طبعا يا روح بابي تعالى”.
وقف من مكانه حاملا الطفل بذراعه و يخطو بضع خطوات الى الامام قبل أن يستدير ثانية الى كاميليا التي كانت تجلس مكانها ممسكة الايباد بين يديها و هو تنظر أمامها بشرود…
شملها بنظرة مطولة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها قبل أن يهدر بغطرسة:” حنبقى نستنى الآنسة لما تخلص تأملاتها و إلا إيه؟”.
إنتفضت كاميليا من مكانها عندما سمعت صوته الغاضب و مشت باتجاهه مطئطئة رأسها…ليهتف شاهين مرة أخرى بنبرة اكثر قسوة :”لازم تركزي في أكثر في شغلك و بلاش سرحان ملوش لازمة”.
إنتظرته ليكمل كلامه ثم أجابته بنبرة متعثرة:”حضرتك انا شفتك أخذت فادي
فقلت يمكن عاوزين تتفسحوا لوحدكم…
أشار لها بيده لتسكت و كأن كلامها بلا فائدة ليشدد بصرامة :” أي مكان يكون فيه فادي لازم تكوني فيه يلا ورايا و بلاش رغي فارغ”.
زم الصغير شفتيه بحنق بريئ قبل يصرخ معاتبا والده :” بابي…مش تصرخ في وش مامي كاميليا… انا بحبها جدا مش تزعلها بليز…”.لوى شاهين شفتيه بضجر قبل أن يهمس في أذنه:”حاضر يا أستاذ دودي أي أوامر ثانية “.
هز فادي رأسه بنفي ثم بدأ في النظر حوله ليشاهد انواعا كثيرة من الأشجار و النباتات لا تختلف كثيرا عن تلك الموجودة في حديقة فيلا والده…..
بعد دقائق من المشي وصلا إلى مايشبه الجلسة الخارجيةجلس شاهين على الاريكة واضعا فادي في حجره كعادته بينما جلست كاميليا على الكرسي المنفرد، لحظات حتى ظهر أمامهما رجل و إلى جانبه حيوانين ضخمين يشبهان النمر و لكنهما أضخم بكثير….صرخت كاميليا دون وعي و هي تقفز من مكانها لتجلس بجانب شاهين و هي تتمتم برعب :”و النبي خليه ياخذهم من هنا…دول حياكلونا”.
قهقه شاهين بصخب قائلا :” دول مدربين و مش بيأذو حد غير بأوامري متقلقيش…. على الاقل دلوقتي…”.
لم تركز كاميليا على كلماته بقدر تركيزها على الوحشين القادمين باتجاهها، رفعت قدميها على الكرسي بطريقة طفوليه قبل أن تسمع فادي يسأل والده :” بابي هو داه نمر كبير “.
شاهين بنفي :”لا داه إسمه Liger باباه أسد بس مامته هي أنثى النمر و هو أكبر من الاثنين… فهمت”.
فادي ببراءة:”فهمت يا بابي طيب قلي هما أساميهم إيه”.3
أمسك شاهين كف الصغير ثم وضعه فوق رأس أحد اللايجر الذين جلسا بطاعة على مقربة منه ليداعب فرائه… قائلا ببساطة :” داه إسمه… دايمون… و الثاني إسمه سيزار
إيه رأيك حلوين يا بطل “.
تستمر القصة أدناه
اوما الاخر بحماس و هي يجيبه :”جدا يا بابي خلينا ناخذهم على الفيلا “.
شهقت كاميليا في داخلها و هي مازلت تقبض على ذراع شاهين دون إنتباه منها مركزة بصرها على الحيوانين تنتظر أي حركة منهما لتهرب بعيدا او تتسلق أحد الأشجار…
رأت إصرار فادي على اصطحابهما إلى المنزل لتقاطعه باندفاع:” هو انت شايفهم قطط علشان تأخذهم البيت… دول قد الديناصورات مينفعش يتربوا اصلا انتوا لازم تسفروهم أفريقيا و تسيبهم يعيشوا في الغابات هناك “.
رمقها شاهين باستهزاء قبل أن يردف :” اسفرهم أفريقيا؟؟؟ … إنت عارفة دول ثمنهم كام يا جاهلة؟؟؟ أكثر بكثير من أي مبلغ ممكن تتخيليه في دماغك “.
كاميليا بعدم إهتمام :” و هو مين حيشتري وحوش زي دي إلا إذا كان واحد مجن….. “.
ابتلعت كلماتها في جوفها بعد أن أدركت غباء ما تفوهت به لترفع رأسها ببطئ و تجده ينظر لها باستهزاء و هو يقول بتهديد جدي :” كلمة كمان و حوريكي المجنون داه حيعمل فيكي إيه…
أومأت بطاعة ليتجاهلها شاهين و يقف من مكانه و يأمر اللايجر ان يتبعاه… بينما هي تسمرت مكانها لاتدري أين تذهب هل تتبعه ام تجلس مكانها حتى يبتعد بهذه الوحوش المخيفة ثم تهرب إلى الفيلا ….
تابعت سيرهم بأنفاس متقطعة و هي تدعوا الله أن لا يتفطن لتخلفها عنه فجأة رأت شاهين يضع فادي أرضا بعد أن تمتم ببضعة كلمات في أذنه ليركض الصغير نحوها…
ماجعل كاميليا تشتمه مرحبا سرها قائلة :”الله يخرب بيتك إيه اللي رجع الواد المجنون داه…داه طلع مجنون زي أبوه.. داه إيه عيلة المجانين دي الام بتقلي تنكري و أخفي وشك و ابنها مربي اسود في البيت و كأنها قطط و الحفيد عاوزني أبقى مامته بالعافية “.
وصل فادي إليها ثم أمسكها من يدها و هو يجرها قائلا برجاء:” مامي كاميليا بليز تعالي نشوف ديمون و سيزار و هما بياكلوا “.
تبعته كاميليا و هي تهمس بحنق :” دول بياكلو لحمة تكفي حارتنا اسبوع بحاله ثم أضافت بصوت عادي فادي يا حبيبي انا ميس كاميليا مش مامي… بلاش تقلي تناديني كده علشان …”.
فادي و هو يعبس بحزن :”بس انا عاوزك تبقي مامي انا عندي بابي بس و كل صحابي عندهم مامي و بابي”.
شعرت كاميليا ببعض الشفقة على هذا الطفل المسكين لتهم بالرد عليه لكن صوت شاهين الغاضب قاطع أفكارها و هو يقول :” حسابك بعدين على اللي انت عملتيه دلوقتي… يلا يا فادي نشوف اللايجرز انا خليت المدرب بتاعهم يرجعهم مكانهم “.
مشى الجميع حتى وصلوا إلى ركن شاسع مسيج بأسلاك حديدية عالية حيث يقبع اللايجرز بداخله و أمامها كومة كبيرة من اللحوم يأكلانها بنهم…صفق فادي بحماس و هو يشير بيده الى أحد الحيوانين متسائلا :” بابي هو داه سيزر صح…. “.
ابتسم شاهين على طفله قبل أن يجيبه :”صح سيزار أضخم شوية من دايمون….انا حجيبك كل أسبوع علشان تشوفهم مدام عجبوك بالشكل داه”.
فرح شادي بشدة و قام بتقبيل والده طويلا قبل أن يعود لمشاهدة الحيوانات…
اما شاهين فقد إستغل إنشغال الطفل ليمد يده و يجذب كاميليا من ذراعها ليجعلها تقف إلى جانبه… ليقول باللغة الروسية بعد أن علم من والدته ان كاميليا تستطيع التحدث بها :”انت تتكلمين الروسية صحيح”.
تفاجأت كاميليا بسؤاله قبل أن تومئ برأسها بإيجاب :”أيوا”.
شاهين :”انا لا أريد لفادي ان يفهمنا…لقد رأيتك منذ قليل تمنعينه من مناداتك بمامي”.
كاميليا و قد تذكرت تهديده :” لانه لا يجب أن يتعود على ذلك بينما أنا سأترك العمل آخر هذا الشهر ”
رفع شاهين حاجبه الى الأعلى ليقيمها بنظرات غرور واضحة قبل أن يهدر بغطرسة :”انت حقا حمقاء تظنين انني نسيت كيفية دخولك الى منزلي و حصولك على العمل و انك ستفلتين من عقابي لك على استغفالك لي…إسمعيني جيدا انت لاتريدين ان تكوني طعاما لهذه الحيوانات المفترسة التي تشاهدينها أمامكي… أقسم انني لن أتوانى عن رميك أمامهم انت و جميع عائلتك يا حثالة….ابقي مطيعة و لا تتسببي في حزن فادي مرة أخرى دعيه يناديكي بما يشاء..لك الشرف ام يناديكي مامي، لو انه فقط يعلم حقيقتك لما اقترب منك ابدا… صدقيني انت لاتعلمين جيدا من أنا فاحذري جيدا من إثارة غضبي ”
ارتجفت كاميليا رغما عنها من تهديداته الجدية و شعرت بانقباض قلبها من شدة خوفها خاصة بعد أن أضاف باللهجة المصرية :” انا عارف عنك كل حاجة على فكرة من يوم ما إتولدتي لغاية اللحظة دي و عارف كل عيلتك و حارتك الفقيرة اللي انت جاية منها.. حتى هبة صاحبتك اللي ناوي عمر يتجوزها… فخليكي مطيعة احسن عشان انا بكره الست العنيدة اوي فهمتي يا ميس كاميليا و الا أعيد ثاني”.
جف حلقها و ارتجفت ساقيها لتستند على السياج بثقلها و هي تهتف بتوتر :” فهمت “.
تجاهلها ليعود لملاعبة الصغير الذي بدا مسرورا جدا بنزهته الفريدة غير واع بما يحصل حوله…
بعد يومين في كافتيريا الجامعة
حدقت هبة في صديقتها ببلاهة غير مصدقة لما ترويه لها من أحداث غريبة وقعت معها الايام الماضية…
و ما أن انتهت كاميليا حتى سألتها :”قلتلي عندهم الأسود في المزرعة انت متأكدة يا كامي”.
كاميليا بضجر :”اووف يا هبة مية مرة قلتلك لايجر.. لايجر ما انا وريتك صورته في اللابتوب من شوية دا أضخم من الأسد يجي مرتين…شكله مخيف جدا انا كنت ببصله و انا بردد الشهادتين جوا قلبي خايفة ينط عليا في اي لحظة ياكلني خصوصا ان اللي اسمه شاهين داه مكانش حامل وجودي من أساسه…
هبة بمزاح :”كفاية ان ابنه حاملك و جوا قلبه كمان”.
كاميليا بحنق:”شفتي الخيبة اللي انا فيها…دلوقتي حتى لو قررت اسيب الشغل مش حيقبلوا عشان الولد ماسك فيا… و بقى بيناديني ماما.. بذمتك يا بيبة انا وش ماما،؟؟ بسببه بقيت بتهزق في الرايحة و الجاية… ساعات بفكر اديه قلمين على وشه زي ما بعمل مع كريم اخويا لما بيغيضني او ميسمعش الكلام علشان اخليه يقول حقي برقبتي و يبطل دلع….
هبة بضحك :”حرام عليكي داه ولد صغير ذنبه إيه انه تعلق بيكي…
كاميليا بتفسير :” انا مقلتش حاجة بس انا كمان بني آدمة و مش حمل بهدلة ابوه دي…داه انا لو كنت حيوان كان حيعامله احسن مني….طب انا ذنبي إيه إن مامته طلقت ابوه او هربت او مش عارفة راحت فين… انا مالي من كل داه، انا بنت غلبانة جيت اشتغل عندهم بكرامتي و من حقي اسيب الشغل لو لقيت حاجة إتضايقني او ملقيتيش راحتي….و بعدين بطلي تقولي عليه بريئ داه طالع لأبوه كان بيلعب على اللايجر و كأنهم قطط قال بريئ قال…. انا انت الهبلة و الغبية عشان فكرت اشتغل عند ناس عندهم انت بلعن الساعة اللي دخلت فيها الجحيم بتاعهم….
هبة :”كله بسببي انا اللي نصحتك تشتغلي هناك بس انا مكنتش عارفة ان كل داه حيحصل… بس انا مش حسكت انا حقول لعمر و هو حيتكلم معاه”.
كاميليا باندفاع :”لا يا هبة أوعي تعملي كده انا مش عاوزة اسبب مشاكل لأي حد انا النهاردة حتكلم معاه و حقله اني عاوزة اسيب الشغل… انا مقدرش استمر كده “.
هبة و هي تنظر إلى ساعتها :” طب اتكلمي معاه و كلميني بالليل و قوليلي عملتي إيه… يلا نمشي علشان المحاضرة زمانها حتبتدي….
لملمت كاميليا أشيائها قبل أن تتجه مع هبة الى مدرج المحاضرات بقلب منقبض و عقل مشغول.

في مكتب شاهين بالفرع الرئيسي لشركاته
إرتمى عمر بتعب على الاريكة العريضة ثم بدأ بفك ربطة عنقه بطريقة عشوائية قائلا بتذمر:” حرام عليك يا شيخ… إجتماع اربع ساعات…انت و معروف عنك انك آلة شغل متحركة طب و إحنا ذنبنا إيه؟؟؟؟
جلس شاهين وراء مكتبه ثم جذب جهاز الابتوب ليفتحه رامقا عمر بنظرات متعجبة قبل أن يهتف باستنكار :” اربع ساعات ميجوش حاجة جنب الأهمية بتاعة المشروع و الأرباح اللي حنحققها لو نفذناه بطريقة صحيحة و تفادينا الأخطاء اللي ناقشناها في الاجتماع….
عمر و هو يحرك رقبته يمينا و يسارا بتعب :” من الناحية دي معاك داه يعتبر مكسب كبير لشركة الحديد و الصلب و خاصة فرع اسكندرية بما ان المشروع حيتعمل هناك…المهم انا كنت عاوز اقلك حاجة برا الشغل”.
شاهين بانشغال :”قول… سامعك”.
. عمر باحتجاج:”طيب سيب اللاب من إيدك يا ابني الشغل مش حيطير…”.
شاهين برفض :” في إيميلات مستعجلة لازم أرد عليها بنفسي… اتكلم انا مركز معاك متخافش و لو اني عارف انت عاوز تقول إيه، عاوز تتجوز البنت إياها صح “.
عمر بضيق :”يا ساتر مفيش حاجة مبتعرفهاش و بعدين البنت إياها إسمها هبة على فكرة…
شاهين بلامبالاة:”طيب لما انت عاوز تتجوزها إيه اللي مانعك؟؟
عمر و هو يسترخي بجسده على الاريكة و يضع قدميه فوق المنضدة قائلا :” خالتك فيري يا سيدي…. ماما رافضة إني أرتبط بهبة و عاوزاني اتجوز بنت واحدة من صاحباتها… بنت هايفة كده و دمها ثقيل مش عارف ماما عجبها فيها إيه “.
شاهين بسخرية :”يعني عاوز تقلي ان شحط زيك طول بعرض و لسه مامته بتتحكم فيه…
عمر متجاهلا سخريته:” انا بس مش عاوز اتجوز و هي مش راضية عني…
شاهين بثقة:” طنط فريدة عمرها ما حتتغير تفكيرها كده بتأمن بالفرق بين الطبقات و بصراحة عندها حق…انا للاسف إكتشفت الحقيقة دي و تأكدت منها بعد ما إتجوزت… على العموم انت راجل واعي و مسؤول و تقدر تتحمل نتيجة قرارك…اعمل اللي ريحك مافيش حل غير انك تتجوز و تحط عيلتك قدام الأمر الواقع “.عمر :”طيب و عيلة هبة داه باباها رافض الموضوع من زمان…
شاهين بسخرية :”و يرفضك ليه…تكونش مش قد المقام و الا حاجة… بقلك الناس دي مينفعش معاها غير طريق واحد،إرميلهم قرشين و هما يبيعوا نفسهم مش يدوك بنتهم”.
عمر بيأس من أفكار إبن خالته المتجعرفة :”يا بني مية مرة قلتلك مش كل الناس زي بعض… عم منصور مستحيل حيغير رأيه عشان الفلوس… انت متعرفوش داه راجل عنده كرامته و سمعته أهم من أي حاجة في الدنيا…
شاهين :”لو عاوزني أتدخل انا ححللك الموضوع و في خلال ساعة حتكون في بيتك و مع مراتك “.
عمر بضحك :” متشكرين يا عم سايبينك للعوزة… انا عارف أفكارك اللي تودي في داهية مش بعيد تخطف البنت و تهدد أبوها ما انا عارف سكتك مبتعرفش تتفاهم بتفذ على طول”.
شاهين و هو يشاركه الضحك:” لا انا زمان جربت الحنية و الطبطبة بس منفعوش معايا فلقيت الحل السريع لكل المشاكل…نفذ اللي في دماغك و متتستناش موافقة حد “.
تناول عمر أحد سجائره ثم اشعلها لينفث دخانها قائلا بجدية :” انا إنشاء الله ناوي اتكلم معاه بهدوء و أكيد حلاقي حل… بس هو في موضوع ثاني كنت عاوز اكلمك فيه…
شاهين و قد عاد يكتب على حاسوبه باهتمام :”اتفضل.. الظاهر اني مش حخلص النهاردة من مواضيعك”.
عمر بسخرية :”وهو انا شاغلك على حاجة ما انت مشاء الله و كأنك مش مش مطبق اربع ساعات ورا بعض اجتماع مغلق و طالع ماسك اللاب و مكمل شغل…إرحم نفسك شوية يا أخي و خلي شوية طاقة لصوفيا بالليل”.
قهقه شاهين باستمتاع على ابن خالته المتذمر ثم دفع الجهاز جانبا و يهتف بصعوبه من بين ضحكاته :”طيب يا سيدي اهو سيبت الشغل علشان خاطرك…معاك خمس دقائق يلا إبدأ”.
عمر بنحنحة :” كاميليا… مربية فادي، دي صاحبة هبة الوحيدة انا عرفت كل اللي حصل معاها و تقريبا شبه متأكد ان انت مش حتعدي داه بالساهل و اكيد حعملها حاجة تأذيها…
شاهين محاولا التحكم في تعابير وجهه التي إنقلبت فجأة :”و إيه هو المطلوب مني يا عمر بيه”.
عمر بجدية :” سيبها في حالها يا شاهين البنت دي طيبة و غلبانة و مش قدك…و لا قد قسوتك انت عارف و متأكد ان الاتهامات اللي انت إتهمتها بيها باطلة و معندهاش أساس من الصحة و انت اللي مخترعها من دماغك و كمان طنط ثريا عارفة كل حاجة و تقريبا هي اللي قالتلها تعمل كده”.
شاهين و هو يسمح على وجهه بغضب :” دي حاجة متخصكش يا عمر انا أعرف كويس إزاي أحل مشاكل عيلتي و الشغالين اللي عندي…عمر مقاطع بصرامة:”شاهين.. سيب البنت في حالها، هي مش عاوزة تكمل تشتغل عندك و عاوزة تسيب الشغل و انا متأكد انك حتجبرها بأي طريقة انها تفضل عندك فبلاش….
شاهين باستهزاء واضح:” و حضرتها بقى عينتك محامي عشان تدافع عنها و الا داه تأثير الست هبة بتاعتك….
عمر بغضب و هو يقف من مكانه :” شاهين من فضلك مفيش داعي للكلام داه…كامليا صاحبة هبة و انا من واجبي إني ادافع عنها علشان البنت غلبانة و مظلومة و حظها الوحش وقعها في إيدك انت… ما في آلاف البنات تحت إيدك إيش معنى دي اللي ماسك فيها… تكونش عجبتك و عاوزها.. ما انا عارفك….
تستمر القصة أدناه
شاهين مقاطعا :”ملكش دعوة يا عمر و لثاني مرة بحذرك… ماتدخلش في حاجة متخصكش انا اعرف كويس انا بعمل إيه… و دلوقتي إتفضل على مكتبك علشان عندي شغل…
زفر عمر بضيق و يأس قبل أن يتجه خارجا تاركا شاهين يقاوم نوبة الغضب الشديدة التي أصابته
فجأة بسبب كلام ابن خالته… ليتوعد لكامليا المسكينة بعقاب مضاعف….
________________
في جزر المالديف الساحرة….
تمددت ليليان على أحد كراسي الشازلونج مستمتعة بأشعة الشمس المنعشة و المناظر الطبيعية الخلابة التي تتميز بها هذه الجزر…
تأملت من تحت نظاراتها الشمسية المياه الصافية و الأشجار الاستوائية المنتشرة هنا و هناك قائلة بهمس :”يااه الواحد قد إيه كان محتاج مكان زي داه علشان يعدي أعصابه و ياخذ نفسه من الحياة و المشاكل اللي فيها….يا ريتني اقدر أقعد هنا على طول….
التفتت ورائها عندما شعرت بخطوات أحدهم لتجده أيهم الذي يبدو أنه إستيقظ للتو من النوم… تقدم إليها ليقبلها على وجنتها قائلا بعتاب:”كده يا لولو تسيبيني نايم كل الوقت داه..
جلس إلى جانبها على نفسها الكرسي لترمقه ليليان بنظرة حانقة و هي تدفعه قائلة :” الكرسي داه بتاعي على فكرة مينفعش تقعد جنبي هنا… اختارلك اي واحد ثاني…
تجاهل أيهم إعتراضخا و هو يتمدد بجانبها و يضع نصف جسدها فوقه لتصرخ ليليان بغضب :” اووف يا أيهم عاوزة اشم شوية هواء ماتسيبني قاعدة براحتي….
أيهم بمشاكسة :”شمي هواء زي ما انت عاوزة بس هنا في حضني…
حاولت ليليان التملص منه دون فائدة لتهتف بغيظ:”ما انت كنت نايم إيه اللي صحاك، ما تروح تكمل نوم و تسيبني آخذ راحتي هنا….
ايهم برفض:” تؤ انا واخذ راحتي و زيادة اسكتي بقى و شوفي المكان حلو إزاي…إيه رأيك نفضل هنا على طول…
ليليان بحنق :”لا طبعا.. انا عاوزة أرجع مصر هناك على الاقل في ناس أعرفهم بس هنا ملناش حد….
أيهم بسخرية :”في حد عاقل في الدنيا يسيب المالديف و يروح مصر… ذوقك دايما غريب في كل حاجة….
ليليان بلامبالاة :”عادي مش مهم انه يعجبك على فكرة..
أيهم بخبث و هو ينظر لها بنظرات ذات مغزى :”بس انت فيكي حاجات ثانية مجنناني و مطيرة النوم من عيني… ما تيجي جوا و انا اقولك إيه هيا؟؟؟؟
ليليان رغم خجلها :”انت قليل الادب على فكرة و مفيش في دماغك غير الحاجات دي… اوعى كده انا جروح اقعد على الكرسي اللي هناك ده…أيهم بضحك :”متحاوليش علشان مش حسيبك و بعدين هو شهر العسل معمول ليه مش علشان قلة الأدب اللي بتتكلمي عنها دي….
ليليان دون وعي:”أيوا بش مش كده صبح و ليل….حاجة تقرف..
أيهم باستغراب :”يعني إنت شايفة حبي ليكي حاجة مقرفة يا لولو؟؟؟
ليليان بجدية :” بس انت مش بتحبني يا أيهم….
أيهم بصراحة :” بس احنا في حاجات كثير بتجمعنا أهم من الحب.. احنا أولاد عم و لايقين أوي على بعض.. و كمان متنكريش انك بتتجاوبي معايا كويس كل مرة بنبقى فيها مع بعض… و دي حاجات أساسية
ليليان بنفي:”بس اهم حاجة مش موجودة… الحب، مفيش حاجة حتعوضه بس في نفس الوقت هو بيعوض حاجات كثير….
أيهم بملل :” طيب سيبنا من الموضوع داه تعالي نفطر انا وصيت على فطار ملوكي أكيد زمانه وصل… يلا…
اكمل أيهم كلماته و هو يحملها كالعروس بين ذراعيه متجها بها إلى الداخل…..
________________
في منزل زكريا
جلست نعمة زوجة زكريا الأولى أمام شاشة التلفاز تقلب القنوات بملل باحثة عن أحد المسلسلات لتسلي به وقتها.. تأففت بحنق و هي تسمع صوت جرس الباب لتصيح بصوت عال :”حاضر ياللي بتخبط… جاية أهو”.
نهضت من مكانها بحركة بطيئة متجهة نحو الباب…فتحته لتتفاجئ بوجود ضرتها جميلة تقف أمامها…
اندفعت الأخرى تقبلها بلهفة مزيفة قائلة :”إزيك يا نعمة يا اختي… وحشاني اوي بقالي كثير مشفتكيش… و انت مش راضية حتى تشرفيني بزيارة…
رحبت بها نعمة رغما عنها ثم دعتها الى الدخول لتغلق الباب ورائها….
توجهتا الى الصالون لتقلب جميلة عينيها في أرجاء المنزل تدقق النظر في كل ركن فيه…
مصمصت شفتيها بحركة شعبية قائلة :”شقتك حلوة أوي يا ضرتي بس الأثاث قديم شوية…ماتقولي لسي زكريا يغيرهولك،انت مراته يا حبيبتي و من حقك تتدلعي عليه….
نعمة و هي ترمقها بنظرات غير مرحبة:” مفيش داعي يا أختي…الأثاث جديد و زي الفل متقلقيش انت نفسك بس…
جميلة و هي تشير بيديها :”يا حببتي انا بس عاوزة تكوني شيك في كل حاجة… المهم انا النهاردة جيالك في حاجة مخصوص…. في مشكلة كبيرة حصلت و لازم تلاقي معايا حل ليها و إلا حنروح في داهية أنا و انت…
نعمة بلامبالاة :” حاجة إيه كفى الله الشر… ما أنا عارفة زيارتك دي مش حتعدي على خير، و أكيد في وراكي مصيبة.
تستمر القصة أدناه
جميلة و هي تقلب شفتيها بضيق من وقاحة ضرتها :” مفيش داعي للكلام داه يا نعمة و بعدين يا أختي انا جيالك علشان مصلحتنا واحدة…المهم انا كنت عاوزة اقلك إن سي زكريا عاوز يدي لأبو البنت اللي إسمها كاميليا دي فلوس كثير علشان يوافق يديه بنته… حوالي ربع مليون جنيه….
شهقت نعمة و هي تضرب بيدها على صدرها قائلة بردح:”إيه… ربع مليون جنيه حتة واحدة…
جميلة بتأكيد :” أيوا يا ختي زي ما بقلك كده انا سمعته بوذني و هو بيتفاهم معاه على التلفون بس ابوها قله انه حيشاور ست الحسن و الجمال الأول…شفتي هي من أولها ابتدت كده امال بعدين حيحصل إيه َش بعيد يطلقنا ياختي انا و انت و يرميها في الشارع إحنا و بناتنا….
نعمة بوعيد :” آه يا زكريا ياإبن….متين و خمسين ألف جنيه حتة واحدة، و انا اللي كل ما اطلب منه فلوس يقلي مامعاييش و القهوة شغلها في النازل أتاري الراجل بيحوش مهر الهانم و إحنا مش داريين…
جميلة بتحريض :” شفتي ناوي ياكل حقنا و حق عيالنا عشان كده لازم نتعاون مع بعضنا و نلاقي حل …إحنا اكيد مش حنفضل ساكتين لحد ما يدخل علينا بيها و يقلنا دي مراتي …نعمة بتفكير :” طيب و إحنا في إيدنا إيه نعمله عشان نبوز الجوازة دي…و لو إني متأكدة ام كاميليا مستحيل توافق عليه بس خايفة من اللي مايتسمى يأثر على ابوها بالفلوس ما انت عارفاه لما بيحط حاجة في دماغه…
جميلة بحقد :” على جثتي انه يتجوز من ثاني… انت بس حطي عينيك في رأسك و راقبي كل تحركاته و تليفوناته لما يجيلك البيت و خلي الباقي عليا…و لما أكلمك إبقي ردي علي التلفون متبقيش تتجاهليني زي عوايدك…
نعمة بارتباك :” انا كنت فاكراكي بتهزري مكنتش فاكرة ان الحكاية فيها ربع مليون جنيه….
جميلة و هي تلوي فمها باستهزاء:” يعني انت كل اللي همك الفلوس مش همك جوزك اللي حيتجوز عليكي واحدة ثانية….
نعمة :”في ستين داهية ماهو عليا مرة مش حتفرق الثانية من الثالثة… انا بس عاوزة أأمن مستقبل بناتي مش عاوزة حد ثاني يدخل و يكوش على كل حاجة…
جميلة بتأكيد :”متقلقيش انت بس إعملي اللي قلتلك عليه و سيبي الباقي عليا و متنسيش تفتشي الدولاب علشان لو لقيتي فلوس هنا و الا هنا قوليلي… يلا فتك بعافية انا لازم أمشي زمان البنات وصلوا من المدرسة….
نعمة بابتسامة مزيفة :” الله يعافيكي يا أختي و متأخذينيش… الكلام أخذنا و مضيفتكيش على قهوة….
وقفت جميلة من مكانها و هي تلملم عبائتها باهتمام قائلة :” مفيش داعي حبقى أشربها مرة ثانية إنشاء الله.
اوصلتها نعمة إلى الباب ثم ودعتها و هي تشتمها في سرها و تشتم زوجها و تتوعده بالانتقام منه قريبا…..
__________________
ليلا في فيلا شاهين…
دخل الى الفيلا كاعصار هائج… استوقفته والدته للحديث معه لكنه تجاهلها متجها إلى مكتبه بعد أن أمر فتحية باستدعاء كاميليا إلى مكتبه…
بعد دقائق دلفت كاميليا المكتب بخطوات مرتجفة…لتجده يجلس على الاريكة و جسده إلى الأمام مستندا بذراعيه إلى ركبتيه واضعا رأسه بين كفيه..ظلت واقفة مكانها عدة دقائق بينما هو ظل على وضعيته تلك لم يتحرك إنشا واحدا… تنحنحت للمرة الثانية لتنجح أخيرا في جذب إنتباهه، رفع رأسه إليها ليناظرها بعينين حمراوين من شدة الغضب لتتراجع هي بخوف إلى الوراء دون وعي منها….
توقفت عندما سمعت صوته الخشن ليأمرها بالجلوس…نظرت حولها لتختار الجلوس على أقرب مكان للباب حتى تستطيع الهرب عند الظرورة….
ما إن مالت بجسدها إلى الوراء إستعدادا للجلوس حتى فوجئت بقبضة يده تنقض على ذراعها ككماشة ليجذبها بعنف و يجبرها على الجلوس تحت قدميه كالجارية…
صرخت كاميليا بألم و هي تحدق به غير مصدقة لفعلته ليبادلها هو نظرات حاقدة قائلا بهدوء مريب :”من هنا و رايح لما اقلك أقعدي تقعدي هنا تحت رجلي و متتحركيش غير لما آمرك بكده..
لم تكن كاميليا تصدق ما تسمعه منه لتحاول النهوض من مكانها لكنه قبض على رسغها بقوة حتى بكت من شدة الألم ليهتف بتشفي:” داه جازاتك علشان عنيدة و متسمعيش الكلام…و لعلمك المرة الجاية حيكون عقابك أكبر من كده بكثير….
ختم كلامه ثم مد يده إلى جيبه و عيناه لا تحيدان عن كاميليا التي ظلت جالسة في مكانها بصمت تنظر متى سيسمح لها بالمغادرة…أخرج علبة مخملية باللون الأسود و رماها بجانبها مردفا :”داه علشانك إفتحيه…
ما إن فتحت العلبة بأناملها المرتجفة حتى توسعت حدقتي عينيها بغير تصديق لما تراه… خاتم من الألماس أقل ما يقال عنه انه من أجمل ما رأت في حياتها البسيطة6رفعت عينيها الى وجهه لتجده ينظر لها بزهو قبل أن يقول بصوت واثق ..
صباحاأغلقت كاميليا باب غرفتها بأنفاس لاهثة متجاهلة نداءات والدتها القلقة عندما رأتها بتلك الهيئة و هي تركض مسرعة إلى داخل المنزل و كأن أحدهم يلاحقها….
استندت بظهرها على باب الغرفة و هي تمسح بكفها على صدرها فوق قلبها تهدئ من نبضاته التي كانت تتسابق بسرعة جنونية ليصل الى مسمعها صوت والدتها التي كانت تدق الباب دقات متواصلة…
الام بألحاح :”كاميليا افتحي الباب…قوليلي مالك… داخلة تجري كده ليه هو في حد كان بيجري وراكي و الا إيه.. كاميليا افتحي الباب… يابت…
إستجمعت كاميليا قواها المتبقية لتجيب والدتها بهدوء مضطرب :” مافيش ياماما… انا بس مستعجلة شوية علشان كدة كنت بجري… انا جيت من الفيلا على هنا علشان أغير هدومي و اروح الجامعة….
زفرت بارتياح و هي تسمع خطوات والدتها المبتعدة على الباب… تعلم أن والدتها لن تمرر الأمر على خير و ستظل تسألها مرارا و تكرارا لذلك وجب عليها ان تفكر في سبب مقنع تقوله لها.
مسحت وجهها بتعب و هي ترمي حقيبتها باهمال على السرير متجهة الى خزانتها الصغيرة لتخرج بعض الملابس البيتية لترتديها متناسية كذبها على والدتها بذهابها إلى الجامعة….
شهقت بفزع و هي تتذكر ذلك الخاتم الذي أعطاه لها شاهين لترمي الملابس على الأرض و تهرع إلى حقيبتها تفتحها بتوتر و هي تخرج العلبة المخملية..
قبضت عليها بكفها تعتصرها بخوف و هي تتذكر ما حدث البارحة…..
:”الخاتم داه ليكي….جهزي نفسك علشان حنتوجز آخر الأسبوع داه”.
توسعت عيناها برعب و هي تشعر بتوقف العالم
من حولها…حدقت فيه غير مصدقة لما تسمعه منه
ليكمل الاخر ببرود متلف للاعصاب و كأنه يعقد إحدى صفقاته:”في المقابل انا حديكي عشر مليون جنيه… تقدري تساعدي بيهم عيلتك و تخرجهم من الفقر الي هما عايشينه… و تأمني مستقبل أخواتك انت اكيد مش عاوزاهم يكونوا زيك لما يكبروا…بتشتغلي ليل نهار علشان شوية ملاليم يدوب مكفية مصاريف دراستك… وترحمي أبوكي العيان من الشغل… انت عارفة ان مريض بالقلب و كل يوم حالته بتدهور أكثر خاصة انه مش بتعالج و لا بيأخذ دواء…عشان مش معاه فلوس “.
ضغط شاهين على كلماته الأخيرة و هو يرمقها بتحدي لتنزل كاميليا عيناها التي امتلئت بدموعها.. كل مايقوله صحيح… هو يعرف عنها كل شي… و يدرك حياتها الفقيرة البائسة و يقدم لها فرصة ذهبية لتخلص عائلتها من معاناتها…
واصل شاهين حديثه ليقطع عليها سيل أفكارها :”انا طبعا مكنتش عاوز أتجوز واحدة فقيرة زيك… مش عاوز أعيد غلطتي مرتين بس أنا مظطر علشان فادي متعلق بيكي جدا و انا مش عاوزه يمر بأزمة نفسية زي السنة اللي فاتت…يعني انت هنا عشان اوس و بس و انا في المقابل حديكي الفلوس اللي قلتلك عليها و ممكن أديكي أكثر لو عاوزة “.
إبتلعت كاميليا ريقها بصعوبة و هي تشعر بغصة في حلقها جراء اهاناته المتكررة لها لتقول بصوت مختنق من دموعها :” بس أنا مش عاوزة اتجوز… انا حبقى مربية فادي زي….
قاطعا الاخر و هو يجذبها من ذراعها بقوة حتى كاد يخلع كتفها من مكانه هادرا بغضب شديد :”انا مش باخذ رايك إنت تنفذي و بس لحسن و ديني لخليكي تعفني في السجن انت و عيلتك كلها…. انت الظاهر لسه مش عارفة كويس انا مين بس ملحوقة انا ممكن أوريكي عينة صغيرة من اللي ممكن أعمله فيكي
و ممكن أبدأ بأختك نور…
جذبها أكثر لتصبح مقابلة له و هي تجلس على ركبتيها أمامه و وجهها مقابلا لوجهه… تفرسها للحظات…و هي تغمض عينيها بشدة و دموعها تأخذ مجراها على وجنتيها المحمرتين…
قبل أن يكمل بصوت هامس مرعب أشبه بفحيح الافاعي :”حخلي رجالتي يخطفوها و يغتصبوها و بعدين يرموها في أي خرابة… و لامن شاف و لا من درى… إيه رأيك و إلا نخليها قضية مخدرات منافقة تخلي ابوكي يقضي بقية حياته في السجن و إلا… “.
ظلت كاميليا تهز رأسها بنفي و هي تحاول التملص من قبضته الحادة صارخة ببكاء:”حرام عليك… ليه بتعمل فيا كدة….
رماها شاهين الى الوراء لتقع أرضا على ظهرها…ثم عاد بجسده مستندا على الاريكة و هو يردف بغطرسة واضحة :”علشان مبحبش حد يعارضني….و اللي أقول عليه يتنفذ من غير نقاش…أقسم بالله لو عارضتيني ثاني لكون منفذ اللي في دماغي على طول مين كلام …انت تحمدي ربنا علشان إخترتك انت من كل بنات الدنيا…اللي بيحلموا بإشارة من صباعي…انا لولا فادي مكنتش حبص في خلقتك…. و دلوقتي إطلعي برا عندي شغل “.
أكمل حديثه ثم وقف من مكانه متجها إلى البار الصغير و يمسك بإحدى زجاجات النبيذ و يفرغ محتوياتها في كأسه و يبدأ في ترشفه بهدوء و كأنه لم يقم بمصيبة منذ قليل…
تحاملت كاميليا على نفسها لتقف من مكانها بصعوبة و تتجه بخطوات متثاقلة إلى خارج المكتب….لتمضي ليلتها و هي تفكر في الجحيم الذي ينتظرها لدخوله بعد أيام قليلة…
عادت إلى واقعها لتنظر الى العلبة مدلف شاهين إلى شركته بخطواته الواثقة الرزينة تحت نظرات الموظفين الخائفين من مزاجه المتقلب…
وصل إلى مكتبه ليطلب من السكرتيرة قهوته المعتادة و بعض الملفات الخاصة بإحدى الصفقات…
فتح حاسوبه و بدأ بالعمل.. لتطرق السكرتيرة الباب ثم تدخل حاملة فنجان القهوة و الملفات..
رمقها شاهين من تحت أجفانه بنظرات متفحصة قبل أن يرفع رأسه إليها…لم يمنع نفسه من تفرس جسدها بوقاحة و هي تتمايل بدلال و ملابسها المغرية التي تظهر أكثر مما تخفي.. تنورتها السوداء القصيرة التي كانت تكشف ساقيها الطويلتين و قميصها الأزرق الذي تعمدت ان تترك ازراره الأولى مفتوحة حتى يظهر جزء من مقدمة صدرها…توسعت ابتسامتها و هي تلاحظ نظراته التي كانت تلتهم جسدها…
لتقترب بثقة من المكتب و تضع الفنجان و الأوراق أمامه قائلة بصوت ناعم :”دي ملفات المناقصة اللي حضرتك طلبتها…
أشار لها شاهين بإصبعه ان تقترب منه لتتهلل أساريرها فرحا لحصولها على فرصة مع شاهين الألفي فهي منذ أن بدأت العمل عنده و هي تحاول بكل الطرق لفت إنتباهه…
إقتربت منه و هي تبتسم بفرح لم يدم طويلا عندما سمعته يهمس في أذنها
بصوت عابث :”إقفلي زراير القميص يا ميساء و بلاش الحركات الخطيرة دي معايا لحسن لو سبت نفسي عليكي حتكون آخرتك يا ميتة يا في غيبوبة في المستشفى أصلي انا غبي في الحاجات دي و منصحكيش تجربيني…
إرتجفت ميساء بخوف و قد امتدت أصابعها لتقفل أزرار قميصها دون وعي قبل أن تهرع الى الخارج بخطوات متعثرة…
لوى شاهين فمه باستهزاء و هو يتمتم بانزعاج:”عاهرة جديدة.. بس خسارة جات في وقت غير مناسب….
قاطع تفكيره دخول عمر بملامح متجهمة ليزفر هو بضيق لعلمه بغضب الاخر منه بسبب كاميليا…
تقدم عمر ليضع أمامه عدة أوراق قائلا بصوت جاف :” دا ملف فيه كل المعلومات على شركة النويري للصلب اللي انت عاوز تشتريها…في أوراق تثبت إنها على وشك الإفلاس”.
وضع شاهين الملف جانبا و هو يرمق عمر الغاضب بتسلية قائلا :”قلبك إسود يا ابن خالتي… ليه زعلان من إمبارح”.
عمر ببرود:”لا زعلان و لا حاجة انا بس عرفت حدودي..
شاهين بضحك :”طيب بس أجل زعلك داه لبعدين علشان عاوزك في حاجة ضروري….
عمر بلامبالاة:” عاوز إيه…
تنحنح شاهين لينظف حلقه قبل أن يفجر قنبلته :” حتجوز آخر الأسبوع داه”.
نظر إليه عمر غير مصدق ليومئ له الاخر بتأكيد…و هو يكمل بثبات :”بما إنك مدير أعمالي فأنت المسؤول على تجهيزات الفرح كلها “.
عمر و هو يسأله ببلاهة :” انت بتتكلم جد.. فرح إيه اللي آخر الأسبوع داه و مين العروسة”.
تجاهله الاخر و هو يفتح علبة سجائره الفاخرة ليشعل واحدة و ينفث دخانها في وجه عمر الذي لم يبال كثيرا بسبب تركيزه على سماع إجابة سؤاله…
:” كاميليا محمود… مربية فادي”.
رفع عمر حاجبه باستهزاء و كأنه كان يتوقع الإجابة قبل أن يردف بضيق واضح:” كنت عارف… اصلك مش حتبقى شاهين الألفي لو فلتت بنت من إيدك خصوصا لو كانت بجمال كاميليا…بس انا متأكد انها مش حتوافق و حتى لو وافقت فأكيد غصب عنها…
قاطعه شاهين بلامبالاة :”برضاها غصب عنها المهم انها وافقت…و دي حاجة متخصكش على فكرة
انت تجهز الحفلة و بس…
هز الاخر كتفيه باستسلام على عناد صديقه ليهب واقفا من مكانه و هو يقول بتذكير :” انا حكلمweeding planners و بعد الظهر حيكون عندك عشان تختار ديكور الحفلة…و الحاجات الثانية حشرف عليها بنفسي…بس مقلتليش إنت حتعيش فين في الفيلا مع طنط ثريا و إلا في فيلتك؟”.
شاهين و قد فهم مايرمي إليه :”حنسكن في فيلا العيلة….متنساش تكلم الاستاذ حسن و القروب اللي معاه علشان يغير ديكور الجناح بتاعي…. و بالنسبة للفيلا الثانية فأنا حقفلها علشان ملهاش لازمة بعد ما إتجوز….”.
عمر بحيرة :” طيب و صوفيا و البنات ال… ؟؟؟؟”.
شاهين بثقة:” انت عارفني يا عمر أنا بعمل كل حاجة إلا إني أخون مراتي…”
أومأ له عمر بالموافقة قبل أن يتجه خارجا و ملامح الدهشة واضحة جليا على وجهه…
تاركا شاهين يبتسم بخبث و هو يتخيل كيف ستكون أيامه القادمة صحبة زوجته الجميلة.
_________________________
بعد يومين في شقة سعيد والد كاميليا
تجلس كاميليا على سريرها الصغير وهي تشاهد هبة و نور اللتان كانتا مشغولتان بتنظيم الأكياس الكثيرة و إفراغ محتوياتها في حقائب لتأخذها معها إلى منزلها الجديد…
عطورات فاخرة و ساعات و مجوهرات قيمة و ملابس من ماركات عالمية مختلفة و أحذية و حقائب بالإضافة إلى علب الميكآب ….
شهقت هبة بإعجاب و هي تخرج إحدى الساعات الفاخرة و ترتديها قائلة :”يا لهوي تجنن دي يا كامي… بصراحة شاهين داه طلع ذوقه حلو جدا.
رمقتها كاميليا بفتور و هي تجيبها :” ما أنا قلتلكم أي حاجة تعجبكم خذوها.. فتحية الصبح كلمتني و قالتلي انها إمبارح قعدت ساعتين في الجناح و هي بتنظم في الحاجات اللي هو جابها هناك…يعني كل الحاجات اللي هنا ملهاش لازمة هو باعثها منظر و بس”.
نفت نور برأسها و هي تقاطع أختها قائلة :”انا بصراحة مش عاوزة حاجة غير الميكآب…بس ماما نبهت علينا منلمسش حاجة من جهازك….بتقول انه فال وحش و قالت إنها حتدينا فلوس انا و هبة علشان نشتري فساتين للفرح “.
كاميليا باستهزاء:” طيب يا ام فال وحش حتروحوا إمتى علشان تشتروا الفساتين.. الفرح بعد بكرة على فكرة “.
نور و هي تقف من مكانها لتجلب الأكياس البعيدة عنهما :” حنروح بكرة الصبح…مع السواق ما انت عارفة من يوم ما خبر جوازك إنتشر في الحتة و احنا مش قادرين نتحرك براحتنا… داه عم زكريا إمبارح كلم أبويا و بيترجاه علشان ميوافقش على جوازك بس بابا قله انك انت اللي إخترتي و هو ميقدرش يجبرك على حاجة”.
هبة بضيق و هي تطوي إحد الفساتين بعناية و تضعها في الحقيبة المخصصة للفساتين :” هو العجوز داه مش ناوي يختشي على دمه بقى، …داه لو سمعه شاهين بيه حيدفنه مكانه هو وكرشه… بني آدم مستفز أحسن حاجة عملها جوزك انه حط حراسة على باب العمارة برا و إلا كان زمانه مشرفنا هنا “.
قهقهت نور بمرح على كلام هبة الساخر قبل أن تهرع خارجا ملبية نداء والدتها لتساعدها في المطبخ.
تركت هبة الأغراض من يديها لتلتفت لكامليا التي كانت تنظر أمامها بشرود لتسألها بصوت خافت مخافة ان يسمعها أحد :” كاميليا… هو انت إزاي أقنعتي انكل سعيد و طنط هناء..
أغمضت كاميليا عيناها بتعب و هي تجيبها بهدوء:” انا أقنعت ماما و قلتلها إني بحبه و هو بيحبني…و انه فرصة و مش حتتعوض ثاني ما انت عارفة انا لو فضلت كده حعنس علشان مفيش حد بيتقدملي من حتتنا بسبب الزفت زكريا و أي حد بيجي من برا بيفهموه إني مخطوبة…. و كمان علشان نخرج من الفقر و المعاناة اللي إحنا عايشينها….خصوصا ان بابا تعبان…
هبة بتفكير :”مممم يعني انت أقنعتي طنط هناء و هي اقنعت أنكل سعيد…بصراحة اكثر حاجة مفرحاني في الجوازة دي إنك حتتخلصي من زكريا ابو كرش….
كاميليا بغضب :” إنت بتهزري يا هبة… فرحانة علشان كمان يومين و حدخل جحيمي برجليا.. إش حال مكنتيش على علم باللي بيحصل معايا هناك انا بس مش عاوزة أحسس عيلتي عاوزاهم يفضلوا مبسوطين “.
حاولت هبة طمئنتها متذكرة كلمات عمر لها:”إهدي يا كامي و إنسي كل اللي حصل زمان… انت دلوقتي حتبقي مراته يعني كل معاملته الوحشة ليكي حتتغير…بصي هو مهتم بيكي إزاي و مش مقلل من قيمتك داه باعثلك مجوهرات بملايين و هدوم و جزم ماركات…داه غير الفلوس اللي هو إدهالك…
انا متفائلة ان كل العذاب و الاهانة اللي انت شفتيها على إيده حتتبدل لحب و إحترام و بعدين هو في راجل يشوف جمالك داه و يقدر يقاوم…. تلاقيه بيعد الساعات علشان تبقي في بيته…
كاميليا بضحة حزينة :”داه حتى مبصش في وشي و لامرة… هو متجوزني بس علشان ابنه…. و الفلوس اللي هو إدهالي دي ثمني…انا بعت نفسي ليه علشان عيلتي يعني حبقى زيي زي اي كرسي او عربية هو مشتريها بفلوسه يقدر يعمل فيها اللي هو عاوزه بدون إعتراض…بلاش أحلام وردية يا هبة انت لو كنتي مكاني كنتي فهمتي انا بتكلم على إيه… شاهين مش زي عمر…. داه شيطان و مفيش حاجة بيعملها من غير سبب”.
هبة بيأس :” طيب متفكريش كثير أحسن تتعبي و انت مش ناقصة…. بقالك يومين منمتيش “.كاميليا بلامبالاة:” حنام إزاي بالدوشة اللي برا دي … سكان الحارة كلهم كل يوم بيتجمعوا عندنا…
هبة بحيرة:”سبحان مغير الاحوال…شوفي حياتنا إتغيرت إزاي في ظرف شهرين… انت كنتي بتدوري على شغل علشان تسددي مصاريف الجامعة و دلوقتي حتتجوزي…و انا عمر رجعلي بعد ماكنت فاكرة إني مش حشوفه ثاني و إنشاء الله كام شهر كده و نتجوز….
كاميليا بتنهيدة :” الدنيا دي غريبة أوي متقدرش تعرفي بكرة مخبيلنا إيه…”.
هبة بتشجيع :”أديكي قلتيها بنفسك…متعرفيش بكرة مخبيلنا إيه علشان كده متتعبيش نفسك و سيبي بكرة على بكرة على رأي بوسي”.
ختمت كلامها بضحكة و هي تدندن تلك الأغنية محاولة تخليص صديقتها من مزاجها المتعكر….
“بقلك إيه يا هبة انا مش فاضي للكلام الفارغ بتاعك الحاجات اللي انا بعثتها تتلبس في الفرح و مش عاوز كلام ثاني في الموضوع داه “.
صرخ عمر بغضب بعد أن فلتت اعصابه بسبب عناد هبة التي رفضت قبول الأكياس التي بعثها لها عمر مع أحد الحراس….
لتجيبه بصراخ مماثل:”و انا حقبل منك الحاجات دي بصفتك مين؟؟ تعالى خذ الأكياس بتاعتك لحسن أرميها في الزبالة”.
قهقهت نور بصخب على كذب هبة التي كانت تتحدث مع عمر و في نفس الوقت عيناها تكادان تخرجان من مكانها من شدة الإعجاب و هي تتلمس ذلك الفستان الذي أقل مايقال عنه انه رائع بلونه الوردي الهادئ و قماشه اللامع ليأتيها صوت عمر
الغاضب و هو يقول :” بصفتي خطيبك و حبقى جوزك قريب إنشاء الله…كز على أسنانه بغيظ قبل أن يكمل..و اتلمي يا هبة و بلاش تستفزيني انا على آخرى أيهم و شاهين حيتجوزوا و انا لسه معملتش حتى خطوبة و كله بسببك…
تجاهلت هبة مايلمح إليه لتهتف محاولة تشتيت أفكاره :” بس انا النهاردة الصبح خرجت انا و نور إشتريت فستان و….
تنهد الاخر بنفاذ صبر قبل أن يقاطعها بهدوء مصطنع:” قصدك الفستان الأحمر اللي انت بعثالي صورته من شوية …داه تلبسهولي في قوضة النوم لما نتجوز يا حبيبتي…عريان من فوق و مبين ذراعاتك و كمان قصير و لونه ملفت.. هو انت عقلك كان فين و انت بتشتريه، وإزاي أصلا فكرتي إني حسمحلك تلبسي فستان زي داه… انا دلوقتي مشغول علشان الفرح يادوب بكرة و في حاجات كثير ناقصة لازم أهتم بيها …و لو عاوزة عاوزة حسابك معايا يثقل إبقي متلبسيش الفستان اللي أنا جبتهولك، سلام….
أسقطت هبة الهاتف من أذنها بحركة درامية قائلة بمزاح:”تقريبا الخط إتقفل في وشي…انا تهزأت يا بنات…
قهقهت كاميليا و نور على تعبيرات وجهها المصدومة قبل أن تشاركهما الضحك… بعد لحظات أمسكت الفستان ثم وضعته على جسدها و كأنها ترتديه مردفة بتذمر:” الفستان داه يساوي ثروة داه غير العقد الألماس اللي معاه …انا مش متعودة البس حاجات غالية و خايفة يضيع مني…
رمقتها نور بتعجب قبل أن تتحدث قائلة:” انت حتبقي حرم عمر الشناوى فلازم تتعودي على حياتك الجديدة من دلوقتي، كل حاجة حتتغير لبسك، أكلك، حتى مشيتك….على فكرة انت كمان يا كاميليا لازم تتغيري.
رمقتها كاميليا بحنق و هي تجيبها:” و على إيه كل داه…يعني لازم انسى اصلي عشان أعجب.. لا يا أختي أنا كده و مش حغير حاجة من نفسي…
حركت نور شفتيها بتقزز قبل أن تتكلم بنبرة مستهزءة:” إنت بالذات يا كامي لازم تغيري أسلوب كلامك البلدي داه…انت حتبقي أحدى سيدات المجتمع الراقي يعني ماينفعش تقولي يا اختي، و الكلام الغريب بتاعك داه… إترقي شوية يا حبيبتي و الا صدقيني حتبقي مسخرة…الكل حينبهر بشكلك الحلو و جمالك الملفت بس انا متأكدة ان انهم حينصدموا لما يسمعوا طريقة كلامك اللي شبه نسوان الحارة….
أمسكت كاميليا بوسادتها ثم رمتها على أختها التي كانت تتحدث و تلقي تعليماتها على الفتاتين بكل تكبر و غرور قائلة بتشمت عندما صرخت الأخرى بألم :”هيه تستاهلي عشان تحرمي تنكري في اصلك يا بنت سعيد… بقى علشان مسكتي في إيدك عشر الاف جنيه بقيتي تتكلمي زي نازك الصلحدار…مين اللي بقالها أسبوع مراحتش المدرسة علشان الجزمة الوحيدة اللي عندها متقطعةو عاوزة واحدة جديدة…
تأففت نور بغيظ من أختها قائلة :” الحمد لله أيام الفقر راحت و انا اشتريت بدل الجزمة عشرة و جبت هدوم ثانية كثير…و عقبال ماننتقل من الحارة الفقر دي على شقتنا الجديدة….و انت تسطفلي انشاء الله عنك ما نظفتي وش فقر بصحيح.. فخورة بأصلك على إيه فهميني… يكونش بابا تركي و انا مش عارفة ياشيخة إتنيلي…
صرخت كاميليا لتقاطع تذمرها :”هبة خوذي البنت دي من قدامي قبل ماأرميها من الشباك و أريح البشرية منها…
لم تهتم نور بكلام أختها كثيرا و هي تسير متجهة نحو باب الغرفة قائلة بتحدي:” انا نازلة انادي واحد من القاردز عشان ياخذ الشنط اللي برا…و لو انك متستاهليش”.
ابتسمت كاميليا على أختها الصغيرة التي لم تخفي فرحتها بالحياة الجديدة التي قدمها لهم شاهين الألفي و لم تكن تعلم شيئا على الاتفاق او الصفقة التي عقدها مع كاميليا مقابل الزواج منه….مصدقة كلام أختها التي أخبرتهم بوقوعها في حبه سريعا و انه هو أيضا يبادلها نفس الشعور…فهي دائما ما كانت متأكدة ان أختها قادرة على الحصول على زوج مثالي بسبب جمالها الفتاك رغم هيئتها البسيطة و ملابسها القديمة التي ترتديها دائما….
ألقت نظرة أخيرة على غرفتها الصغيرة التي كانت ممتلئة منذ يومين بالاكياس و الحقائب لتجدها عادت كما كانت بعد أن رتبتها هي و هبة التي اظطرت المبيت معها منذ ثلاثة أيام عندما أخبرتها عن أمر زواجها….
تابعت صديقتها و هي تضع الفستان في الكيس بحرص قبل أن تضعه في خزانة كاميليا الفارغة بعد أن عمدت نور إلى رمي كل ملابسها القديمة في أكياس القمامة…
تنهدت بصوت مسموع لتلتفت إليها هبة قائلة :”لسة بتفكري في نفس الموضوع… يابنتي ريلاكس بكرة فرحك و لازم تكوني جاهزة كل الناس مستنية تشوف مين حرم شاهين الألفي الجديدة…
قالتها هبة بمزاج و لم تدري انها بذلك زادت من مخاوف كاميليا التي شحب وجهها فجأة و بدأت دقات قلبها بالتسارع دليلا على قلقها الشديد….
إكتفت بالايماء برأسها قبل أن تتمدد على سريرها الصغير و تضم ركبتيها إلى صدرها بحماية و هي تقول بصوت هامس:”هبة لو سمحتي انا عاوزة أنام شوية متخليش حد يصحيني …
رمقتها هبة بنظرات مشفقة قبل أن تضع فوقها غطاءََ خفيفا و هي تجيبها :” طيب نامي شوية و انا حخرج برة مع نور و طنط…لو عزتي حاجة إندهيلي “.
أغمضت كاميليا عينيها بإرهاق فهي تقريبا لم تنم جيدا منذ أيام بسبب تفكيرها المتواصل في حياتها الجديدة….لم تكن تعلم هل ان قبولها للزواج منه كان أمرا صائبا اما أنه تذكرة مجانية للدخول إلى حجيم شاهين الألفي.. لكن هو حتى لم يترك لها خسارت… هو فقد أمرها و هددها بعائلتها التي لم تكن لترضى ان يمسهم أحد بسوء…لطالما تساءلت لماذا يلقبه الناس بالشيطان…حتى إكتشفت ذلك بنفسها و للأسف بعد فوات الأوان.
يوم جديد شمس، جديدة أشرقت على جميلتنا النائمة التي تململت في فراشها الصغير بانزعاج من الأصوات الصاخبة التي تتعالى حولها دون توقف… نفخت وجنتيها بضيق قبل أن تفتح عينيها الزرقاوتين و تتجول أنظارها بالغرفة…
وقع بصرها على هبة و نور اللتان كأننا تتشاجران و كأنهما الوحيدة في الغرفة غير مباليتين بوجودها…
تثاءبت كاميليا بكسل و هي تقاوم رغبة عارمة في العودة إلى النوم و التخلص من كل الالتزامات التي تنتظرها..
انتبهت لها نور لتهرع قافزة بجانبها على السرير و هي تهزها بلطف قائلة:”و أخيرا صحيتي…الساعة بقت تسعة و صاحبتك مكانتش عاوزاني أصحيكي…
نهرتها هبة قائلة بتوبيخ:” انا بس كنت عاوزاها تشبع نوم علشان شكلها كان مرهق جدا و النهاردة حيكون يوم طويل و متعب ”
وقفت نور من مكانها جاذبة الغطاء من فوق أختها و هي تشجعها قائلة :” يلا يا كامي فوقي إحنا ورانا حاجات كثير السواق تحت مستنينا علشان نروح الاوتيل…
تجلست كاميليا على السرير مستندة بظهرها على حافته متسائلة:”أوتيل ؟؟؟ انت متأكدة؟؟؟
حركت الأخرى رأسها بإيجاب قبل أن تتجه إلى الشباك تفتحه لتدخل أشعة الشمس و تنير أرجاء الغرفة قائلة بتأكيد:” أيوا…هناك في اوضة عشان تجهزي نفسك …. حتى فستان الفرح وصل يلا بقى قومي بلاش كسل….
صفقت هبة يديها بحماس قائلة:”يا سلام…أنا حموت و اشوفك بفستان الفرح يا كامي…يلا انت فقتي خلاص… قومي إفطري و خذي شاور و انا حجهزلك هدومك علشان تلبسي و نروح…
_______________________
في شقة زكريا
صاح زكريا مناديا على زوجته نعمة و هو يقلب رفوف الخزانة رأسا على عقب و هو يبحث كالمجنرن عن شيئ ما… هرولت نعمة اليه و هي تنشف يديها بمنديل المطبخ قائلة:”مالك يا حج بتنده ليه… و إيه اللي قلب الأوضة كده انت بتدور على إيه؟؟؟
شهقت في أثناء كلامها و هي تتفاجئ بالملابس المرمية على الارضية باهمال و جميع الإدراج مفتوحة على مصراعيها…. توجه نحوها زكريا بعيون حمراء من شدة الغضب ليجذبها من ذراعيها و يهزها بعنف عدة مرات و هو يصرخ بقوة:”فين الشنطة السوداء اللي كانت في الدولاب… إنطقي قبل ما أقتلك و ادفنك مكانك….
أخفت نعمة ارتباكها ببراعة و هي تحاول التملص منه قائلة بثبات :” شنطة إيه يا حج… انت بتتكلم على إيه…
صرخ زكريا مجددا و رذاذ لعابه ينتشر على وجه تلك المسكينة التي انكمش وجهها بتقزز:” شنطة الفلوس… يانعمة إنطقي راحت فين انا كنت حاططها بإيدي في الخزنة اللي جوا الدولاب…
نعمة و هي مازالت تصارعه ليتركها دون جدوى:”يا حج صدقني انا معرفش حاجة عن الشنطة دي و انت أديك قلتها بنفسك انك حطيتها في الخزنة يعني مفيش حد غيرك يقدر يوصلها… انت يمكن أخذتها للبيت الثاني …”.
تركها زكريا عندما بدأ يقتنع بحديثها ليقول بتهديد :”انا دلوقتي حروح هناك و حدور و ياويلك لو ملقيتهاش….”.
اومأت له نعمة بإيجاب و هي تفرك ذراعيها بألم ثم تبعته إلى باب المنزل لتتأكد من خروجه قبل أن تهرع إلى الهاتف لتهاتف ضرتها سنبل آغا كما تسميها….
بعد لحضات سمعت صوت جميلة على الجهة الأخرى للهاتف..
نعمة بلهفة:”جميلة… زكريا عرف بالشنطة و بيدور عليها زي المجنون و لما ملقاهاش هنا طلع علشان يدور عليها عندك… انت عارفة حتقولي إيه.
جميلة بهدوء :” متخافيش انا حافظة درسي كويس
و عارفة حتصرف معاه إزاي…. المهم انت اوعي تعترفي بحاجة حتى لو قتلك دي فرصتنا يا نعمة و مش حتتعوض ثاني….إوعي يصعب عليكي داه سنة و الا إثنين و تلاقيه لقى بنت ثانية عشان يتجوزها”.
نعمة بهمس :”عارفة، عارفة يا جميلة يلا إقغلي زمانه وصل عندك “.
أغلقت نعمة الهاتف متجهة إلى المطبخ.. أغلقت الباب بالمفتاح ثم صعدت على الكرسي لتصل إلى أحد الرفوف العلوية لتنزل كيسا بلاستيكيا اسود اللون كانت قد اخفته سابقا في إحدى حلل المطبخ حتى لايشك احد بمكانه….
تذكرت ذلك اليوم منذ اكثر من اسبوع عندما كانت تراقب تحركاته كما اوصتها ضرتها عندما دخل و في يده حقيبة جلدية سوداء اللون يخفيها بين ملابسه و هو يتسحب إلى غرفة النوم و يضعها في الخزنة ثم يغلقها بالأرقام السرية التي لا يعرفها سواه غافلا عن تلك التي تراقبه بحذر…. منتظرة الوقت المناسب
لتقوم بسرقتها و اقتسامها هي ضرتها…..
تلمست الكيس مرة أخيرة قبل أن ترجعه مكانه ثم تهرول خارجا للبحث عن مكان مناسب لتخفيه فيه خوفا من أن يقوم زكريا بتفتيش كامل المنزل عند عودته فالمبلغ لم يكن قليلا بل كان أكبر بكثير مما توقعته هي و جميلة لذلك هو لن يمرر ما حدث مرور الكرام و لكنها لم تكن تبالي كثيرا بما قد يفعله لها حتى و لو وصل الأمر إلى الطلاق .
________________
مساء في فيلا شاهين
نفخ أيهم دخان سيجارته بعنف و هو يرمق شاهين الذي كان يقف أمام المرآة منشغلا بربطة عنقه قبل أن يهتف بغيظ:”للدرجة دي مستعجل… مقدرتش تأجل جوازك اسبوع كمان،….
اجابه شاهين ببرود و هو يرتدي جاكيت بدلته السوداء :” إحضر الفرح و بعدين إرجع ثاني كمل شهر العسل بتاعك….
ضحك عمر بخفوت ليرسل له ايهم نظرة غاضبة قبل أن يعود لتدخين سيجارته بصمت…
(عمر)
بعد دقائق التفت لهما شاهين بطلته الرجولية المهلكة و قد انتهى من ارتداء بدلته الفخمة و ساعته و نثر عطره الفاخر لتزيد من وسامته و هالته الواثقة …
ليصفر عمر مدعيا الإعجاب و هو يهتف بتسلية:” ممم
كالعادة مش بتلبس غير اللون الاسود بس بالرغم من داه لايق عليك يا عريس…
بدلةشاهين
لوى شاهين ثغره بتهكم و هو يهتف بجمود :” طب يلا انت و هو الوقت تأخر و لازم نروح الاوتيل دلوقتي…
اكمل كلامه متجها إلى خارج الفيلا ليتبعه ايهم و عمر للذهاب إلى الفندق لجلب العروس فحفل الزفاف سيقام بالفيلا .
____________________
في غرفة الفندق، انحنت كامليا بتعب لترتدي حذائها التابع للفستان بعد أن أمضت يومها كاملا بين الماسكات و الصبغات و المساجات تحت إشراف ماريان خبيرة الماكياج التي أحضرها شاهين لتهتم بالعروس هي و مساعدتيها سهيلة و منى….
أمسكتها ماريان من يدها لتساعدها على الوقوف من الكرسي و قد لمعت عيناها بنظرات الإعجاب بجمالها الذي تضاعف بفضل مساحيق التجميل الخفيفة التي وضعتها على وجهها و هي تقول:”مشاء الله يا كاميليا هانم زي القمر…انا من زمان ماشفتش عروسة بجمالك
أبتسمت لها كاميليا بخجل قبل أن تجيبها :” ميرسي جدا ليكي.. داه عشان انت شاطرة جدا في شغلك.
حركت ماريان رأسها بنفي و هي تقول :”انا مش بجاملك على فكرة انت فعلا ست حلوة و كل اللي انا عملته اني بينت جمالك أكثر… دلوقتي انا حنده لسهيلة علشان تفتح الباب عيلتك زمانهم مستنيين على نار علشان يشوفوكي….
أومأت لها بايجاب و هي تمسك بفستان الزفاف بيديها و تتحرك إلى الأمام بصعوبة…
فتح الباب لتخرج العروس لتجد هبة و نور ووالدتها بانتظارها و قد انتهوا من إرتداء فساتينهم…
فقد ارتدت نور فستانا رقيقا باللون الوردي الهادي عاري الكتفين بحزام في الوسط تناسب مع لون بشرتها الفاتحة و عمرها الصغير
و حذاء أنيق أبيض اللون اشترته مع الفستان
اما هبة فقد إرتدت الفستان الفخم الذي بعثه لها عمر
شهقت نور بخفة حالما رأت أختها تتهادى في فستانها الأبيض لتقفز عليها و تحضنها بقوة و هي تقول :”طالعة حلوة اوي يا كامي… زي القمر…
أدمعت عيني والدتها و هي ترى ابنتها الكبرى عروسا في غاية الجمال و الروعة لتبعد نور بخفة و تقبل جبينها و هي تتمتم بكلمات التهنئة تلتها ببعض النصائح كسائر الأمهات
بعد دقائق قليلة قرع الباب تلاه دخول شاهين بجسده الضخم و طوله الفارع… إقترب من كاميليا و هو يتفحص كل إنش في جسدها ووجهها بنظراته الجامدة متجاهلا إبتسامة والدتها التي يراها للمرة الثانية بعد مجيئه إلى منزلهم و خطبة كاميليا قبل أيام قليلة…
تأبطت ذراعه بارتعاش و يدها الأخرى تمسك بها فستانها و هي تجاهد ان لا تتعثر به….
اما نور التي أفاقت من دهشتها و هي ترى شاهين أمامها الذي سيطر على من حوله بهيبته و حضوره الطاغي لتميل على هبة و تهمس في أذنها بارتباك :” الراجل داه شكله مرعب يا هبة انا لسه مستغربة إزاي كاميليا مش بتخاف منه…و كمان غامض جدا حتى شوفي ملامحه مفيهاش اي تعبيرات بتدل على أن العروسة عجبته او لا….
ضحكت هبة في داخلها بسخرية قائلة:” و مين قال إنها مش بتخاف منه…دي مش بعيد يغمى عليها في أي لحظة…
أفاقت من شرودها على جذب نور لها للنزول إلى الاسفل و الالتحاق بالعروسين و الحفل….
_
_____________________________________
في حديقة الفيلا…..
التي زينت بكل انواع الزهور الراقية و الشموع المختلفة و احجامها و ألوانها المتناسقة مع الوان الزهور و الطاولات و سائر الديكور الفخم الذي تراوحت ألوانه بين الأزرق الداكن و الأسود و الذهبي … الوان غامقة غريبة تعبر عن قوة و غموض صاحبها….
بدأ المدعوون بالاقتراب من العروسين لتهنئنتهم بكلمات التهاني والتبريكات المنمقة و ليستطيعوا رؤية العروس عن قرب التي انبهر الجميع بجمالها الاخاذ وبراءة مظهرها و رقتها حتى أن البعض استغربوا في داخلهم كيف لهذا الملاك البريئ ان يقع في براثن الشيطان…
على إحدى الطاولات جلست ليليان مع عائلة عمها و قد تألقت في ثوب بني هادئ و حجاب خمري…استطاعت ان تلفت جميع انظار من حولها بجمالها الفتاك و طلتها الساحرة…
كانت تراقب بحزن زوجها أيهم الذي كان مشغولا كعادته بمغازلة الفتيات و النساء اللواتي ملأن الحفل بفساتينهم الراقية مستغلا وسامته و مكانته الاجتماعية التي جعلت كل الفتيات تتسابقن الإيقاع به بالرغم من كونه رجلا متزوجا.
على طاولة أخرى يجلس عمر مع عائلته و هو لايزيح عينيه عن هبة الذي كان يرمقها بنظرات عاشقة و كأنه لا يوجد غيرها في الحفل…
في منتصف الحفل حمل شاهين طفله فادي الذي الذي بدا أنيقا في بدلة زرقاء اللون شبيهة ببدلة والده ثم سلمه إلى إحدى الخادمات لتأخذه إلى غرفته بعد أن داهمه النعاس
داه فادي
نزعت نور حذائها باهمال ثم ارتمت على الاريكة القديمة في صاله الشقة قائلة بتعب:”آه ياني يا رجلي حموت من التعب… مش قادرة حتى اروح أوضتي”.
ضحك والدها سعيد الذي كان يحمل كريم النائم بين ذراعيه قبل أن يتوجه به إلى غرفته ليضعه على فراشه ليكمل نومة بينما جلست والدتها بجانبها تنزع حذائها و حجابها و هي تقول بسخرية :”طبعا حتتعبي ما أنت طول الليل مقضياها رقص و تنطيط “.
قطبت نور حاجبيها بانزعاج و هي تجيبها :”الله ياماما مش فرح أختي و بعدين لو انا مرقصتش مين حيرقص ها… دي حتى هبة رفضت انها ترقص معايا….حسابها معايا الكلبة لما اشوفها بس و عاملة نفسها صاحبة كاميليا…”.
الام :” عشان عاقلة مش زيك مجنونة طول الفرح مقعدتيش على الكرسي”.
نور و هي تدلك قدميها المتورمتين :”ما انا قعدت لما فتحوا البوفيه…. ياااع شفتي أكلهم يقرف زي أكل المستشفى اللي بيأكلوه للعيانين كله سلطات و شوربة و حاجات بيضاء مفيهاش لاطعم و لا ريحة انا مش عارفة هما معاهم فلوس كثير ليش مش بياكلوا أكل حلو…مفيش سمك و لا لحمة.. و لا حتى فراخ…..
الام بضحك :” داه أكل الناس الاغنياء هما بيحبوا الاكل الصحي مش زينا يا بنتي”.
نور بلهفة و قد تذكرت شيئا مهما:”ماما هو احنا حننقل إمتى…. انا خلاص كرهت الشقة دي و الحارة خصوصا لما شفت الفيلا بتاعة جوز كاميليا…. دي تجنن ياماما ثلاث طوابق بحالها و فيها يجي مية أوضة و جنينة كبيرة أوسع من حارتنا كلها و فيها شجر كثير وورد و كمان في بيسين و ….
الام مقاطعة:” على مهلك يا بت بالراحة…كل داه شفتيه في الفرح….
نور بحماس:” أيوا ياماما و كمان شفت الفيلا من جوا لما ساعدت كاميليا انها تتطلع الأوضة… يااااه يا ماما داه جناح بحاله اكبر من شقتنا دي عندها أوضة كاملة فيها يجي ثلاث محلات لبس و حمام و جاكوزي…و تراس كبير مليان ورد و فيه قعدة كمان هو كان مقفول بس كان باين عشان الحيط كله قزاز لما توقفي قدامه بيبين كل حاجة تحت…. و السرير بتاعهم كبير اوي يكفي عيلة بحالها و الأثاث يا ماما يجنن انا عمري ماشفت الحجات دي غير في التلفزيون….كله كوم و جوزها داه كوم ثاني…كامي محظوظة اوي يا ماما هو آه شايف نفسه شوية بس
من حقه عشان غني ووسيم و…..
قاطعتها ظربة خفيفة من والدتها على كتفها لتشهق نور بألم قبل أن تسمع والدتها تعاتبها : إختشي يا بت داه جوز أختك… إيه الكلام اللي بتقوليه داه اخرسي قبل مايسمعك ابوكي”.
نور بتأفف:” الله ياماما هو انا قلت حاجة غلط يعني ماهي دي الحقيقة…. الراجل مز أوي طول بعرض و هيبة كده زي الممثلين اللي بنشوفهم في التلفزيون داه أحلى حتى من أحمد عز و ميشيل موروني..
الام و هي تنهرها :”قومي يابت من قدامي على أوضتك قبل مايجي ابوكي و يمرر عيشتك قال موروني قال. مين داه”.
نور بثرثرة:”داه ممثل أجنبى ياماما…حبقى اوريكي صورته بكرة داه داه شبه شاهين جوز كاميليا بالضبط بس مش مغرور زيه…تفتكري ياماما هو بيحب كاميليا بجد.. انا بصراحة حاسة بحاجة غريبة بينهم بس مش فاهمة إيه هيا”.
الام بجدية و قد آثارها كلام إبنتها:” حاجة إيه يانور انت سمعتي حاجة حصلت بينهم…إحكي “.
بتعملوا إيه هنا لحد دلوقتي”.
قاطعها زوجها الذي خرج للتو من غرفة كريم متجها إلى غرفته….
اجابته زوجته بارتباك :”و لا حاجة يابو كريم دي نور بتحكيلي على حاجات كانت فايتاني في الفرح “.
اومأ لهما بإيجاب قبل أن يدخل إلى غرفته… لتعود نور لثرثرتها المعتادة :” مفيش حاجة ياماما انا بس لاحظت انه مش بيتكلم كثير و كمان منزلش يرقص مع كامي زي كل العرايس داه حتى مسابهاش تنزل من الكرسي….
لم ترد نور ان تقلق والدتها أكثر بعد أن لاحظت تبدل حالتها لتعمد إلى تغيير الموضوع قائلة برجاء و هي تنظر لها بعيني جرو وديع:”
و النبي ياماما قولي لبابا خلينا ننقل على الشقة الجديدة….”.
إبتسمت الأخرى و هي تشاهد حماس ابنتها الصغيرة التي نجحت في جعلها تنسى ما تفكر به منذ قليل قائلة :”متقلقيش هو قال انه كمان يومين و حننقل…. بس المشكلة في شغله انت عارفة الاستاذ مؤمن اللي بيشتغل معاه تقريبا هو معتمد عليه في كل حاجة و صعب انه يسيبه بعد السنين دي كلها”.
نور بضيق :”و هو احنا حنأجل النقلة بتاعتنا عشان سي مؤمن داه…و بعدين هو بابا يقدر يشتري عربية و بكده يقدر ييجي المحل و يكمل شغله مش ضروري يسيبه دلوقتي بالرغم من انه مش محتاج شغل… متنسيش ان بابا تعبان و محتاج راحة و كمان الفلوس اللي إدتهالنا كاميليا يعيشونا بقية عمرنا ملوك يعني مفيش داعي للتعب داه كله “.
الام :” بس انت عارفة ابوكي مستحيل يقعد في البيت انا بس اقترحت عليه انه يعمل مشروع صغير خاص بيه و يشتغل براحته…مثلا يفتح محل او مكتبه… حاجة على قده “.
ضيقت نور عينيها بمكر ثم إقتربت من والدتها لتقبلها على وجنتها بقوة وهي تلف ذراعيها حول عنقها قائلة بترج:”طيب و بالنسبة لنور حبيبتك…مفيش عربية و الا….
دفعتها والدتها بلطف و هي تنهرها قائلة:”بت أنت إتلمي عربية إيه اللي انت عاوزاها….انت بجد اتهبلتي زي ما قالت أختك و بقيتي بتبصي لفوق أوي….انت كل اللي ليكي عندي انك تختاري الأثاث بتاع أوضتك الجديدة غير كده انسى…و ياريت تركزي في مذاكرتك و بس متنسيش انك في ثانوية عامة و اللي دي كمان حتنسيها….يلا الوقت متأخر و انا تعبانة حدخل انام و حسك عينك تجيبي موضوع العربية داه قدام ابوكي لحسن حيطين عيشتك…
تأففت نور من حديث والدتها و رفضها القاطع ان تلبي طلبها ثم انحنت لتلتقط حذائها متجهة إلى غرفتها و هي تتمتم بتذمر :”اوووف حتى بعد مابقى عندهم فلوس مصرين يحرموني من كل حاجة انا عاوزاها… بس انا مش حستسلم حبقى اقول لكامي اكيد هي اللي حتشتريلي العربية اللي انا عاوزاها”.
قفزت نور فرحا بهذه الفكرة قبل أن تتجه إلى خزانتها لتخرج ملابسها البيتية و ترتديها و تغظ في نوم عميق مليئ بالاحلام و الامنيات بحياتها الجديدة.
____________________
في جناح العروسين…
دلف شاهين إلى غرفة النوم بتعابير وجهه الباردة ليجد كاميليا تجلس أمام التسريحة و هي تزيل عن وجهها مساحيق التجميل بمنديل مبلل و قد غيرت ملابسها إلى بيجامة نوم حريرية تتكون من قميص و بنطال باللون الوردي الهادي…
أكمل طريقه ليجلس بهدوء على الاريكة… نزع جاكيت البدلة و رماها بجانبه ثم اتكأ بظهره إلى الخلف واضعا قدمه فوق الأخرى
تابعت كاميليا تحركاته بترقب من خلال المرأة و هي تكمل تنظيف وجهها و نزع الدبابيس التي كانت تملأ شعرها ببطئ مخافة إحداث أي صوت….
راقبته و هو يغمض عينيه لدقائق طويلة حتى انها ظنت أنه قد نام مكانه.. أنهت ماكانت تفعله ثم جلست مكانها تنتظر أوامره…
طال صمته حتى شعرت بالملل و التعب الشديد.. تنهدت و هي تفرك رقبتها المتشنجة بسبب جلوسها طوال ساعات الحفل…لتقرر الوقوف أخيرا و الاتجاه إلى السرير للنوم….
:”قربي…”.
اهتز جسدها بفزع و هي تسمع صوته الاجش يأمرها بالاقتراب ليتحرك جسدها نحوه لا إراديا و قلبها يكاد يخرج من مكانه من الخوف….
وقفت أمامه ليشير لها بإصبعه بالجلوس.. جلست على ركبتيها أمامه على الأرضية و هي تتذكر آخر مرة منذ أسبوع عندما أرغمها على الجلوس تحت قدميه كالجواري…إبتلعت ريقها بصعوبة و هي تدعو في سرها ان تمر هذه الليلة على خير….
فتح شاهين عينيه ليجدها تجلس أمامه مباشرة…تماما كما يريدها بالضبط… إبتسم بإنتشاء على مظهرها الخائف قبل أن يأمرها مجددا :”قلعيني الجزمة”.
ظلت كاميليا متصنمة للحظات لا تصدق ما تسمعه منه…اتسع بؤبؤا عيناها بصدمة و هي ترفع رأسها إلى الأعلى بتردد لتتفرس ملامح وجهه الباردة لتجده يحدق بها بجمود جعلها ترتجف مكانها غير قادرة على التحرك…
انحنى شاهين إلى الأمام حتى أصبح و جهها قريبا منه، و بدون سابق إنذار وضع مقدمة أصابعه تحت ذقنها بحركة سريعة حتى إصطكت أسنانها ببعضها ليهدر بهدوء مخيف :”لما أقول حاجة تتنفذ… مفهوم…
أومأت كاميليا برأسها بإيجاب قبل أن تضع يدها على معصمه لتبعد كفه عن وجهها و هي تهمس باختناق:” مفهوم ….
أبعد يده لكنه ظل يراقب كل حركة صادرة منها كصقر يراقب فريسته و ينتظر الوقت المناسب للانقضاض عليها…
يدها البيضاء الصغيرة ببشرتها الشفافة التي أظهرت عروقها الخضراء تناقضت مع لون حذائه القاتم لتتحرك بنعومة و رقة رغم إرتعاشها لتزيح عنه الحذاء بصعوبة و تضعه جانبا قيل ان تعود لتخلع الفردة الأخرى غير مبالية بخصلات شعرها الحريري التي غطت جانبي وجهها…
انهت ما أمرها به ثم إستقامت بجسدها لتقف من أمامه… بحركة سريعة وجدت نفسها تجلس فوق ركبتيه و يده تقبض على خصرها بقوة مانعا أي حركة قد تقوم بها…لتشهق بفزع و عقلها لازال لم يستوعب ماحدث…تسارعت أنفاسها و تصلب جسدها عندما شعرت بأصابعه الخشنة تبعد شعرها عن عنقها الثلجي ببطئ ثم يقبله قبلة طويلة.. لم تدري ماذا تفعل و أنفاسه الحارقة تلفح بشرتها…
ابعدت رأسها إلى الوراء بحركة لا إرادية لتسمع زمجرة غاضبة صدرت منه و هو يعيد تثبيتها قبل أن يقول بصوت أجش:”متتحركيش…..
كلماته القليلة التي ينطق بها كفيلة بأن تبث الرعب بداخلها لتتجمد مكانها دون حراك…
عم الصمت أرجاء الغرفة لايسمع سوى صوت أنفاسها اللاهثة
التي تعبر عن ماتشعر به من خوف و ضياع… لاتدري كيف ستمر هذه الليلة الطويلة عليها…خاصة و ان تصرفات زوجها المجنون لايمكن التنبأ بها..
إبتلعت ريقها بصعوبة رغم جفافه عندما إمتدت يده لتحرر أزرار منامتها و شفتيه تقبلان كل جزء من عنقها و كتفها و أسفل فكيها بقبلات خفيفة…..
تحدث بصوت لاهث دون أن يرفع رأسه عنها :”حاسة بإيه….
قبضت كاميليا يديها بقوة لتمنع نفسها من إبعاده عنها مخافة غضبه قبل أن تجيبه بصوت ضعيف يكاد لايسمع :” خايفة اوي….
رمش عدة مرات قبل أن يعود بجسده إلى الوراء و هو يتفرس بتلذذ علاماته التي خلفها علي بشرتها التي إستحالت إلى اللون الأحمر…
أدار وجهها إليه لتفتح عينيها الزرقاء الدمعة بذعر و هي تتحاشى النظر إليه ليهتف بصوت أجش بفعل رغبته التي غزت أنحاء جسده :” حقك تخافي مني… في حالة واحدة بس…لما تخالفي أوامري….
تثاقلت أنفاسه ببطئ و اغمقت عيناه بمزيج من الرغبة و الشهوة التي إعترته عندما قضمت كاميليا شفتيها بحركة عفوية تدل على ارتباكها…
لم يستطع تمالك نفسه و هو يطبق على شفتيها في قبلة عنيفة شرسة تعبر عن مايجول داخله من صراعات….لم يعد يستطيع أن يكتم رغبته التي جاهد طويلا لإخفائها عن الجميع من خلال قناع الجمود و القسوة الذي يرتديه…
لم يخبر أحدا عما يشعر به تجاهها…والدته، أصدقائه… حتى نفسه… تجنب النظر إليها طوال الحفلة حتى لا يتهور و يفتعل فضيحة أمام الجميع
يريدها بكل قوة…
هذه الطفلة الفاتنة التي ظل لليال طويلة يحلم بها منذ أن رآها لأول مرة..كانت أجمل بكثير من تلك الصور….
جسدها الناعم الصغير الذي يرتعش بين يديه يجعله يفقد السيطرة على نفسه…شفتيها الطريتين اللتان تئنان تحت وطأة ضغط شفتيه القاسيتين الخبيرتين…لا يستطيع الإبتعاد عنهما طعمهما كحلوى لذيذة كلما تذوق منها أراد المزيد…
عيناها الفاتنتين اللتين تحدقان به بخوف كقطة صغيرة ضائعة…
صورتها و هي بالفستان الأبيض الذي إختاره لها خصيصا لا تغادر خياله…بدت كأميرة هاربة من إحدى القصص الخيالية….لوهلة لم يصدق انها حقيقية…و ان هذا الجمال كله سيصبح ملك بعد ساعات قليلة…
طالت القبلة و تاه شاهين في عالم آخر…و هو ينهل من نعيم شفتيها اللتين يقسم انه لم يتذوق أشهى منهما…
شعر بضربات خفيفة تضرب صدره و طعم الدماء في فمه ليشتم تحت أنفاسه و هو يسحب نفسه بصعوبه عنها…. لتشهق كاميليا بقوة و تسارع أنفاسها بصوت مسموع بعد أن كانت على وشك الاختناق…قبل أن تبدأ بالبكاء بصمت ….
ركز شاهين بصره على شفتيها النازفتين قائلا بلهاث :”ششش متبكيش… لسه الليلة في أولها….و انا لسه معملتش حاجة”.
جاهدت كاميليا لتخرج صوتها لتترجاه عله يرحمها بعد أن إستشعرت الخطر في كلماته ليخرج صوتها على شكل همسات متقطعة:”أرجوك إرحمني… إن… إنت…. قلتل…. لي إن جواز… نا عشان… فادي.. و بس”.
إنفجر شاهين في نوبة ضحك هستيرية إهتز لها جسده قبل أن يجيبها بنبرة خبيثة:”طب ينفع أسيب الجمال داه كله من… غير ما أذوقه انت مش متخيلة انا بقالي قد إيه مستني الليلة دي “.
انهى كلماته الأخيرة و هو يقرب شفتيه من أذنها ليطبع عليها قبلة زادت من إنقباض قلبها…
ليواصل هو حديثه الذي لك يخلو من إيحاءات وقحة:” بس متخافيش…ححاول اتحكم في نفسي عشان عروسة و اول مرة ليكي…
اكمل فتح الزرين الأخيرين ثم ازاح قميصها بصعوبة بسبب تشبثها به…. ليكشف جسدها العلوي الذي لا يستره سوى ملابسها الداخلية بلونها الأسود التي تناقض مع لونها بشرتها الثلجية مما زاد في إشتعال جسده و غليان دمائه ليهدر تحت أنفاسه بغضب و هو يبعد ذراعيها الذين أحاطت بهما جسدها لإخفائه من نظراته الجائعة :”الظاهر انك مش بتفهمي بالذوق…و عاوزة الطريقة الصعبة و انا معنديش مانع…
كتف يدها وراء ظهرها بقبضته لتتلوي كاميليا بعنف و هي تفقد آخر ذرة هدوء على أعصابها التي إنهارت فجأة لم تعد تستطيع السيطرة على خوفها منه… لم تعد تطيق البقاء معه لحظة أخرى… تشعر بأن هذه الغرفة رغم كبرها إلا انها تطبق على أنفاسها تدريجيا حتى تزهق روحها تحت وطأة ضغطه عليها…
لتصرخ فجأة بكل قوتها :”إبعد عني مش عايزاك.. إنت بتعمل فيا كدة ليه…بتنتقم مني ليه؟؟ حرام عليك انا مش كده…انا عاوزة ماما رجعني بيتنا…
تلوت كاميليا بهستيرية تريد الفكاك منه بأي طريقة
تشعر بأن لمساته تحرقها و أنفاسه تسلب روحها منها حتى عطره الذي تغلغل إلى حواسها يخنقها بشدة …ليس هذا ما أرادته ليلة زفافها التي لطالما حلمت بها..اللمسات الحنونة و الكلمات المطمئنة التي يبثها كل رجل لحبيبته ليلة زفافهما…ليهدئ من روعها في تلك الليلة المميزة لكل فتاة….لم تسمع منها سوى التهديد و الأوامر و الإهانة منذ وطئت قدماها هذا المكان الذي كرهته اكثر من أي شيئ في الحياة حتى انها أصبحت تتمنى إحراقه….
ظلت تصرخ و تبعده عنه دون جدوى ليحذبها هو بنفاذ صبر ليدفن وجهها و جسدها داخل صدره و هو يضغط عليها غير آبه بوجع ذراعيها حتى خبت مقاومتها شيئا فشيئا و سكنت حركاتها و لم يعد يسمع سوى صوت شهقاتها الخافتة….
ظل يمسح على ظهرها العاري بيديه صعودا و نزولا قبل أن يهدر بثبات :”اللي عملتيه داه مايتكررش ثاني عشان متتعرضيش للعقاب… انا إديتك عشرة مليون جنيه مقابل إتفاقنا، يعني انت بقيتي ملكي…انا أقدر أعمل فيكي اللي أنا عاوزه فمتخلينيش أفقد أعصابي من اول يوم….تسمعي كل اللي بقلك عليه بالحرف الواحد و مين غير دلع انا لسه بعاملك على إنك مراتي علشان لو عاملتك غير كده مش حتستحملي دقيقة…داه آخر تحذير ليكي ومتنسيش إن حياتك و حياة عيلتك كلها في إيدي…..
انا حدخل آخد شاور و اطلع الاقيكي على السرير… و بالملاية بس…. ..مفهوم…..
__________________________
بدلت هبة فستانها و ارتدت ملابس أخرى بيتية مريحة ثم طوت الفستان بعناية و وضعته بحرص في الكيس و معه الحذاء…إبتسمت بسعادة و هي تضم الكيس إلى صدرها متشبثة به بكلتا يديها…. أول هدية من حبيبها عمر، تذكرت ملامحه الحانقة في آخر الحفل عندما كانت على وشك المغادرة صحبة أخيها الذي أصر والدها على موافقته لها و لم يدعها تغيب عن ناظريه مما أثار غضب عمر الذي لم يستطع الاقتراب منها….
أمسكت بهاتفها الذي أضاء فجأة دون صوت بسبب مكالمة ما…و من غيره سيهاتفها في هذا الوقت المتأخر.
فتحت السماعة ليأتيها صوته المعاتب و هو يقول باندفاع :”
ملحقتش اشبع منك كنت عاوز أرقص معاكي و أعرفك على أصحابي و عيلتي….
تجهم وجه هبة عندما ذكر عائلته لتهتف متسائلة:” عيلتك…
عمر بتأكيد:”أيوا يا بيبة انا حكيتلهم على كل حاجة و هما عارفين…
هبة بترقب:” طيب َ مامتك قالت إيه…
عمر بعدم إهتمام:”إحنا تكلمنا قبل كده في موضوع عيلتي و انت عارفة رأيهم…. هبة انا زهقت من الوضع داه و انت مش بتساعديني بالعكس كل يوم بترجعينا خطوات لوراء بخوفك داه…ميهمناش حد لا عيلتي و او عيلتك يهمنا إحنا و بس…هبة انا بحبك أوي من زمان و انت عارفة كده كويس… انا معدتش مستحمل بعدك عني….أرجوكي حسي بيا بقى “.
أنصت له هبة بإهتمام و قد شعرت بالذنب تجاهه فبسبب ترددها و خوفها من مواجهة عائلتها جعلته يتألم كل يوم…و هو لايستحق ذلك فمنذ ذلك اليوم الذي وجدها فيه و هو يعاملها كأميرة، لم يدخر جهدا في إسعادها كل دقيقة و كأن حياته تعمتد عليها…
تنهدت بصوت مسموع قبل أن تقول بتصميم :”خلاص يا عمر انا بكرة حتكلم مع بابا و حبقى أقلك إيه اللي حيحصل….
تهللت أساريره بعد أن كاد ييأس ليهتف بلهفة حقيقية :” بجد يا بيبة حتتكلمي معاه…يعني أخيرا حنبقى مع بعض…بس يا حبيبتي لازم تحطي كل الاحتمالات يعني يمكن ابوكي يزعل منك أو يحبسك في البيت… او يمكن يمد إيده عليكي و انا بصراحة مش حقبل بداه”.
أغمضت عيناها بخوف و هي تتخيل ماقد يحدث غدا مع والدها لكنها استطاعت السيطرة على نفسها و إخفاء قلقها ببراعة و هي تجيبه قائلة :” مش للدرجة دي… انا بقيت كبيرة دلوقتي و أكيد بابا..
قاطعها عمر و قد تفطن لمحاولتها إخفاء الحقيقة ليهدر بحزم:”هبة انا عارف كل حاجة فمفيش داعي تخبي عني…. أبوكي لسه زي ماهو…بيتعامل بإيده قبل لسانه مع أولاده و انا متخيل كويس حيحصل إيه… انت قبل ماتتكلمي معاه إبعثيلي رساله اوعي تنسي عشان لو حصلك حاجة حتصرف”.
هبة باقتناع:”حاضر….حقلك قبل ما اتكلم معاه”.
إبتسم عمر قائلا ليخفف قلقها الذي إستشعره من نبرة صوتها:” متقلقيش ياقلبي…. انا معاكي لأخر نفس ليا و مش حخلي حد يأذيكي او يلمس شعرة منك حتى لو كان أبوكي…دلوقتي يلا على النوم علشان عارف انك تعبتي اوي النهاردة…متنسيش تحلمي بيا زي ما انا بحلم بيكي كل ليلة…
ضحكت هبة على تصرفاته الطفولية التي تجعله قادرا على تغيير مزاجها ببراعة لتجيبه بخجل :”طيب تصبح على خير”.
قاطعها عمر قائلا باندفاع:”لالا إستني رايحة فين؟ هو مفيش حاجة فوق تصبح على خير دي… دايما لوحدها كده”.
تصنعت هبة الغباء رغم أنها قد فهمت مايرمي إليه:”تقصد إيه مش فاهمة”.
عمر بخبث:”يعني مافيش بوسة بريئة من الخد كده تحت الحساب لغاية ما ربنا يسهل و نتجوز”.
شهقت هبة من وقاحته التي فاجأتها لتصرخ به معاتبة:” عمر إحترم نفسك مش كفاية إني بكلمك من ورا أهلي و داه في حد ذاته غلط….
عمر بإعتذار و قد أيقن خطأه:” لالا خلاص يا حبيبتي خلاص أنا آسف و الله كنت بهزر معاكي متزعليش…. يلا تصبحي على خير و حكلمك بكرة الصبح ماشي “.
هبة بضيق :” ماشي سلام….
رمى عمر الهاتف من يده و هو يشد على خصلات شعره بضيق متمتما بحنق من نفسه:” غبي.. غبي.. إرتحت أهي زعلت… اوف لازم الاقي طريقة عشان أصالحها بيها…. تنهد طويلا قبل أن يكمل برجاء… إمتى حييجي اليوم اللي تبقى فيه مراتي و على إسمي “.
إبتسم بإتساع و هو يتخيل ذلك اليوم الذي أصبح يحلم به ليلا نهارا……
________________________
إستلقى أيهم على فراشه بعد أن أخذ حماما منعشا… إلتفت إلى ليليان التي كانت تنام بجانبه بعمق ليزفر بحنق من تصرفاتها الباردة معه….
تتعمد الإبتعاد عنه و تجاهله كلما سنحت لها الفرصة
تذكر فرحتها التي لم تستطع إخفائها عندما أخبرها بضرورة قطع شهر العسل و عودتهما إلى مصر بسبب زفاف صديقه….
نفورها منه و تصلب جسدها في كل مرة يقترب فيها منها…شعور التقزز و الرفض الذي يراه في عيناها كلما لمسها او قبلها…
استقام من مكانه متجها إلى الشرفة ليستنشق أنفاسها طويلة من الهواء النقي محاولا تمالك نفسه و المحافظة على رباطة جأشه فهو في الاخير أيهم البحيري.. القوي الصامد الذي لا يهمه سوى نفسه و من يفكر بها أصبحت زوجته… ملكه و تحت يديه و لايهمه ما تشعر به تجاهه….
_____________________
بعد دقائق خرج شاهين من الحمام يلف على جسده السفلي منشفة بيضاء اللون تاركا جزئه العلوي عاريا… كم بدا ضخما بكتفيه العريضين كالمصارعين… و طوله الفارع و عضلات صدره المنحوتة بدقة…
جال بعينيه أنحاء السرير ليجده فارغا ليقطب جبينه بحيرة كاتما غضبه الذي بدأ يتصاعد رويدا رويدا….
بسبب تلك الصغيرة التي رفضت الانصياع لأوامره، لم يكن يريد أن يؤذيها منذ الليلة الأولى، و ان ترى وجهه الاخر السادي الذي لايرحم كل من يتجرأ على عصيان أمره…و خاصة النساء.
افاق من تخيلاته على صوت خطواتها التي كانت تقترب ليلتفت وراءه ليجدها تخرج من غرفة الملابس و قد إرتدت روب حريري أبيض اللون
تقبض على جوانبه بكلتا يديها….
نمت على وجهه إبتسامة خبيثة و هو يتقدم نحوها ببطئ مستمتعا بملامحها الخائفة و جسدها الذي كان ينكمش كلما إقترب هو منها…. يقسم انها ستقع أرضا في أي لحظة من شدة خوفها….
انحنى ليحملها بخفة بين ذراعيه متجها بها إلى فراشه الوثير و هو يهمس في أذنها بغموض:”عاوزك دايما كده…خايفة مني عشان متبقيش زيها و تفكري تخونيني…
لم يكن يشعر بها و هي تئن بين ذراعيه متألمة ترجوه بكل الطرق ان يرحمها و يتركها….مرت ساعات طويلة بدت لها و كأنها لن تنتهي أبدا و كان الوقت توقف و هو لا يتوقف يأخذها مرارا و تكرارا…لا يمل و لايكتفي منها و كأنه لم يلمس في حياته إمرأة قبلها….
كان في عالم آخر من النشوة و الاستمتاع …حاولت دفعه لكنه ظل متحجرا مكانه… لمساته التي تتغير كل لحظة… ناعمة حنونة و مراعية في بعض الأحيان و خشنة قاسية أحيانا أخرى… شخصين يتصاراعان داخله بقوة أحدهم يعاملها كقطعة ألماس نادرة لا يوجد لها مثيل و أخر يذكره بالماضي…
بتلك اللتي كان يخاف عليها من نسمة هواء، كيف سحقت حبه العظيم الذي كان يكنه لها تحت قدميها دون تردد…
إبتعد عنها أخيرا بأنفاس لاهثة لتشهق كاميليا بقوة كغريق كان يصارع بحرا هائجا لمدة ساعات حتى ظن انه سيلقى حتفه….
إنكمشت على نفسها تبكي بألم و هي تدثر جسدها العاري عن مرأى عينيه اللتين كأننا تتفرسان علاماته الحمراء التي إنتشرت على كامل بشرتها البيضاء اللامعة بأعين مستمتعة….
استند على السرير و هو يرسم ملامح الجمود على وجهه ببراعة… جذب علبة السجائر من جانبه ليشعل إحدى سجائرة و ينفث دخانها الذي انتشرت رائحته النفاذة في كامل أرجاء الغرفة ليزيد من إختناق أنفاس تلك المسكينة التي كانت ترتعش بجانبه من شدة الألم….
كتمت أنفاسها المختنقة بدموعها لتغلق عينيها بإرهاق لا ترغب في شيئ سوى في الموت لعل الحياة ترحمها مرة واحدة.. لم تعد تحتمل أكثر رغم انه لم يمضي على زواجها سوى ساعات قليلة فكيف بأيام او أشهر و ربما سنوات….
رفع شاهين سيجارته أمام لينظر لها بشرود قبل أن يسحقها داخل المطفئة الزجاجية و هو يراقب دخانها الذي إنطفئ رويدا رويدا…
التفت لكاميليا التي كانت بدورها غير واعية بما يحصل حولها تشعر بالخواء و الضعف…كل عضلة في جسدها تصرخ وجعا…لكن وجع قلبها أكبر، ليلة العمر التي مرت عليها و كأنها جحيم….
أغمضت عينيها بقوة و كأنها تمنع صوته من التسلل إلى أذنها…عندما قال بلهجة آمرة :”قومي عشان تاخذي شاور.. المية الدافية حتساعدك عشان ترتاحي…
تجاهلته بينما ظلت ساكنة مكانها لم تتحرك إنشا واحدا…لم تعد لها قوة لتحرك إصبعا واحدا فكيف ستحرك كامل جسدها لتصل إلى الحمام….
زفر شاهين أنفاسه الغاضبة و هو يتفرس ظهرها الساكن قبل أن يقوم من مكانه متجها إلى الحمام لينعم بحمام دافئ….
دخل كابينة الاستحمام ثم فتح الصنبور لتتسابق قطرات المياه الباردة نحو جسده الذي تمددت عضلاته باسترخاء….
أغمض عينيه لتتسلل صور ليلته معها إلى مخيلته من جديد…لينفجر ضحكا بدون سبب و كأنه مختل عقلي…تذكر كم كانت هشةو رقيقة… مستسلمة بين يديه دون مقاومة…صوتها الباكي و هي ترجوه ان يتركها مازال يرن في أذنيه، يبدو أنه قد أحسن الاختيار هذه المرة فحتى زوجته السابقة مها لم تكن بهذه البراءة و النقاء…
مرت سنوات كثيرة لم يلمس فيها فتاة عذراء..لا خبرة لها في تلك الأمور،قلب وجهه باشمئزاز عندما تذكر كم كن رخيصات و هو من تحت أقدامه يتأوهن بكل زيف و عهر حتى يحصلن على رضاه…
أغلق الصنبور لتتوقف المياه و يفتح عينيه القاتمة التي عاد لونها المتوهج، لف جسده بمنشفة سوداء كبيرة قبل أن يضع أخرى أصغر حجما على رأسه ثم خرج و هو يدندن باستمتاع لحنا إيطاليا قديم….
مكث عدة دقائق في غرفة الملابس قبل أن يخرج و هو يرتدي بنطالا قطنيا باللون الأسود…نظر إلى الساعة الفخمة المعلقة على الجدار ليجدها تشير إلى الساعة الثالثة صباحا…
رمى المنشفة التي كانت على رقبته ثم دلف إلى الحمام مرة أخرى…ملأ الحوض بالماء الدافئ ثم سكب سائل الاستحمام برائحة اللافندر الذي إختاره لها لتنتشر رائحته المنعشة…
عاد إلى كاميليا التي كانت لاتزال متصنمة مكانها ترفض التحرك و لو إنشا واحدا مخافة ان يزيد ألمها…
صعد إلى الفراش بجانبها ليضع يده على ظهرها ليشعر بارتعاش جسدها و أنفاسها التي تسارعت حتى تحولت إلى سعال…
ربت على كتفيها حتى تهدأ و هو يقول بهدوء حتى لاتفزع منه اكثر:”انا حضرتلك الحمام…حتبقي كويسة بعد ماتاخذي شاور دافي…. يلا بلاش دلع هي اول مرة بتبقى كده صعبة شوية بس بعدين حتتعودي….
توقف عن الكلام عندما هزت كاميليا رأسها برفض و دموعها لا تكاد تتوقف عن النزول…ثم حركت ذراعيها بصعوبة تحتضن جسدها بحماية…سعلت بقوة مرة أخرى عندما إختنقت بشهقاتها مما جعل شاهين يتراجع بنفاذ صبر ثم يحسم أمره ليحملها بصعوبة بسبب مقاومتها الهستيرية و يتجه بها نحو الحمام….
وضعها بحرص في حوض الاستحمام الذي أعده سابقا لها و هو يهتف بتذمر بسبب تبلل ملابسه أثناء مقاومتها :”ما تهدي بقى احسنلك…. انا لسه مقدر الحالة اللي إنت فيها و الا كنت دفنتك مكانك… غبية”.
رمقته كاميليا بعيون حمراء ذابلة و هو يغادر المكان
و يصفق الباب بعنف وراءه لترخي جسدها داخل الحوض و هي تطلق العنان لدموعها من جديد…
مظهرها كان كارثيا شعرها مبعثر و عيناها محمرة من البكاء و جسدها مليئ بالعلامات و الكدمات التي تبين عنف ماتعرضت له.
في اليوم التالي……..
إستيقظت كاميليا على صوت فتحية التي كانت تهزها برفق و تنادي بإسمها :” كاميليا هانم….من فضلك إصحي الست ثريا و شاهين بيه مستنيينك تحت…. الساعة بقت واحدة و انت لسه نايمة…
فتحت عينيها بصعوبة ثم أغمضتها بسبب أشعة الشمس التي تسللت إلى كامل الغرفة… رمشت عدة مرات حتى تتعود عليها قبل أن تنظر إلى فتحية التي كانت تقف أمامها قائلة بصوت مبحوح من أثار النوم و البكاء:” صباح الخير يا فتحية…
فتحية بلهفة :” صباح الخير يا كاميليا هانم…..
كاميليا بفتور :”إسمي كاميليا يا فتحية…. كاميليا بلاش هانم دي…..
فتحية بابتسامة :” ميصحش انت خلاص بقيتي مرات شاهين بيه و لو سمعني بناديكي باسمك حاف كده حيطين عيشتي….
تأوهت كاميليا بألم و هي تحاول التحرك من مكانها لتقول بصعوبة:”خلاص لما نبقى لوحدنا ناديني كاميليا و لما تبقي قدامه ناديني باللي إنت عاوزاه… آآآه”.
عظت على شفتيها بألم و هي تحاول الاستناد على يديها للوقوف لتسارع فتحية نحوها بهلع و هي تتساءل:”فيكي إيه؟؟؟ مالك؟؟”.
إستندت كاميليا على جانبها قبل أن تنزل قدميها لتغوصا داخل السجادة ذات الفراء الكثيف و هي تهتف بصعوبة :” ارجوكي يا فتحية ساعديني و بلاش أسئلة… انا مش قادرة أتحرك خطوة لوحدي….جسمي كله مكسر،
سكتت فتحية بعد أن فهمت لوحدها ما حصل لتلف ذراعها حول جسد كاميليا و تساعدها للدخول إلى الحمام…
بعد نصف ساعة نزلت كاميليا الدرج بخطوات بطيئة بعد أن إرتدت روب ناعم من اللون الأبيض تتخلله بعض الورود الحمراء، بكم طويل حتى تخفي تلك العلامات التي إستحال لونها إلى الأزرق و البنفسجي أما بقية الآثار فقد حاولت إخفاءها بمساحيق التجميل…
توجهت إلى الصالون لتجد ثريا التي إبتسمت لها بحب حالما رأتها و هي تقول :”بسم الله مشاء الله….. قمر يا بنتي ربنا يحميكي ويحفظك”.
عانقتها كاميليا ثم قبلت جبينها و هي تقول :”صباح الخير يا ثريا هانم…
أمسكت ثريا بيديها و هي تمسح على رأسها بحنان قائلة:” صباح الهناء يا حبيبتي…انا خلاص بقيت ماما ثريا بلاش هانم دي…
إبتسمت لها كاميليا و هي تومئ بطاعة :” حاضر…
تابعت طريقها لتجلس على طرف الكنبة بعيدا عن شاهين الذي كان يخفي نظرات الإعجاب بجمالها الساحر الذي يزداد يوما بعد يوم…
إبتسم بتسلية و هو يراقب تحركاتها الخجولة المرتبكة و هي تتناول كوب قهوتها و تترشفه بتردد… كاد ان ينفلت من يدها و ينسكب عليها عندما سمعت
ثريا تسأل شاهين :”هو انتو حتروحوا إمتى شهر العسل….
ليجيبها الآخر :” لا إحنا حنفضل هنا أحسن…..أنا عندي شغل و مش فاضي….
رمقت ثريا إبنها باستنكار و هي تهتف معترضة:”شغل إيه يا إبني انا بكلمك على شهر العسل… مراتك لسه عروسة و من حقها تخرج و تتفسح، من أولها حتقعدها في البيت “.
وضعت كاميليا كوبها على الطاولة ثم نظرت إلى شاهين الذي كان مشغولا بهاتفه قبل أن تحول نظراتها إلى ثريا و تبتسم لها برقة و هي تجيبها بهدوء محاولة تجنب وقوع مشكلة بينهما بسببها:” معلش يا ثريا هانم هو عنده حق…انا كمان ورايا دراسة و قريب جدا حتبدأ الامتحانات….
توقفت عن الكلام عندما سمعت ضحكات زوجها الساخرة قبل أن يهتف بلهجته الآمرة التي لا تفارقه:” أهو سمعتيها بنفسك يا ماما هي عندها دراسة و انا عندي شغل…مش فاضيين للكلام الفارغ داه….
وضع هاتفه في جيب سترته ثم إعتدل واقفا و هو يكمل :” كملي فطارك و تعالي على المكتب… عاوزك في حاجة مهمة”.
تأففت ثريا بضيق من بروده لتتمتم :” معلش يا بنتي بكره حيروق و حيرجع في قراره…كملي فطارك تلاقيكي مأكلتيش حاجة من إمبارح الصبح….
نفت كاميليا برأسها و هي تقف من أمامها :” لا معلش انا مليش نفس دلوقتي حبقى آكل بعدين… انا لازم أروح أشوفه عاوز إيه عن إذنك”.
ثريا بنظرات عطوفة:” إذنك معاكي يا حبيبتي….
راقبتها و هي تتحرك ببطئ نحو المكتب و لم تخفى عنها نظراتها الخائفة التي تحاول إخفائها بابتساماتها المزيفة لتحدث نفسها متسائلة:”يا ترى عملت إيه البنت دي في دنيتها علشان توقع في إيد إبني….انا السبب انا اللي خليتها تشتغل هنا كان لازم أمشيها من يومها… انا إزاي عملت كده….ربنا يهديك يا شاهين يحنن قلبك عليها دي باين عليها غلبانة و مش حمل اللي بيعمله فيها….
ظلت تحدث نفسها طويلا إلى أن رأت فادي يطل من باب الفيلا و تتبعه زينب متجهين نحوها…
في المكتب……
دخلت كاميليا لتجد شاهين يجلس بشموخ وراء مكتبه الفاخر و هو يتابع بعض الأعمال بواسطة حاسوبه المحمول….
أشار لها بأن تجلس على الكرسي المقابل للمكتب…أخفت إستغرابها لأنه لم يطلب منها الجلوس تحت قدميه كعادته…و هي تتذكر كلام هبة عندما أخبرتها بإمكانية تغيير معاملته لها بعد أن أصبحت زوجته…
أخفضت رأسها بإرتباك بعد أن إنتبهت إلى نظراته الحادة التي تتفرس كل إنش منها و هو يقول بوقاحة :”حلو أوي الفستان…مغطي كل العلامات بتاعة إمبارح….
ظلت صامتة ليسترسل في حديثه :” طيب انا جبتك هنا عشان أقلك على شوية حاجات ياريت تنفذيهم بالحرف الواحد علشان حياتنا تستمر بهدوء و مين غير مشاكل…و مش عايز افكرك انا حعمل إيه لو خالفتي أوامري….
أومأت له برأسها و هي تتحاشى النظر إليه ليكمل….
أول حاجة ممنوع تخرجي من الفيلا لأي سبب من الأسباب…لا تقوليلي صاحبتي و لا عيلتي و لا أي حد أي حاجة انت عايزاها قوليلي و انا حجيبهالك لحد عندك ….ثانيا فادي… تهتمي كويس و مش عاوزه يزعل لأي سبب و انت فاهماني طبعا…ثالثا تلفونك….
انا حسيبهولك تتكلمي بيه براحتك بس مش عاوز اشوف فيه رقم غريب “.
تنحنحت كاميليا لتنظف حلقها لتردف بصوت متلعثم :” طيب و دراستي… انا عندي جامعة…
قاطعها بصوته القوي الذي أثار خوفها مرة أخرى قائلا بنبرة لا تحتمل النقاش :”قلتلك مفيش خروج من الفيلا… لأي سبب، انا إديتك عشرة مليون جنيه… متهيألي مبلغ زي داه حيخليكي تنسي الجامعة و الدراسة كلها….
كاميليا باستعطاف:” ارجوك انا حنفذ كل اللي انت عاوزه بس بلاش الجامعة….انا من حقي اكمل دراستي… انت مش عارف انا قد تعبت علشان اوصل…
رمى شاهين القلم على المكتب ثم مرر يديه على وجهه كاتما غضبه الذي بدأ يتصاعد بسبب عنادها…لتقرر كاميليا السكوت و تأجيل حديثها في هذا الموضوع تجنبا لثورة أخرى من ثورات غضبه لتهتف بصعوبة :”حاضر انا حعمل كل اللي بتقول عليه بس بلاش تزعل…
رمقها الاخر بعدم رضا قبل أن يقول ببرود :” لعلمك دي آخر مرة…و دلوقتي تعالي….
انتفض جسدها و ازدردت ريقها بصعوبها قبل أن تتحرك نحوه بخطوات بطيئة ليزفر الاخر بملل و يصرخ بوجهها :”ساعة عشان تيجي….
توقفت مكانها من الرعب و هي تنكس رأسها و قد تسارعت دقات قلبها من الخوف و هي تتذكر ماحصل معها البارحة…لم تعي بعدها كيف طارت من مكانها و أصبحت تجلس على ركبتيه بعد أن حملها و جلس بها على الاريكة….
رفعت عيناها لتنظر له بخوف كقطة مذعورة في حضرة أسد شرس…
ملامح وجهها الطفولية ببشرة بيضاء نقية تذكره بطفله فادي و عينان زرقاوان ذات نظرات بريئة و جسدها الصغير الذي يضج إثارة و إغراء….
لم يستطع شاهين السيطرة على نفسه لينحني برأسه لا إراديا و يقبل رقبتها قبلات كثيرة و يتنفس بعمق رائحة اللافندر التي كانت تفوح منها…
لم يتوقف إلى هذا الحد و بدأ بالصعود إلى وجنتيها و شعرها و أخيرا شفتيها…بدا كالمغيب و هو يتمتم بخفوت :”مش قادر أكتفي منك يا كاميليا…. انت عملتي فيا إيه….
كان يعتصرها حرفيا بين يديه بينما ظلت كاميليا مستسلمة و تدعو في سرها ان يتركها.. لم تكن تستطيع التحدث مخافة ان تثير غضبه أكثر….
لم تشعر بكل هذا الضعف في حياتها كل ما تستطيع فعله هو الاستسلام و البكاء… و تحمل الألم مرة أخرى… إنعدمت الرؤية امامها بسبب دموعها التي إنهمرت كشلال…
شعرت به يتوقف عن تقبيلها لترفع عينيها الدامعتين ليقابلها وجهه المحمر و هو يلهث بشدة بسبب المشاعر المختلطة التي سيطرت على جسده…
لحظات مرت قبل أن يسيطر على نفسه و يعود لطبيعته من جديد و يضمها برفق غريب إلى صدره كطفلة صغيرة مما أثار دهشتها خاصة بعد أن سمعته يقول :”روحي كملي فطارك انا عارف انك مكلتيش و بعدها إطلعي نامي جسمك لسه تعبان…
ظلت جامدة مكانها حتى بعد أن أرخى ذراعيه حولها ليضحك شاهين بخفوت قبل أن يهتف بنبرة لعوبة :” إيه عجبك حضني للدرجة دي…. انا ممكن اغير رأيي على فكرة و مش حخبي عليكي انا ماسك نفسي عليكي بالعافية “.
قفزت كاميليا من أحضانه رغم دهشتها من نبرته المرحة التي لم تعتادها منها و هي تسترد انفاسها
المسلوبة بارتياح….قبل أن تتوجه سريعا إلى جناحهما لتنال قسطا من الراحة….
بينما بقى شاهين مكانه و هو ينظر إلى أثرها و يبتسم بشرود…و قد أحس أخيرا بدقات قلبه المتجر تعود رويدا رويدا إلى الحياة على يد هذه الطفلة التي لا يكاد يصل طولها إلى كتفه…
في فيلا البحيري…
دخلت ليليان غرفة نومها بعد تناول وجبة الغداء صحبة عائلة عمها ليلحقها أيهم و هو يصرخ عليها بغضب:”إنت ياهانم…إيه الكلام الفارغ اللي كنتي بتقوليه تحت داه..
جلست ليليان على طرف السرير و هي ترمقه بحدة قبل أن تهتف بجرأة:” انا مش بكذب على فكرة كل اللي قلته حصل…. إمبارح مفيش ست فلتت من إيدك في الفرح… عمال تضحك و معاهم و بتعملوا حركات مش بتاعة واحد متزوج و مراته جنبه….إيه مش قادر تعيش أسبوع ثاني بعيد على القرف اللي أنت كنت فيه….
فاجأها بصفعة قوية على وجنتها لتشهق ليليان بألم و لكنها لم تصمت بل تابعت شتمه بحدة أكبر و هي ترمقه باشمئزاز :” حتوقع من واحد زبالة زيك إيه… طول عمرك كده و مش حتتغير بس متقلقش قريب اوي حيجي اليوم اللي اتخلص فيه منك…..
قاطعها أيهم صارخا بجنون :” إخرسي مش عاوز اسمع صوتك…
بدأ يدور داخل الغرفة كالثور الهائج و قد إمتدت يداه لتكسر كل غرض يقع تحت يديه…
قاطع صراخه طرقات عنيفة على باب الغرفة و أصوات محمد و سيف و والدته في الخارج يدعونهم لفتح الباب…
تجاهلهم أيهم الذي إلتفت إلى ليليان لتتفاجئ بنظراته الحارقة و قد انتفخت أوداجه و ظهرت عروق رقبته التي تدل على غضبه العارم مما جعلها تتراجع إلى الخلف نحو الباب محاولة الهرب من بين براثنه…..انتبه لها ليقفز بخفة و يعترض طريقها ليمسك بذراعيها يهزها بقوة قبل أن يهتف متوعدا :”حقتلك يا ليليان لو فكرتي في يوم انك تبعدي عني…مش حسيبك يا بنت عمي لأخر نفس فيا…
في إحدى النوادي….
جففت ميرهان وجهها و رقبتها من العرق بعد أن ظلت حوالي ساعتين تقوم بتمارينها الرياضية المعتادة… نزعت سماعة الاغاني من أذنيها ثم نزلت من على آلة المشي و إتجهت نحو كرسي في جانب القاعة لتجلس عليه لترتاح قليلا من الوقت قبل أن تتجه إلى أحد الحمامات لتغير ملابسها الرياضية إلى أخرى مناسبة….
بعد حوالي نصف ساعة إتجهت إلى مقهى النادي لتناول مشروبا ما… إنتبهت إلى وجود صديقتها سيدرا و التي كانت تدخن سيجارتها و ملامح الضيق بادية على وجهها….
ميرهان و هي تجلس على الكرسي المقابل :”مالك يا بنتي وشك بيقول إن في مصيبة حصلت….
سيدرا بضيق:” يعني انت مش عارفة إن شاهين الألفي إتجوز إمبارح؟؟؟
مدت ميرهان يدها لتناول سيجارة من العلبة الفاخرة الموجودة على الطاولة و هي تقول :”عارفة…. و هو أصلا في حد في مصر معرفش بالخبر داه… دي كل السوشيال ميديا و الأخبار مقلوبة على الفرح الخرافي اللي عمله إمبارح….
صمتت قليلا لتشعل السيجارة و تنفث دخانها بغضب ثم تكمل :” و إلا مراته…بنت المحظوظة لفت عليه و وقعته واحدة زيها إزاي قدرت توقع شاهين الألفي أنا مش قادرة أفهم…. انا حتى عمري ماشفتها قبل كده، هي عرفته إزاي….
سيدرا :” مفيش حد يعرف غير إنها طالبة في كلية الهندسة…يعني هما الاثنين في نفس المجال…
ميرهان باستدراك:” صح هو كمان بيشتغل في مجال الهندسة و المباني…بس هي كده تبقى أصغر منه بكثير….
سيدرا و هي تقلب شفتيها بسخرية:”و لو…واحد زي شاهين داه مفيش بنت تقدر ترفضه و بعدين الفرق بينهم يعتبر عادي عشرة او إحداشر سنة مش كثير… مافي ياما بنات بيتجوزوا رجالة كبار في السن علشان الفلوس إنت ناسية سالي صحبتها اللي متجوزة فاروق بيه صاحب ابوكي….داه أكبر منها بأكثر من خمسة و عشرين سنة…و بيري و كارمن و كثير غيرهم…كله يهون علشان الفلوس يا قلبي”.
ميرهان بتذكر:”أيوا عندك حق بس أنا حتجنن داه انا كنت خلاص حوقعه لولا الغبي فريد….
سيدرا بضحك :” فريد…. ما أنا قلتلك إنه صايع و مفيش في دماغه غير البنات… بس يستاهل العلقة اللي أخذها من البحيري…خليه يتربى… رايح يعاكس في خطيبته قدامه فاكره زيه معندوش أخلاق و نخوة….
ميرهان بضيق من تلميحات صديقتها :”سيبينا من فريد دلوقتي و بعدين انت متعرفيش أيهم كويس داه شبه فريد بالظبط واحد واطي و مفيش في دماغه غير السهر و النسوان و مش بعيد تلاقيه دلوقتي في حضن واحده من نسوانه….
سيدرا بتعجب :” بس داه لسه متجوز جديد و بعدين مراته زي القمر و دكتورة و كمان بنت عمه….
قاطعتها ميرهان و هي تنفث دخان سيجارتها قائلة بحقد:” الرجالة اللي زي أيهم و فريد دول ميملاش عينيهم غير التراب…. الخيانة بتجري في دمهم حتي لو الواحد منهم إتجوز ملكة جمال الكون بيفضل يدور على القرف و القذارة اللي زيه برا بيته…
سيدرا :” ماكل الرجالة كده…
نفت ميرهان مؤكدة:”لا طبعا انت غلطانة امال أنا متمسكة بشاهين الألفي ليه…. علشان مش زيهم داه ممكن يعمل كل حاجة إنت متخيلاها في دماغك إلا إنه يخون مراته…هو صحيح كانت عنده علاقات كثيرة و غريبة قبل الجواز بس بعد ما اتجوز مستحيل حيبص لست ثانية غير مراته علشان كده انا فقدت الأمل إني أوقعه….
حدقت بها سيدرا بتعجب قبل أن تهتف :”انا بصراحة مش مقتنعة بالكلام اللي انت بتقوليه و مفيش حل غير اننا نستنى شوية وقت و حنشوف صحة كلامك….
ميرهان بثقة :” و نستنى ليه… النهاردة بالليل حخليكي تتأكدي من الكلام داه بنفسك…
سيدرا :”إزاي…
ميرهان بغموض:” الليلة حتعرفي كل حاجة…بقلك إيه أنا جعت حطلب غداء تأكلي إيه….
_________________________
مساء ……
تعالت أصوات صراخ في تلك الحارة الشعبية و تحديدا في تلك الشقة القديمة التي تسكنها عائلة منصور والد هبة….
انتفض منصور من مكانه غاضبا ليصرخ في وجه زوجته المسكينة التي تولت مهمة إخباره:”إنت قلتي إيه؟؟ عمر إبن الدكتور عاوز يخطب مين؟؟ هبة بنتي…
نجوى بتلعثم:” أيوا يا خويا و مالو و هو انت حتلاقي أحسن منه فين لبنتك…داه كفاية ابوه اللي خيره مغرق الحارة كلها…
منصور بصراخ:”أديكي قلتيها ابوه.. طيب و أمه اللي جات زمان و فضحتنا في الحارة كلها و إتهمت بنتك إنها عاوزة توقع البيه إبنها و تتجوزه علشان تأخذ فلوسه….
نجوى وهي تحاول إختيار الكلمات المناسبة لإقناعه بهدوء:” زمان غير دلوقتي يا بو ثامر…و أكيد عيلته مش حتعارض جوازه من بنتنا…
هب منصور من مكانه خارجا من الغرفة متجها إلى غرفة هبة و زوجته تتبعه بخوف..
في هذه الاثناء كانت هبة تحادث عمر من خلال رسائل نصية… إنتفضت بهلع و سقط الهاتف من يدها عندما إنفتح باب غرفتها بعنف و رأت والدها أمامها و هيئته الغاضبة لا تبشر بالخير…
قفزت فوق سريرها عندما تقدم ناحيتها لكنه كان أسرع منها ليجذبها بعنف من ذراعها و يسقطها على الأرض بعد أن صفعها بقوة و هو يصرخ غضبا عليها :” قابلتيه فين إنطقي يا فا… يا قليلة الرباية و الله لقتلك و أشرب من دمك….
صاحت هبة بألم و هي تضع يديها على رأسها ووجهها لتحمي نفسها من صفعات والدها الذي ما انفك يصرخ قائلا:
:”بنتك عاوزة تجيبلي العار … انا الغلطان الي سمعت كلامك زمان و رجعتها المدرسة يا ريتني كنت قتلتها بإيدي و إستريحت منها و من فضايحها….
صرخت نجوى زوجته بدورها و هي تحاول إنقاذ إبنتها من يدي زوجها الذي تملك منه الغضب الشديد حتى أصبح لا يرى أمامه..
يا راجل سيب البنت حتموت في إيدك… هي عملت إيه لكل داه؟؟ “.
دفعها على الأرض ثم بدأ بركلها و ضربها على كافة أنحاء جسدها و هو يصيح بهيجان و عيناه المحمرتان ترمقانها بحدة:” تستاهل القتل.. قليلة الرباية…من النهاردة مفيش خروج من البيت و حجوزك لأول واحد يطلب إيدك إنشاء الله شحات….
إرتمت نجوى على الأرض لتحمي جسد إبنتها من ضربات زوجها الغاضب و هي تصرخ و ترجوه بالتوقف…ليمسكها من شعرها بقوة محاولا إبعادها عن هبة ليعاود ضربها من جديد….لكنها تمسكت بها بقوة
توقف منصور مبتعدا عنها و هو يلهث بشدة متوعدا بشر:” بنتك تنسى سيرة البني آدم داه خالص مش عاوز أسمع إسمه في للبيت داه ثاني أحسن و الله لقتلها و ارتاح منها…. كفاية فضايحها زمان….
هبة ببكاء :” حرام عليك يا بابا انا معملتش حاجة عيب…
منصور بجنون :”إخرسي يا كلبة… إخرسي خالص و ليكي عين تتكلمي بعد اللي عملتيه… البنات رايحة الجامعة علشان تتعلم و تدرس و إنت رايحة علشان تقابلي الرجالة….
إبتعدت نجوى عن إبنتها ثم إقتربت من زوجها لتدفعه بخفة خارج الغرفة محاولة تهدءته قائلة :” خلاص يا خويا خلاص كل اللي إنت عاوزه حيحصيل بس كفاية فضائح أبوس إيدك… أصواتنا سمعت الحارة كلها…
نفض منصور يدها بعيدا و هو يرمقها بغضب قبل أن يهتف:” شفتي آخر دلعك فيها… كل ما أجي أربيها توقفي في وشي زي الحيطة…
لملمت نجوى شعرها و أعادت ترتيب ملابسها التي تمزق بعضها و هي تجيبه:” و هي كل حاجة حتتحل بالضرب…حرام عليك يا راجل دي بنتك يعني لحمك و دمك و إنت اللي مربيها و عارف أخلاقها كويس…مستحيل تغلط او تعمل حاجة من ورانا و بعدين إبن الدكتور كمان….
إرتشف منصور كوب الشاي الذي أعدته له زوجته قبل المشاجرة لتمتعض ملامح وجهه تقززا ليردف :”حتى الشاي برد و بقى يقرف…
وضعه على الطاولة بجانبه ثم قام من مكانه ليرتدي حذائه إستعدادا للخروج إلى المقهى و هو يحدث زوجته بلهجة آمرة:” بقلك إيه يا ولية كثرة كلام مش عاوز… هي كلمة واحدة و مش حكررها ثاني… عقلي بنتك و فهميها تبعد عن الجدع داه…إحنا ناس فقراء و على قد حالنا و محيلتناش غير شرفنا و سمعتنا و مش قد إبن الدكتور و عيلته….
هرولت نجوى لتلحقه أمام الباب متسائلة:” طيب إنت رايح فين دلوقتي….
منصور بلامبالاة:” و إنت مالك بتسألي ليه غوري جنب بنتك….
لوت الأخرى شفتيها بضيق من تصرفات زوجها الجافة معها و طباعه الخشنة مع أفراد عائلته ثم أغلقت الباب و إستندت عليه قبل أن تتنهد قائلة بدعاء:”أسترها معانا يا رب…
تحاملت هبة على نفسها و هي تجهش ببكاء أليم ثم إستندت يكفيها على حافة سريرها لترفع جسدها بألم لتصل إلى هاتفها الذي لم يتوقف عن الإهتزاز منذ دقائق طويلة …
حمدت الله في سرها انها غيرت إعداداته و جعلته على وضع الإهتزاز و إلا لعلم والدها بإتصال عمر بها…
قرأت بصعوبة إسم عمر الذي كان يضيئ شاشة الهاتف بسبب دموعها الغزيرة التي غطت الرؤية أمامها لتضغط أخيرا على زر إنهاء المكالمة لعدم قدرتها على الحديث او التكلم…
رمت الهاتف بجانبها ثم رفعت اصابعها إلى وجهها لتتحسس موضع صفعات والدها لتشعر بألم شديد جعل عبراتها تنهمر على وجنتيها بغزارة من جديد…
بعدة عدة دقائق من البكاء شعرت بألم شديد يكاد يفتك برأسها…جففت دموعها بحذر متجنبة موضع الكدمات التي إنتشرت على كامل وجهها و جسدها ثم أعادت ترتيب خصلات شعرها و أمسكت بهاتفها لتجدة عدة رسائل من عمر يطلب منها ان تجيبه… فتحت آخر رسالة لتتفاجئ به يخبرها أنه في طريقه إلى منزلها…
شهقت برعب و هي تفكر في حجم المصيبة التي سيتسبب فيها دون أن يشعر… لتعاود الاتصال به من جديد…
ثوان و جائها صوته المتلهف و هو يقول:”هبة… حبيبتي إنت فين و مش بتردي عليا ليه… إنت كويسة”.
ضغطت على شفتيها بقوة رغم ألمها لتمنع بكائها من جديد و هي تجيبه بصوت مرتعش:”انا كويسة يا عمر….
إنتفض عمر بصدمة و هو يستمع إلى صوتها الضعيف ثم أوقف سيارته على حافة الطريق قبل أن يسألها من جديد:” ماله صوتك… إنت كنتي بتبكي؟؟؟ ابوكي عملك حاجة؟؟
أبعدت هبة الهاتف عن أدنها قليلا قبل أن يسمع شهقاتها المتألمة التي كانت تكتمها ثم أعادته لتقول :” لا مفيش حاجة… صدقني انا بس كنت بعيط شوية…. عشان هو موافقش على جوازنا….
عمر بشك :”يعني ما عمليكيش حاجة…
هبة بنفي كاذب:”لا لا هو بس زعق شوية و بعدين خرج….
عمر بعدم تصديق :” طيب انا حشوفك بكرة علشان أتأكد…
هبة و هي تتحدث بصعوبة :”هو منعني إني أخرج…
قاطعها عمر بصراخ قائلا :”يعني إيه منعك إنك تخرجي.. هو ناوي يحبسك في البيت… ابوكي ضربك يا هبة بس إنت اللي مخبية عني….
هبة ببكاء :” حرام عليك يا عمر متضغطش عليا أكثر من كده انا مش ناقصة… قلتلك مضربنيش إنت مش عاوز تصدقني ليه؟؟؟
تنهد عمر بنفاذ صبر و هو يشتم والد هبة في سره و يتوعده بشدة لأنه أذى حبيبته…قبل أن يجيبها بصوت حنون:” طب خلاص يا قلبي متعطيش… انا بس زعلت علشان كنتي عاوزة تخبي عني إنه أذاكي….طب قوليلي انت كويسة….
زفر بضيق من غباء سؤاله قبل أن يضيف باستدراك:” طبعا مش كويسة انا حاجي دلوقتي حاخذك المستشفى…
صمت عندما قاطعته هبة و هي ترجوه بصوت باك:”لا يا عمر أرجوك متعملش كده…. عشان خاطري متجيش صدقني انا كويسة متقلقش عليا… إنت لو جيت دلوقتي حتزود المشكلة و حتخلي بابا يعند اكثر…..
ضرب عمر عجلة القيادة بقبضته و هو يحس بالعجز للمرة الثانية و لنفس السبب… المرة الأولى كانت قبل سنوات عندما وجد نفسه ضعيفا أمام رفض عائلته لعلاقته بحبيبته وقتها كان مازال صغيرا و في بداية حياته و ما جعله يتخلى عنها هو معرفته بأنه لن يكون قادرا على تحمل المسؤولية إذا إرتبط بها…
لكن الآن كل شيئ تغير و لن يقف مكتوف الأيدي و هو يرى حبيبته تعاني بسببه و لا يستطيع مساعدتها….
همس بصوت حنون و مغمضا عينيه بألم و هو يتخيل حجم ما مرت به من معاناة :”طيب إهدي….بلاش تعيطي إنت مش عارفة انا بيحصل فيا إيه و انا شايف نفسي عاجز كده مش بإيدي حاجة أعملهالك…
هبة ببكاء :” متقلقش انا شوية و حبقى كويسة…المهم إنت متجيش هنا…. أوعدني يا عمر إنك مش حتيجي و مش حتكلم بابا….
عمر بصعوبة :”خلاص يا حبيبتي أوعدك…بس إنت خلي بالك من نفسك و لو حصلت حاجة كلميني و أنا إنشاء الله حلاقي حل في أسرع وقت…. إنت إرتاحي و حاولي تنامي شوية و متفكريش في حاجة….
هبة و هي تمسح دموعها :” حاضر أنا حنام شوية و لما حصحى حبقى أكلمك….
عمر بنبرة عاشقة :”ماشي و انا حستناكي…هبة.. بيبة…
نادى عمر عليها قبل أن تنهي المكالمة..
أيوا…ياعمر..
إبتسم بتلقائية و هو يتلذذ بسماع أحرف إسمه التي نطقتها من بين شفتيها قائلا بصدق:”بحبك أوي…
لم تجبه هبة فورا بل ظلت صامتة لبعض الوقت قبل أن تجيبه بتردد:” و انا كمان…..
رمى عمر الهاتف بجانبه على كرسي السيارة ثم قبض على المقود بيديه حتى كاد يقلعه من مكانه…
طوال المكالمة و هو يخفي غضبه الجحيمي عنها بعد أن علم بما تعرضت له من ضرب و إهانة…وعدها بعدم التدخل أو التحدث مع والدها فقط لأنه لم يكن ان يشغل بالها و يألمها أكثر….
لكن داخله كان يتوعد له بأسوأ العقاب يتمنى لو كان أمامه لكان قتله لتجرأه فقط على إيذائها…
قاد سيارته أخيرا عائدا إلى منزله بعد أن حسم قراره……
……………..
في نفس الوقت في فيلا الألفي ..
نزل شاهين الدرج بخطوات سريعة متجها إلى الخارج و هو يتحدث مع شخص ما عبر هاتفه…
أسرعت فتحية من أمامه و هي تخفض رأسها باحترام متجهة إلى المطبخ حيث تجلس كامليا مع خديجة تتحاذبان أطراف الحديث بعد أن تركت فادي مع يلهو مع جدته في الصالون…
جلست الأخرى قربها على أحد الكراسي المتحلقة على الطاولة الرخامية قائلة بهمس:”أنا شفت البيه من شوية طالع و كان بيزعق في التلفون…
طالعتها كامليا بنظرات متسائلة قبل أن تنطق:” هو خرج؟؟؟
فتحية بتأكيد :”أيوا طلع من شوية بس شكله كان بيخوف كأنه ناوي يقتل حد…
قالتها بهمس لتنكمش كامليا على نفسها قليلا قبل أن تتمالك نفسها و تجيبها :” و إحنا مالنا يا فتحية…إوعي تعيدي الكلام داه ثاني لأحسن إنت عارفة كويس حيحصلك إيه…
إرتجفت فتحية خوفا دون شعور منها خاصة بعد أن تذكرت هيئته الغاضبة منذ قليل لتصمت و هي تومئ برأسها بإيجاب و تضع أصبعها على شفتيها كعلامة سكوت قبل أن تنقل بصرها إلى خديجة التي كانت منشغلة بإخراج بعض الأغراض من الثلاجة العملاقة….
________________
بعد حوالي الساعة وصل شاهين إلى وجهته… مخزن قديم مهترئ يحتوي على آلات و قطع من الحديد القديمة… تملأه الحجارة و الاتربة و الغبار…. دلف شاهين إلى الداخل ليعترضه أحد الحراس و ينحني أمامه منتظرا أوامره بينما إنتشر عدة رجال آخرون في المكان….
شاهين بنبرة صارمة و هو يفتح أزرار كمي قميصه
متجاهلا برودة الطقس… فهو حرفيا كان يغلي من الغضب…:”هو فين؟؟
إرتجف الحارس من صوته قبل أن يجيبه بتوضيح:” هو جو يا شاهين بيه بس لسه مش عاوز يعترف….
أكمل شاهين سيره إلى الداخل بخطوات سريعة دون أن يلتفت إلى الحارس الذي تبعه في صمت…
دخل إلى حجرة جانبية ليجد رجلا يجلس على كرسي يظهر للوهلة الأولى انه ميت بسبب منظر الدماء الذي كان يغطي ملامحه و ثيابه….
أصدر الرجل أنينا خافتا بسبب الضرب المبرح و التعذيب الذي تعرض له على يد رجال شاهين ليعترف بمكان ماركوس(عشيق مها زوجته السابقة)
الذي يبحث عنه من سنوات دون ملل او تراجع…
ركله شاهين بخفة على ساقه لإفاقته…ليحرك الرجل رأسه بصعوبة و يفتح جفنيه المتورمين و ينظر ناحيته…. رمقه شاهين بسخرية عندما لاحظ توسع عينيه بخوف لمعرفته هوية الرجل الواقف أمامه…
صرخ الرجل ببكاء :”ارجوك يا بيه انا مليش دعوة… معرفش حاجة….
قاطعه شاهين ببرود و هو يشعل أحد سجائره قائلا ببرود قاتل :” شششش قلي انت إسمك إيه الأول؟؟؟
الرجل بارتجاف :”علي.. إسمي علي يا بيه
جلس شاهين على الكرسي أمامه ثم نظر له طويلا ليبتلع الاخر ريقه بصعوبة رغم الآلام المبرحة التي تأكل جسده….إلا أن نظرات الشيطان الذي أمامه أكثر رعبا و ألما و هو يرمقه بتفحص بعينيه الناريتين…
قطع شاهين الصمت ليسأله مجددا :” طيب يا علي… انت عارفني طبعا….
أومأ له المسكين بإيجاب غير قادر على النطق من شده هلعه و تفكيره في ما سيحصل….
شاهين ببرود أكثر عكس النيران التي كانت تعصف داخله :” طيب و لما إنت عارف انا مين مش راضي تتكلم ليه؟؟؟؟
علي ببكاء و هو يراقب كل تحركات شاهين بخوف :” و الله ماأعرف حاجة… انا بشتغل في شركة حراسة و كنت من ضمن طاقم الحراسة اللي عينته الشركة عشان حماية ماركوس… و الله يا بيه كان زيه زي أي زبون عادي….
قرب شاهين كرسيه فجأة من كرسي الرجل حتى أصبح أمامه مباشرة ليتصنم الاخر و يحاول التراجع إلى الوراء ليعجز عن التحرك إنشا واحدا بسبب الحبال التي كانت تربط جسده على الكرسي و تشله عن الحركة….تحركت مقلتيه برعب و هو يراقب شاهين الذي إنحنى برأسه ليهمس في أذنه قائلا ببساطة و كأنه يحكي حكاية ما :”عارف يا علي… من حوالي أسبوع زميلك كان ضيف عندي… زيك كده بس خسارة نهايته كانت تحت عجل العربية بتاعتي…عارف ليه عشان هو بردو قال نفس الكلام داه…
تجاهل ببرود تغير ملامح المسكين و هو يكمل بنبرة جحيمية:” ماركوس راح فين لما وصلتوه المطار….
أحابه سعيد بتلعثم و توهان :” مقدرش أقول يا بيه دي أسرار……
لما يستطع إكمال كلامه ليصرخ بأعلى صوته بسبب الألم القاتل الذي شعر به في عينه اليسرى بعد أن أطفأ شاهين سيجارته بها ثم ركله بقوة ليسقط على الأرض و يهو يتلوى من شدة الألم….
أشار الشيطان لأحد رجاله ليهرول مسرعا و يوقف على أمامه من جديد ثم تركه مبتعدا ليعود إلى مكانه من جديد….
تلفت شاهين إلى الجهة الأخرى و هو يزفر بقلة صبر قبل أن يصرخ فجأة :”على…..آخر فرصة ليك عشان تطلع من هنا عايش… الكلب ماركوس سافر على فين؟؟؟
روما…. إي.. طاليا؟ ؟؟
نطق على بهذه الكلمات قبل أن يغمى عليه من ألم عينيه… بينما إرتسمت على ثغر شاهين إبتسامة خبيثة و هو يتمتم بتوعد :” و أخيرا…قربت نهايتك يا ماركوس…
خرج سريعا من المخزن بعد أن أمر بعض رجاله بأخذ على إلى المستشفى…ثم ركب سيارته متجها إلى الفيلا…
دخلت نجوى غرفة هبة لتجدها مازالت جالسة على الأرضية بجانب السرير.. أغلقت الباب ورائها ثم وضعت الكوب على الكومودينو لتجلس بجانب إبنتها و احتضنها برفق قائلة بحنان أموي:”حقك عليا يا ضنايا انا معرفتش أحوشه عنك…بس متزعليش دي آخر مرة إنشاء الله و مش حتتكرر ثاني”.
رمقتها هبة بنظرات منكسرة و هي تجيبها بصوت مبحوح من كثرة بكائها:”إنت ملكيش ذنب يا ماما…. بس هو طول عمره كده مابيعرفش يتفاهم غير بالضرب….
إبتسمت نجوى بغير مرح و هي تربت على ظهر إبنتها قائلة :”ربنا يهديه و يحنن قلبه عليكي يا حبيبتي…. إنت إرتاحي و متفكريش في حاجة و انا إنشاء الله حقنعه…
إبتعدت عنها هبة ناظرة إليها بخوف :” لا ياماما و النبي كفاية لحد كده…متجيبيش سيرة عمر قدامه مرة ثانية لحسن يرجع يضربني و يبهدلني و مش بعيد يجوزني زي ماقال….
أعادتها نجوى من جديد إلى أحضانها محاولة تهدئتها من جديد :” لا طبعا داه هو قال كده بس عشان يخوفك… انا عملتلك كباية الشكلاطة السخنة اللي إنت بتحبيها عشان تروقي أعصابك….
إبتسمت هبة رغما عنها قبل أن تدفن وجهها من جديد لتنعم بحضن والدتها الآمن….
_________________________
ليلا……
في أحد الملاهي الليلية جلست صوفيا مكانها و هي تلهث بشدة بعد أن ظلت ترقص طويلا على موسيقى الاغاني الغربية التي كانت تصدح بصوت يصم الآذان…
أشارت للنادل ان يحظر لها مشروبا جديدا… قلبت عيناها بإهتمام في أرجاء المكان و كأنها تبحث عن شخص ما، إبتسمت بخفة ثم رفعت يدها إلى الأعلى لتشير إلى الفتاتين القادمتين من بعيد تعلمهما بمكانها بسبب الاضائة الخافتة للمكان….
سلمت عليهما بود زائف و هي تدعوهما إلى الجلوس…
:”تشربوا إيه يا بنات…انا طلبت كوكتيل…
وضعت ميرهان حقيبته الفاخرة بجانبها ثم رتبت فستانها المنفوش القصير
ثم أجابتها :” انا كمان حطلب زيك…
أومأت لها صوفيا بإيجاب ثم نقلت بصرها إلى سيدرا لتسألها…
سيدرا :”لا انا حطلب لمون….
بعد دقائق من الحديث الجانبي الغير مهم…..
وضع النادل الاكواب على الطاولة ثم إنصرف لتأخذ كل واحدة من الفتيات مشروبها و تترشفه باستمتاع…
تنحنحت ميرهان بعد أن غمزتها سيدرا دون أن تنتبه لهما صوفيا ثم قالت :” هو انت حتعملي إيه دلوقتي يا صوفي… قصدي بعد ما شاهين بيه إتجوز… بصراحة انا متأكدة انه مستحيل حيستغنى عنك…
صوفيا بنفي :” لا انا دلوقتي مليش أي علاقة بشاهين بيه…من قبل ما يتجوز بأسبوع إتفقنا ان كل واحد حيروح لحاله و إن أنا حرة في تصرفاتي….
سيدرا و هي تكتم سخريتها :” واضح إنك مبسوطة بعد ما سابك….
رمقتها صوفيا بنظرة مطولة قبل أن تردف :”لا مش مبسوطة طبعا بس انا كنت عارفة من زمان إن علاقتنا حتنتهي في يوم من الايام…. لما يتجوز….
ميرهان بخبث:”طيب و إيه يعني إتجوز…انتم مع بعض بقالكم مدة طويلة يعني أكيد مش حيقدر يستغنى عنك بسهولة “.
صوفيا بضحكة تملؤها السخرية :” و أبقى مين انا عشان واحد زي شاهين بيه ميقدرش يستغنى عني….اتا عذراكي عشان إنت متعرفيهوش كويس… هو يقدر يستغني بسهولة و مين غير تفكير على أي حد مش من عيلته….
سيدرا بضيق:”طيب و انت حتستسلمي كده….داه شاهين الألفي انا لو زيك مستحيل أفرط فيه لأي سبب و حعمل كل للي أقدر عليه علشان يفضل معايا….
صوفيا :” بس هو مش عاوز و مفيش ح حيقدر يجبره إنه يعمل حاجة مش عايزها….
ميرهان :”يعني هو سابك علشان إتجوز….
نفخت صوفيا وجنتيها بضيق من أسئلة الفتاتين التي لا تكاد تنتهي و لم يخفى عليها طبعا مقصدهما من ذلك فهي على علم بمحاولات ميرهان البائسة للفت إنتباه عشيقها
لتقول بحدة :”أيوا شاهين مستحيل يخون مراته و انصحك تدوري على حد غيره علشان توقعيه يا ميرهان…. عشان اللي إنت بتفكري فيه مستحيل يحصل….
نظرت ميرهان لسيدرا بنظرات ذات مغزى و كأنها تخبرها بصحة كلامها صباحا…لتبادلها الأخرى بنظرات حائرة قبل أن تعود لارتشاف مشروبها…..
في فيلا شاهين…
تعالت ضحكات شاهين و هو يقرأ رسالة صوفيا التي أرسلتها له تخبره عن حوارها مع الفتاتين…. رمى هاتفه على المكتب ثم وقف من مكانه ليفتح الباب و ينادي على الخادمة زينب التي جاءته سريعا :”أيوا يا بيه….
شاهين و قد إرتسمت على شفتيه إبتسامة لعوبة :” نادي للهانم… قلها تيجي حالا….
اومأت له زينب بطاعة قبل أن تهرول إلى الصالون لإستدعاء كاميليا….
عاد شاهين إلى الداخل متجها إلى ناحية البار ليختار إحدى زجاجات النبيذ المعتق و معها كأسين ثم يعود إلى الاريكة…. وضع الزجاجة أمامه ليفتحها لتصدر صوتها المتعارف عليها و يتناثر القليل منها على الطاولة…
طرقات خفيفة على باب المكتب…تلاه صوت خطوات ناعمة متعثرة و عطر هادئ تسلل إلى أرجاء الغرفة….
إبتسم شاهين داخله ثم أشار لها بالتقدم و هو يصب القليل من المشروب في كل كأس…
رفع رأسه ليجدها تنظر له بإستغراب لم يدم طويلا بعد أن جذبها فجأة ليجلسها على ساقيه و يلصق شفتيه على شفتيها بقبلة طويلة عنيفة….
إستمرت قبلته لدقائق طويلة و هو يتنقل بشفتيه
ببراعة لاثما كل جزء من وجهها و رقبتها بقبلات
رقيقة قبل أن يعود من جديد ليأسر شفتيها
الطريتين يسحبهما بخفة بين أسنانه و يدخل لسانه مستكشفا بواطن ثغرها….
أنًت كاميليا بصوت مكتوم و هي تدفعه بيديها عندما
شعرت باختناقها ليزمجر شاهين بغضب و يمسك
بذراعيها بقوة و يلفهما حول رقبته بالقوة دون أن
يفصل قبلته و يرفع يده ليضعها خلف رأسها ليدفعها
نحوه أكثر و يده الأخرى تتحسس خصرها و ظهرها
بحركات جريئة من فوق فستانها… كان يشعر
بأختناقها و عدم قدرتها على مجاراة عاطفته
المحمومة التي كان يبثها إياها بلا توقف…و رغم ذلك
لم يبالي بها… فكل ما كان يشغله هو إطفاء نار
شهوته التي سيطرت عليه
شعر بأرتخاء جسدها و توقف مقاومتها ليبتعد عنها
مجبرا و صدره يعلو و يهبط بأنفاسه السريعة…
لف ذراعيه حول جسدها الصغير يعتصره بقوة دافنا
إياه داخل صدره الضخم حتي باتا و كأنها جسدا
واحدا…أغمضت كاميليا عينيها بتألم و هي تكبح
جماح دموعها التي تهدد بالنزول…قلبها يكاد يتوقف
عن الخفقان و جسدها لا يكف عن الارتعاش رغم
الحرارة التي كان تلفها و المنبعثة من جسد شاهين
الذي كان يشتعل حرفيا… عيناه أصبحتا حالكتان
بطريقة مرعبة و رغبة مجنونة تملكت كامل جوارحه…
تمالك نفسه بصعوبة و هو يخرجها من أحضانه
ليقابله وجهها الأحمر و عينيها الدامعتين و شفتيها
المنتفختين جراء قبلاته… ظل يتأملها للحظات قبل
أن تفتح كاميليا عينيها بتردد و هي تتحاشي النظر
إلى وجهه و عينيه التين كان تفترسان كل جزء منها
بنظرات شهوانية جعلتها ترتبك أكثر لتتململ بعدم
راحة تريد الوقوف من فوق ركبتيه و مغادرة الغرفة…
أحست بيديه تضغطان على كتفيها ثم بصوت
الهامس الذي تسلل إلى مسامعها و هو يقول :”رايحة فين؟؟
بللت طرف شفتيها الجافتين بلسانها و هي تطأطئ
رأسها إلى الاسفل دون أن ترد عليه…فنبرة كلامه لم
تكن تتضمن سؤالا ينتظر إجابته بل كان يخبرها بأنه
لم يأذن لها بالذهاب بعد..
إكتفت بتحريك رأسها يمينا و يسارا منتظرة خطوته
الثانية باستسلام لتظهر شبه إبتسامة على شفتيه و
هو يشاهد خضوعها الذي أرضى رجولته و شعوره بالتملك نحوها…
لف ذراعه من جديد باحكام حول ظهرها قبل أن
ينحني بجسدهما نحو الطاوله ليمسك بأحد الكأسين
قبل أن يعتدل بجسده مرة أخرى و قرب الكأس إلى
شفتي كاميليا قائلا بأمر :”خدي إشربي…..
حدقت به بنظرات مذهولة غير مصدقة لما تسمعه
منه…و هي تتراجع بجسدها إلى الخلف مبتعدة عن
يده التي تحمل الكأس ضغط بأصابعه على خصرها
بقوة لتنكمش ملامح وجهها بألم و لكن رغم ذلك
ظلت تلف جسدها إلى الجهة الأخرى و تحرك يديها
بعشوائية محاولة الفكاك منه… ليضع شاهين الكأس
على الطاولة بحركة سريعة ثم يحكم قبضته على
جسدها من جديد مانعا إياها من مغادرة مكانها…
يئست كاميليا من الفكاك من قبضته لتهمس
بتوسل :”أرجوك بلاش….إعمل فيا اللي إنت عاوزه
بس داه لا”.
همهم شاهين باستمتاع مرضي بكلامها و هو
يتحسس عنقها الأبيض بأنامله الدافئة مقتربا اكثر
فأكثر حتى لامست شفتاه جانب شفتيها ليهمس
بخطورة:”مش إتفقنا انك تسمعي الكلام…”.
صعد بأصابعه إلى وجنتيها ليمسح دموعها المنهمرة
بصمت و هو لايزال يهمس فوق بشرتها
الناعمة :”آخر مرة قلتلك إني حنفذ اللي في دماغي
من غير كلام…
إبتلعت كاميليا ريقها بذعر من نبرته الهادئة التي
تخفي ورائها تهديدات صريحة لتهمس بدورها
باستفسار:”قصدك إيه؟؟؟
تجاهل شاهين صوتها المرتعش ليقبض فجأة على
مقدمة عنقها بأصابعه و يضغط عليه ضغطة خفيفة
لتتسع عيناها برعب من حركاته الجنونية التي أصبح يفاجئها بها كل مرة….
همس لها شاهين يتلاعب و هو لا ينفك يحرك أصابعه
كيفما شاء :” نور و الا كريم…. إختاري؟؟؟؟؟
إنتفضت كاميليا فجأة و هي تدفعه على حين غرة
حتى فقدت توازنها و إرتدت بجسدها إلى الوراء
فكادت تقع على الأرض لو لا ذراعه القوية التي
إلتفت حولها بسرعة لتعيدها إلى مكانها و هو ينظر
لها بنظرات غاضبة جعلتها ترتجف لثوان مدركة مدى
فداحة خطأها لتقول بنحيب:” إنت ليه بتعمل فيا
كده؟؟ انا عمري معملتلك حاجة وحشة و بنفذ كل
اللي إنت بتقولي عليه؟؟؟؟
سلط شاهين أنظاره على شفتيها المرتعشتين قبل أن
يمرر إبهامه عليهما بحركة بطيئة متلذذا بملمسهما
الطري قائلا :” و اللي إنت عملتيه من شوية داه
إسمه إيه؟؟؟؟
فهمت كاميليا مايعنيه لتهمس بصعوبة :” ارجوك لا…
انا عمري ماشربت الحاجات دي و لا حتى شفتها غير
في الصور…
رفعت عينيها الزرقاوتين التين كانتا تتلئلئان بدموعها
لتناظره بنظرات مستعطفة عل قلبه الحجري يرق لها
لتكمل حديثها بارتجاف:” انا حعمل كل حاجة بس دي… مقدرش “.
بادلها شاهين نظرات غامضة مخفيا تعاطفه معها
الذي لاح للحظة في ملامح وجهه قبل أن يتراجع
قائلا بقسوته المعهودة:”يبقى إنت اللي إخترتي”.
كاد ان يغمى عليها و هي تراه يخرج هاتفه من جيبه
و يضغط على بعض الازرار ثم يظهر باب شقتهم
القديمة فجأة لتشهق كاميليا بصوت مسموع وهي
تضع يدها على فمها متنقلة ببصرها بين وجه شاهين
الذي كان يرمقها بتحدي و بين الهاتف المسلط على
باب الشقة… و دون أن تحتاج لتفسير علمت كاميليا
بأن عائلتها مراقبة من طرف رجاله….
أغلق الهاتف ثم وضعه بعيدا مردفا بملل :”ها.. قلتي
إيه؟؟؟
رفعت عينيها المتوسلتين مرة أخرى لتصطدم بعينيه
الخاليتين من أي رحمة لتتأكد من إصراره على
إذلالها
دون سبب لتهتف دون وعي:” انت مش طبيعي…
إنت مجنون عاوز بس تذلني… آه…
صرخت بأعلى صوتها في آخر كلامها بعد أن هوى
على خدها بصفعة قوية جعلتها تعانق الأرض لتصبح
تحت قدميه
إنحنى إليها ليشد شعرها بقبضته ويرفعها نحوه من
جديد ليصبح وجهها مقابلا لوجهه و هو يرمقها
بنظرات مميتة ليعيد صفعها بقوة أكبر ويرتطم
جبينها بأرضية الغرفة….وضعت كاميليا كفها على
وجنتها اليمني و بيدها الأخرى ترتكز على الأرض
لتسند جسدها رغم ألمها الشديد الذي جعل عبراتها
تنهمر من عينيها…
تعالت أنفاسه الغاضبة و نظراته مازالت مثبتة عليها
يمنع نفسه بصعوبة من الفتك بها و تلقينها درسا لن
تنساه حتى لاتتجرأ مرة أخرى و تتمرد عليه….
هو الذي لم يتجرأ أي رجل من قبل على التحدث
أمامه دون إذنه لتأتي هي و تهينه بهذه الطريقة
فلتتحمل ماسيحدث لها إذن…..
ضيق عينيه بتوعد عندما لمعت في عينيه فكرة
شيطانية أعجبته بشدة…
أخذ نفس الكأس الذي وضعه منذ قليل بين يديه قبل
أن يتراجع بجسده على الاريكة ليترشفه قائلا
بخفوت:”إطلعي الجناح فوق…
صباحا…
ظلت كاميليا ممددة على السرير تشعر بالآلام المبرحة
تفتك بجسدها كلما تحركت… مسحت دموعها للمرة
الالف متذكرة تلك الساعات الجحيمية التي مرت
عليها ليلة البارحة…
لم تكن تتصور في أقسى كوابيسها انها ستمر بهذا
القدر من التعذيب و الألم على يدي ذلك الوحش
المسمى زوجها…
ظلت تصرخ طوال الليل و تتوسله ان يرحمها و يتركها دون جدوى
و كلما كان يغمى عليها يجعلها تستيقظ من جديد
ليعيد إغتصابها مرة أخرى و اكثر عنف ووحشية…
تعالت شهقاتها و هي تتذكر كيف كان يهمس في
أدنها بعبارات بذيئة لم تفهم معظمها و هو يصفها
بعاهرة رخيسة لا تطيع سيدها…و ان ما يفعله معها
هو عقاب لتجرأها علي عصيان أوامره….لم تكن تظن
انها ستبقى حية ليوم الغد بل كم تمنت ان يأخذ الله
روحها عله يريحها من معاناتها.
ضغطت على رأسها بيديها محاولة إخراج صوته و
همساته التي مازالت تتردد داخل عقلها…
لتدخل عليها خديجة و تضمها إليها بحنان و هي
تهمس لها بكلمات مهدئة… تشبثت بها كاميليا و هي تبكي بقوة
و تهمهم بكلمات غير مفهومة تدعوها فيها بعدم تركها
لتشدد خديجة من إحتضانها قائلة بحنان:”خلاص يا
بنتي إهدي بلاش عياط… إنت كده حتأذي نفسك أكثر….
أجابتها من بين شهقاتها بصوت مبحوح :” مش
قادرة… يا طنط جسمي واجعني أوي… هو…. هو…
لم تستطع مواصلة كلامها لتنفجر مرة أخرى ببكاء
مرير تحت أنظار خديجة المشفقة و التي لازالت
لاتصدق لحد الان ما حصل مع كاميليا رغم سماع
فتحية الثرثارة و هي تحكي لزينب انها سمعت
السيدة ثريا و هي تتشاجر مع شاهين حول ضربه لزوجته ليلة البارحة….
لذلك إستغلت وجوده في المكتب هذا الصباح حتى
تأتي و تطمئن عليها لتفاجئ بمظهرها المزري
لتتأكد انه لم يكن ضربا فقط بل يبدو أنه قد تجاوز حدوده كثيرا…
شهقت كاميليا برعب و إرتعش جسدها و هي تتمسك
بقوة بخديجة حالما لمحته يدخل من باب الغرفة بجسده الضخم المخيف….
أشار لخديجة بعينيه الحادتين حتى تغادر قبل أن يدلف إلى الحمام
دون أن يغلق الباب وراءه…
أبعدت خديجة كاميليا عنها بلطف قائلة بهمس:”انا حنزل أحضرلك فطار انت أكيد جعانة”.
نظرت لها كاميليا بعينيها الدامعتين ترجوها ان تبقى
معها حتى تنقذها منه لتقابلها الأخرى بنظرات
منكسرة فهي أيضا لا حول و لاقوة لها أمام جبروت الشيطان…
خرج شاهين و هو يرمق خديجة بنظرات غاضبة
لعدم مغادرتها ليصرخ فيها:”انا مش قلتلك تطلعي
برا… بتعملي إيه هنا لغاية دلوقتي….
إرتجفت خديجة بذعر من صوت صراخه و هي
تحاول التملص من يدي كاميليا المتمسكة بها كطوق نجاة…
لتنجح الأخرى في الإبتعاد عنها و هي تقول بتردد :”
من فضلك يا شاهين بيه خليني شوية مع الهانم عشان حالتها….
لم تكمل كلامها حتى قاطعها الاخر بنظراته الحادة قائلا بصرامة:” برا…..
ألقت عليها خديجة نظرة أخيرة مشفقة قبل أن
تخرج من الغرفة عازمة على الذهاب للحديث مع
ثريا هانم لعلها تجد حلا و تنقذ تلك المسكينة من براثن إبنها….
رمى شاهين علبة الاسعافات الأولية التي أحضرها
من الحمام ثم إتجه إلى التسريحة و أحضر بعض
المناديل المعقمة…
إقترب من كاميليا لينزع عنها غطاء السرير الذي
كانت تستر به جسدها لتتمسك به و هي تنظر إليه
بفزع خوفا من أن يعيد ما فعله معها ليلة البارحة..
زفر شاهين بملل و هو يجلس بجانبها و يأخذ منديلا
من العلبة ليمسح وجهها من الدماء المتخثرة بسبب الصفعات التي تلقتها منه…
تفاجئ بها تخطف المنديل من يده و تبدأ في مسح
وجهها بسرعة حتى أن بعض الجروح بجانب شفتها
عادت تنزف من جديد لكنها لم تكن تبالي فكل ما
تريده هو أن يبتعد عنها و لا يلمسها….
رمى لها العلبة ثم قام من مكانه متجها إلى غرفة
الملابس ليحضر لها بعض الملابس لترتديها
خرج و هو يحمل في يده منامة قطنية باللون الرمادي الغامق
رماها عليها و هو يقول بغطرسة:” إلبسي دي عشان
مينفعش تقعدي بالملاية.. بالرغم من إنها لايقة عليكي خالص..”.
تحاشت كاميليا النظر إليه رغم شعور الحقد الذي
تملكها تمنت لو انها لديها بعض القوة لتخنقه بيديها دون تردد….
إستقامت في جلستها بصعوبة و هي تعدل من الغطاء
الذي إنزاح قليلا كاشفا عن ذراعيها و أسفل عنقها…
ضيق شاهين عينيه متأملا جسدها الذي إمتلأ
بالكدمات و الجروح التي غيرت لون بشرتها إلى
العديد من الألوان الزرقاء و البنفسجية…
مد يده دون وعي منه إلى الغطاء ليزيحه عن ذراعيها
مرة أخرى بعد أن غطته كاميليا بارتباك بعد أن
لاحظت نظراته المتفحصة لها التي صرخت :”إبعد عني…متلمسنيش”.
رفع بصره إليها يحذرها ثم عاد يتفحص كتفيها و
يزيح الغطاء عن باقي جسدها و هو يقول ببرود:”
مش حستأذن عشان المس حاجة بتاعتي…
أجابته رغم إرتجافها :” عاوز إيه ثاني مش مكفيك اللي انت عملته فيا إمبارح “.
تجاهلها ما تعنيه و هو يخرج مرهما طبيا من العلبة
ثم أفرغ بعضا منه في كفه قائلا :” داه عقاب بسيط عشان تتعلمي تنفذي أوامري…رفع عينيه لها مكملا :” قربي….
هزت رأسها يمينا و يسارا رافضة ليزفر بملل على
عنادها ثم قال بنفاذ صبر :” لو عاوزة أعيد االي
عملته فيكي إمبارح انا معنديش مانع… قربي… “.
صرح في آخر جملته لتجفل كاميليا و تقترب منه رغما عنها خوفا من تنفيذ تهديده…
إبتسم بغير مرح و هو يوزع المرهم على الكدمات
التي غطت معظم جسدها متفقدا بعض الأماكن
خوفا من وجود رضوض … إنتهى ثم دلف إلى
الحمام ليغسل يديه قبل أن يعود إليها ليجدها قد
إنتهت من إرتداء ملابسها بسرعة قياسية و هي
تتمتم ببعض الشتائم غافلة عن وجوده…
:”حبعثلك الاكل و الدواء مع فتحية.. تاكلي و تنامي، بعد ساعة لو ملقيتكيش نايمة حتتعاقبي”.
هتف بها قبل أن يخرج مغادرا الغرفة لتتنهد كاميليا
براحة و هي تدعو في داخلها ان تتخلص منه في أقرب وقت…..
بعد دقائق سمعت صوت دقات على باب الغرفة تلاه
دخول فتحية و هي تحمل صينية الطعام لتزفر
كاميليا بفتور و هي تتمتم داخلها :” مش ناقصني
غير فتحية…عشان تكمل عليا”.
سارعت إليها فتحية و هي تلطم على صدرها بعد أن
وضعت صينية الطعام على حافة السرير و تقترب
من كاميليا تتفحصها بدقة قائلة بذعر:”يا لهوي يا
مصيبتي…إيه اللي حصلك يا هانم…..
لوت كاميليا ثغرها بحركة مستنكرة لتجيبها
بتهكم :”يعني بجد مش عارفة إيه اللي حصلي…
رمشت فتحية بعينيها عدة مرات قبل أن تقول بنفي
بعد أن أدركت ما تفوهت به :”لا طبعا يا هانم و انا
حعرف منين…انا جبتلك الاكل و الدواء زي ما أمرني
شاهين بيه و لو عاوزة حاجة ثانية انا حساعدك…
تنهدت كاميليا بقهر من كلمات فتحية فقد فهمت ان
شاهين هو من أمرها بعدم الحديث او السؤال عن أي
شيئ لكن فتحية و بما انها فضولية بطبعها لم
تستطع منع نفسها من الثرثرة و التدخل….
نزعت الغطاء من فوقها قبل أن تهتف بصوت
متعب :”مليش نفس لأي حاجة يا فتحية…يا ريت تساعديني عاوزة آخذ شاور….
أومأت لها الأخرى و هي تساعدها على الوقوف مانعة
نفسها بصعوبة من الثرثرة بسبب تنبيه شاهين لها.
خرجت كاميليا بعد دقائق طويلة بعد أن ساعدتها
فتحية على الاستحمام و إرتداء ملابسها…فهي
حرفيا كانت عاجزة عن التنقل او التحرك بمفردها….
تمددت على السرير بعد أن تناولت بعض الأقراص
المسكنة لعلها تساعدها في التخلص من الألم الذي
مازال يحرق جسدها كلما تحركت….
دثرتها فتحية بالغطاء لتنكمش فتحية على نفسها و
تطلق العنان لدموعها التي إنهمرت على خديها
المحمرتين،
تذكرت ليلة البارحة عندما إنتهى منها شاهين و
تركها عارية مغادرا الغرفة دون إكتراث كأي عاهرة
رخيسة لا قيمة لها…
نظرات فتحية المشفقة و هي تتفرس جسدها
المكدوم بعدم تصديق دون أن تتكلم فماتراه أمامها
خير إجابة على جميع تساؤلاتها ….
مرت دقائق قبل أن تغظ في نوم عميق من شدة تعبها.
في المكتب…
تحديدا في غرفة الكاميرات الموجودة داخل مكتب
شاهين و التي تضم عدة شاشات كل شاشة تبين
مايحصل داخل الفيلا و خارجها…
ركز شاهين بصره على كاميليا النائمة ليبتسم بخبث
و هو يتذكر ليلة البارحة و هو يهمهم بتلذذ و كأنه
يتذوق قطعة حلوى شهية:”عمري ما إستمتعت زي
إمبارح….. تستاهل الملايين اللي هي أخذتها كلها”.
إبتسامة مختلة شقت طريقها إلى ثغره قبل أن
يتجرع بقايا كأسه دفعة واحدة و يغادر الغرفة إلى
وجهته المحددة….
بعد عدة ساعات إستيقظت كاميليا على لمسات حنونة تربت على شعرها و ظهرها لتفتح عينيها
ببطئ و تجد ثريا تجلس على كرسيها المتحرك
بجانب السرير… إبتسمت لها قائلة :”مكانش قصدي
أصحيكي بس فتحية قالتلي انك مكلتيش حاجة من
إمبارح و الساعة دلوقتي بقت أربعة العصر….”.
تململت كاميليا في مكانها بكسل تحس بأن جميع
عظامها تئن من الألم و الصداع في رأسها لايحتمل…
أدمعت عيناها و هي ترفع جسدها لتستند بصعوبة
على حافة السرير لتهتف ثريا بشفقة:” بالراحة يا
بنتي جسمك لسه تعبان… انا حنادي لواحدة من
البنات عشان تساعدك “.
أمسكتها كاميليا من يدها قبل أن تستدير بكرسيها
نحو الباب توقفها قائلة بهمس :”مفيش داعي يا ثريا
هانم انا كويسة…
ربتت ثريا على يدها بحنان و هي تجيبها و على
ثغرها إبتسامة حانية :”إنت بقيتي بنتي خلاص فبلاش هانم دي… قوليلي ماما ثريا”.
بادلتها كاميليا ابتسامة خجولة لتستأنف الأخرى
حديثها من جديد :” انا عارفة إني مهما حقلك مش
حقدر أخفف عليكي او انسيكي اللي حصل بس
عاوزاكي تتأكدي إنك من يوم ما دخلتي البيت داه و
انا بعتبرك زي بنتي و ربنا يعلم إني مش راضية على
تصرفات شاهين و إني كل يوم بتخانق معاه
عشانك… تنهدت طويلا قبل أن تضيف…. هو طباعه كده عصبي بزيادة و متحكم و
مش بيحب حد يناقشه في أي حاجة بيعملها حتى
أنا…بس صدقيني هو مكانش كده زمان بالعكس كان
راجل بتحلم بيه أي بنت و مراته عاشت معاه أجمل
أيام حياتها بس بعد كده تغير و بقى زي ما انت
شايفة….انا حاولت كثير أرجعه لطبيعته بس فشلت
بقاله سنين على الحال داه قاسي و مفيش في قلبه
الرحمة….. انا مش بحكيلك عشان أفكرك باللي
قاسيتيه على إيديه….
جففت كاميليا دموعها التي إنهمرت من عينيها و
تهمس :”آسفة غصب عني…”.
تتنهد الأخرى قبل أن تجيبها بضعف :”انا اللي آسفة
عشان مقدرتش أحميكي منه… انا اللي وافقت إنك
تشتغلي هنا رغم إني عارفة إبني كويس و عارفة انه
حيكتشف اللي إحنا عملناه بأي طريقة… انا آسفة يا
بنتي كل اللي حصلك داه بسببي”.
خجلت كاميليا من كلامها فهي تعلم جيدا انها لم تكن
تقصد ذلك لتسارع بالنفي قائلة:” حضرتك ما
تقوليش كده انا عارفة إن كل اللي حصل داه مش
ذنبك… هو بس كده عاوز يعذبني و خلاص بالرغم
من إني و الله معملتله حاجة.. انا مش عارفة اعمل
إيه عشان يسيبني انا عاوزة اروح من هنا… حضرتك
انا مش حقدر استحمل… إنت مش عارفة اللي حصل….”.
تمتمت كاميليا بكلمات مبعثرة غير مرتبة لتصف ما
تشعر به لثريا لعلها تساعدها و تنفذها في الخروج
من جحيم إبنها قبل أن تنفجر في بكاء مرير و هي
تحيط جسدها بيديها عندما تذكرت ليلة البارحة…..
ضغطت ثريا على زر الكرسي المتحرك حتى تقترب
منها أكثر و هي تربت على ساقيها من فوق الفراش
لتنظر لها كاميليا بتحفز ظنا منها انها شخص آخر و
قد إختلطت ذكرياتها بواقعها لتبعد ثريا يدها و على
وجهها علامات الخوف بعد أن فهمت ما تمر به….
أدارت كرسيها المتحرك لتغادر الغرفة بحزن على ما
رأته فكما توقعت، حالة كاميليا النفسية بدأت تسوء
و قد تلجأ إلى إستدعاء طبيبة نفسية لإصلاح ما أفسده إبنها….
طلبت من فتحية إحضار هاتفها لتتصل بعمر و تستدعيه للحديث معه.
__________________________
في فيلا البحيري…
ل
فت ليليان حجابها الأبيض حول وجهها بإحكام و
ه
ي تمط شفتيها لتعدل أحمر الشفاه الذي وضعته
على شفتيها إستعدادا للنزول إلى الاسفل…
نزلت الدرج و هي تدندن بأغنية ما وصلت إلى
الصالون لتجد زوجة عمها كايمان تترشف قهوتها الصباحية المعتادة….
ليليان بمرح :”صباح الخير يا طنط…إيه الجمال داه
كله هو انت كل بتحلوي أكثر ليه ها…. مش ناوية
تقوليلي على سرك دا انا لولو حبيبتك”.
كاريمان بضحك :” يا بكاشة انت مش حتبطلي
حركاتك دي… و بعدين إنت ليه نازلة لوحدك .. فين
جوزك؟؟”.
قلبت ليليان عينيها بملل قبل أن تهتف:” راح المستشفى من بدري… قال إنه زهق من قعدة البيت
و عاوز يطمن على الشغل “.
نظرت لها كاريمان بتعجب و هي تضع فنجان القهوة
فوق الطاولة :” إزاي يروح الشغل و انتوا لسه في
شهر العسل؟؟؟
مطت ليليان شفتيها بسخرية قائلة:” شهر عسل إيه
بس يا طنط داه كان زمان الكلام داه هو في حد
النهاردة بيقضي شهر عسل كامل داه هو بالكثير
أسبوع و بعدين بيرجعوا لايامهم العادية و بعدين ما إحنا سافرنا انا و أيهم “.
كاريمان :” آه سافرتوا بس رجعتوا بسرعة عشان
فرح شاهين داه ما يعتبرش شهر عسل انتوا لازم
تسافروا ثاني…”.
أخفت ليليان ضيقها من كلام زوجة عمها فهي طبعا
لا تريد السفر ثانية و البقاء مع أيهم طوال الوقت و قد فرحت كثيرا عندما أخبرها
أيهم بضرورة العودة إلى مصر لحضور زفاف
صديقه لتجيبها:” مفيش داعي للسفر ثاني اصلا أيهم رجع الشغل خلاص و انا كمان كلها اسبوع و حرجع
شغلي”.
كاريمان باعتراض:” إنتوا لسه عرسان ليه مستعجلين على الشغل….باريس حلوة ممكن تكملوا شهر العسل هناك او تروحوا تركيا…”.
قاطعتها ليليان برفق محاولة تغيير الموضوع:”هي أميرة راحت فين يا طنط؟؟
أشارت لها كايمان بيدها بلامبالاة و هي تقول :”انتوا حرين.. انا مالي عنكوا ما سافرتوا الإثنين أعند من بعض… أميرة خرجت من بدري مع سيف راحوا النادي..”.
ليليان بضيق :”اووف يا ريتني رحت معاهم.. أصلي زهقت بقالي يومين قاعدة في البيت مش بعمل حاجة”.
كاميليا بسخرية :”طبعا لازم تزهقي عشان المفروض واحدة مكانك كان زمانها في باريس و الا في دبي”.
إبتسمت لها الأخرى إبتسامة صفراء قبل أن تستأذن قائلة :” عن إذنك يا طنط انا رايحة المطبخ حقول لسنية تحضرلي الفطار… “.
إتجهت إلى المطبخ و هي تتذمر بداخلها من زوجة عمها التي لا تعلم شيئا عن حياتها و تصر على لومها و عتابها غافلة عن تصرفات إبنها التي حولت حياتها إلى حجيم متواصل….
________________________
إبتسمت وفاء (سكرتيرة أيهم) و هي تضع الملفات قائلة :”دي كل الملفات اللي حضرتك طلبتها يا دكتور… تأمرني بحاجة ثانية؟؟”.
أيهم بعدم إهتمام و هو يفتح اول ملف:”أطلبيلي الدكتورة هند خليها تيجي دلوقتي”.
أومأت وفاء برأسها و هي تقول :”أمرك يا دكتور….عن إذنك”.
أغلقت الباب ورائها ثم إتجهت إلى مكتبها لتقوم بعملها و هي تهمس بداخلها بحقد:” يخربيت جماله كل يوم بيحلو على اليوم اللي قبله
انا مش عارفة قمر زيه قبل يتجوز اللي إسمها ليليان دي إزاي…بس هو رجع بسرعة داه بقاله عشرة متجوز.. اكيد زهق منها دي كئيبة و دمها ثقيل…يا ريت يطلقها… أحسن عشان مش لايقة عليه….
جلست على مكتبها ثم أخذت الهاتف لتطلب عدة أرقام و تستدعي الدكتورة التي أخبرها عنها أيهم منذ قليل….
مرت عدة دقائق قبل أن تأتي هند و هي طبيبة مختصة في جراحة القلب و الشرايين مجتهدة جدا في عملها و طموحة حتى انها تمكنت من أن تصبح رئيسة قسم أمراض القلب بالمستشفى منذ العام الأول من إلتحاقها بالعمل هنا و هي أيضا إمرأة جميلة تبلغ من العمر 31 سنة مطلقة منذ سنتين بعد زواج دام أربعة سنوات و إنتهى بالطلاق بسبب مشاكل مع زوجها…..
هزت وفاء رأسها من على شاشة حاسوبها لتتأملها ببطئ
طويلة القامة بجسد ممشوق ترتدي تنورة عملية قصيرة باللون الأبيض تصل إلى تحت ركبتيها و قميص ازرق سماوي خفيف رغم برودة الطقس و حذاء بكعب عال…
أشارت لها وفاء بيدها لتدخل إلى المكتب ثم تعود لإكمال عملها بتذمر:”مش ناقص غير العقربة دي عشان تكمل تلف عليه.. انا بقالي سنتين هنا و مالقيتش و لا فرصة عشان اتقرب فيها منه كل يومين بتلف عليه واحدة…و في الآخر إتجوز طول عمره حظك زفت يا وفاء…..اوورف عاوز إيه داه كمان”.
في الداخل
وضع أيهم سماعة الهاتف بعد أن طلب فنجان قهوة لهند و يعود للحديث معها :”
دكتورة هند انا كنت واثق من إختياري لما كلفتك بإدارة المستشفى في غيابي إنت و الدكتور ضياء…”.
إبتسمت هند و هي تعيد خصلات شعرها الشقراء إلى الوراء قائلة:” داه واجبنا يا دكتور أيهم و بعدين إحنا معملناش حاجة عشان حضرتك كنت مرتب كل الأمور قبل ما تسافر”.
أومأ لها أيهم ثم فتح ملفا ما و قربه منها ثم قال و هو يشير بإصبعه إلى رسومات ما في الورقة:” طيب… داه مخطط عشان قسم الأمراض النفسية اللي ناويين نزيده في المستشفى..الاسبوع اللي جاي إنشاء الله حنبتدي الأشغال عاوزه يكون جاهز في أقرب وقت “.
هند و هي تتفرس الصور و المخطط :”واضح إن المبنى حيكون كبير اوي داه تقريبا حيضم خمسين أوضة….
أيهم مؤيدا :”أيوا فعلا انا مش عاوزه يكون أقل من الأقسام الثانية داه غير الطلبات الكثيرة اللي جاتنا من ناس كثير اول ما سمعوا إني حضيف قسم الأمراض النفسية للمستشفى “.
هند بفخر:” طبعا يا دكتور…دي مستشفى البحيري يعني داه شيئ طبيعي”.
إبتسم أيهم لقولها ثم جمع الأوراق و أعادها مكانها قبل أن يسمع طرقا على باب المكتب.
سمح لوفاء بالدخول لتضع فنجان القهوة أمام هند و هي تخفي ضيقها لوجودها….
إرتشفت هند قهوتها قبل أن تهتف باستدراك:” انا نسيت أسأل حضرتك…هو انت حتقدر تيجي بكرة عشان الإجتماع الشهري لرؤساء الأقسام”.
أيهم :”أيوا طبعا داه إجتماع مهم جدا خصوصا المرة دي علشان موضوع القسم الجديد…”.
هند بتردد :”بس حضرتك لسه في إجازة…”.
أيهم بلا مبالاة :”لا خلاص انا أجلت الاجازة…عشان عندي شغل كثير و لازم اكون موجود هنا… تقدري تتفضلي على شغلك دلوقتي “.
هند بتذكر:”دكتور أيهم انا كنت بعتلك ملفات ثلاث مرضى منهم طفل عمره خمس سنين دول محتاجين عمليات جراحية مستعجلة بس للاسف هما مقدروش لحد دلوقتي يدفعوا كامل تكاليف عملياتهم….
قاطعها أيهم و على وجهه علامات الضيق:”و لما هما مش قادرين يدفعوا التكاليف حضرتك قبلتيهم ليه في المشفى”.
هند بخبث:”حضرتك داه الدكتور ضياء هو اللي أمضى على قرار دخولهم تقدر تتأكد من دا بنفسك… انا لما تكلمت معاه قالي انه متأكد من قراره و إنه هو بنفسه اللي حيشرف عليهم…بس انا قلتله إننا لازم نستشير حضرتك قبل مانعمل الخطوة دي بس مرضيش و قال ان هو اللي حيكون مسؤول قدامك”.
دلك أيهم جبينه بإرهاق قائلا :” طيب مفيش مشكلة أنا حبقى أتكلم معاه.. تقدري تتفضلي دلوقتي “.
رمقته هند بنظرة شاملة قبل أن تغادر المكتب و في رأسها عدة أفكار عزمت على تنفيذها.
___________________________
ليلا في شقة أيهم الخاصة….
إجتمع الأصدقاء الثلاثة كعادتهم لقضاء السهرة لكن هذه المرة مختلفة فقد منع شاهين حضور النساء مما ضايق أيهم الذي كان يترشف كأسه بتذمر….
:”هو انا جاي هنا ليه؟؟ طالما مافيش بنات يحلوا السهرة”.
ضحك عمر علي صديقه قبل أن يجيبه:”يا إبني إرحم نفسك بقى إنت بقيت راجل متجوز…. يعني أيام الشقاوة و العك خلاص راحت لحالها”
مط أيهم شفتيه متمتما بعدة شتائم قبل أن يصرخ بصوت عال قليلا حتى يسمعه شاهين الذي كان يحضر زجاجة مشروب أخرى من الداخل :” لا ياعم الكلام داه يتطبق على الشيطان اللي جوا انا مليش دعوة…انا راجل حر و حبقى طول عمري كده… “.
صفعه شاهين على رأسه بمزاج عندما كان مارا بجانبه متجها إلى كرسيه قائلا :”قصدك إيه يا دكتور…
ايهم بتذمر:” قصدي إن حضرتك تجوزت و قررت إنك مش حتجيب بنات ثاني لسهراتنا… طيب داه قرارك إنت و انت حر فيه… انا ذنبي إيه”.
رمقه شاهين بجمود قبل يتحدث بصوت صارم :” ذنبك إنك خلاص بقيت راجل متجوز يعني الحاجات اللي إنت كنت عاوزها من البنات دي بقت عندك.. إنظف بقى و بلاش قرف. ”
أيهم بانزعاج:” انا حر يا أخي إنت مالك…. انا بموت في القرف داه و عاوز أستمر فيه ملكوش دعوة بيا.
أشار له شاهين بيده غير مبال فهو يعلم طباع صديقه العنيد و لن يستطيع تغييره مهما قال له… اما عمر فقد حاول التدخل بعد أن لاحظ توتر الأجواء بينهما قائلا :”إهدوا بقى في إيه…أيهم معاه حق كل واحد حر في نفسه سيبه يعمل اللي هو عاوزه.. أكيد حييجي يوم و يقتنع بغلطه لوحده”.
إبتسم شاهين باستهزاء قائلا :”بعد عمر طويل إنشاء الله…صاحبك داه الستات بتجري في عروقه بدل الدم و مستحيل حيتغير.. مش بعيد تلاقيه في دماغه واحدة جديدة “.
عمر بنفي:” تؤ مش للدرجة دي داه لسه عريس “.
شاهين بسخرية :” و إيه يعني… ؟”
قاطعها أيهم قائلا بعصبية:”بطلوا تتكلموا عليا و كأني مش موجود…و إلا أقلكم انا رايح… سهرتكم بقت مملة بجد “.
اوقفه عمر هاتفا بكذب :” أقعد بس رايح فين…إحنا بقالنا كثير مقعدناش مع بعض دي حتى شقتك و إحنا اللي ضيوف…
جلس أيهم مرة أخرى تحت إصرار عمر الذي تمسك به بقوة ليقنعه بالمكوث :”قريب جدا انا كمان حتجوز و ساعتها مش حعبركم….
شاهين باهتمام :” أنا نسيت أسألك… عملت إيه في موضوعك “.
هز عمر كتفيه بيأس مردفا بقلق ظهر جليا في عينيه :” و لا حاجة…. ابوها ضربها و حبسها في البيت و انا مقدرتش أتدخل…كل أما أجي أعمل حاجة تمنعني… خايفة من الناس إنهم يعرفوا بللي بينا و مستحملة قسوة أهلها و اللي بيعملوه فيها… بس انا مش حسكت و لو إضطريت إني أخطفها”.
شاهين ببرود :”طيب مستني إيه؟؟؟
عمر :”مستني هبة توافق…و انا حخطفها و نتزوج على طول….
أيهم بضحك :” داه إنت واقع بقى… “.
عمر دون خجل :” هبة هي حب حياتي انا عمري ما حبيت بنت غيرها…كل يوم بيمر عليا و كأنه سنه و هي بعيد عني…خصوصا و انا عارف إنها دلوقتي بتعاني بسببي….
شاهين :”روح لأبوها و إتكلم معاه و لو ماوافقش خذها غصب عنه… داه أكيد زمانه بيفكر يجوزها لواحد ثاني انا عارف دماغ الناس اللي زيهم مش بيفكروا غير في سمعتهم و مكانتهم بين جيرانهم “.
قبض عمر على كأسه بقوة و قد أثرت به كلمات شاهين فهو لا يستطيع حتى تخيل ان تكون حبيته لرجل آخر غيره ليهتف بإصرار :” مستحيل… انا عمري ما حسمح لحاجة زي دي إنها تحصل…هبة حتبقى مراتي و لو إضطريت إني اقتل ابوها…. انا أصلا مستحلفله عشان مد إيده عليها و ضربها”
إبتسم شاهين باستهزاء و قد تذكر ما فعله البارحة مع زوجته المسكينة قبل أن ينتبه لايهم الذي قال محدثا عمر بثقل و قد بدأ يظهر عليه بوادر الثمالة:”بكرة حتتجوزها و تزهق زينا كده…إنت مش شايف صاحبك داه بقاله يومين متجوز… الظاهر إن مراته طلعت نكدية بالرغم من إنها حلوة اوي و أي راجل …
لم يكمل أيهم كلامه بسبب لكمة قوية من قبضة شاهين أطاحته أرضا بسبب ضعف جسده الذي كان تحت تأثير المشروب….
أمسكه شاهين مجددا من مقدمة قميصه ليرفع جسده المترنح قليلا عن الأرض و يصرخ فيه قائلا بصوت محذر:”إياك تجيب سيرة مراتي على لسانك… إلا مراتي يا أيهم إنت عارف إنها خط أحمر … انا بحذرك مش حرحمك حتى لو كنت أعز أصحابي”.
أسرع عمر إليه ليزيحه عنه و قد تفاجأ من هجوم شاهين المفاجئ عليه :”ياعم سيبه داه سكران و مش عارف هو بيقول إيه اصلا…. أكيد مش قصده اللي هو قاله….
رماه شاهين على الارضيه ثم إستقام من مكانه و هو ينظر لعمر بعيون حالكة من شدة الغضب :”فهمه يا عمر…. المرة الجاية مش حيفلت من إيدي سليم..انا مش زيه… اي راجل حيتكلم على مراتي حدفنه”.
أومأ له عمر بإيجاب محاولا تهدئة غضبه و هو يتجه لإسناد أيهم الذي كان في عالم آخر بسبب شربه لزجاجة كاملة من المشروب و هذه ليست من عادته…. وضعه علي الاريكة ثم سارع إلى شاهين الذي كان يرتدي معطفه إستعدادا للمغادرة و هو يتمتم :” أيهم الغبي بوز كل حاجة…. انا إزاي ححيبله سيرة الموضوع اللي كلمتني عليه طنط ثريا دلوقتي داه مش بعيد يكمل عليا، احسن حاجة أخليه لبكرة… شاهين إستني إنت رايح فين؟؟؟
نزل شاهين الدرج بخطوات غاضبة غير مبال بنداءات عمر الذي يئس من اللحاق به و عاد إلى داخل الشقة للاطمئنان على أيهم….الذي إستسلم لنوم عميق على الاريكة.
إستيقظ أيهم صباحا يكاد رأسه ينفجر من شدة الألم
فرك رقبته المتشنجة بسبب نومه الخاطئ على الاريكة ثم تجلس في مكانه و هو يتطلع حوله باستغراب ليجد نفسه في شقته….
فوضى عارمة تعم المكان… قوارير الخمر مرمية بإهمال على الطاولة… المنفضة مملوءة بأعقاب السجاير…أطباق الطعام هنا و هناك….
أغمض عينيه شاتما بضيق عندما تذكر ما حصل البارحة…قبل أن يتمتم بخفوت:”اووف إيه اللي انا عملته داه… زمانه زعلان مني….. وقف من مكانه مستندا على ذراع الاريكة ليترنح في وقفته حتى كاد يقع لو لا تمالك نفسه في آخر لحظة ليصرخ بغضب :” يلعن ابو… على اللي بيشربوا……
توجه بخطوات مترنحة ناحية أحد الإدراج ليبحث عن علبة المسكن، تناول قرصين و كأس ماء ثم تابع سيره
إلى الحمام لينعم بشاور دافئ حتى يريح عضلاته المتشنجة و يزيح عنه آثار الثمالة….
خرج بعد عدة دقائق و هو يلف منشفة كبيرة على نصفه السفلي و اخرى فوق رقبته… جلس على حافة السرير ثم أخذ هاتفه ليجد عدة إتصالات من عمر و ووالدته و إخوته …
زفر بحنق و هو يتلاعب بخاتم زواجه قائلا بهمس :”طبعا… تلاقيها ماصدقت خلصت مني….و الله لربيكي يا ليليان و اخليكي تندمي على كل اللي بتعمليه معايا….
أجرى عدة إتصالات خاصة بالعمل قبل أن يقف و يرتدي ملابسه المكونة من بنطال أسود و قميص أسود يعلوه معطف شتوي باللون البيج.
اخذ مفاتيحه و متعلقاته الشخصية ثم القى نظرة أخيرة في المرآة على مظهره قبل أن يغادر الشقة ليتوجه إلى الفيلا و هو يفكر في الكلمات المناسبة التي سيقولها لشاهين حتى يغفر له فعلته ليلة البارحة….
في الفيلا….
رمقت ليليان حماتها و هي تنظر للمرة الالف إلى ساعتها الفاخرة التي تزين معصمها بحنق قبل أن تكمل تناول فطورها بلامبالاة فكريمان منذ الصباح الباكر و هي توجه
لها عديد الاتهامات بعدم إهتمامها و إهمالها لزوجها و تسببها في عودته إلى العمل و المبيت خارجا بالرغم من مرور مدة قصيرة على زواجهما…..
إلتفتت إلى إبنها محمد الذي كان يجلس على يمينها على طاولة الطعام قائلة :” محمد أتصل بأخوك ثاني… خلينا نشوف راح فين و ليه مش بيرد على تليفونه؟؟
محمد بملل:” يا ماما أديكي قلتيها مش بيرد على تليفونه و بعدين زمانه جاي في الطريق او رايح المستشفى… انا الصبح كلمت عمر و هو قلي إنه خلاه إمبارح نايم في شقته “.
لوت كاريمان فمها قائلة بسخرية :”لسه عريس مكملش عشرة أيام جواز و نايم برا بيته…
لم تتحمل ليليان تلميحاتها لتجيبها ببراءة مزيفة :”ماهو قلك إمبارح سهران مع أصحابه….و إنت عارفة أيهم يا طنط قد إيه بيحب أصحابه”.
قطع حوارهم صوت أيهم الذي دخل إلى غرفة الطعام و هي يلقي التحية :” صباح الخير جميعا…”.
توجه إلى والدته ليقبل جبينها و هو يبتسم لمعاتبتها له قائلا :”يا ماما يا حبيبتي هو انا عيل صغير عشان تقلقي عليا كده… انا كنت سهران مع شاهين و عمر في شقتي و بعدها نمت و محستش بنفسي غير الصبح و تليفوني كان في الوضع الصامت….”.
كاريمان بعتاب :” طيب المرة الجاية طمني عليك و قول إنك حتنام برة البيت…”.
محمد بمرح:” ياماما أيهم بقى متجوز يعني بطلي قلق و أسئلة… دي بقت مهمة مراته “.
رمقته والدته بغيظ قبل أن تحيبه:” ولد… بطل تستفزني كده…..
إستغل أيهم إنشغال باقي أفراد العائلة بحوار أمه و أخيه ليميل و يسرق قبلة من خد ليليان و يهمس في اذنها بصوت خافت لم يسمعه سواهما :” وحشتيني…. “.
بادلته ليليان إبتسامة صفراء و هي تحرك كتفيها حتى يزيح يده من عليها لكن ذلك لم يزده إلا إصرارا….لتستسلم هي و تعود لتناول إفطارها بعدم إهتمام بأيهم الذي كان يسترق النظرات إليها من حين إلى آخر.
قاطع حربهما الباردة محمد الذي إستأذن للإلتحاق بعمله حيث كان يمتلك مركز تدريب للألعاب الرياضية المختلفة….لتخرج معه أميرة التي أصرت على أن يوصلها لجامعتها بدل أخيها سيف…..
بعد الانتهاء من طعام الإفطار…جلست كاريمان مع إبنها و زوجته في صالون الفيلا بعد ان خرج باقي العائلة كل واحد منهم إلى وجهته….
كاريمان بسخرية من أيهم الذي يحتضن ليليان رغما عنها و يرفض الإبتعاد عنها :”اللي يشوفك و إنت لاصق في مراتك كده ميصدقش إنك إمبارح نايم برا البيت بعيد عنها…”.
قهقه أيهم بصوت عال على كلام والدته و هو يلف ذراعه على كتف ليليان التي أخفت وجهها داخل أحضانه من شدة خجلها ليؤكد أيهم كلام والدته قائلا :”عندك حق يا ماما… مش عارف انا عملت كده إزاي… بس ملحوقة انا أصلا جيت عشان أعوض ليلة إمبارح…..
تعالت ضحكته من جديد بعد أن سمع صوت شهقة خافته من تلك القابعة داخل أحضانه و هي تضربه على صدره ليضمها بقوة بذراعيه تحت انظار والدته التي شاركته ضحكه و هي تتمنى دوام سعادته…
________________________
في فيلا الألفي ….
صرخت كاميليا بفزع بعد أن فتحت عينيها ووجدت شاهين يجلس مقابلها على حافة السرير و هو يتأمل ملامحها النائمة…
إرتجفت و هي تضع يدها مكان قلبها الذي يكاد يسقط من مكانه من شدة الخوف،
أدارت عينيها حولها بقلق و هي تنتظر ما سيقوم به
إرتسمت إبتسامة ساخرة على شفتيه و هو يقترب منها مراقبا ملامحها الخائفة بتسلية….
مد أصابعه ليبعد خصلات شعرها عن وجهها المليئ بالكدمات و الجروح و يتأمله بدقة….
قضمت كاميليا شفتيها بتوتر و هي تطرق برأسها للأسفل دون أن تتكلم….إبتعد عنها شاهين بعد لحظات بملامح جامده لا تفسر و هو يقول :”قومي غيري هدومك عشان ننزل تحت”.
أومأت له بإيجاب و هي تزيح الغطاء من فوقها و تنزل من الجهة الأخرى السرير بعيدا عنه…مرت بجانبه بخطوات سريعة رغم تعبها لتتجه إلى الحمام لتقوم بروتينها اليومي و ترتدي ملابسها بسرعة….
إستند شاهين على سور الشرفة الخارجية الجناح ليتأمل جمال الحديقة الشاسعة بألوانها الطبيعية المنعشة زفر بحنق عندما تذكر كلام صديقه أيهم ليلة البارحة ليقبض كفه على هيئة لكمة و هو يتمنى لو كان أمامه الان لانهال عليه ضربا حتى لا يتجرأ مرة أخرى و يذكر إسم كاميليا على لسانه…
لكم الحائط الزجاجي عدة مرات و هو ينفي تلك الافكار المسمومة التي إحتلت دماغه فجأة…هل من الممكن أن أيهم قد أعجب بزوجته… و يريد سرقتها منه خاصة و أنه يعلم حقيقة زواجه الفاشل من إبنة عمه….
زمجر بغضب و هو يتذكر جمالها الفتان ليلة الزفاف مما جعلها حديث الجميع حتى الآن…. شتم نفسه على غبائه لانه تركها تظهر أمامهم كان من المفترض أن يقيم حفل زفاف خاص لا يحضره سوي عائلته و عائلتها…
قاطعت شكوكه بخروجها من غرفة الملابس و هي ترتدي فستانا بسيطا باللون الأحمر و فوقه معطف باللون الأسود بسبب شعورها بالبرد، تأملها لثوان قبل أن يتحدث بصوت خشن :”كالعادة خروج من الفيلا ممنوع و لمي شعرك بلاش تسيبيه مفرود كده….”.
مررت كاميليا يدها على شعرها دون وعي منها قبل أن تهتف بتقطع :”مقدرش.. عشان…”
أشار لها بسبابته لتصمت بعد أن فهم انها تتعمد ترك شعرها منسدلا حتى تخفي الكدمات و الجروح المنتشرة على وجهها و رقبتها و التي ظهر أغلبها و التي لم تستطع مساحيق التجميل إخفائها.
تناول الجميع فطورهم و مكث بعدها شاهين بعض الوقت يلاعب فادي قبل أن يغادر الفيلا
لتتنفس كاميليا الصعداء بعد أن شعرت و كأن صخرة كبيرة كانت تكتم نفسها دون رحمة و إنزاحت عنها لمجرد ذهابه … و تبقى هي مع ثريا و فادي الذي فرح كثيرا برؤيتها و أصر على اللعب معها.
لاحظت ثريا شرود كاميليا و تحديقها المتواصل في الحديقة من وراء الزجاج الفاصل لتقترح عليها الخروج و التنزه قليلا حتى تشتنشق بعض الهواء النقي…. رفضت كاميليا في بادئ الأمر و هي تتذكر تحذيرات زوجها لها على عدم الخروج من الفيلا لكن ثريا اقنعتها قائلة :”يا بنتي إحنا حنطلع الجنينة هنا يعني مش حنخرج من باب الفيلا… إنت محتاجة تشمي شوية هواء نقي و كمان منظر النباتات و الورد حيهدي أعصابك شوية… إنت من وقت ما جيتي و إنت محبوسة أوضتك “.
إستسلمت كاميليا لأصرار ثريا لترافقها هي و فادي إلى الخارج…..
ما إن وطئت قدمها خارج الفيلا حتى أخذت نفسا عميقا مشبعا برائحة الورود والتربة الندية لتبتسم بفرح و هي تشاهد الطبيعة الخضراء أمامها انواع كثيرة من النباتات و الورود منتشرة هنا و هناك تتراوح ألوانها بين الأحمر و الأخضر و البنفسجي و الأصفر.. ألوان متناسقة تريح العينين و تلقي بهجة في النفوس، تبعت ثريا و هي تسير بكرسيها المتحرك حتى وصلوا إلى مكان جلوسهم أرائك خشبية بيضاء تنافرت مع ألوان الحديقة…
بعد ساعة من اللعب و الجري في أرجاء الحديقة، جلست كاميليا على الكرسي الخشبي تلتقط أنفاسها بصعوبة و هي تسمع ضحكات فادي المرحة الذي ألقى بنفسه داخل أحضان كاميليا لتتلقفه الأخرى و هي تبتسم له بحنان بعد أن قدم لها وردة حمراء قائلا :”الوردة دي ليكي يا مامي…. انا إخترتها حلوة زيك عشان إنت حلوة اوي….انا بحبك اوي اوي يا مامي “.
كاميليا و هي تقبله قبلة طويلة على وجنته الحمراء المكتنزة :”و أنا بحبك أكثر يا روح مامي…”.
تعلقت ثريا أعينيها بحفيدها الذي كان في غاية السعادة و الفرح و هو يحتضن كاميليا بين الحين و الاخر و كأنه لا يصدق وجودها بعد سنوات من الوحدة و اليتم…نزلت دمعة من عينيها لتمسحها بسرعة دون أن يتفطنا لها و هي ترفع رأسها لفتحية التي أتت تسألها :” ثريا هانم الغداء جاهز تحبي أجيبه هنا؟”.
ثريا بصوت مهزوز :”أيوا يا فتحية هاتيه هنا و هاتي حبتين مسكن معاكي …”.
أومات لها الخادمة ثم غادرت لتفعل ما أمرتها به…لتعود الأخرى لمراقبة حفيدها و زوجة إبنها التي بدأت تظهر عليها علامات التعب إلا أنها كانت تمتثل لطلبات الصغير الملحة للعب معه لتنهرة قائلة :”فادي سيب مامي عشان ترتاح… إنت بقالك ساعتين و إنت بتتنطط هنا و هنا…و دلوقتي لازم ترتاح شوية و بعد الغداء إرجع إلعب براحتك”.
زم الصغير شفتيه بحنق و هو يجيبها ببراءة :”بس انا عاوز العب مع مامي بقالي كثير مش شفتها…هي حترجع تختفي في أوضة بابي من ثاني و مش حتطلع تلعب معايا “.
إتسعت عيناها برعب و هي تناظر الصغير بدهشة لم تكن تعلم أنه يفهم و يعرف كل مايدور حوله رغم تجنب الجميع الحديث في وجوده لتتدارك ثريا نفسها و تنهره بلطف:” لا يا حبيبي مامي كانت تعبانة شوية عشان كده هي كانت نايمة على طول اليومين دول “.
فادي بتساؤل :” طيب و ليه مش تنام معايا زي زمان..”.
توترت كاميليا وهي تنظر إلى حماتها التي كانت تبادلها نفس النظرات الحائرة بسبب تساؤلات فادي الغير متوقعة…لم تستطع إجابته و إكتفت بضمه إليها فكيف ستشرح لطفل صغير انها أصبحت زوجة والده و انها لم تعد تلك المربية البسيطة التي تعتني به… كيف ستشرح له سبب مكوثها داخل غرفتها و سبب تلك الكدمات و الجروح التي كانت تغطي جسدها و لفتت إنتباهه لدرجة انه سألها عنها عدة مرات منذ الصباح و لكنها كانت في كل مرة تتعمد تجاهله و تشغله بأمر ما حتى ينسى…..
أفاقت من شرودها على صرخة فادي و هو يرى فتحية و زينب تدفعان طاولة الطعام المتحركة نحوهم ليهتف بحماس:”انا عاوز مامي تأكلني”.
أومأت له كاميليا و هي تقف لتساعد الفتيات على وضع الصحون فوق الطاولة قائلة :”طبعا يا حبيبي بس الاول تعالى نروح نغسل إيدينا كويس و بعدين نيجي ناكل اللي إحنا عاوزينه”.
قفز فادي من مكانه ليمسك بيدها الممدودة و يتبعها حتى غابا داخل الفيلا…..
بعد تناول الغداء الذي إستغرق حوالي ساعتين بسبب تعمد فادي التدلل على كاميليا و مشاكسها حتى ينعم أكثر بحبها و حنانها فهو لم يرض تناول الخضراوات إلا بعد أن إشترط عليها ان تضعه فوق ساقيها و تطعمه رغم معارضة جدته التي كانت تريد تعليمه ام يعتمد على نفسه.
إستلقى الصغير على الاريكة الطويلة بعد أن وضعت كاميليا بعض الوسائد تحته اما رأسه فقد وضعه على حجرها لتمسد بيديها شعره الغزير بعد أن غطته بمعطفها…ليداهمه النعاس بسرعة و يغفو…
تكلمت ثريا بعد أن لاحظت ملابس كاميليا الخفيفة قائلة :”الجو بارد و إنت لابسة فستان صيفي مينفعش كده يا بنتي حتمرضي”.
حدقت كاميليا بفستانها الأحمر القصير دون إهتمام ثم أجابتها :”بالعكس الجو حلو اوي ياريت لو أفضل في المكان داه على طول”
جالت الأخرى بعينها أرجاء الحديقة قبل أن تعود و تترشف كوب الشاي متمتمة:”أيوا فعلا حلو اوي بس إيه رأيك نروح المزرعة…المكان هناك اكبر و أحلى”.
:”أيوا فعلا احلى بكثير….
تشدقت كاميليا بزيف و هي تلوي فمها بسخرية بعد أن تذكرت تلك الحيوانات المفترسة (اللايجر) التي رأتها عندما ذهبوا إلى المزرعة …
إلتفتت إلى ثريا التي صدحت ضحكتها على مظهرها حيث بدت و كأنها ترى تلك الحيوانات فعلا أمامها لتقول لها :”فعلا شاهين إبني ذوقه فريد بيحب يملك الحاجات النادرة… و السنة اللي فاتت جاب الحيوانات دي من جنوب أفريقيا.. حتى أنه دفع فيهم مبلغ خيالي و صمم انه يربيهم في المزرعة….”.
كاميليا بعفوية:”فعلا يا ثريا هانم ….إبنك بصراحة غريب اوي…انا…..
سكتت كاميليا فجأة عن الحديث عندما تسللت إلى أنفها رائحة عطر مألوفة مختلطة برائحة السجائر إلتفتت ورائها برعب لتجد شاهين يحدق بها بنظرات قاتمة تكاد تقتلها مكانها…
تعالت أنفاسها و إستحال وجهها إلى اللون الأحمر من شدة توترها لتغمض عينيها بقوة و تركز سمعها على خطواته التي كانت تقترب منها ببطئ ….
فتحت عينيها الزرقاء لتجده يقف أمامها بجسده الضخم و يتفرس كل تفصيلة منها بعينيه الحادتين… بدت كلوحك فنية بديعة بفستانها الأحمر القصير الذي عكس جمال بشرتها النقية و شعرها المنسدل على كتفيها كشلال مياه عذبة يخفى بعضا من ملامح وجهها الطفولي البريئ الذي لم يخلو من بعض الكدمات التي تلونت باللونين الأزرق و البنفسجي،إبتسامتها العذبة التي إختفت حال رؤيته…
إنحنى نحوها متجاهلا نداءات والدته التي سارت بكرسيها المتحرك لتقترب منه قائلة :”شاهين…. أنا اللي خليتها تنزل الجنينة هي و فادي.”.
إستقام شاهين في وقفته بعد أن سمع كلام والدته و بصره مازال مركزا على كاميليا التي كادت ان تتجمد مكانها… تعلم جيدا ان هذه الليلة لم تمر على خير و قد تكون الأسوأ من بين أيام زواجها القليلة…نظراته الحارقة المصوبة تجاهها تروي سوء غضبه الذي لم تفهم سببه حتى الآن…
مررت كفها بتوتر على شعر فادي الذي كان لايزال نائما بجوارها…ليتململ الصغير قليلا ثم يعود إلى النوم من جديد….
إلتقطه والده بخفة بين ذراعيه و هو يهتف بنبرة خشنة آمرة:”إلحقيني على الأوضة دلوقتي”.
تبعته بخطوات سريعة و هي تفرك ذراعيها بتوتر و هي تتمنى داخلها ان يحن قلبه هذه المرة و يرحمها… على الاقل حتى يتعافى جسدها من عقاب المرة الماضية…
دلفت إلى غرفة النوم بخطوات مترددة كم يخطو إلى غرفة إعدامه…وجدته يقف أمام الحائط الزجاجي للشرفة المغلقة و هو ينظر إلى نقطة وهمية من يراه يظن أنه شارد إلا أنه مركزا بقوة على كل مايحدث حوله….
:”إمتى خرجتي من الفيلا؟؟”.
حركت كاميليا يديها بسرعة تنفي ماقاله :”لا انا ماخرجتش من الفيلا انا كنت بس في الجنينة و ثريا هانم هي اللي طلبت مني إني أطلع.. عشان….. عشان فادي”.
تلعثمت في آخر كلماتها ليطلق شاهين صوتا ساخرا من شفتيه قبل أن يعيد سؤالها مرة أخرى و بصره مازال مثبتا على تلك النقطة :”إمتى…. خرجتي… من الفيلا؟؟ “.
أعاد صيغة سؤاله مرة أخرى بنبرة بطيئة و قد حرص على الضغط بنطقه على كل كلمة لتسارع كاميليا بالإجابة من جديد و قد بدأت دموعها بالهطول دون وعي منها:”من الساعة عشرة….
إلتفت إليها أخيرا ليسير مقتربا منها حتى وصل أمامها لايفصلهما سوى بضع إنشات… لم يمنع نفسه من تأمل وجهها الجميل الذي يكاد يفقده صوابه كل مرة يراها فيها لكنه دائما يجبر نفسه على إرتداء قناع الجمود و تجاهل عواطفه حتى لا يعيد خطأه مرة أخرى…يريدها سجينة قدمها لا تطأ خارج باب الفيلا و لا ان تختلط بالعالم الخارجي…آلة تنفذ جميع أوامره و تعليماته دون نقاش او إعتراض…يريدها كلعبة بين يديه يسيرها كما يشاء و يعلم جميع تحركاتها حتي أنفاسها.. لا يريدها ان تتنفس بدون إذنه…يرغب في الاحتفاظ بها لوحده يتمتع بجمالها الفاتن و لايراها أحد سواه.
مد يده ليضع إبهامه تحت ذقنها و يرفع وجهها الذي أصبح أحمرا كحبة طماطم و هي تغمض عينيها بشدة تنتظر إحدى صفعاته..
:”إفتحي عينيكي..”
فعلت ما أمرها به و فتحت زرقاوتيها المغرورقتين بالدموع لتزداد فتنتها مما جعل شاهين يتمالك نفسه بصعوبة أمامها…ليردف بجمود مصطنع:”يعني من الساعة عشرة للساعة أربعة و إنت برا الفيلا…
أخذ نفسا عميقا قبل أن يفاجأها بصفعة قوية أردتها أرضا لتبكي المسكينة بصمت موقنة ببدأ رحلة جديدة من رحلات عذابها…
رفعت رأسها إليه لتجده يجلس بأريحية على الاريكة الجلدية ذات اللون الاسود القاتم و التي لا تختلف على بقية أثاث الغرفة… أشار لها بيده حتى تقترب منه لتتوجه إليه بصمت و تجلس على ركبتيها تحت قدميه، وضع يده الضخمة على رأسها ليتحسس شعرها الحريري برقة قبل أن يهمس لها و هو يتصنع التفكير :”10…11….12….1..2…3…4و نصف يعني ست ساعات و نص و انت برا الفيلا و بالفستان القصير داه “…
ظلت صامتة ليكمل بنفس النبرة :”أنا النهاردة الصبح قبل ما أمشي مش نبهت عليكي متخرجيش برا لأي سبب…. حصل و إلا لا…”.
سألها بنبرة حادة و هو يقبض علي شعرها بقوة لتصرخ كاميليا بذعر مجيبة:” حصل…. بس ثريا هانم….”.
قاطع شاهين بصراخ أعلى :”إخرسي… إخرسي ،انا عارفك كويس و فاهم حركاتك دي….انت عاوزة تتمردي و تبينيلي إنك تقدري تكسري كلامي بأي طريقة و بتستغلي غيابي عشان تعملي إلى إنت عايزاه…كلكم زي بعض شبه بعض، نفس الوش البريئ المزيف…. بس و لايهمك انا حعرف إزاي أربيكي من جديد”.
أمسكت كاميليا يده التي كانت تجذب شعرها بعنف لتبعدها بقوة و هي تصرخ بهستيريا :” حرام عليك… و الله حرام انا مليش ذنب.. إنت ليه بتعمل معايا كده…
وقفت من مكانها بسرعة لتهرب و هي لاترى أمامها سوي الباب لتحسب عدد الخطوات الفاصلة بينهما و قبل أن تتحرك إنشا واحدا وجدت نفسها بين ذراعي شاهين الذي كبل جسدها الصغير بسهولة….
تحركت بجنون لتضربه و تقاومه بكل شراسة لكن دون جدوى فقد كانت اشبه بنملة صغيرة تقاتل اسدا
خارت قواها لتستسلم بين يديه و هي تبكي و تشهق دون توقف،همست بخفوت من بين شهقاتها:”أرجوك انا تعبت……. معادش ليا طاقة عشان أتحمل.. سيبني أرجع بيتي و… حياتي القديمة ارجوك”.
حاوط شاهين جسدها المنهك بذراع واحدة بينما إمتدت يده الأخرى ليزيح خصلات شعرها التي تبعثرت حول وجهه و رقبته و هو يهمس في أذنها بنبرة متملكة:”مفيش خروج من هنا غير على قبرك “.
ما إن سمعت كاميليا كلماته حتى إستجمعت بقية قوتها لتقول بصوت ضعيف بالكاد يسمع:”و انا عاوزة اموت… الموت أرحملي من الجحيم اللي انت معيشني فيه “.
حملها شاهين بذراع واحدة متجها بها إلى السرير لي ميها عليه و هو يخبرها:”لو كنتي بتسمعي الكلام مكانش كل داه حصلك….”.
شعرت كاميليا بملمس السرير الناعم تحتها لتقفز من مكانها ظنا منها انه سيعيد إغتصابها من جديد لتصرخ بجنون :”لا لا سيبني… انا مش عاوزة اقعد هنا…
دفعها شاهين مرة أخرى لتمدد على السرير و هو ينحني فوقها يرمقها بنظرات مشبعة بالرغبة…
إبتسم بتسلية و هو يمرر أصابعه بحركة قذرة على ساقيها المكشوفتين بسبب إنحسار الفستان إلى الأعلى و هو يقول بمكر:” معقولة أسيب الجمال داه كله…دا انت حتى مراتي و داه حقي”.
:”و انا مش عايزاك… ابعد عني بقى سيبني في حالي”.
اردفت كاميليا بضعف و هي تنزل حافة فستانها القصير و تبعد يديه بحنق عن جسدها…
تجاهل رفضها له و هو ينتقل بأصابعه متحسسا باقي أجزاء جسدها فكان كلما أبعدت يديه عن مكان إنتقل إلى مكان آخر…
بعد دقائق أمسكت يده لتبعدها بعنف بعد أن سئمت من حركاته المراوغة ليقبض على يدها و يسجنها داخل كفه و هو يسألها مقترحا:”عندك حلين… يا تكوني ليا الليلة دي بمزاجك…. يا تتعاقبي”.
لم تحتاج كاميليا للتفكير ثانيتين لتجيبه :”لا… حتحمل أي عقاب غير إنك…”.
:”طيب إنت اللي إخترتي”.
بصق كلماته بنبرة قاسية قبل أن يقف من جانبها و يتوجه ليفتح باب الشرفة….
دخلت فرح غرفة نوم والديها و بيدها العديد من الأوراق…لتجد والدتها ترتب الملابس في الخزانة، إلتفتت نعمة عندما سمعت صوت حركتها متسائلة:” تعالي يا حبيبتي…قوليلي عاوزة إيه؟”.
إقتربت منها الصغيرة و هي تريها الأوراق قائلة بحماس:”شوفي يا ماما الميس رجعتلنا الأوراق و هي قالتلي إني أنا شطورة عشان جبت كل الاعداد النهائية…
إبتسمت لها نعمة و هي تخرج بعض النقود من مخبئها السري (صدرها) و تعطيها لها قائلة:”شاطرة يا حبيبتي…. طالعة لأمك ذكية و فهيمة خذي دول و إشتري كل اللي إنت عاوزاه.. و لو فضلتي كده شطورة حجيبلك علبة الماكياج بتاعة الباربي اللي نفسك فيها”.
إحتضنتها فرح و هي تصرخ بسعادة :”بجد يا مامي حتشتريهالي”.
نعمة بتأكيد :”طبعا يا حبيبتي و هو انا في عندي أغلى منك إنت و سلمى بس أوعديني إنك تفضلي دايما الأولى “.
رسمت الصغيرة إبتسامة واسعة على شفتيها و هي تجيبها :” طبعا يا ماما انا مش حخلي حد يغلبني…حتى رامي إبن أنكل سامح…
نعمة و هي تربت على ظهرها :”طيب يا حبيبتي روحي دلوقتي علشان تذاكري و انا نص ساعة و حاجي أحضر الاكل عشان نتعشى سوى”.
أومأت لها الصغيرة لتتوجه إلى باب الغرفة لتخرج…توقفت عن السير و هي تتفرس الأوراق النقدية في يدها قبل أن تلتفت إلى والدتها لتسألها ببراءة:”ماما… هو بابا فين انا بقالي كثير مش شفته.
إنقلبت سحنة نعمة لكنها أخفت ضيقها أمام إبنتها بصعوبة قائلة :”راح عند طنط جميلة يا حبيبتي… متقلقيش يومين و حييجي “.
الصغيرة :” أصله واحشني اوي و عاوزة أوريه الاعداد بتاعتي “.
زفرت نعمة بانزعاج قبل أن ترسم إبتسامة صفراء على وجهها و تجيبها :”حبقى أكلمه يا حبيبتي و أقله إنك واحشاه و هو أكيد حييجي…أصل خالتك جميلة تعبانة و هو قاعد هناك عشان يهتم بيها… يلا يا فيفي روحي على أوضتك دلوقتي و سيبيني اكمل الهدمتين دول “.
خرجت الصغيرة من الغرفة تاركة والدتها تتمتم في حيرة:”و الله البنت عندها حق هو راح فين الراجل داه…بقاله أربعة أيام مختفي… داهية تأخذه مطرح ماهو قاعد إلهي مايرجع يا… و إلا بلاش داه مهما كان يبقى أبو بناتي….
رمت بقية الملابس الاي كانت في يدها على السرير ثم أمسكت بهاتفها قائلة بهمس:” أما أكلم سنبل آغا أسألها جوزنا راح فين…. دي حية و عندها سبع عيون و أكيد عارفة مكانه فين…
بعد برهة من الزمن وصلها صوت جميلة المرحب:” يا أهلا يا أهلا إزيك يا نعمة واحشاني….عاملة إيه و إزاي البنات.. “.
نعمة بامتعاض:” طب بالراحة يا اختي سيبيلي فرصة عشان أجاوبك…. انا كويسة الحمد لله و البنات كويسين إزيك إنت..
جميلة بضحكة رنانة:” يوووه جاتك إيه يا ضرتي، دايما دمك خفيف و زي العسل… انت بس واحشاني عشان كده بسألك بسرعة”.
نعمة بهمهة:”مممم طيب يا حبيبتي تشكري…بقلك إيه هو الحاج زكريا فين… بقاله اربع أيام مختفي كده مش عارفاله طريق هو عندك؟؟ “.
جميلة بنفي :”لا يا حبيبتي مش عندي انا زيك بردو بقالو أربعة أيام مدخلش بيتي…. من يوم ما جا سأل على الشنطة طلع و مرجعش ثاني”
ضيقت نعمة عينيها بقلق و هي تسألها:” يا لهوي.. أمال راح فين الراجل… يكونش جراله حاجة و إحنا مش عارفين… ”
مطت جميلة شفتيها باستهزاء قائلة :” يعني حيجراله إيه يا اختي… متقلقيش عليه هو عند صفية أخته قاعد معاها…. باين عليه زعلان على المحروسة اللي مقدرش يتجوزها… قلبه لسه بيوجعه عليها “.
ضحكت نعمة ضحكة طويلة قبل أن تقول:” يستاهل اهي تجوزت واحد من كبارات البلد و إرتاحت منه… بس ذيل الكلب عمره ما حيتعدل يومين كده و تلاقيه لافف على واحدة ثانية “.
قاطعتها جميلة باستهزاء :” خليه يعمل اللي هو عاوزه…إن شاءالله يجيب عشرة مش واحده بس و حياتي عندي لكون مطفشاهم كلهم”.
نعمة :”ماشي يا حبيبتي خلينا على إتصال انا دلوقتي لازم أمشي عشان البنات مستنيني على العشاء….
جميلة :”ماشي مع السلامة و لو لاحظتي أي حاجة قوليلي ..
نعمة بعد أن أغلقت الهاتف :” مغلطش لما قلت عليها سنبل آغا…كل الأخبار عندها و مش بتفوتها حاجة “.
____________________________
لاحقت كامليا شاهين ببصرها و هو يفتح باب الشرفة و يشير لها بأن تتبعه…فركت ذراعيها بحركة لا إرادية بسبب شعورها بالبرد الشديد يلفح بشرتها العارية….
نظر شاهين إلى فستانها الأحمر الخفيف ثم هتف بنبرة مستهزءة:” الست ساعات اللي إنت قعدتيهم في الجنينة برا حتقضي زيهم هنا و بالفستان الحلو داه”.
أكمل كلامه و هو يتلاعب بأطراف أكمام ثوبها القصيرة بأصابعه…سارت كامليا من جانبه لتجلس الكرسي الموجود في أحد أركان الشرفة متجاهلة كلام شاهين…ركزت بصرها على المسبح الصغير و مياهه الزرقاء الصافية التي كانت تلمع تحت أضواء الفيلا اللامعة
إنكمشت بجسدها عندما شعرت به ينحني ليتحدث بجانب أذنها و هو يشير أمامه إلى المسبح :”و لو عايزة تنزلي المية مفيش مانع…و ممكن كمان أجيبلك مايوه…. يلا enjoy”.
ختم كلامه بضحكة طويلة ساخرة خالية من المرح و هو يسير مبتعدا إلى داخل الغرفة ليغلق باب الشرفة بقوة مصدرا صوتا عاليا جعل كاميليا ترتعش في مكانها من الفزع….
جالت ببصرها في أنحاء الغرفة تبحث عن أي غطاء او شيئ يصلح لتتدثر به من البرد الذي يكاد يجمد عظامها… لم تجد سوى غطاء طاولة خفيفا ابيض اللون وضعته على كتفيها ثم عادت مرة أخرى لتجلس مكانها…تمددت على الكرسي الجلدي لتشعر ببرودته تسري على كامل أطرافها لتشتم في سرها و هي تتمتم:”كان لازم يعني ألبس الفستان الزفت داه….. يخرب بيتك يا شاهين بيه سايبني في البلكونة في عز الشتاء انا ثانية كمان و حتجمد…..
شدت أطراف الغطاء على كتفيها ثم ضمت ساقيها إلى صدرها ووضعت ذقنها فوق ركبتيها لتنظر أمامها بشرود منتظرة إنتهاء ساعات عقابها التي حددها لها…
دقيقة… دقيقتان.. عشر دقائق مرت و كاميليا مازالت متجمدة في مكانها… سمعت باب الشرفة يفتح لتلتفت نصف إلتفاتة قبل ان تعود تنظر أمامها كما كانت بعد أن لمحت إبتسامة زوجها الشامتة و هو يحمل في يده كوبا ساخنا لم تعرف ماهو….
وضع شاهين يده في جيب معطفه الثقيل و هو يقول بتعمد :”الجو فعلا بارد هنا….ربنا يقويكي و تقدري تكملي الست ساعات هنا….
سار أمامها ليجلس بجانبها من الجهة الأخرى و هو يترشف من الفنجان مهمهما بتلذذ:” مممم انا دلوقتي عرفت ليه البنات بيحبوا الهوت شوكلت طعمها لذيذ… خذي إشربي شوية حتدفيكي….
مد لها الكأس لتتجاهله كاميليا و تدير رأسها للجهة الأخرى و هي تحاول منع جسدها من الارتعاش أمامه حتى لا يشمت بها أكثر.
هز شاهين كتفيه بعدم إهتمام قائلا بزيف :” إنت اللي خسرانة… على العموم لسه في عندك فرصة تغيري رأيك”.
أكمل كلامه بغمزة وقحة ليتابع:” حتقضي ليلة دافية في حضني ، أحسن ما تتجمدي هنا دول ست ساعات مستحيل تقاومي بلاش عند عالفاضي”.
حركت كاميليا رأسها يمينا و يسارا دلالة على رفضها قبل أن تتمتم بصوت مرتعش :” لا.. أنا حفضل هنا “.
وقف شاهين من مكانه و هو يتصنع الأسف عليها قائلا :”طيب براحتك. انا حدخل أنام بس لو غيرتي رأيك خبطي باب البلكونة و انا حفتحلك “.
وضع الكوب على الكرسي ثم إستدار ليغادر الشرفة و يغيب في الداخل مرة أخرى مقفلا الباب وراءه…إلتفتت كاميليا لتتأكد من دخوله قبل أن تخطف الكوب و تحتفظ به بين يديها لتدفئ به يديها المتجمدتين….
___________________________
دلف أيهم الغرفة ليجد ليليان تتحدث بالهاتف مع صديقتها أمنية التي كانت تنقل لها أخبار المشفى بالتفصيل…
لوى ثغره بتهكم على أحاديث النساء المملة ثم توجه ليخلع معطفه و يرميه على حافة السرير بجانبه….
تمدد على ظهره ليضع رأسه فوق ساقي ليليان التي كانت بدورها ممدة على السرير من الجهة الأخرى…شعر بتصلب جسدها لكنه تجاهل الأمر ليغلق عينيه بارهاق و هو يمتع نفسه بصوتها العذب الذي تغلغل إلى مسامعه….
أكملت ليليان محادثتها مع أمنية ثم وضعت الهاتف إلى جانبها لتنظر إلى أيهم النائم على ساقيها كطفل صغير… تفرست ملامحه الهادئة بشرود و هي تتمنى بداخلها لو أن أخلاقه كانت شبيهة بوجهه الوسيم ….
لم تنتبه لأيهم الذي رفع رأسه نحوها و يبتسم بخبث قبل أن يهتف بغرور:” حلو مش كده…”.
توسعت عيناها بدهشة و هي تدير رأسها إلى الجهة الأخرى لتخفي خجلها منه ليقهقه أيهم عليها و هو يجذبها نحوه بحركة سريعة لتصبح تحته….
كبل جسدها بذراعيه مانعا حركتها متأملا وجهها الفاتن و غمازتيها المغريتين….
إنحنى بشفتيه ليطبع عليهما قبلة طويلة أثارت جميع حواسه نحوها… إنتقل بشفتيه إلى ثغرها ليبدأ في تقبيلها بشغف رغم همهمات ليليان الممانعة التي لم تزده سرى إصرارا….
طالت قبلته حتى شعر باختناقها تحته ليبتعد عنها سامحا إياها باستنشاق الهواء…شهقت ليليان و هي تنظر له بانزعاج قبل أن تهتف بلهاث:”أيهم إبعد… ميصحش كده”.
هز أيهم حاجبيه باستغراب من كلامها قبل أن يجيبها :”هو إيه اللي ميصحش يا لولو…. إنت مراتي و انا عايزك”.
حاولت ليليان دفعه من فوقها لكنه لم يتحرك لتقول :”زمانهم مستينا على العشاء… حيقولوا علينا إيه لما نتأخر”.
إنحنى أيهم مرة أخرى ليقبل عنقها بلهفة شديدة و هو يبعد يديها جانبا…قائلا :”حيقولوا عرسان جداد و بيحبوا في بعض…. “.
:” أيهم… إبع… “.
إبتلع أيهم إعتراضها في قبلة أخرى عميقة قبل أن يأخذها في عالم آخر خاص بهما…..
__________________________
مرت نصف ساعة على كاميليا و هي لاتزال ترتجف مكانها من شدة البرد…. تقسم أن جسدها أصبح كتلة ثلج متجمدة…وجهها شاحب و شفتيها الورديتين إبيضتا بشدة
فركت يديها ببعضهما في محاولة فاشلة لبث بعض الدفئ فيها غافلة على عيني الشاهين اللتين كأننا تراقبانها بتسلية من خلف شاشة الكاميرا المزروعة في مكان مخفي في إحدى أركان الشرفة….
مرت عدة دقائق أخرى قبل يلاحظ إنزلاق جسدها و تكورها على الكرسي ليعلم انها لم تعد تقوى على الصمود أكثر تحت برد الشتاء القارس.
رمى هاتفه على السرير ثم إستقام من مكانه و هو يتلفظ بعدة شتائم قبل أن يتوجه بسرعة إليها….
حملها بين ذراعيه بخفة ثم توجه بها إلى داخل الغرفة ثم تمدد على السرير محتفطا بها داخل أحضانه… نزع حذائها الرياضي الذي كانت ترتديه لترتجف كاميليا و هي تحرك قدميها مستشعرة دفئ الفراش تحتها…
ضمها شاهين نحوه مخفيا وجهها داخل صدره و بيده الأخرى يدثر جسدهما بغطاء صوفي سميك…لتلف كاميليا ذراعيها حول جسده الدافئ تقربه منها أكثر دون وعي….
_________________________
توسدت ليليان ذراع أيهم و هي ترسم دوائر وهمية بأصابعها على صدره العاري قائلة بعتاب :” الشغالة خبطت على الباب ثلاث مرات…
أجابها أيهم و هو لايزال يغمض عينيه مستمتعا بملمس يديها الناعمة على بشرته :” و إيه يعني….
:”بطل برود بقى… زمانهم مستغربين إحنا مانزلناش ليه على العشاء”.
:”متقلقيش هما عارفين كويس إحنا مانزلناش ليه”
:”يا برودك يا أخي…كل حاجة عندك بسيطة كده”.
التفت نحوها ليحدجها بنظرات خبيثة قائلا:” أخوكي…يعني بعد كل اللي حصل بينا داه بتناديني أخوكي… ”
مد يده نحوها ليجذب الغطاء الذي كانت تلف به جسدها العاري لتنهره هي قائلة :” أوعى إيدك… إنت بتعمل إيه؟؟ “.
أيهم بضحك :” بثبتلك إني أنا مش أخوكي “.
ليليان بغضب مصطنع :”بطل برود بقى.. انا حقوم آخذ شاور و انزل تحت “.
أيهم و يضمها نحوه:” تنزلي إيه دي السهرة لسه في اولها”.
تجاهلت ليليان نظراته الرغبة التي لمعت بعينيه لتهتف بنبرة محذرة :” أيهم….
:”روح و قلب أيهم من جوا “. اردف و هو يضع يدها مكان الوشم لتشرد ليليان في حروف إسمها الداكنة التي زينت بشرته البيضاء لتلين نبرتها و هي تسأله :” أيهم.. هو إنت عملت كده ليه …إنت بتحبني صح “..
زفر أيهم بملل و هو يبتعد عنها قائلا ببرود:” الحب مش ظروري في حاجات كثيرة أهم من الحب.. “.
ليليان بتساؤل :”زي إيه؟؟”.
أقبل عليها من جديد ليمرر أصابعه على وجنتيها و رقبتها متمتما بثقة:”الرغبة مثلا…لما أكون عاوزك دايما و بفكر فيكي حتى لو إنت بعيدة عني و ببقى بعد الساعات عشان أكون معاكي…”.
تسللت ليليان من تحت ذراعه لتغادر السرير و هي تلف الملاءة جيدا حول جسدها قائلة :” دي من علامات الحب على فكرة…
تابعها أيهم و هي تدلف الحمام و تغلق الباب وراءها ليتمتم بسخرية :”حب، رغبة… مش مهم المهم إنها شعور حلو و جديد بقيت بعيشه كل يوم…”.
في الداخل رمت ليليان الملاءة على الأرضية بعنف قبل أن تنزل إلى حوض المياه الدافئة و هي تشتم بغضب :” طول عمره حيوان….و هو انا حستغرب يعني ماهو دايما كده مش بيهمه غير القرف اللي زيه…”.
بعد ثلاثة أيام….
تجلس ليليان في مكتبها تترشف قهوتها الصباحية مع أمنية صديقتها….
أمنية بسخرية :”طول عمرك غاوية تعب و مرمطة… بدل ما تقعدي في البيت زي أي عروسة جاية الشغل بعد أسبوعين جواز… ليه هو الشغل كان حيطير و إلا العيانين حيخلصوا….
وضعت ليليان الكوب على سطح المكتب و هي تنظر لأمنية بحاجبين مرفوعين قبل أن تبادر بالقول:” جرا يا أمنية مالك مستلماني من الصبح كده و عمالة تهزقي فيا يمين و شمال… إشحال مكنتيش عارفة اللي فيها….
مصمصت أمنية شفتيها قبل أن تتكلم :” و حكون عارفة إيه يعني….بلا خيبة إنت ست حلوة و زي القمر و بنظرة واحدة تتطيري عقل أي راجل مخلية جوزك راجع شغله بعد أسبوع ليه….
ليليان بلامبالاة:” يمكن زهق من قعدة البيت بعد مارجعنا من المالديف…..
أمنية و هي تقلدها بتهكم:”رجعنا من المالديف….و ليه ما سافرتوش ثاني فرنسا أمريكا تركيا إنشاء الله جنوب أفريقيا…
ليليان بضحك :”جنوب أفريقيا و حنعمل إيه هناك..”نلعب مع القرود.
رمقتها أمنية بنظرة متذكرة و هي تجيبها :” حافضلي طول عمرك خايبة… ذكتور أيهم راجل غني و مشهور و حلم أي بنت في الدنيا و هو دلوقتي بقى جوزك إزاي و ليه معادش مهم المهم أنه بقى جوزك فلازم تحافظي عليه….و تحاولي تغيري من طباعه…ليليان إعقلي و إطلعب من دور الست الغير مهمتة بجوزها
و مش طايقاه داه مش بعيد يمل منك و يبص برا “.
ليليان بتنهيدة :” و هو يعني معملهاش قبل كده ألف مرة و إلا إنت ناسية تاريخه الحافل…داه كان بيخوني كل ليلة و احنا مخطوبين.. “.
أمنية و هي تحاول مواساتها :” أنا عارفة كل حاجة يا لولو و عارفة إنت قد إيه إتعذبتي وبسببه و إستحملتي… بس داه بقى جوزك يا حبيبتي يعني خلاص اللي حصل حصل فحاولي تنسى اللي فات و تبدئي من جديد… “.
ليليان :” طب عاوزاني أعمل إيه يا أمنية… أيهم طبعه صعب جدا و مش بيعمل غير اللي في دماغه و انا مش حقدر اغيره… انا محتارة يا ميمي و حاسة إني في تايهة في دوامة و مش عارفة أخرج منها…. انا خلاص تعبت… عملت كل اللي هو عاوزه و تجوزته
بس لسه مش مرتاحة، مش حاسة بالأمان معاه… عارفة انه مش حيتغير و حيفضل زي ماهو حيعرف بنات و حيخوني “.
أمنية باستفسار :” هو إنت بتحبيه يا ليليان؟؟ “.
ليليان بصوت حزين :” انا معرفتش راجل غيره في حياتي…مش بتخيل نفسي مع حد ثاني ساعات كثيرة بتمنى لو ماكنتش أخلاقه كده كنت ححبه… داه هو بنفسه مش بيعترف بحاجة إسمها حب بيقلي إني كل اللي بينا رغبة… بيعجبه جمالي و جسمي بس مش بيحبني، يعني مش فارقة معاه لو إشتغلت او قعدت في البيت و حتى لو حولت نفسي لجارية تحت رجليه مش حيمنعه داه أنه يبص لغيري.. ”
أمنية بحزن :” انا آسفة يا لولو بس انا كنت بقول كده عشان مصلحتك انا خايفة عليكي…
ليليان بغصة:”متخافيش انا اصلا تعودت آخر ذرة مقاومة ليا فقدتها لما تجوزته… و دلوقتي أنا راضية بكل حاجة…داه قدري و نصيبي و لازم أستحمل… داه ابويا تخلي عني و رماني و انا عيلة صغيرة حستغرب من إبن عمي إنه يحافظ عليا…”.
مسحت أمنية دموعها التي نزلت رغما عنها ثم بدأت تحرك يديها على وجهها لتجفف وجهها و هي تقول بلوم :” كده قلبناها نكد و خليتيني أعيط…ثم أكملت بمرح :”هاتي حتة من الشكلاطة اللي إنت مخبياها في الدرج بتاعك عشان أبطل عياط”.
إنفجرت ليليان بالضحك و هي تنحني لتفتح درجها و تخرج علبة الشوكولا الفاخرة التي تحتفظ بها دائما في مكتبها و تضعها أمام أمنية قائلة:” خذي يا ستي اهي العلبة كلها… بقت بتاعتك و بلاش عياط عشان نرجع شغلنا و إلا إنت ناسية “.
أمنية بتذمر و هي تفتح العلبة و تختار أحدى القطع كطفلة صغيرة :”و دي حاجة تتنسي… أكل عيشنا بردوا..”.
_________________________
في إحدى الشقق الراقية….
تثائبت نور بكسل و هي تتحسس بيديها سريرها المريح ذو المفارش الحريرية لتمتم بنعاس :” ياااه انا عمري مانمت كويس زي ليلة إمبارح… انا مش عاوزة أقوم….
لم تنهي جملتها حتى فوجئت بوالدتها تدخل الغرفة و تتجه لفتح الستائر و هي تنادي عليها بصوت عال:” بت يا نور…. يلا قومي إنت كده حتتأخري على المدرسة… يلا “.
جذبت نور الغطاء بضيق و هي تكز على أسنانها بغيظ قائلة :”أولا صباح الخير يا ماما…ثانيا وطي صوتك إحنا مش في الحارة عشان تزعقي و تتكلمي بصوت عالي…دي حتة راقية و هادية يعني أي حد معدي من تحت العمارة حيسمع صوتك….. ثالثا أنا مش رايحة المدرسة.. انا تعبانة ومش قادرة أقوم من مكاني”.
الام بسخرية :”و تعبانة من إيه إنشاء الله… دي حتى الشقة لقيناها مفروشة و مجهزة من مجاميعه… إحنا منقلتاش غير شنط هدومنا… “.
نور و هي تتصنع الألم :” دماغي يا ماما واجعاني و مصدعة يمكن عشان مقدرتش أنام كويس إمبارح… داه مهما كان مكان جديد و أنا لسه متعودتش عليه….
الام بعدم إقتناع :”ماشي انازحفوتهالك المرة دي… بس بكره مفيش حجج و حتنزلي المدرسة إنت بقالك أسبوع قاعدة في البيت مش بتروحي.. و أمبد فاتك دروس كثير”.
نور بابتسامة على نجاح خطتها فهي لم ترد الذهاب اليوم إلى المدرسة حتى يتسنى لها الوقت لتكتشف منطقة سكنها الجديدة…
هبت من مكانها لتحتضن والدتها بلهفة قائلة :” ميرسي يا أحلا مامي في الدنيا….
أبعدتها والدتها بصعوبة عنها و هي تقلدها بسخرية :” لسه مكملتيش يوم هنا و بقيتي بتناديني مامي “.
نور بضحك :” طبعا مامي و بابي كمان… “.
شركتها والدتها الضحك و هي تربت على شعرها لتستأنف الفتاة الحديث مجددا :” ماما هي كاميليا مش بترد على تلفونها ليه… إحنا بقالنا أسبوع من يوم ما تجوزت مش عارفين عنها حاجة و لا قادرين نوصلها “.
إرتبكت الام من سؤال إبنتها المفاجئ و الذي لا تنكر أنه كان في محله فهي أيضا لطالما تساءلت عن سبب غياب إبنتها المفاجئ و الغير مبرر و لكنها لم تكن تبين حتى لا تشغل بال زوجها و أطفالها…
تنهدت قليلا قبل أن تتحدث بجدية :” أنا كمان مش عازفة يا نور انا إتصلت عليها كام مرة بس دايما بيقلي مقفول… انا بكرة و حروح أسأل عنها في الفيلا بتاعتهم اكيد عندهم علم بحاجة…
نور و قد إستشعرت قلق والدتها :” إطمني ياماما هما أكيد في شهر العسل و قافلين تلفوناتهم…مش عاوزين حد يزعجهم او يقلق راحتهم… صدقيني كل الناس بتعمل كده…”.
الام بقلق :”تفتكري كده يا بنتي”.
نور بابتسامة :”أيوا يا ماما انا متأكدة من داه… بس عشان نطمن أكثر انا حتصل بهبة خطيبها يبقى صاحب شاهين.. أكيد عارف عنهم حاجة “.
أومأت لها والدتها بالموافقة و هي تدعو في سرها ان تكون إبنتها بخير و سعيدة….
أخرجتها نور من شرودها و هي تقول بحماس :” يلا بقى يا ماما أنا جعانة و عاوزة أفطر… عاوزة أجرب الفطار في البيت الجديد … “.
____________________________
طرقات خافتة على باب الغرفة تلاه دخول فتحية و هي تحمل في يدها صينية طعام لتضعها على الطاولة بجانب السرير ثم تشرع في إيقاظ كاميليا التي كانت تتدثر بالاغطية الثقيلة رغم حرارة الغرفة…
فتحية بلطف :” كاميليا يلا قومي إغسلي وشك و صحصحي انا جبتلك الفطار….
تجلست كاميليا على السرير و لفت الغطاء حولها قائلة :” انا صاحية يا فتحية بس حبيت أقعد تحت الغطاء اصلي حاسة إني بردانة… “.
تحسست فتحية جبينها قبل أن تهتف بتعحب:” حرارتك عادية….هوإنت حاسة بإيه؟؟؟
كاميليا بنفي :” و لا حاجة انا كويسة…الجو بارد و داه شيئ طبيعي….
فتحية ببلاهة :”بس الفيلا فيها سخانات يعني الحرارة معتدلة مفيش برد هنا…
كاميليا بتلعثم:”انا مش عارفة.. انا حاسة إني بردانة و خلاص… “.
فتحية بلامبالاة:”طيب قومي عشان تفطري انا عملتلك القهوة زي ما بتحبيها… يلا قبل ما تبرد “.
حركت كاميليا رأسها لليمين لتقابلها الصينية التي تحتوي على الطعام… نظرت بلهفة إلى فنجان القهوة الساخن الذي يتصاعد منه البخار لتشعر بقشعريرة تسري بكامل جسدها عندما تذكرت كوب الشوكولا الساخنة في تلك الليلة….
هزتها فتحية قليلا حتى تنتبه لها فهي قد كانت شاردة و لاتجيب عن تساؤلاتها… نظرت لها كاميليا قليلا قبل أن تطلب منها ان تقرب لها فنجان القهوة فقط….
أمسكت فتحية الصينية ووضعتها قريبا منها و هي تقول بلوم :”ميصحكش كده إنت بقالك ثلاثة أيام مش على بعضك و حتى الاكل مش بتاكلي كويس و داه مش كويس علشان صحتك… لو تعبانة حقول لثريا هانم تجيبلك الدكتور… هي دايما بتسألني عليكي مش عايزة تجيليك هنا عشان متزعجكيش…
أخذت كاميليا رشفة من قهوتها الساخنة قبل أن تتكلم بنفي :”هي قلتلك كده…مش عاوزة تزعجني…داه بيتها يعني أنا اللي بزعجها مش هي…
مصمصت فتحية شفتيها بطريقة شعبية دلالة على تهكمها قبل تتكلم :” إنت فعلا أغرب بنت شفتها في حياتي…بيت مين و إزعاج إيه و إيه الكلام داه انا أقصد انها مش عاوزة تتدخل في اللي بيحصل بينك و بين جوزك عشان متحرجكيش و كده…. قالتها بصوت هامس قبل أن تكمل بنفس النبرة….إنت صعبانه علينا كلنا و اولنا ثريا هانم طول الوقت و هي شاردة و بتفكر و مش همها صحتها اللي بتتدهور دي…. عارفة انا ساعات لما يدخل أوضتها بلاقيها بتبكي أصلها يا عيني ست حنينة و طيبة و مش رضيانة باللي بيعمله إبنها دي ياما تخانقت معاه…..
زفرت كاميليا بحنق من ثرثرة فتحية و تلميحاتها عليها حتى انها بدأت تندم أنها سمحت لها بالتحدث معها كصديقة بعد زواجها ….
:”خلاص يا فتحية مفيش داعي للكلام داه دي حاجة خاصة و مينفعش تتدخلي فيها…..
قاطعتها فتحية التي كانت مصرة على ثرثرتها متجاهلة تضايق كاميليا من كلامها :” يا بنتي أنا بقول كده عشانك و عشان صعبانة عليا…… إنت متستاهليش كل داه حرام عروسة في شهر عسلها يحصل معاها كده إنت َش شايفة وشك و جسمك إزاي كله كدمات و جروح…..
كاميليا بحنق :” فتحية خوذي الصينية دي معاكي و روحي شوفي شغلك كفاية كلام إرحمي لسانك داه لأحسن لو سمعك شاهين بيه حيقطعهولك…..
ضحكت فتحية بمرح قبل أن تجيبها :” شاهين بيه….طب بذمتك في ست بتقول لجوزها بيه… أسكتي أسكتي بلا خيبة انا مش حطلع من هنا غير لما تكملي فطارك و أقولك الكلمتين اللي قلبي عشان أرتاح…..
كاميليا و هي تأخذ من يدها قطعة التوست :” كلمتين…. داه إنت من وقت ماقعدتي قلتي يجي خمس ألاف كلمة…
فتحية بلامبالاة:” على كده خليهم عشرة ألاف و أهو كله بفائدة…..المهم إسمعيني انا كنت عاوزة أقلك حاجة يمكن تنفعك عشان تتخلصي من عذابك داه و تخلي البيه يحن عليكي و يرحمك من اللي بيعمله فيكي …. إنت مش مقدرة النعمة اللي إدهالك ربنا و مش عارفة إزاي تستغليها…..
كاميليا بملل:”بلاش لف و دوران و إتكلمي دغري انا اصلا مصدعة و عايزة أرجع أنام…..
فتحية بلهفة :” تنامي إيه لا خلاص كفاياكي نوم…النوم مش حيحيل مشكلتك….
كامليا :”أمال إيه اللي حيحللي المشكلة يا عم النصوحة و بعدين هي أصلا إيه مشكلتي…..
فتحية و هي ترفع حاحبيها باستغراب:”مشكلتك….لا مفيش مشكلة غير إنك مشفتيش يوم عدل من لما دخلتي البيت داه و البيه بيعاملك و كإنك مرات أبوه مش مراته…. ضرب و إهانة و حاجات ثانية اعذريني مش عايزة اقولها……
كاميليا بسخرية :” لا ياختي و إنت سبتي إيه عشان تقوليه….
فتحية :”اعذرني بس كل اللي في الفيلا طبعا اللي جوا بس عارفين…..
كاميليا بحرج:”خلاص مفيش داعي تكملي أنا عارفة و عارفة كمان إن كل اللي بتقوليه صح….بس انا مفيش في إيدي أي حل اديني مستحملة لحد ما يزهق مني و يسيبني….
فتحية بحماس:”و يسيبك ليه… يا هبلة هي في واحدة وصلت تجوزت شاهين الألفي و تعوز تسيبه…. إنت مش عارفة الناس بتتكلم و بتقول عليكي إيه برا في الجرايد و التلفزيون و في النت…. كلهم بيقولوا إنك اكثر بنت محظوظة عشان البيه إختيارك من كل بنات الدنيا و لسه بيتكلموا على جمالك و رقتك يوم الحفلة…. خسارة مقدرش أجيبلك الموبايل لأحسن البيه يعرف و ساعتها حتكون نهايتي..
ختمت كلامها بضحكة طويلة لتنهرها كاميليا قائلة :”كفاية ضحك لأحسن البيه ييجي و يلاقيكي هنا و ساعتها انا و إنت نقول على نفسنا يا رحمان يا رحيم….
مطت فتحية شفتيها قبل أن تقول بثقة :” تؤ متخافيش انا عاملة حسابي البيه طلع و باين عليه رجع الشغل…. أصل الناس الاغنياء دول مبيستحملوش القعدة… مش زي الثور الي عندي فالبيت بيشتغل يوم و ينام عشرة… المهم انا كنت عايزة اقلك حاجة مهمة قبل ما انزل المطبخ…
كاميليا إنت زي أختي الصغيرة و انا حبيتك اوي من يوم دخلتي هنا و ربنا عالم و مش هاين عليا اللي انت فيه داه…. إنت متستاهليش كل داه….. بنت رقيقة و جميلة زيك تستاهل إنها تعيش ملكة مش مهانة زي ما يحصل معاكي…..و شاهين بيه مكانش كده يااااه يا بختها اللي يحبها حيجبلها نجمة من السماء زي ماكان بيعمل مع أم فادي …وانت زي ما قلتلك بإيديكي تنهي عذابك إستغلي جمالك و حلاوتك و إغريه…داه مهما كان جوزك و حلالك…. انا مش حعلمك تعملي إيه بقى، كل ست و أسلوبها و انت بصراحة مش محتاجة تبذلي مجهود كبير فستان أحمر زي اللي في دماغي على ميكاب ثقيل و نظرة من عيونك الحلوة و حتلاقيه إستوى على آخره إتلحلحي بقى و بلاش لبس الغفير اللي عمالة بتلبسيه داه …..
شهقت كاميليا بخجل قبل أن تنفجر من الضحك على تعابير فتحية المضحكة و هي تصف لها ما تفعله :”و الله ضحكتيني و انا مش عاوزة أضحك…. اللي بتتكلمي عليه داه شاهين الألفي يعني الحركات القديمة مش حتفرق معاه داه مش بعيد يرميني من الشباك….. اسكتي بلا خيبة انت مش فاهمة حاجة…. و كل اللي إنت عارفاه مايجيش نقطة من اللي بيحصلي….يا ريت لو كل المشاكل تتحل بالطريقة السهلة دي…. انا اول ما بشوفه بترعب بخاف حتى اتنفس لحسن يزعل تقوليلي أغريه “.
ظلت تتحدث لوقت طويل مع فتحية قبل أن تنزل إلى الاسفل لتمضي بعض الوقت مع ثريا و فادي….
_______________________
في المقر الرئيسي لشركات الالفي…..
إنتفض عمر من مكانه عندما سمع ماقالته له هبة ليلبس معطفه على عجل و يلتقط مفاتيحه ثم يهرول متجها إلى مكتب شاهين….
رفع شاهين عينيه عن حاسوبه بتعجب بعد إقتحام عمر لمكتبه :”شاهين إلحقني… هبة كلمتني دلوقتي بتعيط عشان ابوها ناوي يجوزها لواحد قريبهم….
شاهين ببرود و هو يعود للعمل و كأنه لم يسمع شيئا غريبا :” و إنت مالك خليها تتجوز؟؟؟؟
مسح عمر وجهه بعصبيه من برود إبن خالته ليصرخ بنفاذ صبر :”شاهين ارجوك انا مزاجي مش مستحمل برودك داه….. انا جايلك علشان تلاقيلي حل “.
دفع شاهين حاسوبه قليلا أمامه و عاد بجسده إلى الوراء ليرتخي على كرسيه قبل أن يتحدث بنبرة واثقة:”انا عندي الحل و من زمان كمان بس انت اللي رافض إني أتدخل”.
علق عمر نظراته على وجهه الجدي قبل أن يتحدث بيأس:” بس إنت حلولك معروفة مش بتتعامل غير بالقوة.. و انا عاوز هبة بس مش عاوزها تخسر عيلتها…
شاهين بلا اكتراث:” إنت اللي نزلت من مستواك لدرجة إن عيلة زي دي ترفض تديك بنتهم….إتحمل المسؤولية بقى و خليك قاعد مكانك لحد ما البنت تتجوز واحد ثاني…. “.
عمر بنفي و قد تحولت ملامحه و إكتسى وجهه الغضب :”مستحيل و الله لولع فيهم كلهم….أنا ساكت بس عشان مش عاوز تزعل،”.
شاهين بضجر :” ماهو يا تزعل يا تخسرها…إحتار إنت بقى….
عمر بغضب :”شاهين انا جايلك علشان تلاقيلي حل بلاش تستفزني لأحسن و الله اروح دلوقتي الحارة و أخطفها….”.
شاهين بتلاعب :” لو عملت كده تبقى إبن خالتي بجد
و دلوقتي إحكيلي هي قلتلك إيه؟؟
عمر :” أبوها قرر يكتب كتابها آخر الأسبوع داه على واحد قريبهم…. باين فيه مخطط كويس لكل حاجة…”.
مسح شاهين ذقنه بخفة قبل أن يهمهم بتفكير :”مممممم طيب تعالى معايا و انا ححلك المشكلة دي بس حجز نفسك عشان حتكتب كتابك عليها الليلة دي…و منتدخلش في أي حاجة أنا حعملها….إتجوزها دلوقتي و بعدين حاول كل حاجة حتتحل…. “.
أومأ له عمر بالموافقة قبل أن يتبعه خارجا متجهين إلى بيت منصور…..
بعد حوالي ساعة…..
تقف نجوى في مطبخها الصغير تحضر وجبة الغداء لعائلتها لتسمع طرقات قوية على باب شقتها.. نشفت يديها بالمنديل و عدلت من وشاحها و عبائتها قب ان تتجه إلى الباب لتفتحه…
رجعت عدة خطوات إلى الوراء بفزع إلى داخل الشقة عندما وجدت عدة رجال ضخام يرتدون ملابس رسمية طغى عليها اللون الاسود و نظارات شمسية…
تصنمت مكانها و بدا عليها التوتر الشديد عندما وجدتهم يفسحون المجال لمرور رجل آخر
ذو ملامح حادة و نظرات صارمة تبعث الرهبة في نفوس المحيطين به يرتدي ملابس فاخرة لا تختلف كثيرا عن ملابس البقية و يتبعه رجل آخر بدا لها مألوفا و لكنها لم تستطع تذكره…
تكلم الرجل بصوت جهوري ليقطع تأملها :”هي دي شقة منصور…..
إبتلعت نجوى ريقها بصعوبة من هالته المفزعة و نظراته الحادة التي تكاد تخترقها لتجيبه بتلعثم :” أيوا…. ايوا دي شقة منصور…. إنتم مين؟؟؟.
رمقها شاهين بنظرات لامبالية و هو يدير عينيه داخل المكان قبل أن يعيد بصره إليها قائلا :”انا شاهين الألفي و داه عمر الشناوى.. اكيد عارفاه….
تسمرت نجوى و شعرت و كأن أحدهم سكب عليها دلو مياه مثلجة و هي تتفرس عمر بنظراتها محاولة تذكره… أومأت برأسها عدة مرات قبل أن تتحدث بارتباك ممزوج بالخوف :” أيوا عارفاه… إنتو عاوزين إيه؟؟
أشر لها شاهين بيده لتتقهقر إلى الداخل و يدخل هو و هي يجوب بعينيه اثاث الشقة البالي ليعاود السؤال من جديد و قد بانت على ملامحه دلالات الاشمئزاز و التقزز :” جوزك فين…؟ عاوزينه في كلمتين؟؟؟
تبعتهم نجوى إلى الداخل بهرولة و هي تتحدث :” جوزي مش هنا…. بتسالوا عليه ليه و عاوزين منه إيه… ؟؟؟
ضاق شاهين ذرعا من سؤلاتها المتكررة ليزفر بنفاذ صبر و هو يقول :”روحي إندهي جوزك و بلاش أسئلة…. لما ييجي حتعرفي”.
هرولت نجوى إلى داخل غرفتها ما و أوصدت الباب ورائها لتهاتف زوجها الذي جاء بعد عده دقائق نظرا لانه يعمل في محل قريب من مكان سكنه….
دخل منصور الشقة و هو يغلي من الغضب عندما أخبرته زوجته باقتحام غرباء لمنزله و في غيابه و معهم عمر الشناوى….صاح هادرا وهو يقف في مواجهة الرجلين :”إنتم مين و عاوزين إيه و إزاي تتهجموا على بيتي و انا مش موجود..”
تنحنح عمر بحرج و قد عزم على التحدث بهدوء محاولا إمتصاص غضب منصور و تفادي عصبيته حتى ينتهي الموضوع بسلام… لكن إشارة من يد شاهين أوفقته عن الكلام و الاكتفاء بالمشاهدة…
تحرك شاهين ناحية منصور ليقف أمامه و هو يحدجه بنظرات نارية قبل أن يتحدث بصوت هادئ :”إحنا خبطنا على الباب و مراتك هي اللي فتحتلنا أقعد خلينا نتفاهم بهدوء و بلاش الحركات دي عشان متاكلش معايا …..
قاطعه الاخر بصراخ و قد تضاعف غضبه من نبرة شاهين المستفزة :” انا مليش كلام معاكم… إطلعوا من بيتي حالا و إلا و الله حطلب البوليس و هو حيعرف يتصرف معاكم..”.
زفر شاهين بملل من عجرفته و هو يتمسك بآخر ذرة صبر له من أجل عمر فلو كان في وضع آخر لما سمح لمنصور حتى بالتنفس أمامه…
تحدث شاهين بنفس الهدوء و هو يتجه ليجلس على الاريكة القديمة :” متستعجلس يا أستاذ منصور هو البوليس حييجي بس مش دلوقتي خليه للآخر …إلا قلي يا حاج منصور هو فين إبنك ثامر انا مش شايفه يعني…
إضطرب منصور علي الفور من نبرة شاهين الواثقة و نظراته الخبيثة التي كانت تخفي وراءها شيئا خطيرا لكنه حاول التماس و التحدث بنبرة طبيعية إلا أن فشل في ذلك فخرج صوته مرتبكا:”و إنت…. إنت مين يا جدع إنت و بتسأل ليه على إبني…”
شاهين بتلاعب:” و لا حاجة حبيت اطمن عليه بس لحسن يكون رجع للسكة القديمة من ثاني و إنت فاهم كويس انا بتكلم على إيه فبطل لف و دوران…. و خلينيا نتكلم في الموضوع اللي إحنا جايين فيه عشان ورايا شغل و مش فاضيلك “. تبدلت نبرة شاهين إلى الجدية و هو يحدج منصور بنظرات حادة تكاد تخترقه و يشير له بالجلوس.
جلس منصور علي مضض و قد فهم مايرمي له هذا الرجل الغريب تحت نظرات عمر المتعجبة.
إنتقل بنظره إلى شاهين الذي تحدث باستخفاف:” إسمع يا… منصور إنت عارف كويس إحنا مين و جايين ليه فقصر علينا الطريق و ماتخلينيش أضطر اتعامل معاك بطريقة ثانية…”.
منصور و هو يرمقه بنظرات نارية رغم إرتباكه:”مش فاهم إنتم جايين هنا ليه و عاوزين إيه؟؟؟”.
شاهين و هو ينظر إلى ساعته بملل قبل أن يرفع رأسه و يشير بيده إلى عمر :”داه عمر الشناوى إبن الدكتور رفعت الشناوى و انا أبقى شاهين الألفي اكيد سامع عننا كثير…إحنا جايين النهاردة عشان نطلب إيد الآنسة هبة فيا ريت توافق.. “.
منصور بغضب مكتوم و هو يراقب زوجته التي أسرعت إلى غرفة هبة :” إنتوا غلطانين في العنوان يا بهوات….انا بنتي مخطوبة و كتب كتابها آخر الأسبوع داه….
قفز عمر من كرسيه و الشرر يتطاير من عينيه بعد أن بلغ غضبه الذروة فهو منذ جلوسه و هو يتحمل كلام منصور اللاذع بصعوبة و ينتظر الفرصة المناسبة حتى ينقض عليه..
عمر بصراخ:” إيه الكلام الفارغ اللي انت بتقوله داه….
انا من ساعة مادخلت بيتك و انا مستحملك بالعافية عشان خاطر هبة بس كلمة كمان و ديني لأكون دافنك مكانك”.
أمسكه شاهين من ذراعه و هو يكتم ضحكاته على غضب عمر و هو الذي كان يوصيه طوال الطريق بالتحلي بالصبر و عدم التهور و هاهو الان يفقد أعصابه و يحاول الهجوم على هذا الرجل المستفز
نفض عمر يد إبن خالته بغضب و عاد يجلس مكانه…
جذب ربطة عنقه بحركة عصيبة قبل أن يهمس حانقة: شاهين خلي المأذون ييجي انا حكتب عليها دلوقتي و حاخذها من هنا… كفاية إستحملت ثلاثة عشرين سنة عند الراجل المستفز داه “.
أومأ له شاهين الذي أخرج هاتفه و كتب رسالة ما قبل أن يدس هاتفه في جيبه مرة أخرى ….
أعاد ظهره إلى الوراء باسترخاء و قد لمعت عيناه ببريق التحدي بعد أن منحه عمر الضوء الأخضر لفعل ما يريد، هاهو الوجه الحقيقي لشاهين الألفي يظهر و على هذا النحو سيتصرف و يحل الأمر في دقائق معدودة.
:”المؤذون جاي دلوقتي علشان يكتب كتاب عمر بيه على بنتك….و إنت عندك حلين، الأول إنك توافق من سكات و تخلي الليلة تعدي على خير يا إما حضطر أبلغ البوليس على إبنك المدمن اللي انت بتتستر عليه …..
تكلم شاهين بنبرة هادئة مخيفة و هو يرسل نظرات محذرة لمنصور الذي تسمر مكانه دون رد.
طوال الطريق لم تتوقف هبة عن البكاء
و هي تتذكر نظرات والدها القاسية
و كأنها أجرمت في حقه…
آخر كلماته مازالت ترن في أذنيها
عندما دخل عليها غرفتها بعد عقد
قرانها ليقول لها بكل قسوة و جمود
:” بعد اللي إنت عملتيه داه إنسي
إن ليكي عيلة و إحنا كمان حنعتبرك
ميتة و لما يزهق منك إبن الذوات
اللي برا داه و يرميكي إوعي
ترجعي هنا عشان ساعتها مش حتردد إني أقتلك…”.
ضمها عمر الذي كان يجلس إلى جانبها في الكرسي
الخلفي لسيارة شاهين إلى أحضانه
و هو يربت على كتفها بحنان هامسا لها
بكلمات مطمئنة عله يخفف عنها بعضا من
ألمها الذي تشعر به….
عبرت السيارة البوابة الكبيرة لفيلا شاهين
فهو قد إتفق مع عمر علي مكوث هبة في
فيلته عدة أيام قبل إقامة الزفاف…
توقفت أمام الباب الرئيسي للفيلا
ليسارع عمر بفتح الباب الذي بجانبه
و يترجل للجهة الأخرى من السيارة
ليفتح الباب و يساعد هبة على الخروج….
إستندت عليه لتخرج بصعوبة و الدموع
التي تغشى عينيها تجعلها غير قادرة
على رؤية أي شيئ أمامها….
ساعدها عمر لصعود الدرج الداخلي
ليتجه بها إلى إحدى الغرف…
راقبهما شاهين و قد إرتسمت
على ثغره إبتسامة ساخرة ليتمتم:”إيه المسلسل الهندي داه…
مط جسده بكسل قبل أن يتجه إلى الحديقة باحثا عن والدته للاطمئنان عليها.
فتح عمر باب الغرفة لتدخل هبه قبله ثم يتبعها هو و يغلق الباب ورائها…
أجلسها برفق على السرير ثم جلس
بجانبها و هو يحتضنها داخل صدره بقوة
مقبلا فروة رأسها لتتمسك به هبة أكثر
و هي تجهش ببكاء مرير…
مرر عمر يده على كتفها و ظهرها
بحنان ليشعرها بوجوده معها لتهمس
له هبه من بين شهقاتها بصوت متقطع:”عمر.. أرج…. وك متسبنيش… انا مليش غيرك دل…. وقتي”.
قبلها عمر مرة أخرى من أعلى جبينها
قبلة طويلة و هو يجيبها بهمس مماثل:” ششش إهدي و متفكريش في حاجة غير إني
أنا و إنت مع بعض….و إن انا بحبك أكثر من روحي يا بيبة”.
هبة ببكاء :”بابا طردني من البيت….
انا معادش ليا عيلة…. انا خسرتهم، خسرت كل حاجة عشان غلطت…. “.
قاطعها عمر بصرامة و هو يبعدها
عنه قليلا ليصبح وجهها مقابلا لوجهه :”أوعي تقولي كده.. إحنا مغلطناش في حاجة هو اللي
كان رافض حبنا من غير سبب مقنع…و كان عاوز يجوزك لواحد ثاني إحنا عملنا الصح
و تجوزنا على سنة الله و رسوله
و معملناش حاجة غلط فأوعي
تقولي الكلام داه مرة ثانية انا إخترتك
و إنت إخترتيني عشان بنحب بعض
و مفيش مخلوق في الدنيا دي حيقدر يفرقنا…. بكرة حيقتنع اكيد لما يلاقيكي مبسوطة
و سعيدة معايا…
يلا بقى إمسحي دموعك بلاش العينين
الحلوة دي تتأذي و انا حنزل أجيبلك حاجة تاكليها عشان تنامي شوية و ترتاحي….”.ختم كلامه و هو يمسح وجهها برقةشديدة من الدموع الذي كانت تغرقه و يتفرس ملامح وجهها الجميلة رغم ذبولها…أغلقت هبة عينيها لتشعر بلمساته
الحانية على وجهها تتغلغل داخل روحها لتداوي ندوب قلبها التي سببتها قسوة والدها منذ سنوات ….كتمت أنفاسها عندما شعرت بشفتيه
الرطبتين تلتصقان بشفتيها لتأخذهمافي قبلة طويلة متلهفة جعلتها تحلق حرفيا فوق السحاب…غاب الزمان و المكان من حولهما وهما يغتنمان هذه اللحظات المسروقةالتي جعلتهما ينسيان واقعهما الأليم.سحب عمر شفتيه مبتعدا عن خاصتي
هبة بصعوبة محاولا التحكم في أنفاسه اللاهثة لينظر إلى حبيبته
التي لم يكن حالها أفضل منه بوجهها
المحمر كحبة فروالة ناضجة و شفتيها
.
المنتفختين بإغراء محبب يحثانه على
العودة و أخذهما في قبلة أطول و أعمق…
حاوط عمر وجهها بيديه ثم تحدث
أخيرا بصوت أجش مشبع بالرغبة:”فرحنا حيكون الخميس اللي جاي…الايام القليلة دي حتمر عليا سنين عشان مش قادر أصبر….
إبتسمت هبة بخجل و هي تدفن وجهها
بصدره و دقات قلبها المتسارعة خير
دليل على كمية المشاعر المختلطة التي
تسيطر على عقلها و قلبها…أول قبلة
لها مع فارس أحلامها الغائب الذي
أمضت سنين حياتها و هي غارقة في
حبه المستحيل حتى جاء ذالك اليوم
الذي عاد فيه لينتشلها من حياتها البائسة
و يعوضها عن كل لحظة حزن و ألم عاشتها بعيدا عنه…
طال سكونها في أحضانه لترتسم إبتسامة
. شقية على شفتي عمر الذي كان يشعر..
بما تمر به محبوبته لكنه أراد أن يشاكسها قليلا
عندما قال بشقاوة :”هبة إنت نمتي يا حبيبتي…. طب إوعي تعيطي تاني لحسن تبوزيلي
القميص…داه غالي و انا راجل على وش جواز و بحوش…”.
دفعته هبة برفق و هي تجيبه بغيظ :”إوعي كده… يا بخيل…
عمر بمرح بعد خطف قبلة سريعة من شفتيها :” حنزل أجييلك أكل و هدوم عشان تغيري هدومك
و ترتاحي شوية… و بحذرك لو لقيتك
بتعيطي حكمل اللي كنت بعمله من
شوية و مش حستني ليوم الخميس….
رمقته هبة بدهشة على جرأته رغم
خجلها منه في هذه اللحظات إلا
أنها لم تستطع إخفاء دهشتها من تصرفاته الجديدة…
__________________________
فتح شاهين باب غرفته بهدوء ثم
دلف بخطوات غير مسموعه…جال
بعينيه داخل الغرفة ذات الاضواء
الخافتة ليبتسم بخبث عندما لمح
كاميليا مستلقية على السرير و تغط
في نوم عميق… إقترب منها بهدوء
ليتأمل ملامحها الفاتنة قبل أن
يسحب جسده بصعوبة باتجاه الحمام…. خرج بعد دقائق يرتدي بنطالا قطنيا أسود اللون
و منشفة صغيرة على رقبته…
وضع المنشفة على الاريكة بهدوء
حتى لا يصدر صوتا يجعلها تستيقظ، صعد فوق السرير ليمدد بجانبها ثم يجذبها بخفة
ليصبح نصف جسدها فوقه…
تململت كاميليا في نومها بعد أن شعرت
بتغير ملمس الفراش تحتها لكنها لم
تستيقظ ليزفر شاهين بحنق متمتما:”إمتى حتبطل تاخذ الأدوية الزفت دي..
إنحنى قليلا ليطبع قبلة سريعة على
وجنتها لكنها لم تكن كافية بل زادت
من إشتعال النار داخله ليتبعها بقبلات
أخرى على رقبتها و عنقها مستنشقا
رائحتها المسكرة التي ألهبت حواسه
لتتسارع أنفاسه الساخنة على بشرتها الناعمة
و باتت رغبته تسيطر على جسده
أنًت كاميليا بصوت خافت تعبيرا عن
إنزعاجها غير واعية بذلك الذي جن
جنونه يكاد يفقد السيطرة على آخر
ذرة من ذرات عقله…كيف تغير حاله
إلى هذه الدرجة، قلبه الميت بدأ
يحيا من جديد على يدي هذه الصغيرة
التي أصبح لا يجد راحته سوى في أحضانها…. وهو البارد القاسي الذي أسقاها من عذابه
كؤوسا بات يسعى إلى وصالها ليلا نهارا…
فتحت عينيها و هي تشعر بشيئ رطب
يجوب وجهها و عنقها لتجده هو….
تراجعت إلى الخلف و هي تدفعه بيدها
على صدره العاري بحركة دفاعية لكن
ذراعه الأخرى طوقتها من ظهرها
و قربت جسدها منه أكثر ….تمتمت برعب بعد أن وعت بفعلتها :”أنا آسفة…. مكنش قصدي…
شفتيها كانتا ترتعشان بخوف و عينيها
تلتمعان بدموعها التي كانت على وشك
الأنهمار.. كم كانت خائفة منه و بشدة
فمجيئه بهذه الطريقة يعني فقط شيئا واحدا و هو عقاب جديد…
تمالكت كاميليا نفسها بصعوبة لتجد
حلا فوريا يساعدها على التخلص من براثنه… الخوف و الاستسلام ليسا حلا إذا أرادت
ان تنجو منه، فجأة تذكرت كلمات
فتحية في الصباح عندما أخبرتها
بضرورة بإستعمال الأسلحة القديمة لأي إمرأة…
. الاغراء و الدموع.
عضت وجنتيها من الداخل بخجل
على هذه الفكرة الجريئة التي لم
تكن تتخيل يوما أنها سوف تلتجئ لها خاصة مع ملك الجليد زوجها…
كيف ستغريه و هي لا تستطيع حتى
التنفس بحرية عندما يكون بقربها.. يجب أن تجرب، لا ضرر من تجربة شيئ جديد حتى
و لو كانت نهايته الحتمية هو تعرضها لعقابه….
تسمر شاهين مكانه من هول المفاجأة عندما
إندفعت كاميليا بجسدها داخل
أحضانه مطوقة رقبته بذراعيها الصغيرتين و هي تجهش ببكاء مصطنع…
متمتمة بين شهقاتها بصوت متقطع
بصعوبة فهمه:” انا… انا اااسفففة.. اااسفة ممش قصد”.
إستدرك شاهين نفسه ليربت على ظهرها بحركات لطيفة غير متوقعة منه و هو لايزال
غير مستوعب لما تفعله…
أبعدها عنه بصعوبة بسبب تشبثها به و
رفضها تركه مخافة مواجهة ردة فعله… إرتخت ذراعاها تدريجيا و هدأ خوفها قليلا
لترفع عينيها الدامعتين بتردد
ترمقه بنظرات مستعطفة كجرو صغير أتلف غرضا ثمينا لصاحبه…
أخفى إرتباكه ببراعة و هو لا يكاد
يصدق ما يحصل معه هل شاهين الألفي
من يرتبك من نظرات أنثى بعد كل تجاربها التي لا تحصى و لا تعد مع النساء…
نظر إلى عيناها الزرقاء بتمعن قبل أن
يزفر بغضب من نفسه فما كان يخشاه
منذ سنوات و حاول بشتى الطرق تجنبه قد حصل…ان يضعف أمام إمرأة من جديد…
دفعها بلطف مرة أخرى من جديد لتتمدد
على الفراش ثم مد يده ليجذب الغطاء
و يدثرها به و هو يتحاشى بصعوبة النظر إليها….
إلتفت إلى الجهة الأخرى إستعدادا
المغادرة لكن يدها الرقيقة التي حطت
فوق كتفيه فجأة منعته لتصلب مكانه
خاصة بعد أن سمع صوتها الرقيق و هي تسأله بارتباك:”إنت زعلت مني…
كان صوتها ناعما مرتعشا كسنفونية
موسيقية حزينة ود لو انه باستطاعته..
الاستدارة إليها و أخذها في أحضانه
و طمئنتها بأن لا علاقة لها بما يشعر به من تخبط و ضياع …هل يتبع قلبه مرة أخرى و
يستسلم لمشاعر الحب ام يستمع
إلى صوت عقله الذي يحذر من جديد من الوقوع في الفخ.
قفز من فوق السرير كمن لدغه عقرب
و هو يتمتم بصوت حاد :”كملي نومك…انا حطلع أطمن على عمر”….
دخل غرفة الملابس ليلتقط قميصا
مماثلا للون البنطال ثم خرج دون أن يلتفت إليها….
تبعته كاميليا بعينيها و هو يغلق باب
الغرفة وراءه لتردد بانتصار و هي تعقد قبضتيها على شكل لكمة و ترفع ذراعيها إلى الأعلى :”yes, yes, yes
مسحت دموعها و هي ترسم إبتسامة مرحة
على وجهها قبل أن تذكر آخر كلامه لتتمتم :” عمر عمر داه؟ يكونش عمر بتاع هبة…. انا أنزل اشوف فتحية إذاعة الفيلا اكيد عندها آخر الأخبار ؟؟
تعثرت بالاغطية لتقع على السرير مرة
أخرى لتضم شفتيها بحنق لذيذ ثم نهضت مرة أخرى متجهة إلى الاسفل وهي تمشي على
أطراف أصابها.
وصلت إلى المطبخ لتجد فتحية و
زينب تجلسان حول الطاولة تعدان أطباق السلطة للعشاء فيما كانت خديجة بجانب الموقد.
ضيقت عينيها بطريقة شبيهة
للمخبرين قبل أن تقترب من الفتاتين التين كانتا تتهامسان بخفوت….
جلست على الكرسي بجانبهما فجأة
لتتصرخا بفزع من رؤيتها.
زينب و هي تضع يدها على قلبها:”إيه يا كاميليا هانم
خضيتينا في إيه جاية تتسحبي زي الحرامية…”.
مدت كاميليا يدها لتأخذ قطعة طماطم
و تأكلها و هي تتكلم:”كملوا كلامكم يلا….
تظاهرت فتحية بالانشغال بعملها و
هي تجيبها بتلعثم:” كلام إيه يا هانم إحنا مكناش بنقول حاجة
كنا بنتكلم على العشا بس….
همهمت كاميليا بعدم إقتناع و هي
توجه نحوهما السكين بطريقة مسرحية :”إيه حكاية الضيوف اللي كنتوا بتتكلموا عليهم دول….
حاولت الفتاتين التملص من سؤالها
لكنها كانت مصرة حتى تعرف.
فتحية بيأس:” داه البشمهندس عمر صاحب
شاهين بيه بيقولوا جايب معاه بنت كده….الظاهر إنها مهمة جدا بالنسبة له عشان نزل
خدلها الاكل و كمان شنطة هدومها الظاهر إنها حتطول هنا….
وضعت كاميليا السكين على الطاولة
ثم إنحنت بجسدها لتصل إليهما و هي
تضع ساقها على الكرسي ثم قالت:”حتطول هنا؟؟؟ طب إنتم مش عارفين إسمها إيه و شكلها إزاي… ؟؟
زينب بنفي:لا يا هانم محدش شاف
وشها أصل عمر بيه كان حاصنها جامد و مغطي شكلها كله…..
حكت كاميليا رأسها بتفكير و قد شغلها
معرفة هوية هذه الفتاة التي أحضرها حبيب صديقتها إلى الفيلا…
قاطع إجتماعهم المهم دخول شاهين
المطبخ كثور هائج…عيناه حمراء بغضب و هو يجوب المطبخ يبحث عن شيئ ما..
وقفت الفتيات بفزع من أماكنهن ليقفن
مكانهن و هن يحنين رؤوسهن بطاعة….
كانت كاميليا متسمرة في مكانها على الكرسي
و هي تشاهد ما سيحصل بعينين
فزعتين و هي تتسائل عن سبب غضبه المفاجئ
فهي منذ دقائق قد تركته بمزاج جيد….
رمق شاهين فتحية بنظرات قاتلة قبل
أن يشير إليها بإصبعه قائلا بغطرسة:”إنت… ورايا على المكتب….
حول نظراته إلى كاميليا التي كانت تحدق
بعينيها كالبلهاء ليشير إليها هي الأخرى :” و إنت إطلعي فوق…
اومأت له برأسها عدة مرات قبل أن تقفز من
الكرسي بخفة و تتوجه إلى الخارج هربا منه….
داخل المكتب…
دخلت فتحية المكتب بخطوات متعثرة و
قلبها يكاد يسقط مكانه من شدة الرعب….
طوال الطريق من المطبخ إلى المكتب
و هي تتسائل مالذي فعلته حتى تثير غضبه
بهذا الشكل… فتحت الباب و دخلت ثم أغلقته ورائها.
و هي ترفع رأيها ببطء تبحث عن رب عملها
بخفية، صرخت بقوة ثم إنحنت برأسها بسرعة بعد
أن تفاجأت بشيئ أسود يطير ناحيتها ليترتطم
بالحائط و يسقط أرضا ليتهشم إلى مئات القطع..
دققت النظر لتجد بقايا حاسوب مهشم
كان قد رماه شاهين ناحيتها في إحدى نوبات غضبه…
و هو يصرخ :”انا كام مرة نبهت عليكي
عشان تمسكي لسانك و تبطلي كلام في اللي ملكيش
فيه ها…..
كام مرة قالها بصياح أعلى ثم أكمل… بقى حتة خدامة زيك حتدخل نفسها في شؤون أسيادها”.
إنكمشت فتحية على نفسها خوفا من هيئته
المرعبة قبل أن تتمتم برجاء :”يا بيه…. انا مش فاهمة إنت بتتكلم على إيه”.
ضرب شاهين سطح مكتبه لتصمت
فتحية و هي تراقب ما يفعله بصمت عندما فتح الدرج و جذب حاسوبا آخر ليفتحه
و يضرب
أزراره عدة مرات قبل أن يوجهه لها لتظهر صورتها مع كاميليا تتحدثان صباحا….
شهقت المسكينة بفزع بعد أن فهمت
ما يرمي إليه لتبدأ بتلاوة الشهادتين في سرها.
ابعد الجهاز من أمامه ثم جلس و
.
هو يأخذ عدة أنفاس متلاحقة قبل
أن يردف بسخرية:”بقى إنت بتنصحي مراتي إنها تغريني عشان توصل للي هي عاوزاه و تتحكم فيا…
قاطعته فتحية و هي تنفي برأسها بخوف:” لا يا بيه مش قصد…
إخرسي “صرخ بها و هو يكمل كلامه
بهدوء :” مممممم بس تعرفي عجبتني الفكرة…فتحية هو إنت بقالك أد إيه بتشتغلي هنا؟؟؟
:”خمس س… سنين يا بيه “.
أجابته و هي تبتلع ريقها بصعوبة….
:” خمس سنين طب كويس… يعني عارفة إني بعاقب أي حد يغلط فيا…..
قالها ببرود و هو يقلب بعض الأوراق في يديه…
يا بيه و الله مش قصدي إحنا بس كنا بندردش….. و الله مكانش قصدي حاجة
أجابته بتلعثم…
نظر لها قليلا قبل أن يتكلم و هو يستدير من حول المكتب و يجلس على الاريكة بأريحية….
:”و إنت بقى مين عشان تدردشي مع
الهانم ها… إنت بتشتغلي هتا يعني
مهمتك تعملي شغلك و بس مش تقعدي
. تدردشي…. و على فكرة دي مش
أول مرة و انا نبهت عليكي كثير بس إنت الظاهر من النوع اللي بيفهم بالكلام….
إنحنت فتحية تحت قدميه و هي
تشهق بالبكاء و تستعطفه:” ارجوك يا بيه و سامحني المرة دي آخر مرة…
أشار لها بأن تقف…لتبتعد فتحية و
هي ترجو داخلها ان يسامحها فهي ضعيفة و غير قادرة على مجابهة غضبه….
أشعل شاهين إحدى سجائره الفاخرة ثم
بدأ بتدخينها بتلذذ…. تحت أنظار فتحية التي كانت تقف مكانها بصعوبة يكاد يغمى عليها من الخوف…..
نظر إليها أخيرا برهة من الزمن و كأنه يفكر في شيئ ما قبل أن يتحدث :” عاوزاني أسامحك و أديكي فرصة ثانية……
اومأت له الأخرى و هي تمسح دموعها بيديها… ليتابع :” يبقى تعملي كل اللي بقلك عليه بالحرف الواحد…. و إياكي تغلطي او تنسي كلمة من اللي انا حقلك عليه….
أشار لها بسبابته بتحذير و هو يقف من مكانه مكملا :”و متنسيش إننا حكون بتفرج عليكي.. يعني حبقى عارف كل اللي إنت بتعمليه… “.
اومأت المسكينة بطاعة مرة أخرى و هي لاتكاد تصدق نجاتها…. حمدت الله في سرها قبل أن تستعيد تركيزها لتفهم ما يقوله لها.
_____________________
في الغرفة الأخرى…
إستلقت هبة بتعب على السرير
و هي تسترجع أحداث اليوم الصعب الذي مر عليها لتنهمر دموعها بصمت… إنتبهت لدخول
عمر الذي توجه مباشرة إلى الخزانة الكبيرة ليخرج بعض من ملابسه…
مسحت هبه دموعها بسرعة ثم تنحنحت
حتى ينتبه لها و بالفعل ترك عمر الملابس من يده ثم إلتفت إليها و علي وجهه إبتسامة مرحة
ليقول :”إنت لسه صاحية؟؟ إفتكرتك نمتي…
تجلست هبة مكانها و هي تضع يدها على رأسها بألم قائلة :” عندي صداع و مقدرتش أنام…
سارع إليها عمر و هو يتفحصها بلهفة…
وضع يده على جبينها ليتأكد من
حرارتها قبل أن يقول بنبرة عتاب:”مفيش حرارة الحمد لله…مصدعة عشان عيطتي كثير انا حجيبلك مسكن
و حتبقي كويسة “.
أمسكته هبة من يده تمنعه من الوقوف و
هي تقول بصوت ضعيف من الالم :” مفيش داعي مش بحب الأدوية.. شوية و الصداع حيروح لوحده”.
ضمها عمر إليه و هو يهمس:”متقلقنيش
عليكي يا حبيبتي.. إنت مش عارفة انا ببقى عامل إزاي و انا شايفك حزينة كده.. انا لسه لحد
دلوقتي بلوم نفسي إني سكتت و معملتش حاجة لما ابوكي مد إيده عليكي و ضربك..و نادم
كمان عشان مخطفتكيش من زمان من سبع سنين… انا كل مرة بقعد لوحدي و بفكر في العذاب
اللي إنت عشتيه بسببي بكره نفسي…و دلوقتي عاوز
أعمل كل حاجة عشان اكفر عن ذنبي داه… ”
رفعت هبة عينيها الدامعتين نحوه ترمقه
بنظرات خائفة و هي تقول :” يعني إنت
تجوزتني عشان كده عشان حاسس بالذنب.. ”
فلتت من بين شفتيه ضحكة مرحة على
مظهرها الطفولي بوجهها الأحمر و عينيها الدامعتين
و هي تنظر له بوداعة هكذا ليمسك عمر نفسه بصعوبة على إلتهامها….
:”انا تجوزتك عشان بحبك…و محبتش
غيرك في حياتي لا قبلك و لا بعدك…المعلومة
دي خزنيها كويس في دماغك الحلوة دي
و حتى لو مخزنتيهاش انا حفضل اقولهالك
على طول….و إفهمي إن انا دلوقتي اسعد راجل في الدنيا عشان بقيتي مراتي و في حضني….
نظر لها و هو يلاعب حاجبيه بتسلية لتنزل
هبة رأسها بخجل…قهقه عمر بخفة و هو يحتضنها
بقوة غير مصدق لوجودها معه…
تنهد طويلا قبل أن يباشر في الحديث و هو
مازال يحتفظ بها بين أحضانه :”عارفة الأوضة
دي بتاعتي…لما بتضايق من البيت أو اتشد في
الشغل مع شاهين ببات هنا…كنت بحلم بيكي
كل ليلة و انت معايا و في حضني…و بتخيلك بتحكيلي عملتي إيه في المدرسة”.
نظر لها قليلا ثم إستأنف حديثه مجددا:”عارفة انا
اللي السنة اللي فاتت كنت فاكرك لسه في المدرسة “.
إبتسمت هبة ثم إبتعدت عنه قليلا قائلة:” طيب ليه
مدورتش عليا قبل كده… يعني اقصد انه لو
متقابلناش صدفة هنا انت مكنتش حتلاقيني….
عمر بنفي:”انا رجعت مصر بقالي شهور قليلة بس
كنت ناوي فعلا ادور عليكي و في نفس الوقت كنت
متردد كنت خايف الاقيكي تجوزتي…مكنتش حتقبل
داه بس لما لقيتك وعدت نفسي إني مش حسيبك
ثاني مهما حصل… هبة أنا زمان سيبتك عشان كنتي
صغيرة و في فترة مراهقة و مكنتيش واعية و
متأكدة من حبك ليا و انا كنت خايف اكون بظلمك
معايا…بس خلاص دلوقتي خلينا ننسى كل اللي فات
و نفتكر بس إننا و إنت مع بعض و بإذن الله كل المشاكل حتتحل “.
______________________________
تربعت كامليا فوق الفراش و هي تقضم أصابعها من
شدة التوتر… تمتمت بخوف و هي تتخيل حالة
فتحية اما ذلك الشيطان :” يا لهوي..داه مش بعيد
يقتلها بس هي… هي عملت إيه أنا مش فاهمة…. لالا
اكيد لسانها المتبري منها هو السبب، مبتعرفش
تسكت و يمكن سمعها و هي بتتكلم في حاجة…
يوووه انا حطق هنا عاوزة أعرف…
إبتلعت ريقها بصعوبه و هي تعتدل في جلستها بعد
أن سمعت صوت باب الغرفة يفتح….
اطل من ورائه شاهين بهيبته المعتادة التي تلقي في
نفسها الذعر، لمحت إبتسامته المخيفة مرتسمة على
شفتيه اللعوبتين لتشعر بوجود خطب ما جلس على
حافة السرير قريبا منها و هو مازال ينظر لها بنظرات
غامضة،شعرت به يتفحص جسدها بوقاحة لتنكمش
كامليا على نفسها و هي تتراجع إلى الخلف ببطئ
ظنا من انه لن يشعر بها….
أشار لها بكفه ان تتوقف عن التحرك و هو يقول
بصوت حازم:”يعني كنتي بتنفذي تعليمات الخدامة
و بتحاولي تغريني….
شهقت كاميليا غير مصدقة لما تسمعه منه.. يا إلهي
هل يوجد شيئ لا يعلمه هذا الرجل… نفت برأسها و
قد بدأت الدموع تتجمع في عينيها و هي تحدق به، كانت عينيه تلمعان بوميض حزن سرعان ما أخفاه
لتيحدث من جديد متجاهلا فزعها :” طيب مكملتيش
ليه داه انا حتى… قربت اصدقك و أصدق دموع التماسيح بتاعتك”.
إندفعت كاميليا قائلة تنفي إتهاماته :”الحكاية مش كده صدقني… أما بس كنت خايفة منك…
شاهين بعدم تصديق :” طيب…أدخلي الأوضة
حتلاقي فستان فوق الكرسي إلبسيه و تعالي… “.
بعد نصف ساعة داخل غرفة الملابس وقفت كاميليا
مقابل المرآة الكبيرة تطالع نفسها بتقزز من هيأتها
المختلفة…. شعرت بغصة في حلقها و هي تشعر
بضعفها و عجزها للمرة الالف و هي تنفذ أوامره كجارية…
أولم يقل لها من قبل انها هنا فقط لتلبية رغباته.
إكتفت بوضع ملمع شفاه على شفتيها ثم إستدارت لتجد شاهين يقف مستندا على باب الغرفة ينظر لها بذهول.
غمغم بعدة كلمات خافتة قبل أن يتقدم نحوها و
عيناه تتفرسان تفاصيلها بإعجاب.
بدت رائعة، مثيرة بل فتنة تمشي على وجه الارض
حتى أنه لم يستطع إزاحة عينيه من عليها و لو
لحظة.
حورية نزلت إليه من السماء لم يتوقع ان تكون بهذا الجمال و هو يختار لها الفستان الذي صمم لها
خصيصا…
بلونه الأزرق الناعم المائل إلى البنفسجي الخفيف
إنسدل على جسدها ليرسم منحنياته بإغراء….
تصميمه العاري من أعلى ليبين كامل ذراعيها و عنقها
و جزء من صدرها و بفتحة طويلة على ساقها لتبرز جمال ساقيها البيضاوتين….
إنحنى ليلثم عنقها بنعومة قبل أن يبتعد عنه قليلا
ليتأمل جمالها الذي أظهره هذا الثوب بسخاء.
أحاط وجهها بكفيه حتى إختلطت أنفاسها الخائفة
بأنفاسه الراغبة ليهمس بصوت ثقيل :”كل الجمال داه ليا لوحدي…ملاكي”.
أنزل يده اليمنى إلى خصرها لتطوقه و يجذبها نحوه بتملك لي بق على شفتيها بقبلة عنيفة مؤلمة كادت ان تفقد كاميليا أنفاسها ليبتعد عنها و هو يسند جسدها المرتخي قائلا بهمس محذر:”مش حسمح لحد انه يشوف جمالك داه غيري و لا حسمحلك إنك تبصي لحد غيري.. إنت بتاعتي أنا و ملكي أنا لوحدي”.
👇👇👇👇👇👇👇👇👇👇👇👇👇👇👇 الشيطان شاهين › الفصل الثالث و العشرون
الفصل الثالث و العشرون
إستيقظت ليليان على صوت منبه هاتفها…
أغلقته بسرعة ثم تجلست في سريرها تنظر
إلى الجهة الأخرى من الفراش لتجدها فارغة…
لوت ثغرها باستهزاء و كأنها كانت تتوقع حدوث
ذلك. مطت ذراعيها و هي تتثاءب بكسل
متتمتة:”أصبحنا و أصبح الملك لله..
ربنا يعدي اليوم داه على خير”.
قامت من مكانها لتقوم بروتينها اليومي
و تنزل إلى الاسفل لتجد بقية العائلة متحلقة
على طاولة الفطور ألقت عليهم التحية ثم قبلت رأس
عمها قبل أن تجلس مكانها….
كريمان بتساؤل بعد أن لاحظت تأخر أيهم في
النزول:” هو أيهم لسه نايم و إلا إيه؟ “.
ليليان و هي تترشف قهوتها:”لا يا طنط… هو أصلا
مش بايت هنا إمبارح”.
كاريمان بدهشة :”مش هنا؟؟ أمال فين؟؟
ليليان بنفس البرود:” مش عارفة قال إن عنده شغل
متأخر…و فضل في المستشفى عشان يكمله و
إمبارح لما كلمته قلي إنه حييجي متأخر بس
مجاش”.
حدقت بها كاريمان بعدم رضا ليقاطعهم محمد
قائلا :”يا ماما أيهم مش صغير و بعدين ماهو
ياما بات برا البيت يا إما في المستشفى
و إما مع أصحابه “..
كاريمان بتلميح:” زمان مكانش متجوز يعني مكانش
عنده حد يرجع علشانه .. بس دلوقتي
الأمر إختلف و متنساش إن هو لسه عريس
مكملتش شهر يعني إيه اللي حيخليه يبات برا بيته
مثلا “.
تأففت ليليان بصوت مرتفع و هي ترمي
المنديل على الطاولة بعد أن فقدت أعصابها
و صبرها من تلميحات زوجة عمها في كل
جلسة :” و الله يا مرات عمي داه إبنك و إنت أدرى
بطباعه فلما يروح الليلة إن شاء الله إبقي إسأليه “.
وقفت من مكانها و هي تكمل :” عن إذنكم انا رايحة
المستشفى عشان تأخرت”.
خرجت ليليان من الفيلا تاركة العائلة تتحاور في
مابينها بعضهم يلوم كاريمان على تغيرها مع ليليان
منذ زواجها و بعضهم يذكرها بتصرفات أيهم الغريبة
قبل أن يتفرق كل واحد منهم إلى وجهته.
وصلت ليليان إلى المستشفى و هي في قمة الغضب
ألا يكفيها ما تعانيه من الابن حتى يأتي دور الام.
ألقت حقيبتها فوق مكتبها بإهمال ثم رفعت سماعة
الهاتف لتطلب قهوة لها.
دخلت عليها أمنية دون أن تطرق الباب و هي
تقول بصوت لاهث:”صباح الخير يا لولو مالك… كنت
بنده عليكي من أول مادخلتي باب المستشفى بس
مسمعتنيش”.
ليليان :”صباح الخير… سوري أصلي جاية من البيت
مش شايفة قدامي….
أمنية و هي تجلس على الكرسي:” إيه مالك حصل
إيه؟؟؟
أسندت ليليان ظهرها على كرسيها بتعب قبل أن تتكلم:” كالعادة طنط كاريمان و إبنها “.
تأففت أمنية من سيرتهما و هي تجيبها:” هي مرات
عمك دي مالها إتقلبت مرة واحدة كده مش كانت
بتحبك و بتعتبرك زي بنتها؟؟ “.
ليليان بملل:” داه كان زمان قبل أن ابقى مرات إبنها
العزيزة اللي لازم تهتم بالبيه و تعامله معاملة الأسياد
و متزعلوش حتى لو على حساب كرامتها و
مشاعرها”.
همهت أمنية قليلا قبل أن تجيبها :”ربنا يكون في
عونك يا لولو…مش عارفة حكايتك دي حترسي على
فين… انا أنصحك إنك تحكي لعمك على كل حاجة
و هو اكيد حيتكلم معاه يمكن يغير معاملته ليكي
شوية “.
ليليان بنفي:” مستحيل… انا طبعا مقدرش أقول لعمي
على حاجات زي دي و بعدين لو كنت عاوزة أقله
كنت قلتله من زمان من قبل ماتجوز… يمكن ساعتها
كنت أقدر اتخلص من أيهم و لو إن داه إحتمال
ضعيف… انا عارفة أيهم و عمايله و مفيش حاجة
حطها في دماغه إلا و وصلها… انا خلاص إنتهيت
و رضيت بقدري انا اللي مضايقيني حاجة واحدة بس
مرات عمي بقت مصتقصداني في الرايحة و الجاية
يا رتني كنت وافقت أيهم إننا نعيش في شقته على
الاقل حبقى مرتاحة انا بقيت في نظرها مذنبة و إن
أنا اللي مطفشة إبنها من البيت “.
أمنية بتأسف :” انا مش عارفة أقلك إيه يا لولو ربنا
معاكي يا حبيبتي…”
في مكتب آخر لا يبعد كثيرا عن مكتب ليليان..
طرقت هند الباب طرقات متتالية قبل أن يسمح لها
بالدخول.
إبتسمت هند و هي تلقي التحية :” صباح الخير يا
دكتور أسعد… ”
أسعد بابتسامة :”صباح الخير يا دكتورة هند…
إتفضلي “.
جلست هند و هي تضع ساقها على الأخرى بأناقة قبل
أن تتحدث :” إيه أخبار الشغل يا دكتور؟”.
بادلها أسعد إبتسامة عمليه قبل أن يجيب باختصار
:”كل حاجة تمام شكرا يا دكتورة”.
تنحنحت هند و هي تستوي في جلستها و قد ظهر
على ملامحها بعض الاهتمام:” انا الحقيقة… كنت
عاوزة أتكلم معاك في حاجة مهمة جدا… بس
متخصش الشغل، حاجة شخصية يعني… بس أتمنى
متفهنيش غلط يا دكتور”.
أسعد بهدوء :”إتفضلي يا دكتورة إتكلمي”.
هند بجرأة :”انا الحقيقة سمعت شوية إشاعات
بتقول إنك معجب بالدكتورة ليليان..”.
قاطعها أسعد بحدة :” من فضلك يا دكتورة…مفيش
داعي للكلام داه…داه كان ماضي و إنتهى و دلوقتي
الدكتورة ليليان متجوزة و ميصحش نتكلم عليها
بالطريقة دي “.
هند بخبث :” الواضح إنها كنت بتعزها أوي…عشان
كده مش طايق تسمع كلمة وحشة عليها… على
العموم صدقني انا كنت عاوزة مصلحتك و بس
و كمان انا فكرت كثير قبل ماجي أتكلم معاك
إنت الوحيد اللي حتقدر تنقذ الدكتورة ليليان.. داه
لو بتحبها بجد… “.
أسعد بتساؤل و قد جذبت إنتباهه بكلامها :” مالها
الدكتوره.
هند و هي تمثل شعورها بالاسف:” انا بصراحة
عرفت صدفة و بما إني ست زيها و تقريبا مريت
بنفس الظروف اللي هي فيها فأنا حسيت بيها أوي
الصراحة و صعبت عليا بالرغم من إن علاقتي بيها
عادية مجرد زملاء بس هي معروفة في المستشفى
كلها بأخلاقها و طيبتها و كل اللي هنا بيحبوها و انا
لما سمعت اللي حصل حسيت قد إيه هي مظلومة
و متستهلش كل اللي بيحصل معاها”.
أسعد باندفاع و قد ضاق ذرعا بمماطلتها فهو اكثر
شخص يعلم بأخلاق ليليان :” إتكلمي يا دكتورة
و بلاش لف و دوران “.
هند بهمس:” أنا سمعت إنها وافقت تتجوز الدكتور
أيهم غصب عنها عشان عيلة عمها و إن أيهم هو اللي
هددها و أجبرها إنها توافق… داه غير حياتها اللي
تقلبت جحيم بعد الجواز.. طبعا إنت عارف أخلاقه
كويس، داه بتاع ستات و كل يوم مع واحدة شكل
داه بيخون مراته كل ليلة داه غير الضرب و الإهانة
بس المسكينة ساكتة و مش قادرة تتكلم علشان
الفضايح…”.
أسعد باستغراب:” بيضربها…و بيخونها “”.
هند :”أيوا و انا متأكدة من الكلام داه و لو عاوز
حخليك تشوف بعنيك… دي كل الناس عارفة أصلا”.
أسعد باستدراك :”طيب إنت عاوزني أعمل إيه؟؟”.
هند و هي تبخ سمها في أذنه كالافعى :”لازم تحاول
تنقذها… هي دلوقتي لوحدها و مفيش حد معاها غير
صاحبتها أمنية و دي اصلا متقدرش تعملها حاجة….
داه غير إن الدكتورة ليليان بتحبك، انا مرة كنت في
الاسانسير و سمعتهم بيتكلموا بالالغاز بس أنا
فهمتهم كانت بتقولها يا ريته كان تقدم عشان
ينقذني من العذاب اللي أنا فيه… “.
أسعد و هو يخفي حماسه :” طيب و انا حتأكد إزاي
من كلامك ده مش يمكن تكوني فهمتي غلط “.
هند بتأكيد :” لا انا حخليك تتأكد من كل كلمة انا
قلتهالك و مش بس كده انا حخليك تشوف بنفسك
بس لازم توعدني إن الكلام داه يبقى سر بينا ما إنت
عارف المستشفى…أي حاجة بيشوفوها بتنتشر
بسرعة”.
أسعد بتأكيد :” إتفقنا بس ياريت بسرعة عشان لو
الكلام اللي إنت بتقوليه داه صحيح يبقى ليليان
في خطر.. أقصد الدكتورة ليليان “.
هند بخبث :” طبعا يا دكتور أسعد انا حاكدلك صدق
كلامي في أسرع وقت و لو مش النهاردة يبقى
بكرة”.
________________________________________
في فيلا الألفي…..
إستيقظت هبة من نومها على على لمسات حانية
لتبتسم تلقائيا قبل أن تفتح عينيها لتجد عمر أمامها
يمسك بوردة حمراء و يمررها على وجهها بنعومة.
” صباح الورد و الفل و الياسمين على أجمل عيون
شفتها في حياتي”.
نبس عمر بنبرة حب قبل أن ينحني ليقبل شفتيها
قبلة رقيقة.
صباح النور “. ردت هبة بخجل و هي تستقيم في
جلستها.
عمر بابتسامة :” يلا قومي غيري هدومك عشان ننزل
نفطر تحت… طنط ثريا متحمسة جدا عشان
تشوفك”.
هبة بخجل و هي تزيح الغطاء من فوقها :”حاضر
خمس دقائق بس…
إتجهت نحو الخزانة لتختار بعضا من ملابسها قبل أن
تدخل إلى الحمام تحت نظرات عمر العاشقة.
بعد دقائق عديدة خرجت لتجد الغرفة فارغة، جلست
على السرير و هي تفكر في ما ستفعله قبل أن تستمع
إلى صوت عمر قادما من الشرفة.
وقفت من مكانها لتذهب إليه ليتجده يتكلم على
الهاتف… نظرت أمامها بانبهار نحو الحديقة الغناء
التي كانت تمتد أمامها لاميال ….
أحس عمر بقدومها لينهي مكالمته بسرعة ثم إلتف
إليها ليجدها في عالم آخر تنظر أمامها و تبدو مستمتعة جدا بما تراه.
إحتضنها بخفة و هو يقبل رأسها قائلا :”عجبتك؟؟
هبة بلهفة:” جدا…المنظر من هنا تحفة طبيعة و هواء
نقي يا ريت نقدر نفضل هنا على طول “.
ضحك عمر عليها قبل أن يقول :” طب و بيتنا مين
حيسكن فيه…”.
هبة بلهفة:” فيه جنينة؟ “.
عمر بحب:” أيوا جنينة كبيرة قد دي عشانك… “.
لفت هبة ذراعه حوله تحتضنه بحب قائلة :” بجد.. انا
طول عمري بحلم إني أعيش في بيت فيه جنينة “.
عمر :” إنت أحلامك أوامر يا حبيبتي.”.
هبة بخجل :”انا مش حطلب منك حاجة ثانية… “.
عمر مقاطعا:”. تؤ مش تطلبي إنت تأمري… يلا
دلوقتي ننزل علشان زمانهم مستينيا”.
في الأسفل على طاولة الإفطار جلست هبة بجانب
عمر بعد أن سلمت على ثريا التي سعدت كثيرا
برؤيتها….
ثريا بسعادة :” مراتك زي القمر…يا عمر عرفت
تختار “.
عمر بضحك و هو ينظر لهبة:” طبعا يا طنط انا طول
عمري ذوقي حلو “.
ثريا بابتسامة :” ربنا يسعدك يا حبيبي إنت تستاهل
كل خير، يلا تفضلوا و إلا العروسة مش عاجبها
الفطار لو عاوزة حاجة معينة قوليلي و انا حخلي
فتحية تعملهالك “.
هبة بخجل :” لا طنط مفيش داعي…”.
إرتشفت قهوتها بارتباك من نظرات عمر المتفحصة لها
فهو تقريبا لا يكاد يزيح عينيه من عليها طوال
الوقت.
إستغرب عمر من عدم وجود شاهين و زوجته ليسال
خالته قائلا :” هو شاهين فين يا طنط…مش ناوي
يفطر معانا و إلا….توقف قليلا قبل أن يكمل بجرأة
بيفطر فوق يا بخته عريس”.
ثريا بضحكة :”و الله مش عارفة يا ابني اصل بعد
بعد جوازه نادرا ما بيفطر معانا..”.
صباح الخير “. هتفت زينب و على وجهها إبتسامة
و هي تمسك بيد فادي الذي إرتمى في أحضان عمر
الذي إلتقفه بمرح قائلا :”صباح الخير يا بطل…
فادي ببراءة و هو يحتضن عمر :” صباح الخير يا
أنكل… وحشتني اوي “.
قبله عمر من خده المكتنز و هو يجيبه :” و انت كمان
وحشتني جدا جدا جدا…. أخبارك إيه بطل و عامل
إيه في المدرسة.
أجلسه عمر بجانبه على كرسيه الصغير ليقول
فادي :”انا مش بروح المدرسة انا بروح الحضانة يا
أنكل “.
عمر بضحك :”معلش نسيت… يا أستاذ فادي إيه
أخبار الحضانة “.
فادي :” كويسة انا بقيت شاطر في الرسم و بقيت
بعرف ارسم سفينة في البحر و كمان برسم سمكة
كبيرة بتبقى تحت السفينة…”.
عمر بتشجيع :”برافو يا بطل و انا حبقى أجيبلك
أدوات رسم كثير بس بشرط توريني كل الرسمات
إلى إنت رسمتها “.
فادي بفرح:” حاضر يا أنكل…انا بعد الفطار حجيبلك
كل الرسمات أصل مامي حطاهم كلهم مع بعض
في المرسم بتاعنا… “.
عمر باستغراب :” مامي… “.
فادي ببراءة :”أيوا مامي كاميليا هي حطاهم في
المرسم”.
نظرت هبة لعمر باستغراب غير مصدقة لما تسمعه
إذن هذا هو فادي الصغير الذي لا طالما سمعت عنه
من كاميليا.
تحدثت ثريا لتدد حيرتهم التي ظهرت جليا على وجه
عمر :” أصل فادي بيحب يناديها مامي…”.
إرتخت ملامح عمر و هو يربت على رأس فادي
بحب… أما هبة فكانت ترمقه بعدم إرتياح لمعرفتها
بما عانته صديقتها بسبب هذا الصغير… رغم انه
لا ذنب له في كل ما حصل لها.
___________________________________
في الأعلى… في جناح شاهين.
وقفت كاميليا من السرير بصعوبة و هي تلف الغطاء
على جسدها العاري… إلتفتت إلى الجهة الأخرى من
السرير لتلمح شاهين نائما بسلام…
رمقته بكره قبل أن تتجة إلى الحمام بخطوات حذرة
مخافة ان توقضه…
تركت الغطاء على الأرضية لتدخل تحت الصنبور…
لتختلط المياه بدموعها و هي تتذكر ليلة البارحة.
ليلة أخرى تنتهي بانتهاكها دون رحمة او شفقة
ليلة أخرى تروي ضعفها و إستسلامها أمام جبروته
ليلة أخرى تؤكد لها مدى وحشية زوجها و قسوته
فكرت جسدها جيدا تزيل لمساته المقرفة من عليها…
تذكرت همساته المتلهفة لها و تغزله بجمالها و
روعتها بين يديه دون إهتمام بما تشعر به.
إلى متى ستظل ضعيفة خاضعة تطيعه في كل ما
يأمرها به و كأنها دمية يحركها كما يشاء، هل
ستمضي حياتها هكذا و هي تموت ببطئ يوما بعد
يوم.. ماذا ستفعل و من سيساعدها على التخلص
من عذابها، ليس لها أحد سوى عائلتها العاجزة
حتى على زيارتها.
اغلقت صنبور المياه ثم أخذت منشفة كبيرة قاتمة
اللون كأيام حياتها لتلفها على جسدها الأبيض الذي
تزينه كدمات ملونة.
فتحت باب الحمام و خرجت… وجدت شاهين يقف
أمام التسريحة كان يرتدي ملابسه و يمسك بقنينة
عطر.
إبتسم و هو يتفرس جسدها المغطى بمنشفة قصيرة
قبل أن يقترب منها… إنحنى ليقبل كتفها العاري
محيطا خصرها بذراعيه.
تشبثت كاميليا بالمنشفة و هي تقول بتوتر:”صباح
الخير”.
شاهين بصوت أجش:”صباح الجمال… ادخلي غيري
هدومك حتلاقي فستان إلبسيه عشان ننزل “.
أومأت له كاميليا و هي تخفي ضيقها من لمساته
و تتجه إلى داخل غرفة الملابس.
وجدت فستانا شتويا يتكون من قطعتين و معهما
حزام جلدي أسود إرتدته كاميليا على عجل ثم
خرجت لتجد شاهين يجلس على طرف السرير
يعمل على حاسوبه
رفع رأسه ليجدها تتجه نحو التسريحة.. أخذت
المشط لتمرره على خصلات شعرها الحريرية.
تأملها شاهين بإعجاب لم يعد يخفيه لم يشعر بنفسه
إلا و هو يقترب منها ليحتضنها من الخلف و يضع
ذقنه على كتفها و هو ينظر إلى صورتهما معا
في المرآة…. تصنمت كاميليا مكانها بعد أن وضعت
المشط على الطاولة دون أن ترفع عينيها نحوه….
فهي قد تعودت مؤخرا على تصرفاته الغريبة.
طال سكوتهما و هما يقفان في نفس الوضعية
و شاهين لا يفعل شيئا سوى تأملها، تنهد قليلا قبل
ان يتحدث :”عندنا ضيوف… عمر و مراته تعالي ننزل
عشان تسلمي عليهم”.
كاميليا و قد غلبها فضولها:”هو الاستاذ عمر تجوز
إمتى؟؟”.
شاهين و هو يزيح شعرها ليقبل عنقها :”تجوز إمبارح
… قبلة أخرى :” هبة صاحبتك…. و هما دلوقتي
هنا “.
شهقت كاميليا بتعجب و هي لا تكاد تستوعب كلامه
لتردد:”هبة…هبة تجوزت ؟
اطرقت رأسها بحزن و هي تتخيل ان صديقتها
قد تزوجت و لم تحضر زفافها…هي لم تسمع صوتها
او تراها منذ حوالي اسبوعين..منذ زواجها.
جذبها شاهين من خصرها لتمشي معه إلى خارج
الغرفة بصمت عكس ضجيج عقلها الذي يصور
لها عدة أفكار متى و كيف تزوجت؟؟ هل فاتها شيئ
آخر غير زواج صديقتها بينما هي قابعة في هذا
السجن الإجباري.
وصلوا للأسفل لتبتعد عنه كاميليا ما إن رأت هبة
تنظر إليها.. مما أثار حنق شاهين.
إحتضنت صديقتها باشتياق و هي تشعر و كأنها
لم ترها منذ سنوات مما أثار دهشة هبة عندما
إبتعدت لتجدها تبكي.
سلمت على عمر قبل أن تجلس بجانب شاهين
على الطاولة بعد أن سحبها من أحضان هبة بصعوبة.
تداركت كاميليا نفسها بصعوبة و هي تمسح دموعها
بسرعة حتى لا تنهار أمام الجميع متمتمة بأسف :”انا
آسفة اصل هبة وحشاني جدا و هي تعتبر صحبتي
الوحيدة”.
شاهين و هو يحدث عمر :” قررت إيه بخصوص
اللي حصل”.
عمر بثقة:”قررنا إننا نعمل الفرح يوم الخميس فميش
داعي للتأجيل”.
أنصتت لهما كاميليا باهتمام و هي تنظر لهبة التي
كانت تطئطئ رأسها بخجل،شعرت بالسعادة لأجل
صديقتها فهي أخيرا سوف تحقق حلمها و تتزوج من
الرجل الذي طالما أحبته،و فرحت أيضا بأنها لازلت
لم تقم حفل زفاف علها تحضره لنتمكن من رؤية
عائلتها.
إنتهى الجميع من تناول طعام الإفطار ثم قرروا
الجلوس في الحديقة للإستمتاع بأشعة الشمس
رغم تردد كاميليا و رفضها.
توقفت كاميليا عن السير عند عتبة باب الفيلا الخلفي
لتهمس لشاهين الذي توقف إلى جانبها :”انا مش
عاوزة أخرج برا انا حاخذ فادي و نطلع فوق نلعب
مع بعض”.
وضع شاهين يده على ظهرها ليدفعها بلطف لتستأنف
سيرها بخطوات مترددة و هو يقول بأمر :”حنقعد
شوية و بعدين لو عاوزة إطلعي”.
اومأت له كاميليا و هي تخفي فرحتها بالتخلص
اخيرا من سجنها و لو لوقت قصير.
جلسوا جميعا على تلك الكراسي البيضاء التي في
الحديقة لتتذكر كاميليا ذلك اليوم الذي تعرضت فيه
للعقاب بسبب خروجها إلى الحديقة دون إذن.
إستيقظت من شرودها لتسمع عمر يقول بحماس
:”يا ريت أهو نغير جو على الاقل… انا أصلا بقالي
كثير مرحتش المزرعة و كمان عاوز هبة تشوف
اللايغرز”.
إبتسمت هبة و هي تنظر لكامليا و كأنها تذكرها
بزيارتها لتلك المزرعة لتبادلها نظرات حانقة فهي
طبعا لا تريد العودة هناك لكنها ستتمكن على الاقل
من الخروج من الفيلا.
شاهين و هو يجيب عمر :” تمام…جهز كل حاجة
عشان بكره حنروح كلنا و معانا ماما و فادي.. هي
اكيد حترفض بس انا ححاول أقنعها”.
أومأ له عمر و هو يحتضن هبة بحب قائلا بحماس :”
حتتبسطي اوي هناك مش إنت بتحبي الطبيعة
هناك بقى في حيوانات كثير و طيور… حتشوفي
بلاك الحصان بتاعي…. “.
ظل يحدثها بحماس عن المزرعة و عن ماسيفعلانه
هناك لتبتسم كاميليا دون شعور منها و هي تتخيل
كم كانت ستكون سعيدة لو أن شاهين كان مثل عمر.
شعرت بذراع شاهين تلتف حولها لتنكمش ملامحها
بحنق و كأنه بهذه الحركة يذكرها بوجوده حتى في
أحلامها…قربها منه لتصبح ملاصقة له ليهمس
في أذنها بمكر:”حلوين مع بعض صح…اومأت له بنعم
ليستأتف همسه مرة أخرى :” ياريت كنا زيهم… بنحب
بعض “.
نظرت له كاميليا بخوف لكلامه الغريب و كأنه يقرأ
أفكارها ليقابلها بابتسامة متلاعبة قبل أن يكمل :”
بس للاسف انا مش عمر و إنت مش هبة… و لو إنها
بتشبهك شوية انا اصلا لسه مش فاهم عمر حب
فيها إيه…”.
أغمضت عينيها بقوة قبل أن تعيد فتحهما من جديد
و هي تشعر بغصة كبيرة في حلقها…
إبتسمت رغما عنها عندما وجدت هبة و عمر ينظران
إليهما،بعد قضاء وقت طويل من الأحاديث الجانبية
إستأذن عمر ليأخذ هبة إلى غرفتها لترتاح قليلا و
تجهز حقيبتها للذهاب إلى المزرعة غدا.
شعرت كاميليا بعدم الراحة لبقائها لوحدها مع شاهين
في الحديقة لتطلب منه الدخول…تجاهلها و هو
هاتفه ليبعث بعض الرسائل تخص العمل عبر بريده
الإلكتروني، وقفت من مكانها إستعداد للمغادرة و
تفاجأت بيد شاهين تسحبها بقوة و توقعها فوق
ساقيه… صرخت بفزع و هي تظن بأنها ستقع أرضا
لتجد نفسها في أحضانه…و لم تشعر بنفسها إلا
تدفعه على صدره بقوة محاولة الوقوف من مكانها و
الهرب بعيدا عنه، ثبت شاهين جسدها بسهولة
و هو يضحك عليها لترمقه هي بكره و هي تتمتم :”
فاكر نفسك بتتسلى ها… إنت ليه كده”.
عقد حاحبيه باستغراب و هو هو يسالها مدعيا
البراءة كده إزاي يعني؟؟ مش فاهم “.
حركت كاميليا رأسها لتزيح خصلات شعرها
التي سقطت على وجهها و هي تقول بنفاذ صبر :”
مفيش حاجة انا عاوزة اروح اوضتي تعبت و عاوزة
ارتاح”.
حرك شاهين انامله على وجهها ليزيح خصلات شعرها
التي فشلت في إزاحتها بسبب تقييده بيديها
الاثنتين… رمقها بنظرات غامضة قبل أن يتحدث
بصوت مشاكس :” إنت لسه تعبانة من إمبارح…
غمزها بوقاحة لتتسع عيني كاميليا بدهشة
من كلامه خاصة عندما اكمل :”معاكي حق إنت تعبتي
جدا و لازم ترتاحي “.
نفخت اوداجها بغضب قبل أن تتمتم بهمس :” قليل
الأدب ااه “.
صرخت بألم عندما شعرت به يضغط على خصرها و
يقول بصوت محذر:” إوعي تتجاوزي حدودك معايا
المرة الجاية ادفنك مكانك”.
كاميليا بتحدي :” ياريت تقتلني و تريحني بدل
العذاب اللي انا عايشاه ده…. انا بجد زهقت و معتش
قادرة اتحملك اكثر”.
شاهين ببرود :” لا إتحملي عشان قعدتك هنا حتطول
كثير”.
رمقته بغضب ليبتسم هو على ملامحها اللذيذة ليزداد
حنقها و هي تتململ في أحضانه محاولة التخلص
منه… توقفت فجأة عن التحرك لتسأله :” إنت عاوز
مني إيه و مستحمليني جنبك رغم كرهك ليا ليه؟؟
ممكن اعرف السبب”.
شاهين بكذب :” لما أزهق منك حقلك متخافيش
ساعتها حرميكي برا من حياتي…”
كاميليا بجرأة :”يا ريت ابقى إرتحت من سجنك داه”.
شاهين بحدة:”وحشتك الحارة المعفنة الل جيتي
منها…إوعي تفتكري إنك خلاص ضمنتي الفلوس
اللي إنت إدتيها لعيلتك… لا يا قلبي انا بإشارة واحدة
مني و أخليهم يشحتوا في الشارع…
كاميليا بيأس و قد بدأت دموعها بالنزول :”إعمل
اللي إنت عايزه معادش يهمني انا معادش فيا طاقة
أستحمل أكثر من كده…حقتل نفسي عشان ارتاح
منك و من تهديداتك ليا و ساعتها مش حتقدر
تعملي حاجة……
إستيقظت ليليان على صوت منبه هاتفها…
أغلقته بسرعة ثم تجلست في سريرها تنظر
إلى الجهة الأخرى من الفراش لتجدها فارغة…
لوت ثغرها باستهزاء و كأنها كانت تتوقع حدوث
ذلك. مطت ذراعيها و هي تتثاءب بكسل
متتمتة:”أصبحنا و أصبح الملك لله..
ربنا يعدي اليوم داه على خير”.
قامت من مكانها لتقوم بروتينها اليومي
و تنزل إلى الاسفل لتجد بقية العائلة متحلقة
على طاولة الفطور ألقت عليهم التحية ثم قبلت رأس
عمها قبل أن تجلس مكانها….
كريمان بتساؤل بعد أن لاحظت تأخر أيهم في
النزول:” هو أيهم لسه نايم و إلا إيه؟ “.
ليليان و هي تترشف قهوتها:”لا يا طنط… هو أصلا
مش بايت هنا إمبارح”.
كاريمان بدهشة :”مش هنا؟؟ أمال فين؟؟
ليليان بنفس البرود:” مش عارفة قال إن عنده شغل
متأخر…و فضل في المستشفى عشان يكمله و
إمبارح لما كلمته قلي إنه حييجي متأخر بس
مجاش”.
حدقت بها كاريمان بعدم رضا ليقاطعهم محمد
قائلا :”يا ماما أيهم مش صغير و بعدين ماهو
ياما بات برا البيت يا إما في المستشفى
و إما مع أصحابه “..
كاريمان بتلميح:” زمان مكانش متجوز يعني مكانش4
عنده حد يرجع علشانه .. بس دلوقتي
الأمر إختلف و متنساش إن هو لسه عريس
مكملتش شهر يعني إيه اللي حيخليه يبات برا بيته
مثلا “.
تأففت ليليان بصوت مرتفع و هي ترمي
المنديل على الطاولة بعد أن فقدت أعصابها
و صبرها من تلميحات زوجة عمها في كل
جلسة :” و الله يا مرات عمي داه إبنك و إنت أدرى
بطباعه فلما يروح الليلة إن شاء الله إبقي إسأليه “.
وقفت من مكانها و هي تكمل :” عن إذنكم انا رايحة
المستشفى عشان تأخرت”.
خرجت ليليان من الفيلا تاركة العائلة تتحاور في
مابينها بعضهم يلوم كاريمان على تغيرها مع ليليان
منذ زواجها و بعضهم يذكرها بتصرفات أيهم الغريبة
قبل أن يتفرق كل واحد منهم إلى وجهته.
تستمر القصة أدناه
وصلت ليليان إلى المستشفى و هي في قمة الغضب
ألا يكفيها ما تعانيه من الابن حتى يأتي دور الام.
ألقت حقيبتها فوق مكتبها بإهمال ثم رفعت سماعة
الهاتف لتطلب قهوة لها.
دخلت عليها أمنية دون أن تطرق الباب و هي
تقول بصوت لاهث:”صباح الخير يا لولو مالك… كنت
بنده عليكي من أول مادخلتي باب المستشفى بس
مسمعتنيش”.
ليليان :”صباح الخير… سوري أصلي جاية من البيت
مش شايفة قدامي….
أمنية و هي تجلس على الكرسي:” إيه مالك حصل
إيه؟؟؟
أسندت ليليان ظهرها على كرسيها بتعب قبل أن تتكلم:” كالعادة طنط كاريمان و إبنها “.
تأففت أمنية من سيرتهما و هي تجيبها:” هي مرات
عمك دي مالها إتقلبت مرة واحدة كده مش كانت
بتحبك و بتعتبرك زي بنتها؟؟ “.
ليليان بملل:” داه كان زمان قبل أن ابقى مرات إبنها
العزيزة اللي لازم تهتم بالبيه و تعامله معاملة الأسياد
و متزعلوش حتى لو على حساب كرامتها و
مشاعرها”.
همهت أمنية قليلا قبل أن تجيبها :”ربنا يكون في
عونك يا لولو…مش عارفة حكايتك دي حترسي على
فين… انا أنصحك إنك تحكي لعمك على كل حاجة
و هو اكيد حيتكلم معاه يمكن يغير معاملته ليكي
شوية “.
ليليان بنفي:” مستحيل… انا طبعا مقدرش أقول لعمي
على حاجات زي دي و بعدين لو كنت عاوزة أقله
كنت قلتله من زمان من قبل ماتجوز… يمكن ساعتها
كنت أقدر اتخلص من أيهم و لو إن داه إحتمال
ضعيف… انا عارفة أيهم و عمايله و مفيش حاجة
حطها في دماغه إلا و وصلها… انا خلاص إنتهيت
و رضيت بقدري انا اللي مضايقيني حاجة واحدة بس
مرات عمي بقت مصتقصداني في الرايحة و الجاية
يا رتني كنت وافقت أيهم إننا نعيش في شقته على
الاقل حبقى مرتاحة انا بقيت في نظرها مذنبة و إن
أنا اللي مطفشة إبنها من البيت “.
أمنية بتأسف :” انا مش عارفة أقلك إيه يا لولو ربنا
معاكي يا حبيبتي…”في مكتب آخر لا يبعد كثيرا عن مكتب ليليان..
طرقت هند الباب طرقات متتالية قبل أن يسمح لها
بالدخول.
إبتسمت هند و هي تلقي التحية :” صباح الخير يا
دكتور أسعد… ”
أسعد بابتسامة :”صباح الخير يا دكتورة هند…
إتفضلي “.
جلست هند و هي تضع ساقها على الأخرى بأناقة قبل
أن تتحدث :” إيه أخبار الشغل يا دكتور؟”.
بادلها أسعد إبتسامة عمليه قبل أن يجيب باختصار
:”كل حاجة تمام شكرا يا دكتورة”.
تنحنحت هند و هي تستوي في جلستها و قد ظهر
على ملامحها بعض الاهتمام:” انا الحقيقة… كنت
عاوزة أتكلم معاك في حاجة مهمة جدا… بس
متخصش الشغل، حاجة شخصية يعني… بس أتمنى
متفهنيش غلط يا دكتور”.
أسعد بهدوء :”إتفضلي يا دكتورة إتكلمي”.
هند بجرأة :”انا الحقيقة سمعت شوية إشاعات
بتقول إنك معجب بالدكتورة ليليان..”.
قاطعها أسعد بحدة :” من فضلك يا دكتورة…مفيش
داعي للكلام داه…داه كان ماضي و إنتهى و دلوقتي
الدكتورة ليليان متجوزة و ميصحش نتكلم عليها
بالطريقة دي “.
هند بخبث :” الواضح إنها كنت بتعزها أوي…عشان
كده مش طايق تسمع كلمة وحشة عليها… على
العموم صدقني انا كنت عاوزة مصلحتك و بس
و كمان انا فكرت كثير قبل ماجي أتكلم معاك
إنت الوحيد اللي حتقدر تنقذ الدكتورة ليليان.. داه
لو بتحبها بجد… “.
أسعد بتساؤل و قد جذبت إنتباهه بكلامها :” مالها
الدكتورة ليليان و أنقذها من إيه…. مش فاهمك “.
هند و هي تمثل شعورها بالاسف:” انا بصراحة
عرفت صدفة و بما إني ست زيها و تقريبا مريت
بنفس الظروف اللي هي فيها فأنا حسيت بيها أوي
الصراحة و صعبت عليا بالرغم من إن علاقتي بيها
عادية مجرد زملاء بس هي معروفة في المستشفى
كلها بأخلاقها و طيبتها و كل اللي هنا بيحبوها و انا
لما سمعت اللي حصل حسيت قد إيه هي مظلومة
تستمر القصة أدناه
و متستهلش كل اللي بيحصل معاها”.
أسعد باندفاع و قد ضاق ذرعا بمماطلتها فهو اكثر
شخص يعلم بأخلاق ليليان :” إتكلمي يا دكتورة
و بلاش لف و دوران “.
هند بهمس:” أنا سمعت إنها وافقت تتجوز الدكتور
أيهم غصب عنها عشان عيلة عمها و إن أيهم هو اللي
هددها و أجبرها إنها توافق… داه غير حياتها اللي
تقلبت جحيم بعد الجواز.. طبعا إنت عارف أخلاقه
كويس، داه بتاع ستات و كل يوم مع واحدة شكل
داه بيخون مراته كل ليلة داه غير الضرب و الإهانة
بس المسكينة ساكتة و مش قادرة تتكلم علشان2
الفضايح…”.
أسعد باستغراب:” بيضربها…و بيخونها “”.
هند :”أيوا و انا متأكدة من الكلام داه و لو عاوز
حخليك تشوف بعنيك… دي كل الناس عارفة أصلا”.
أسعد باستدراك :”طيب إنت عاوزني أعمل إيه؟؟”.
هند و هي تبخ سمها في أذنه كالافعى :”لازم تحاول
تنقذها… هي دلوقتي لوحدها و مفيش حد معاها غير1
صاحبتها أمنية و دي اصلا متقدرش تعملها حاجة….
داه غير إن الدكتورة ليليان بتحبك، انا مرة كنت في
الاسانسير و سمعتهم بيتكلموا بالالغاز بس أنا
فهمتهم كانت بتقولها يا ريته كان تقدم عشان
ينقذني من العذاب اللي أنا فيه… “.
أسعد و هو يخفي حماسه :” طيب و انا حتأكد إزاي
من كلامك ده مش يمكن تكوني فهمتي غلط “.
هند بتأكيد :” لا انا حخليك تتأكد من كل كلمة انا
قلتهالك و مش بس كده انا حخليك تشوف بنفسك
بس لازم توعدني إن الكلام داه يبقى سر بينا ما إنت
عارف المستشفى…أي حاجة بيشوفوها بتنتشر
بسرعة”.
أسعد بتأكيد :” إتفقنا بس ياريت بسرعة عشان لو
الكلام اللي إنت بتقوليه داه صحيح يبقى ليليان
في خطر.. أقصد الدكتورة ليليان “.
هند بخبث :” طبعا يا دكتور أسعد انا حاكدلك صدق
كلامي في أسرع وقت و لو مش النهاردة يبقى
بكرة”.
________________________________________
في فيلا الألفي…..
إستيقظت هبة من نومها على على لمسات حانية
لتبتسم تلقائيا قبل أن تفتح عينيها لتجد عمر أمامها
يمسك بوردة حمراء و يمررها على وجهها بنعومة.
” صباح الورد و الفل و الياسمين على أجمل عيون
شفتها في حياتي”.
نبس عمر بنبرة حب قبل أن ينحني ليقبل شفتيها
قبلة رقيقة.
صباح النور “. ردت هبة بخجل و هي تستقيم في
جلستها.
عمر بابتسامة :” يلا قومي غيري هدومك عشان ننزل
نفطر تحت… طنط ثريا متحمسة جدا عشان
تشوفك”.
هبة بخجل و هي تزيح الغطاء من فوقها :”حاضر
خمس دقائق بس…
إتجهت نحو الخزانة لتختار بعضا من ملابسها قبل أن
تدخل إلى الحمام تحت نظرات عمر العاشقة.
بعد دقائق عديدة خرجت لتجد الغرفة فارغة، جلست
على السرير و هي تفكر في ما ستفعله قبل أن تستمع
إلى صوت عمر قادما من الشرفة.
وقفت من مكانها لتذهب إليه ليتجده يتكلم على
الهاتف… نظرت أمامها بانبهار نحو الحديقة الغناء
التي كانت تمتد أمامها لاميال ….
أحس عمر بقدومها لينهي مكالمته بسرعة ثم إلتف
إليها ليجدها في عالم آخر تنظر أمامها و تبدو مستمتعة جدا بما تراه.
إحتضنها بخفة و هو يقبل رأسها قائلا :”عجبتك؟؟
هبة بلهفة:” جدا…المنظر من هنا تحفة طبيعة و هواء
نقي يا ريت نقدر نفضل هنا على طول “.
ضحك عمر عليها قبل أن يقول :” طب و بيتنا مين
حيسكن فيه…”.
هبة بلهفة:” فيه جنينة؟ “.
عمر بحب:” أيوا جنينة كبيرة قد دي عشانك… “.
لفت هبة ذراعه حوله تحتضنه بحب قائلة :” بجد.. انا
طول عمري بحلم إني أعيش في بيت فيه جنينة “.
عمر :” إنت أحلامك أوامر يا حبيبتي.”.
هبة بخجل :”انا مش حطلب منك حاجة ثانية… “.
عمر مقاطعا:”. تؤ مش تطلبي إنت تأمري… يلا
دلوقتي ننزل علشان زمانهم مستينيا”.
في الأسفل على طاولة الإفطار جلست هبة بجانب
عمر بعد أن سلمت على ثريا التي سعدت كثيرا
تستمر القصة أدناه
برؤيتها….
ثريا بسعادة :” مراتك زي القمر…يا عمر عرفت2
تختار “.
عمر بضحك و هو ينظر لهبة:” طبعا يا طنط انا طول
عمري ذوقي حلو “.
ثريا بابتسامة :” ربنا يسعدك يا حبيبي إنت تستاهل
كل خير، يلا تفضلوا و إلا العروسة مش عاجبها
الفطار لو عاوزة حاجة معينة قوليلي و انا حخلي
فتحية تعملهالك “.
هبة بخجل :” لا طنط مفيش داعي…”.
إرتشفت قهوتها بارتباك من نظرات عمر المتفحصة لها
فهو تقريبا لا يكاد يزيح عينيه من عليها طوال
الوقت.
إستغرب عمر من عدم وجود شاهين و زوجته ليسال
خالته قائلا :” هو شاهين فين يا طنط…مش ناوي
يفطر معانا و إلا….توقف قليلا قبل أن يكمل بجرأة
بيفطر فوق يا بخته عريس”.
ثريا بضحكة :”و الله مش عارفة يا ابني اصل بعد
بعد جوازه نادرا ما بيفطر معانا..”.
صباح الخير “. هتفت زينب و على وجهها إبتسامة
و هي تمسك بيد فادي الذي إرتمى في أحضان عمر
الذي إلتقفه بمرح قائلا :”صباح الخير يا بطل…
فادي ببراءة و هو يحتضن عمر :” صباح الخير يا
أنكل… وحشتني اوي “.
قبله عمر من خده المكتنز و هو يجيبه :” و انت كمان
وحشتني جدا جدا جدا…. أخبارك إيه بطل و عامل
إيه في المدرسة.
أجلسه عمر بجانبه على كرسيه الصغير ليقول
فادي :”انا مش بروح المدرسة انا بروح الحضانة يا
أنكل “.
عمر بضحك :”معلش نسيت… يا أستاذ فادي إيه
أخبار الحضانة “.
فادي :” كويسة انا بقيت شاطر في الرسم و بقيت
بعرف ارسم سفينة في البحر و كمان برسم سمكة
كبيرة بتبقى تحت السفينة…”.
عمر بتشجيع :”برافو يا بطل و انا حبقى أجيبلك
أدوات رسم كثير بس بشرط توريني كل الرسمات
إلى إنت رسمتها “.
فادي بفرح:” حاضر يا أنكل…انا بعد الفطار حجيبلك
كل الرسمات أصل مامي حطاهم كلهم مع بعض
في المرسم بتاعنا… “.
تستمر القصة أدناه
عمر باستغراب :” مامي… “.
فادي ببراءة :”أيوا مامي كاميليا هي حطاهم في
المرسم”.
نظرت هبة لعمر باستغراب غير مصدقة لما تسمعه
إذن هذا هو فادي الصغير الذي لا طالما سمعت عنه
من كاميليا.
تحدثت ثريا لتدد حيرتهم التي ظهرت جليا على وجه
عمر :” أصل فادي بيحب يناديها مامي…”.
إرتخت ملامح عمر و هو يربت على رأس فادي
بحب… أما هبة فكانت ترمقه بعدم إرتياح لمعرفتها
بما عانته صديقتها بسبب هذا الصغير… رغم انه
لا ذنب له في كل ما حصل لها.
___________________________________
في الأعلى… في جناح شاهين.
وقفت كاميليا من السرير بصعوبة و هي تلف الغطاء
على جسدها العاري… إلتفتت إلى الجهة الأخرى من
السرير لتلمح شاهين نائما بسلام…
رمقته بكره قبل أن تتجة إلى الحمام بخطوات حذرة
مخافة ان توقضه…
تركت الغطاء على الأرضية لتدخل تحت الصنبور…
لتختلط المياه بدموعها و هي تتذكر ليلة البارحة.
ليلة أخرى تنتهي بانتهاكها دون رحمة او شفقة
ليلة أخرى تروي ضعفها و إستسلامها أمام جبروته
ليلة أخرى تؤكد لها مدى وحشية زوجها و قسوته
فكرت جسدها جيدا تزيل لمساته المقرفة من عليها…
تذكرت همساته المتلاغلقت صنبور المياه ثم أخذت منشفة كبيرة قاتمة
اللون كأيام حياتها لتلفها على جسدها الأبيض الذي
تزينه كدمات ملونة.
فتحت باب الحمام و خرجت… وجدت شاهين يقف
أمام التسريحة كان يرتدي ملابسه و يمسك بقنينة
عطر.
إبتسم و هو يتفرس جسدها المغطى بمنشفة قصيرة
قبل أن يقترب منها… إنحنى ليقبل كتفها العاري
محيطا خصرها بذراعيه.
تشبثت كاميليا بالمنشفة و هي تقول بتوتر:”صباح
الخير”.
شاهين بصوت أجش:”صباح الجمال… ادخلي غيري
هدومك حتلاقي فستان إلبسيه عشان ننزل “.
أومأت له كاميليا و هي تخفي ضيقها من لمساته
و تتجه إلى داخل غرفة الملابس.
وجدت فستانا شتويا يتكون من قطعتين و معهما
حزام جلدي أسود إرتدته كاميليا على عجل ثم
خرجت لتجد شاهين يجلس على طرف السرير
يعمل على حاسوبه.
رفع رأسه ليجدها تتجه نحو التسريحة.. أخذت
المشط لتمرره على خصلات شعرها الحريرية.
تأملها شاهين بإعجاب لم يعد يخفيه لم يشعر بنفسه
إلا و هو يقترب منها ليحتضنها من الخلف و يضع
ذقنه على كتفها و هو ينظر إلى صورتهما معا
في المرآة…. تصنمت كاميليا مكانها بعد أن وضعت
المشط على الطاولة دون أن ترفع عينيها نحوه….
فهي قد تعودت مؤخرا على تصرفاته الغريبة.
طال سكوتهما و هما يقفان في نفس الوضعية
و شاهين لا يفعل شيئا سوى تأملها، تنهد قليلا قبل
ان يتحدث :”عندنا ضيوف… عمر و مراته تعالي ننزل
عشان تسلمي عليهم”.
كاميليا و قد غلبها فضولها:”هو الاستاذ عمر تجوز
إمتى؟؟”.
شاهين و هو يزيح شعرها ليقبل عنقها :”تجوز إمبارح
… قبلة أخرى :” هبة صاحبتك…. و هما دلوقتي
هنا “.
شهقت كاميليا بتعجب و هي لا تكاد تستوعب كلامه
تستمر القصة أدناه
لتردد:”هبة…هبة تجوزت ؟
اطرقت رأسها بحزن و هي تتخيل ان صديقتها
قد تزوجت و لم تحضر زفافها…هي لم تسمع صوتها
او تراها منذ حوالي اسبوعين..منذ زواجها.
جذبها شاهين من خصرها لتمشي معه إلى خارج
الغرفة بصمت عكس ضجيج عقلها الذي يصور
لها عدة أفكار متى و كيف تزوجت؟؟ هل فاتها شيئ
آخر غير زواج صديقتها بينما هي قابعة في هذا
السجن الإجباري.وصلوا للأسفل لتبتعد عنه كاميليا ما إن رأت هبة
تنظر إليها.. مما أثار حنق شاهين.
إحتضنت صديقتها باشتياق و هي تشعر و كأنها
لم ترها منذ سنوات مما أثار دهشة هبة عندما
إبتعدت لتجدها تبكي.
سلمت على عمر قبل أن تجلس بجانب شاهين
على الطاولة بعد أن سحبها من أحضان هبة بصعوبة.
تداركت كاميليا نفسها بصعوبة و هي تمسح دموعها
بسرعة حتى لا تنهار أمام الجميع متمتمة بأسف :”انا
آسفة اصل هبة وحشاني جدا و هي تعتبر صحبتي
الوحيدة”.
شاهين و هو يحدث عمر :” قررت إيه بخصوص
اللي حصل”.
عمر بثقة:”قررنا إننا نعمل الفرح يوم الخميس فميش
داعي للتأجيل”.
أنصتت لهما كاميليا باهتمام و هي تنظر لهبة التي
كانت تطئطئ رأسها بخجل،شعرت بالسعادة لأجل
صديقتها فهي أخيرا سوف تحقق حلمها و تتزوج من
الرجل الذي طالما أحبته،و فرحت أيضا بأنها لازلت
لم تقم حفل زفاف علها تحضره لنتمكن من رؤية
عائلتها.
إنتهى الجميع من تناول طعام الإفطار ثم قرروا
الجلوس في الحديقة للإستمتاع بأشعة الشمس
رغم تردد كاميليا و رفضها.
توقفت كاميليا عن السير عند عتبة باب الفيلا الخلفي
لتهمس لشاهين الذي توقف إلى جانبها :”انا مش
عاوزة أخرج برا انا حاخذ فادي و نطلع فوق نلعب
مع بعض”.
وضع شاهين يده على ظهرها ليدفعها بلطف لتستأنف
سيرها بخطوات مترددة و هو يقول بأمر :”حنقعد
شوية و بعدين لو عاوزة إطلعي”.
تستمر القصة أدناه
اومأت له كاميليا و هي تخفي فرحتها بالتخلص
اخيرا من سجنها و لو لوقت قصير.
جلسوا جميعا على تلك الكراسي البيضاء التي في
الحديقة لتتذكر كاميليا ذلك اليوم الذي تعرضت فيه
للعقاب بسبب خروجها إلى الحديقة دون إذن.
إستيقظت من شرودها لتسمع عمر يقول بحماس
:”يا ريت أهو نغير جو على الاقل… انا أصلا بقالي
كثير مرحتش المزرعة و كمان عاوز هبة تشوف
اللايغرز”.
إبتسمت هبة و هي تنظر لكامليا و كأنها تذكرها
بزيارتها لتلك المزرعة لتبادلها نظرات حانقة فهي
طبعا لا تريد العودة هناك لكنها ستتمكن على الاقل
من الخروج من الفيلا.
شاهين و هو يجيب عمر :” تمام…جهز كل حاجة
عشان بكره حنروح كلنا و معانا ماما و فادي.. هي
اكيد حترفض بس انا ححاول أقنعها”.
أومأ له عمر و هو يحتضن هبة بحب قائلا بحماس :”
حتتبسطي اوي هناك مش إنت بتحبي الطبيعة
هناك بقى في حيوانات كثير و طيور… حتشوفي
بلاك الحصان بتاعي…. “.
ظل يحدثها بحماس عن المزرعة و عن ماسيفعلانه
هناك لتبتسم كاميليا دون شعور منها و هي تتخيل
كم كانت ستكون سعيدة لو أن شاهين كان مثل عمر.
شعرت بذراع شاهين تلتف حولها لتنكمش ملامحها
بحنق و كأنه بهذه الحركة يذكرها بوجوده حتى في
أحلامها…قربها منه لتصبح ملاصقة له ليهمس
في أذنها بمكر:”حلوين مع بعض صح…اومأت له بنعم
ليستأتف همسه مرة أخرى :” ياريت كنا زيهم… بنحب
بعض “.
نظرت له كاميليا بخوف لكلامه الغريب و كأنه يقرأ
أفكارها ليقابلها بابتسامة متلاعبة قبل أن يكمل :”
بس للاسف انا مش عمر و إنت مش هبة… و لو إنها
بتشبهك شوية انا اصلا لسه مش فاهم عمر حب
فيها إيه…”.
أغمضت عينيها بقوة قبل أن تعيد فتحهما من جديد
و هي تشعر بغصة كبيرة في حلقها…
إبتسمت رغما عنها عندما وجدت هبة و عمر ينظران
تستمر القصة أدناه
إليهما،بعد قضاء وقت طويل من الأحاديث الجانبية
إستأذن عمر ليأخذ هبة إلى غرفتها لترتاح قليلا و
تجهز حقيبتها للذهاب إلى المزرعة غدا.
شعرت كاميليا بعدم الراحة لبقائها لوحدها مع شاهين
في الحديقة لتطلب منه الدخول…تجاهلها و هو
هاتفه ليبعث بعض الرسائل تخص العمل عبر بريده
الإلكتروني، وقفت من مكانها إستعداد للمغادرة و
تفاجأت بيد شاهين تسحبها بقوة و توقعها فوق
ساقيه… صرخت بفزع و هي تظن بأنها ستقع أرضا
لتجد نفسها في أحضانه…و لم تشعر بنفسها إلا
تدفعه على صدره بقوة محاولة الوقوف من مكانها و
الهرب بعيدا عنه، ثبت شاهين جسدها بسهولة
و هو يضحك عليها لترمقه هي بكره و هي تتمتم :”
فاكر نفسك بتتسلى ها… إنت ليه كده”.
عقد حاحبيه باستغراب و هو هو يسالها مدعيا
البراءة كده إزاي يعني؟؟ مش فاهم “.
حركت كاميليا رأسها لتزيح خصلات شعرها
التي سقطت على وجهها و هي تقول بنفاذ صبر :”
مفيش حاجة انا عاوزة اروح اوضتي تعبت و عاوزة
ارتاح”.
حرك شاهين انامله على وجهها ليزيح خصلات شعرها
التي فشلت في إزاحتها بسبب تقييده بيديها
الاثنتين… رمقها بنظرات غامضة قبل أن يتحدث
بصوت مشاكس :” إنت لسه تعبانة من إمبارح…
غمزها بوقاحة لتتسع عيني كاميليا بدهشة
من كلامه خاصة عندما اكمل :”معاكي حق إنت تعبتي
جدا و لازم ترتاحي “.
نفخت اوداجها بغضب قبل أن تتمتم بهمس :” قليل
الأدب ااه “.
صرخت بألم عندما شعرت به يضغط على خصرها و
يقول بصوت محذر:” إوعي تتجاوزي حدودك معايا
المرة الجاية ادفنك مكانك”.
كاميليا بتحدي :” ياريت تقتلني و تريحني بدلالعذاب اللي انا عايشاه ده…. انا بجد زهقت و معتش+
قادرة اتحملك اكثر”.
شاهين ببرود :” لا إتحملي عشان قعدتك هنا حتطول
كثير”.
رمقته بغضب ليبتسم هو على ملامحها اللذيذة ليزداد
حنقها و هي تتململ في أحضانه محاولة التخلص
منه… توقفت فجأة عن التحرك لتسأله :” إنت عاوز
مني إيه و مستحمليني جنبك رغم كرهك ليا ليه؟؟
ممكن اعرف السبب”.
شاهين بكذب :” لما أزهق منك حقلك متخافيش
ساعتها حرميكي برا من حياتي…”
كاميليا بجرأة :”يا ريت ابقى إرتحت من سجنك داه”.
شاهين بحدة:”وحشتك الحارة المعفنة الل جيتي
منها…إوعي تفتكري إنك خلاص ضمنتي الفلوس
اللي إنت إدتيها لعيلتك… لا يا قلبي انا بإشارة واحدة
مني و أخليهم يشحتوا في الشارع…
كاميليا بيأس و قد بدأت دموعها بالنزول :”إعمل
اللي إنت عايزه معادش يهمني انا معادش فيا طاقة
أستحمل أكثر من كده…حقتل نفسي عشان ارتاح
منك و من تهديداتك ليا و ساعتها مش حتقدر
تعملي حاجة……
:”انا بجد مش مصدقة اللي بيحصل يا ماما بالسرعة دي…”.
تحدثت نور و معالم الدهشة تكسو وجهها لتجيبها والدتها التي كانت هي بدورها مندهشة أكثر منها.
:”طيب و إنت مسالتيهاش عن التفاصيل ليه؟”.
نور بتأكيد :”يادوب كلمتني خمس دقائق و قفلت قالت إنها مستعجلة… رايحين المزرعة عشان تغير جو
يا بنت المحظوظة….عارفة يا ماما عمر داه إبن خالة
شاهين و كمان بيشتغل معاه يعني عريس لقطة و كمان بيحبها و من زمان كمان… بس اللي انا مستغربه هي ليه معملتش فرح و معزمتناش ليه لكتب كتابها
أنا بجد حتجنن”.
تمتمت نور بانزعاج و هي تأخذ فنجان النسكافيه من والدتها.
:” وإنت مالك اصلا مش يمكن عملت حفلة عالضيق و بعدين ماهي عزمتك على الفرح عاوزة إيه ثاني… “.
نور بحالمية:” ياااه يا مامي نفسي أنا كمان اتجوز واحد زي عمر و شاهين…. فلوس و فيلات و عربيات نفسي يبقى عندي عربية و ارتاح بقى من قرف المواصلات و الزحمة… اااه بالراحة يا ماما دي بتوجع”.
ردت نور و هي تغمض عينيها و تغوص في عالم الاحلام الذي سرعان ما إنتشلتها منه والدتها بضربة مؤلمة على رأسها و هي تقول بمزاح
:” ركزي بقى في حاجة واحدة عاوزة عربية و إلا عاوزة تتجوزي واحد زي شاهين و عمر… ”
فركت نور رأسها بألم و هي تنظر لوالدتها بغيظ قبل أن تجيب :”عاوزة عربية يا ماما ماهو مش معقول أروح لكلية الطب و انا راكبة ميكروباس… يرضيكي اتبهدل يا مامي يرضيكي الدكتور نور سعيد محمود تركب مواصلات عامة “.
انهت حديثها و هي تنظر لوالدتها بنظرات مستعطفة
لتضحك الأخرى عليها قائلة :” يا بكاشة دكتورة إيه و إنت لسه ثانوية عامة…..”
نور باعتراض:” ما انا إنشاء الله حنجح و حجيب مجموع عالي و ادخل كلية الطب إن شاء الله… إنت بس إقنعي بابا عشان يجيبلي العربية.. “.
الام بملل:”ماشي حقول لأبوكي بس مفيش عربيات غير لما بعد نتيجة الثانوية اللي فاضلها سبع شهور عالاقل.. “.
قبلت نور والدتها قبل أن تنطلق إلى غرفتها لإنجاز دروسها فهي اليوم لن تذهب إلى المدرسة بسبب
غياب المدرسين.

في مستشفى البحيري….
همست الممرضة شيماء في أذن زميلتها مريم :” و الله حرام اللي بيحصل فيها…انا لسه مش مصدقة
بقى واحدة زي الدكتورة ليليان تتخان…. مال و جمال و أخلاق و كمان دكتورة عاوز إيه ثاني …”
لوت مريم شفتيها بتهكم و هي تترشف كوب الشاي الساخن قائلة :”ياختي رجالة عاوزة الحرق…ميملاش عينهم غير التراب و بعدين الدكتور أيهم داه واحد بتاع نسوان كل يوم مع واحدة شكل إيه اللي خلاها تتنيل و تتجوزه دي الف مين يتمناها…. على رأي المثل أصوم أصوم و افطر على بصلة… و يا ريتها كانت سليمة دي طلعت معفنة…. أعوذ بالله انا نفسي اعرف إزاي طايق نفسه الراجل داه “.
شيماء بضحك :” و الله عندك حق ربنا يصبرها على ما إبتلاها… خسارة فيه دي تستاهل سيد سيده
هو الخسران غاوي رمرمة بعيد عنك…إنت مشفتيش الدكتورة هند كل ساعة و هي ناطة على مكتبه بحجة الشغل…دي اكيد في دماغها حاجة انا الصبح لقيتها واقفة قدام مكتبه و عمالة بتفتح في زراير القميص بتاعها.. ”
شهقت مريم لما سمعته قبل أن تهمس :” إنت بتتكلمي جد…دكتورة هند.
مصمصت مريم شفتيها بحركة شعبية ثبا ان تضيف :”و ليه لا دي واحدة مطلقة يعني مش حتخسر حاجة لو جربت مهما كان داه أيهم البحيري
بردو”.
شيماء بتأكيد :” و الله انا معتش مستغربة حاجة في المستشفى دي كل يوم بتحصل حاجة جديدة…بس انا قلبي واكلني على الدكتورة ليليان و الله دي عسل انا عمري ما شفت في جمالها و لا أخلاقها كل اللي في المستشفى بيحبوها عشان طيبة و بتساعد المحتاجين… “.
مريم بتأسف :”معاكي حق هي فعلا متستهلش بس إحنا في إيدنا إيه نعمله.. ”
شيماء بخبث :” نفوقها بس من بعيد لبعيد يعني نديها طرف الخيط و هي تكتشف لوحدها ماهو بصراحة مقدرش اشوفها بتتأذي كده و اسكت”.
مريم بحماس :” و انا معاكي بس خلي بالك لأحسن حد يشوفك و متنسيش الكاميرات إحنا لو إتقفشنا
حنروح في داهية “.
شيماء بموافقة :” إتفقنا…”.
في مكتب الدكتور أسعد…
امسك اسعد هاتفه ليقلب عدة صور لليليان عندما كانت تدرس في الجامعة توقف عند صورة معينة كانت فيها ليليان تجلس مع إحدى صديقاتها في حديقة الجامعة ترتدي قميصا طويلا باللون الوردي و بنطال جينز باللون الأسود تاركة شعرها البني ينسدل على وجهها و كتفيها…
كانت تبتسم بسعادة و غمازتيها تظهران بوضوح، قرب الصورة اكثر و هو يتمتم بشرود :”يا ريت تحسي بيا و تعرفي انا بحبك قد إيه… انا عمره قلبي ما دق لغيرك رغم إني كنت عارف إني مستحيل اوصلك بس اعمل إيه قلبي هو اللي إختار و مستعد يتحمل نتيجة إختياره…انا كنت خلاص يئست و سلمت لما تجوزتي بس بعد اللي سمعته الصبح قلبي وجعله الأمل من ثاني إنك تكوني ليا بس المرة دي مش حستسلم يا ليلي اوعدك يا حبيبتي حخلصك من العذاب اللي إنت فيه و اعوضك على كل لحظة ألم عشتيها مع الحيوان جوزك… ”
ظل يحدث الصورة لوقت طويل بكل مايعتمر قلبه من مشاعر الحب و الوله و العذاب الذي يشعر به في بعدها و عند رؤيته لزوجها الذي يستحق زوجة مثل ليليان… قبل أن يغلق هاتفه و يضعه في جيبه و يغادر في جولته المعتادة لتفقد المرضى….
في فيلا الألفي……
إنزوت كاميليا في غرفتها بعد أمرها شاهين بالصعود إلى الأعلى و نببها لعدم التحدث مع هبة او الخروج من الغرفة….
تمددت على الفراش لتظر إلى سقف الغرفة بشرود و هي تفكر في ما ستؤول إليه حياتها البائسة….
سمعت طرقات خفيفة على الباب لتأذن للطارق بالدخول…
وجدت فتحية تحمل كوب من عصير الليمون و تتقدم نحوها، مدت لها الكوب و هي تقول :”انا جبتلك كباية لمون عشان تروقي أعصابك انا شفتك من شوية لما دخلتي الفيلا وشك كان مقلوب و باين عليكي زعلانة…”.
أخذت منها كاميليا الكوب بسرعة حتى تكف عن ثرثرتها و تدخلها في أشياء لا تخصها…
تمتمت كاميليا داخلها و هي تبتلع اول رشفة من الكوب الحامض :”هو يعني كباية الليمون دي اللي حتحل مشاكلي….
مدت الكوب لفتحية لتضعه على الصينية فوق الطاولة ثم تقول محدثة كاميليا :” مالك يا كاميليا هانم شايفاكي حزينة و مهمومة هو إيه اللي حصل… داه انا حتى سمعت إنكم بكره حتروحوا المزرعة “.
كاميليا بملل :” ايوا يا فتحية رايحين المزرعة عشان يتبسطوا فهمتي يتبسطوا يعني هما مش انا….انا زيي
زيك في البيت داه مستنية أنفذ الأوامر و بس على الاقل إنت بعد ما تكملي شغلك بتبقي حرة تخرجي تتفسحي تعملي اللي إنت عاوزاه مش زيي انا مسجونة بين أربع حيطان دول حتى المساجين احسن مني عندهم بريك و فسح….
توترت نظرات فتحية و هي تنظر إلى ارجاء الغرفة و كأنها تبحث عن شيئ ما (الكاميرا) قبل أن تعود لتسأل الأخرى :”هو إنت بجد زهقانة هنا.. ؟؟”
زفرت كاميليا بنفاذ صبر قبل أن تستقيم في جلستها و تتربع فوق الفراش ثم تضع يديها على وجنتيها و هي تنظر لها و تومئ برأسها بنعم….
أخذت فتحية نفسا عميقا قبل أن تقترب منها أكثر و هي تهمس بصوت منخفض :”طيب و إنت عاوزة إيه قوليلي عشان اساعدك… “.
هزت كاميليا حاحبيها بعدم تصديق و هي تجيبها باستهزاء تام :”و هو إنت بإيدك إيه عشان تساعديني
أنا مشكلتي اكبر من كده بكثير”
فتحية بخبث :”جربيني الأول و بعدين أحكمي مش يمكن أفيدك”.
كاميليا :”و حتفيديني إزاي يافالحة حتهربيني مثلا و إلا حتخلي شاهين بيه يطلقني و يسيبني ارجع بيتنا”.
إبتلعت فتحية ريقها بصعوبة قبل أن تستجمع كامل قوتها لتتحدث فهي تعلم جيدا ان شاهين الان يسمعها من خلال كاميرا الغرفة :” ايوا حساعدك و حخليكي تهربي من هنا عشان صعبانة عليا و كمان انا أكثر واحدة عارفة إن قعادك هنا في خطر على حياتك.. إنت اصلك مش عارفة الحقيقة عشان كل اللي سمعتيه قبل كده كان كذب…”.
كاميليا بقلق :”كذب..تقصدي إيه؟؟؟ “.
تهربت فتحية بنظراتها من كاميليا لتتمتم ب تمثيل :” يوووه انا لساني دايما كده… فالت مني “.
امسكتها كاميليا من ذراعها تمنعها من الوقوف لتجلس فتحية مرة أخرى :” فتحية إنطقي قصدك بالكلام اللي كنتي بتقوليه داه…. و متخافيش لو عاوزة فلوس انا حديكي كل اللي إنت عاوزاه و أكثر كمان بس إتكلمي..”.
إلتفتت فتحية نحو الباب لتتأكد من إغلاقه قبل أن ترسم على وجهها ملامح الجدية و هي تتكلم :”بصي يا ستي أولا لازم توعديني إن الكلام اللي حقولهولك داه يفضل سر مابينا عشان لو شاهين بيه شم خبر إني أنا قلتلك حاجة حيقتلنا إحنا الاثنين… و لما أقلك حيقتلنا مش ببالغ عشان دي أسهل حاجة هو يقدر يعملها..
تابعت فتحية كلامها بعد أن اومأت لها كاميليا بالايجاب :”حتى زينب و خديجة كمان إوعي تتكلمي معاهم في حاجة او تسأليهم على حاجة عشان مش حيجابوكي و ممك يروحوا يقولوا لشاهين بيه…”
قاطعتها كامليا قائلة بنفاذ صبر :”خلاص بقى فتحية إنطقي انا قلبي حيوقف من الخوف.. و إطمني بقى انا مش حقول لحد و الله بس إتكلمي ابوس إيدك قبل ما حد ييجي هنا و يلاقيكي قاعدة معايا “.؟
تنحنحت فتحية و هي ترسم ملامح الجدية المزيف على وجهها لتبدأ في الحديث :” مرات شاهين الاولانية مها هانم…كل اللي سمعتيه عنها كان غلط
هي لا خانت البيه ولا حاجة بالعكس دي كانت ست طيبة و بتحبه اوي هو اللي ظلمها و رماها بعد ما ولدت البيه الصغير و حطها في مستشفى مجانين و ربنا عالم هي دلوقتي فين عايشة و الا ميتة… المهم اول متجوزوا كانت زيك كده دايما محبوسة في أوضتها مش مسموح لها تخرج برا الفيلا…
كنت بشوفها دايما بتبكي و خصوصا بعد ما بقت حامل مكانش بيرحمها انا فاكرة وقتها إنه جابلها دكتورة مخصوص سكنت هنا في الفيلا شهور طويلة عشان تتابع الحمل عشان كانت ضعيفة…. و كان البيه دايما بيضربها و…. و إنت فاهمة بقى… “.
شهقت كاميليا بصوت عال و هي تضع يدها على فمها لتكمل فتحية سرد روايتها المزيفة:” ايوا زي ما بقلك انا لسه لحد دلوقتي مستغربة إزاي مماتش بعد اللي كان بيعمله فيها….ماهو دا السبب اللي خلاه يحطها في مستشفى المجانين، عشان يتخلص منها و لما مماتتش إظطر إنه يعمل كده…. المهم انا كنت عاوزة احكيلك اللي حصل و أنورك عشان تفوقي و تدوري على طريقة تنفذي فيها نفسك قبل ما يبقى مصيرك زيها… “.
حدقت بها كاميليا برعب و هي لا تزال غير مصدقة لما تسمعه لتتمتم بضياع :” و انا بإيدي أعمل إيه بس… الظاهر إن مصيري فعلا حيكون زيها يا القتل يا مستشفى المجانين… ”
ربتت فتحية على كفها بحنان قائلة :” اكيد لا هي الست مها لما جات هنا مكانتش تعرف اللي حيحصلها و مكانتش تعرف إن البيه…. لا مؤاخذة يعني مريض نفسي و إنه حيعمل فيها كده عشان محدش فينا قلها بس إنت لا أديني قلتلك الحقيقة الدور َ الباقي عليكي إنت و طبعا لنا مش محتاجة أجيبلك دليل على صحة كلامي عشان معاملة البيه ليكي في حد ذاتها دليل واضح و كافي…. ”
كاميليا بعدك تصديق :” طيب و هو بيعمل كده ليه..؟؟ “.
فتحية بتلعثم :” ما انا قلتلك مريض…. مريض نفسي و كمان الست مها كانت حلوة جدا و من عيلة بسيطة يعني زيك إنت…يعني هو ضامن إن مفيش حد حيقدر يوقفله او ينقذكم منه…”.
كاميليا بيأس ممزوج بالخوف :” طب انا حتصرف إزاي؟ انا مقدرش اهرب من الفيلا ما إنت شايفة الحراسة و الكاميرات اللي موجودة في كل مكان… يا ريتك ما قلتيلي انت كده قلقتيني اكثر و زودتي خوفي… و إنت عارفة كويس إن مفيش في إيدي حاجة أعملها “.
إبتسمت لها فتحية لتطمئنها قائلة :”يا بنتي أصبري على رزقك انا اصلا كنت مستنية الوقت المناسب عشان أحكيلك الحكاية دي لما يكون عندي الحل المناسب و الحمد لله لقيته بس لازم تسمعيني كويس و تنفذي اللي بقوله بالحرف الواحد “.
تمالكت كاميليا نفسها حتى لا تجهش بالبكاء و هي تومئ لفتحية بالموافقة لتستأتف الأخرى حديثها بجدية أكثر :” بصي يا ستي في رجل أعمال إسمه
سالم عبد الله (إسم وهمي) داه من أكبر المنافسين لشاهين بيه
و مها هانم كانت إستنجدت بيه زمان لما عرفت إنها حامل.. المسكينة كانت خايفة جدا على إبنها و كانت مستعدة إنها تضحي بنفسها المهم البيبي يعيش و فعلا هو كان راجل شهم جدا ووافق إنه يساعدها بس للاسف شاهين بيه عرف و إتهمها بإنها كانت بتخونه و عاوزة تهرب مع الراجل داه…. “.
كاميليا بضياع :” يعني هي كانت عاوزة تنقذ نفسها عشان كده إستنجدت بالراجل داه “.
فتحية بتأكيد :” أيوا و كل الناس اللي هنا عارفين بس شاهين بيه وقتها نبه علينا و حذرنا إن اللي حيتكلم في الموضوع داه حيقطع عيشه و مش كده و بس هددنا بالسجن..
صمتت فتحية قليلا و هي تتنهد بتأسف لتكمل :”المهم انا من يومين رحتله لشركته بس بعد ما تبهدلت فضلت اسبوع كامل و انا بحاول آخذ موعد عشان اقابله المهم انا طلبت منه إنه يساعدك و هو وافق و على فكره هو يعرفك… قصدي شاف صورك في الفرح”.
ضيقت كاميليا عينيها بتفكير قبل أن تتحدث :”طيب و هو حيقبل يساعدني ليه و إزاي؟؟.
فتحية بتأكيد :”يا بنتي داه رجل أعمال يعني عنده أساليبه داه يقدر حتى يجيب جيش بتاع حرس و يهجم على الفيلا و ياخذك المهم إنت توافقي هو اكيد عنده الف طريقة ….”
كاميليا :”طيب و إيه المقابل اكيد هو مش عاوز يساعدني لله كده او إني صعبت عليه… “.
فتحية بابتسامة :”و الله كنت عارفة إنك ذكية و حتعرفي مصلحتك فين…. انا بكلمك على رجل أعمال
بينه و بين جوزك عداوة و منافسة يعني هو مستعد يعمل أي حاجة عشان يأذيه و هو كمان ممكن يساعدك في الأول بس بعدين إنت و شطارتك بقى داه إنت تقدري تسيطري عليه و تخليه زي الخاتم في إصباعك لو عرفتي تستغلي جمالك داه عشان هو راجل عادي يعني مش قفل زي البيه…. “.
هزت كاميليا حاجبيها بذهول و هي تشعر بأنها قد دخلت متاهة كبيرة لا آخر لها لتجيبها باستفسار :” يعني الراجل داه عاوز يساعدني و في المقابل إنا أغريه او بالاصح هو عاوزني ابقى عشيقته مش كده يا فتحية “.
شهقت فتحية باستنكار و هي تنفي برأسها قائلة :” مين قال كده أستغفر الله العظيم لا يا هانم إنت فهمتني غلط انا قلتلك إستغلي جمالك عشان توقعيه و يوافق ينقذك اصلا هو حسب ما شفته واقع و معجب بجمالك يعني مش حتلاقي صعوبة إنك تقنعيه انا فكرت كويس و مالقيتش حل ثاني غيره…. إنت لازم تتصرفي و تنقذي نفسك قبل فوات
الأوان “.
في غرفة المكتب كان شاهين يحدق بشاشة الحاسوب بتركيز لا يكاد يرمش بعينيه حتى لا تفوته أي حركة او كلمة او تعبير يصدر عن كاميليا…
كان ينتظر إجابتها بفارغ الصبر و داخل قلبه يتمنى ان لا تخيب ظنه فهو من وضع لها الاختبار الاخير و امر فتحية بالدخول إليها و سرد روايات خيالية لا اساس لها من الصحة حتى يكتشف ردة فعلها…
لاينكر مدى إعجابه بها و بجمالها منذ اول لحظة رآها فيها لكن هذا لا يكفي فمها زوجته الأولى أيضا كانت على قدر كبير من الجمال و لكنها في الاخير خانته بعد أن قدم لها قلبه على طبق من ذهب….
و في الآونة الاخيرة وجد انه يميل إليها و لكنه دائما يمنع نفسه من الانجراف مع تيار الحب مرة أخرى حتى لا ينصدم ومن جديد لذلك قرر ان يختبرها… “.
ضحكت كاميليا بسخرية من كلام فتحية المتناقض قبل أن تردف بازدراء واضح:” لا واضح إني فهمتك غلط… إنت عاوزني أخون جوزي و أبيعه و أبيع نفسي لراجل ثاني و ياعالم بقى يمكن يكون أسوأ “.
فتحية بتوتر :” صدقيني اللي إسمه سالم داه راجل غني جدا و له نفوذه و هو الوحيد اللي يقدر يخلصك و كمان حيساعدك عشان تنتقمي من شاهين بيه”.
أكملت كلامها عندما وجدت أم كاميليا تنظر لها باهتمام :” خذي معاكي البيه الصغير و بكده حتحرقي قلبه عليه و حترجعي اللي عمله فيكي ثالث و مثلث “.
لم تشعر كاميليا بنفسها و هي ترفع يدها و تصفع فتحية صفعة قوية لتصرخ الأخرى بفزع و تقف من مكانها تحدق بها بصدمة….
وقفت كاميليا أمامها ترمقها بنظرات غاضبة تكاد تفتك بها قبل أن ترفع سبابتها في وجهها بتهديد و هي تقول بنبرة محذرة:” حقتلك يا فتحية و الله العظيم لاقتلك و أخلص الناس منك… بقى دي جزاة العيلة اللي دخلتك بيتها و شغلتك عندها… إيه اللي خلاكي تخونيهم و تحطي إيدك في إيد عدوهم ها جاوبيني… عاوزاني أبقى خاينة زيك بعتي نفسك عشان شوية فلوس بالرغم من إني متأكدة لو كنتي قلتي لثريا هانم كانت إدتك الفلوس اللي إنت عاوزاها بس نقول إيه الطمع و الخيانة بيجروا في دمك….
إنت تنسي كل الكلام الهايف اللي إنت قلتهولي من شوية عشان مش حيحصل مش حخون جوزي مهما عمل فيا و أذاني و ملكيش دعوة بيا بعد النهاردة… مش عاوزة اشوفك قدامي و لو بالصدفة
بس حبقى مراقباكي و لو شفتك قربتي من فادي حقتلك عشان انا كده كده مبقاش عندي حاجة اخاف عليها…. و دلوقتي إطلعي برا مش طايقة أشوف وشك برا… برا….
صرخت كاميليا بهيجان و هي تدفع فتحية خارج الغرفة ثم تغلق الباب وراءها بعنف….
إستندت بجسدها على الباب و هي تشعر بساقيها
تعجزان عن حملها لتسقط علي الارض بضعف….
لطمت رأسها بيدها عدة مرات و هي تصرخ بصوت باكي :” يا رب يارب انا حعمل إيه دلوقتي…انا حتجنن خلاص معتش فاهمة حاجة… حيقتلني هو عاوز يقتلني ايوا…
وقفت كاميليا من مكانها لتبدأ بالدوران في الغرفة كالمجنونة و هي تتمتم بضياع :” لا هما عاوزين يجننوني…. كذابة فتحية كذابة و خاينة عاوزاني اخون جوزي و اروح للراجل داه بس انا مستحيل اعمل كده…. انا مش خاينة….. مقدرش اعمل كده فادي الصغير بيحبني ايوا هو بيحبني…. و انا مستحيل أذيه…
جلست على السرير و هي لاتزال تجذب خصلات شعرها بجنون :”بس هو حيقتلني… شاهين الألفي اللي هو جوزي عاوز يقتلني او يرميني في مستشفى المجانين زي ما عمل مع مراته الاولانية…..
انا لازم احكيله على فتحية و انبهه هي ممكن تأذي فادي…. بس انا كمان مش عاوزة أذيها هي يمكن كانت محتاجة فلوس عشان كده دخلت نفسها في المؤامرة دي…. كل حاجة بتحصل بسبب الفلوس انا كمان ضيعت نفسي بسبب الفلوس…..حعمل إيه أنا لازم أتصرف إهدي… إهدي يا كاميليا عشان تقدري تفكري كويس …. “.
القت بجسدها على الفراش و هي تشعر بتعب شديد يغزو جسدها لتهمس بيأس:” انا احسن حاجة اموت نفسي و ارتاح منهم كلهم…. انا مليش مكان في العالم داه انا خايفة….
إنكمشت على نفسها كجنين في بطن أمه و هي تتمتم بشرود…
طرقت فتحية باب المكتب ليأذن لها شاهين بالدخول….
فتحت الباب ثم دخلت بخطوات مترددة لتجده يجلس وراء مكتبه مركزا في شاشة الحاسوب…
رفع رأسه ببطئ نحوها ليرمقها بحدة و هو يرمي لها
رزمة من المال قائلا بجمود:”خذي دول و اخرجي برا….”
فركت فتحية يديها بتوتر و هي تجيبه بصوت هامس:”بس انا عملتك كده مش عشان الفلوس يا بيه…”.
قلتلك خدي الفلوس و إطلعي برا… ” صرخ في آخر كلامه لتخطف فتحية النقود و تغادر بسرعة دون الالتفات ورائها…..
نفخ شاهين أنفاسه بغضب قبل أن يغلق الحاسوب و يرميه جانبا… وضع رأسه بين يديه بحيرة و قد ظهرت صورتها أمام عينيه…
قفز من مكانه فجأة و هو يتذكر كلماتها الأخيرة ليتملكه الخوف الشديد و هو يتخيلها تنفذ تهديدها صباحا بالانتحار….
فتح باب الغرفة و هو يلهث بشدة بسبب صعوده السريع للدرج….
تنفس العداء عندما وجدها نائمة على السرير كما رآها عبر الكاميرا منذ قليل…. اكمل سيره نحوها ليجدها تهذي بخفوت بكلمات غير مسموعة و ووجها و عنقها متعرقان بشدة…
إنحنى إلى مستواها ليتحسس حرارتها ليجدها مرتفعة قليلا عن معدلها الطبيعي… جذب علبة المناديل كم الطاولة الصغيرة الموضوعة بجانب السرير ليمسح لها وجهها و هو يتفرس ملامحها بلهفة و خوف…
اما كاميليا فكانت في عالم آخر لا تشعر بشيئ حولها
كل ماتشعر به هو الألم الشديد الذي يكاد يفتك بكامل جسدها….
أخذ شاهين هاتفه ليصل بعمر ليستدعي الطبيبة لها
و التي لم تتأخر كثيرا ، فحصتها تحت أنظار شاهين الذي صمم على المكوث معها و حقنتها بخافض للحرارة ثم طمئنته عليها و أعطته ورقة فيها اسماء عدة أدوية ليحضرها لها.
أغلق شاهين باب الغرفة وراء الطبيبة ثم عاد مرة أخرى ليتمدد بجانب كاميليا التي كانت تغط في نوم عميق…
جذبها نحوه ليشعر بحرارة جسدها المرتفعة تنتقل إلى جسده ثم لف ذراعه حول ظهرها متمتما في أذنها بصوت هامس:”مش حتخونيتي صح…. انا قلبي كان حاسس إنك مش زيها… إنت ملاك ملاكي انا… و انا من النهاردة بوعدك إني حمسك إيدك و مش حسيبها ثاني و حعوضك على كل لحظة عذاب عشتيها معايا….. بحبك”.
الساعة العاشرة ليلا…..
إستيقظت كاميليا على ملمس يدين ناعمتين تداعبان شعرها بحنان إبتسمت قبل أن تفتح عينيها و هي تتخيل والدتها و هي تلاعب شعرها عندما كانت صغيرة لكنها سرعان ما نشلها من حلمها الجميل صوت أكثر شخص تمقته في حياتها…
:”إنت كويسة يا حبيبتي…”.
سألها شاهين بنبرة حنونة لأول مرة تظهر في صوته…
إتسعت عيناها برعب و هي تتململ في الفراش محاولة الإبتعاد عنه رغم ثقل جسدها و الصداع الرهيب الذي ألم برأسها بسبب حركتها المفاجئة…
إبتسم لها شاهين عندما لاحظ ذعرها ليبتعد عن الفراش و هو يقول بصوت هادئ متحنبا إخافتها :
“حاولي متتحركيش كثير عشان إنت لسه تعبانة”.
إبتلعت ريقها و هي تنظر إليه بحيرة.. عقلها مازال مصدوما لا يستوعب ما يحصل أمامها… هل هو نفسه شاهين زوجها؟ مالذي حصل معه حتى يبتسم لها كم بدا مختلفا و…. وسيما لو لم يكن هو نفسه شاهين الألفي لقالت انه أوسم رجل رأته في حياتها..
لكن لماذا يتحدث معها بلطف و هدوء…يبدو أنها المرحلة الثانية من خطته لإصابتها بالجنون..
عقدت حاجبيها بذعر و هي تتخيل حدوث هذه الفكرة لتتمسك بحافة الغطاء و كأنه سيحميها
من هذا الوحش الذي يجلس بجانبها متربصا بها.
إنتقلت ببصرها إلى الباب الذي كان يطرق بخفوت
دقات متتالية قبل أن يفتح و تطل من ورائه زينب حاملة صينية طعام….
إتجه نحوها شاهين ليأَخذها منها ثم يشير لها بالانصراف.. جلس بجانبها على الجهة الأخرى
واضعا الصينية فوق ساقيه…
نظر إلى الأطباق برهة قبل أن يغمس الملعقة
في صحن الشوربة و يرفعها إلى فمها….
حدقت به ببلاهة و هي تبعد رأسها في آن واحد
غير مستوعبة بما يحصل لتسمعه يخبرها
:”لازم تاكلي عشان تاخذي الدواء… الدكتورة قالت إن جسمك ضعيف و عندك بداية أنيميا فلازم تتغذي
كويس عشان تتحسني….يلا إفتحي بقك..”.
قالها و هو يقرب منها المعلقة لتتناولها كاميليا بصمت
أنهت طعامها بصعوبة مع محايلات شاهين المستمرة ليجعلها تاكل اكبر كمية ممكنة من الاكل ثم ناولها بعضا من أقراص الدواء و كوبا من العصير الطازج لتناولهم أيضا بدون مناقشة او كلام…
خرج شاهين من الحمام بعد أن غسل يديه جيدا ثم تمدد إلى جانبها من جديد و هو يتأمل وجهها الفاتن رغم ذبولها…
:”حاسة بإيه؟؟ في حاجة بتوجعك؟؟”.
ردد شاهين سؤاله العجيب على مسامعها لتضحك كاميليا في داخلها باستهزاء على تمثيله الرائع حسب
ظنها، أخذت نفسا عميقا و هي تشجع نفسها على مسايرته حتى ينكشف قناعه و يعود من جديد إلى مظهره الحقيقي…
:”كويسة”..
أجابته بصوتها الناعم بنبرة خافتة لا تكاد
تسمع ليبتسم لها قبل أن يقول
:”فادي طول النهار مبطلش سؤال عليكي و منامش غير لما شافك…النهاردة نام بدري عشان لعب كثير مع عمر و مراته….”.
أومأت له برأسها بتردد و هي لا تدري ما ينبغي عليها فعله…دقات قلبها تتسارع بشكل مخيف و هي تتخيل يده التي كان يحركها بشكل عفوي أثناء كلامه تصفعها في أي لحظة….
تأوهت بخفوت عندما حاولت الاعتدال في مكانها
لتتفاجئ بيديه التي تسللت وراء ظهرها ليساعدها على الجلوس و يضع ورائها وسادة أخرى قائلا
:”لو عاوزة حاجة ثانية قوليلي بس متتحركيش
لوحدك إنت لسه تعبانة..”
فركت يديها بتوتر قبل أن تتحدث بصوت متقطع :”
ممكن تنادي زينب عشان… تساعدني….آخذ شاور”.
ربت شاهين على يديها بحنان ممررا أصابعه على
على بشرتها الناعمة ليشعر بتذبذبها و إرتعاشها
تحت لمساته قائلا :
” ثواني و الحمام يكون يكون جاهز… “.
اومأت كاميليا له بالايجاب و هي تضم كفيها
إلى بعضهما مطئطئة رأسها بصمت… لم تنظر إليه
حتى عندما وقف من أمامها لكنها إستشعرت
إبتسامته المرتسمة على شفتيه قبل أن يستدير
إلى الحمام وراءه…
عقدت حاحبيها عندما سمعت صوت المياه المصطدمة برخام البانيو لتتساءل كامليا في نفسها
بحيرة :”يا نهار إسود داه دخل عشان يحضر الحمام
بنفسه…. اكيد مخطط لحاجة جديدة الطاهر الزفتة
فتحية كان معاها حق عاوز يجنني بالبطيئ قبل
ما يرميني في مستشفى المجانين…. لالا انا لازم أتصرف…لازم ألاقي طريقة أهرب بيها و إلا حيكون
مصيري زي مها دي… ياترى هي فين و عاملة إيه؟؟
طردت أفكارها جانبا عندما لمحته يخرج من باب
الحمام متجها نحوها… رفعت عينيها نحوه ليتجده
ينحني نحوها و يحملها بخفة بين ذراعيه و كأنها
لاتزن شيئا
تعلقت بعنقه بخوف متسائلة :”إنت بتعمل إيه؟؟ نزلني…
ضحك بمرح و هو يدخل بها إلى الحمام من جديد و يضعها بلطف على حافة البانيو قائلا بمشاكسة
:” بساعد أميرتي الصغيرة عشان تاخذ شاور قبل النوم.. يلا حساعد عشان تقلعي هدومك…..
قاطعته بذعر قائلة :”لالا خلاص انا ممكن أكمل لوحدي…”
همهم شاهين بنفي :” تؤتؤ حساعدك… مفيش إعتراض يلا…
إنحنى ليفتح أزرار قميصها البيتي غير مبال باعتراضاتها….لتعض كاميليا شفتيها تمنع دموعها من النزول…
شعر بها شاهين ليضمها إليه يخفي جسدها عن عينيه
متمتما في أذنها بخبث:”مكسوفة ليه…انا شفت كل حاجة قبل كده على فكرة…”.
أدمعت عينيها من الاحراج و هي تضم قميصها المفتوح تخفي به جسدها عنه، تجاوزها ليفتح الخزانة ليعبث بعلب الشامبو و سوائل الاستحمام
الكثيرة ليختار من بينها ما يروقه…
أمسك بثلاثة علب ليسكب إحداها في حوض الاستحمام و يفتح صنبور المياه من جديد
حتى تتشكل رغوة كثيفة على سطح المياه….
نظر شاهين قليلا نحوها قبل أن يغلق عينيه قليلا و هو يقول :”دلوقتي حغمض عينيا و لما أفتح ألاقيكي دخلتي جوا البانيو…حعد من واحد لخمسة يلا….
واحد…. إثنين……
أسرعت كاميليا لتخلع باقي ثيابها ثم تقفز داخل حوض الاستحمام تخبئ جسدها تحت الرغوة البيضاء… فتح شاهين عينيه ثم أمسك بعلبة شانبو
يقرأ تعليماتها بصوت عال :”لشعر حريري و إنسيابي….أكمل حديثه و كأنه يفكر بصوت عال متهيألي مش محتاجاها عشان إنت شعرك حلو لوحده بس ريحتها حلوة خلينا نجربها…..
سكب بعضا منها على شعرها ثم غرف بعض المياه النظيفة ليبلل بها شعرها و يدلكه بنعومة و حذر…
إستمر في مساعدتها دون كلل او ملل و كأنها طفلة صغيرة حتى إنتهت ليسارع في الاخير بلف جسدها بمنشفة كبيرة و يحملها نحو غرفة الملابس….لتجفف شعرها و ترتدي ملابسها..
بعد عدة دقائق طويلة كانت تتمدد بنعاس تحت الغطاء السميك تراقب شاهين و هو يمشط شعره
و يرش بعضا من عطره ذو الرائحة النفاذة قبل
إن يتوجه إلى السرير و يتمدد بجانبها…
لم تعترض حتى عندما جذبها إلى أحضانه الدافئة
لتتوسد صدره العريض..
إمتدت يديه نحو الغطاء ليجدبه بحرص و يغطيها
بعناية… قرب فمه من رأسها ليقبل جبينها عدة مرات
قبل طويلة قبل أن يهمس :”الحمد لله حرارتك
بقت عادية نامي دلوقتي عشان بكرة حنسافر
المزرعة…عمر مصمم نروح هناك عشان يغير جو
هو و مراته….
رجعت كاميليا بذاكرتها عدة أسابيع إلى الخلف و تحديدا تلك الأيام المريعة التي قضتها في ذلك
المكان الكريه….و تلك الحيوانات المخيفة تأففت في داخلها و هي تتخيل ما سيحدث لها من عذاب هذه المرة. لكن أمام صديقتها … لم تشعر بأجفانها التي
إنغلقت تدريجيا لتنسحب رويدا رويدا و تغط في سبات عميق بسبب تأثير الدواء.
في غرفة عمر…..
رمت هبة هاتفها جانبا بعد أن شاهدت عمر و هو
يدلف الغرفة و على وجهه علامات التعب…
إبتسمت على مظهره المتذمر ليرتمي بجانبها قائلا
:”إضحكي…. إضحكي انا حيلي إتهد و انا بلاعب فادي بيه طول النهار عشان أنسيه صاحبتك… و هو
مش راضي…اموت و أعرف هي كانت بتتعامل معاه
إزاي”.
هبة بضحك :”فعلا هو متعلق بيها جدا من أول يوم جات فيه الفيلا و تقريبا هو السبب ان صاحبك
إتجوزها…”.
إلتفت عمر نحوها و هو يرفع حاجبيه بشقاوة قائلا
:” بكره حنسافر المزرعة و حوريكي سيزار و دايمون.
قطبت هبة جبينها باستغراب متسائلة:”مين سيزار و دايمون دول؟؟
عمر بضحك :” دول اللايجر يا حبيبتي…حلوين اوي
حتتعودي عليهم و حتحبيهم جدا….
هبة بسخرية :”نعم…هبلة انا عشان العب مع اسود… ”
عمر بضحك :” أحلى هبلة في حياتي و الله…”.
جذبها نحوه ليمددها على السرير و يضع رأسه في حضنها مغمغما بنعاس مصطنع :” نيميني في حضنك يا بيبة…
هبة وهي تفك ذراعه من حولها :” هو إنت طفل صغير عشان أنيمك في حضني… إوعي بلاش دلع ….
عمر بصوت طفولي :” لا هنا حلو…
إنفجرت هبة بالضحك و هي تتطلع بتعابير وجهه الطفوليه و عينيه التي كانتا ترمقانها باستعطاف
ليلين قلبها عليه و تقبل جبينه بحنان جعل عمر يبتسم بفرح و يمرغ وجهه داخل أحضانها مستنشقا
رائحتها بشغف..
______________________________________
صعدت ليليان الدرج المؤدي إلى غرفتها بخطوات بطيئة مترددة…. فتحت باب الغرفة لتجد أيهم ممددا
على السرير يتصفح هاتفه باهتمام…
قلبت عينيها بسخرية قبل أن تغلق باب الغرفة بهدوء
و تتجه نحو التسريحة لتنزع حجابها و ترتب شعرها
هز أيهم رأسه نحوها يتابع تحركاتها باهتمام…
إستنشق رائحة عطرها الهادئة التي وصلت إلى أنفه
بتلذذ قبل أن يقاطع تأمله صوت رسالة على هاتفه…
:”حبيت أطمن عليك عشان النهاردة لاحظت إن حضرتك تعبان شوية”. هند
إبتسم بخبث و هو يرسم عدة مخططات في
رأسه متناسيا وجود زوجته بجانبه و التي كانت تراقب جيدا ما يفعله.
تمددت ليليان على السرير ثم جذبت الغطاء عليها
باحكام و تغمض عينيها محاولة النوم و تجنب التفكير في واقعها….
لكن هيهات فما تعانيه في حياتها اكبر من تنساه بسهولة نظرات زميلاتها الطبيبات و كذلك الممرضات اليوم اللواتي كن يرمقنها بشفقة لا تبارح خيالها و لو للحظة…و تلك المسماة هند التي كانت تبتسم لها بلؤم عندما مرت بجانبها في الرواق.. هناك شيئ يعلمه الجميع عداها….
ظلت أفكارها تجرفها يمينا و يسارا حتى غرقت في نوم عميق…
صباح اليوم الموالي….
إنطلقت سيارات الألفي خارج بوابة الفيلا متجهة نحو المزرعة… سيارة يقودها عمر و بجانبه هبة و سيارة يقودها السائق و في الخلف تجلس ثريا و فتحية و معهما فادي الذي كان يراقب بحماس الطريق من بلور السيارة اما السيارة الأخرى فيقودها سائق و في الخلف يجلس شاهين و بجانبه كاميليا و خلفهم سيارات الحراسة الخاصة.
رفع شاهين الوشاح الصوفي الذي كانت تلفه زوجته على كتفيها و ظهرها قائلا :”بردانة…”
نفت كاميليا برأسها و هي تجيبه :”لا…العربية دافية”
أومأ لها و هو يتحسس جبينها للمرة العاشرة هذا اليوم فهو منذ أن إستيقظت صباحا و هو يعاملها
كطفلة إختار لها ملابسها و ساعدها في نزول الدرج
و تناول فطورها متجاهلا إعتراضها و سخرية عمر منه و نظرات هبة ووالدته المتعجبة…..
جذبها نحوه لتتكئ برأسها على كتفه براحة و هو يمسد شعرها بأصابعه ليشعرها بالأمان و الانتماء له هو وحده.
في مستشفى البحيري…..
داخل غرفة أحد المرضى تقف ليليان بجانب السرير و هي تضع يديها في جيبي معطفها الطبي الأبيض
و تبتسم بسعادة لذلك الصغير الذي نجى من الموت بأعجوبة بعد تعرضه لحادث مروري رفقة والده و الذي لحسن حظه نجى هو الاخر و يقبع في غرفة أخرى غير بعيدة عن غرفة إبنه…
ليليان بمرح :”إيه أخبار البطل النهاردة.. ؟؟
الطفل ببراءة :” انا كويث بث عاوض اثوف بابا هو
كمان ضربه الراجل الثرير….
كتمت ليليان ضحكتها على ظرافة هذا الصغير
الذي كان يتكلم بلهجة جادة و كأنه رجل كبير
لتجيبه هي الأخرى بجدية مماثلة لكنها مصطنعة
:”متخافش بابا كويس بس هو نايم دلوقتي
نص ساعة كمان و حتيجي ماما عشان تشوفك”.
أومأ الطفل بطاعة لتربت ليليان بحنان على رأسه قبل أن تلتفت إلى الخلف بسبب صوت الباب الذي
فتح لتدخل الممرضة و التي أعطيتها ليليان تعليماتها
بشأن الأدوية التي يجب أن تعطيها للصغير قبل أن تغادر…..
في مكان آخر كانت شيماء تراقب من بعيد تلك
الشمطاء هند كما أسمتها و التي إتجهت منذ قليل إلى الاسانسير و هي ترفع رأسها بتكبر….
لوت شيماء ثغرها بحنق و هي تتمتم داخلها بتصميم:” الحية دي اكيد رايحة فوق للدكتور أيهم….
حقول لمريم يمكن تنفعني بفكرة”.
أخرجت هاتفها لترسل رسالة لمريم لتخبرها بما رأته
منتظرة ردها قبل أن تتحرك و تكمل عملها….
وصلت هند إلى مكتب أيهم الذي إستقبلها
بابتسامته الرائعة التي تزين وجهه الوسيم
هند بصوت ناعم :” صباح الخير يا دكتور أيهم إزاي
حضرتك؟.
أيهم بابتسامة :”تمام يا دكتورة هند إتفضلي “.
تصنعت عند العبوس قبل أن تجلس بأناقة على الكرسي المقابل و هي تقول بنبرة معاتبة أجادت تصنعها
:” انا بكره الرسميات جدا على فكرة و خاصة مع الناس القريبين مني…ممكن تناديني هند لما نكون لوحدنا طبعا”.
ختمت كلامها بغمزة ليضحك أيهم بقوة قبل أن يجيبها :” تمام يا هند…اصلا ماعادش تنفع الرسميات
خاصة بعد اللي حصل ما بينا إمبارح….
طأطأت هند رأسها بخجل مصطنع و هي تتذكر قبلتهما يوم أمس في مكتبه… فركت يديها بتوتر قبل أن تتحدث بصوت خافت :”أنا آسفة بس….
قاطعها أيهم بصرامة :”و تتأسفي ليه؟ بالعكس إنت عبرتي على حاجة جواكي “.
هزت رأسها نحوه تتطالعه بنظرات خبيثة تخفيها تحت قناع البراءة :” يعني مش زعلان مني….
أيهم بنفي و هو يقدم لها أحد الملفات :”دي تفاصيل المؤتمر بتاع ألمانيا.. الاسبوع اللي جاي إيه رأيك تروحي معايا بدل الدكتور أنور….
أخذت هند من يده الملف لتتصفح الأوراق باهتمام واضح قبل أن تهتف :”بجد دا انا أكون محظوظة جدا عشان أحضر المؤتمر الطبي داه….
رفعت رأسها نحوه ترمقه بابتسامة قبل أن تسترسل
في كلامها :” بجد حتاخذني معاك يا دكتور أيهم “.
أيهم بإيجاب :” طبعا إنت دكتورة شاطرة جدا و تستاهلي فرصة زي دي…. “.
إرتسمت إبتسامة الانتصار على شفتي هند قبل أن تعود من جديد لتتصفح الأوراق باهتمام.
بعد نصف ساعة كانت هند تتجه نحو مكتبها أخرجت هاتفها من جيبها لتتصل بأيعد الذي أجاوبها فورا بصوت بدا عليه الضيق :
“أيوا يا دكتورة هند “.
هند:” متهيألي سمعت كل حاجة بنفسك يا دكتور”.
أسعد بصوت متألم :”أيوا سمعت و تأكدت كمان قبل
ما أسمع حوارك معاك…. المستشفى كلها بتتكلم عليكم”.
قهقهت هند بصخب قبل أن تجيبه بصوت واثق
:” الناس كلها سمعت إلا مراته الهبلة لسه نايمة هاي وذانها..
قاطعها أسعد بجدة و هو يلكم سطح مكتبه بقوة هاتفا بحنق :”إحترمي نفسك و إياكي تجيبي سيرتها على لسانك القذر داه… انا عارف كويس إنت غايتك إيه بس ميهمنيش.. انا كل اللي يهمني ليليان…. ليليان و بس “.
أغلق هاتفه في وجهها و هو يشتمها بغضب :” عمري ماشفت في حقارتهم هما الاثنين بس إيه لايقين على بعض جدا… انا لازم اتصرف مش حسيب ليليان تحت رحمة الواطي جوزها…
______________________________________
دخلت السيارات إلى بوابة المزرعة الكبيرة لتشهق هبة بإعجاب و هي تخرج رأسها من نافذة السيارة لتتأمل المساحات الخضراء الشاسعة التي كانت
تمتد لأميال بعيدة ليضحك عليها عمر و هو يجذبها
إلى الداخل قائلا :” بتعملي إيه يا مجنونة أقعدي مكانك…..
هبة بحماس :” المكان تحفة يا عمر مش قادرة أستنى
عشان اشوفه كله….
توقفت السيارات أمام الفيلا لتفتح هبة باب السيارة بسرعة و تسير باتجاه عمر الذي مازال يضحك على
جنونها أمسكت يده لتحثه على السير نحو الحدائق الخضراء التي سلبت أنفاسها بجمالها الطبيعي
الخلاب ليوقفها عمر هامسا في اذنها :”يا مجنونة مش دلوقتي إستني شوية ندخل جوا نرتاح شوية
و بعدين حنطلع كلنا مع بعض”.
عبست بحنق و هي تلتفت لترى بقية العائلة يخرجون من السيارات إستعداد لدخول الفيلا…. أومأت له بموافقة ليحيط عمر كتفيها بذراعه و يتجها إلى الداخل….
نزل شاهين من السيارة ثم مد يده لمساعدة كاميليا على النزول… سارا إلى السيارة الأخرى ليفتح الباب و يحمل فادي و ينزله على الأرض ثم حمل والدته ووضعها على الكرسي المتحرك الذي أخرجته
فتحية من صندوق السيارة الخلفي….
دفع الكرسي ببطئ أمامه ثم إلتفت إلى فتحية قائلا
:”خذي فادي لأوضته عشان يغير هدومه….”
أومأت له بطاعة ثم أمسكت فادي من يده لتدخل به الفيلا….لحقتها كاميليا بسرعة إلى الداخل لتدفعها
بعيدا عن الصغير و هي تهمس لها بغضب :”مش
قلتلك قبل كده مش عاوزة أشوفك قدامي و لو صدفة… سيبي الولد و إياكي تقربي منه ثاني “.
فتحية بصوت منخفض :” بس البيه هو اللي أمرني و انا مقدرش أقله لا…”.
إستدارت كاميليا لتجد البقية يدخلون الفيلا… شاهين
يدفع كرسي والدته بحذر أمامه و ورائهما عمر و هبة يتحدثان بهمس و يضحكان….
شاهين بتساؤل :” في إيه؟؟
كاميليا بتلعثم :”و لا حاجة…. انا كنت بقول لفتحية
إن أنا حهتم بفادي…”.
شاهين بهدوء:”بس إنت تعبانة… سيبيها حتاخذه فوق تغيرله هدومه و حتنزله… “.
حدقت كاميليا بفتحية عدة ثوان قبل أن تختطف يد
فادي منها بحركة سريعة قائلة بنفي :” لا مفيش داعي… انا حبقى أعمله كل حاجة “.
لم تنتظر حتى تسمع جوابه لتجر الصغير ورائها
تاركة شاهين يبتسم بخبث قبل أن يشير للاخرى
بالانصراف.
أمضت هبة كامل اليوم و هي تتجول في المزرعة
فاستمتعت بمشاهدة الحيوانات و ركبت بلاك، حصان عمر و لعبت مع اللايجرز هي و فادي عكس كاميليا التي رفضت الاقتراب منهم و إكتفت بالجلوس مع ثريا لمشاهدتهم من بعيد…
و في المساء حضر لهم الخدم وليمة كبيرة في الحديقة.
بعد بعض الوقت إستأذنتهم ثريا للذهاب إلى النوم
فهي متعودة دائما على الخلود إلى النوم في وقت مبكر كذلك فادي الذي داهمه النعاس بين أحضان
كاميليا و التي أصرت على أخذه بنفسها إلى غرفته
و الاهتمام به و قد لاحظ الجميع ذلك فهي طوال اليوم كانت تعامل فتحية معاملة غريبة و لاتسمح
لها بالاقتراب منها او من الصغير..
دلفت هبة غرفة نوم فادي لتجد كاميليا تدثره بالغذاء، جلست على حافة الفراش تنتظرها حتى تنهي ما تفعله.
نظرت لها كاميليا بتعجب متسائلة:”مالك يا هبة
عاوزة حاجة؟؟
هبة بإيجاب:” أيوا عاوزة أتكلم معاكي شوية
في كلام كثير اوي لازم نحكيه لبعض إنت إحكيلي
على حياتك الجديدة بعد الجواز و انا ححكيلك
عني انا و عمر….. ”
قاطعتها كاميليا فجأة بصوت خافت :” هبة إنت معاكي موبايل صح ”
قلبت هبة عينيها بعدم إعجاب لأسلوب صديقتها
ظنا منها ان تحاول مماطلتها لتجيبها بملل :” أيوا ”
أخرجت الهاتف من جيبها لتختطفه كاميليا من يدها ثم تتجة بسرعة إلى الباب تغلقه باحكام و تضغط أزرار الهاتف بارتعاش….. بعد ثواني سمعت صوت
نور و هي تقول :” أهلا ياهبة إزيك…
قبضت كاميليا على الهاتف بيديها الاثنتين و هي تضغط بعنف على شفتها السفلى محاولة عدم البكاء عند سماع صوت أختها بعد ثلاثة أسابيع طويلة
كاميليا بصوت متحشرج:” انا كاميليا يا نور….. إزيكيا حبيبتي واحشاني….
قفزت نور من مكانها لتصرخ بصوت متحمس :” كامي
إزيك إنت يا قلبي واحشاني عاملة إيه و ليه تلفونك مقفول طول الوقت…..
مسحت كاميليا دموعها التي إنهمرت بصمت ثم تحدثت بصعوبة :”انا كويسة يا نور متقلقيش…. انا كنت برا مصر ووصلنا النهاردة….و خذت تلفون هبة عشان أكلمكم…. ماما فين عاوزة اكلمها “.
نور بفرحة:”ماما في المطبخ إستني شوية حخليها تكلمك….
كاميليا باندفاع :” لا يانور خلاص يا حبيبتي انا حبقى أكلمكم وقت ثاني….سلميلي عليها و قوليلها
إن انا كويسة و بابا و كريم كمان “.
نور :”حاضر حقلها بس إنت حتيجي إمتى عندنا؟؟
كاميليا بحزن حاولت أن تخفيه:” مش عارفة بس قريب إن شاء الله يلا مع السلامة يا نور حكلمك بكرة… “.
أنهت المكالمة بسرعة دون أن تسمع جواب نور
مخافة ان يسمعها أحد الخدم و ينقل الاخبار لزوجها.
تنفست الصعداء و هي تبتسم لهبة رغم الدموع التي
كانت تلمع في مقلتيها…لتسارع الأخرى باحتضانها
رغم عدم فهمها لما يحصل معها.
بعد أن هدأت كاميليا إبتعدت عنها لتجلس على حافة
الفراش بجانبها.
هبة بعدم فهم :”أنا مش فاهمة حاجة إنت ليه كدبتي
على نور و قلتيلها إنك كنتي برا مصر…
كاميليا بصدق :” عشان شاهين أخذ تلفوني مقدرتش
أكلمهم من يوم ما تجوزت…
شهقت هبة غير مصدقة لما اتفوه به صديقتها متسائلة :”بس ليه؟؟
كاميليا بنبرة مستسلمة:” منعني إني أكلم عيلتي او أي حد أعرفه…”.
هبة باستدراك :”و انا إلى كنت فاكراكي بتقضي شهر العسل عشان كده قافلة موبايلك “.
تنهدت كاميليا بحزن قبل أن تردف بصوت مختنق :” انا مقدرش أحكيلك كل إلي حصل معايا بالتفصيل بس اللي أقدر أقولهولك إني شفت كل أنواع العذاب و الذل معاه…كل اللي حكيتلك عنه زمان ميجيش نقطة في بحر اللي عشته في الأيام اللي فاتت… حاسة إني كابوس فظيع و مش قادرة أصحى منه
بس إللي مهون عليا إني قدرت أنقذ عيلتي من الفقر
و أمنت مستقبل نور و كريم عشان ميتعذبوش زيي…
أجهشت كاميليا بالبكاء و هي تتذكر كل العذاب الذي تعرضت له لتضمها نور إلى صدرها محاولة تهدئتها…
.
:”مش عارفة أقلك إيه يا كامي أنا و الله مكنتش أعرف إن كل داه حصل معاكي…. بس… بس انا شايفاه بيتعامل معاكي كويس داه بيهتم بيكي أكثر من إبنه حتى…
إبتعدت عنها كاميليا و هي تمسح عينيها الباكيتين قائلة” متغركيش المظاهر اللي إنت شفتيه غير الحقيقة….إحنا تأخرنا و لازم ننزل بس أرجوكي
متحيبيش سيرة لماما او نور مش عاوزاهم يقلقوا
عليا…”.
أومأت لها هبة بالموافقة رغم حزنها الشديد على
صديقتها الوحيدة التي كانت تعاني لوحدها طوال
المدة الماضية….
في الأسفل……
دخل شاهين و عمر إلى داخل الفيلا بسبب البرد الشديد في الخارج…. جلسا في الصالون يتحدثان
في أمور العمل و الشركات لحين مجيئ الفتيات….
نفخ شاهين بملل و هو ينظر إلى درج الفيلا كل دقيقة متجاهلا سخرية عمر منه :” الحب ولع في الذرة…. و الله عشت و شفت شاهين الألفي واقع….
فينك يا أيهم عشان تشوف اللي أنا شايفه”.
رماه شاهين بالوسادة قبل أن يهتف بحنق :” لا خفة… بقلك إيه خليك ساكت أحسن انا اللي فيا مكفيني دلوقتي”.
تفادي عمر الوسادة بحركة سريعة و هو يقهقه باستمتاع… لاحظ إبتسامة شاهين التي إرتسمت فجأة على شفتيه لينظر إلى حيث ينطر هو ليجد كاميليا و هبة تنزلان الدرج….
جلست هبة بجانب عمر و قد إرتسمت على وجهها
علامات الضيق ترمق شاهين بنظرات غاضبة و كأنها سهام نارية تمنع نفسها بصعوبة من الانقضاض عليه و إشباعه ضربا و لكما على إيذائه لصديقتها….
تنحنحت قليلا قبل أن تتحدث :”هو ممكن الليلة تبات
أشعل شاهين سيجاره لينفث دخانه بغضب و هو يجلس في شرفة جناحه.. منذ نصف ساعتين و هو يجلس وحيدا ينتظر صعود كاميليا التي تعمدت
البقاء و السهر قليلا مع هبة لتختار معها بعض الملابس و الأغراض الخاصة بالعروس من الانترنت …
نظر لساعته ليجدها الحادية عشر ليلا.. زفر بحنق و هو يطفئ بقية السيجارة داخل المنفضة البلورية و يقف متجها إلى الخارج و في داخله عزم على أن يجرها من شعرها إلى هنا بعد أن يلقن صديقتها درسا لن تنساه حتى لا تتجرأ مرة أخرى و تأخذها منه….
ما إن إمتدت يداه إلى مقبض الباب ليفتحه حتى فتح فجأة و أطلت من ورائه كاميليا ليبتسم
شاهين بفرح كطفل صغير يرى امه….
أسرع ليحتضنها بقوة غير مبال بدهشتها التي ظهرت جليا على ملامح وجهها الفاتنة…
إبتعد عنها ليحاوط وجهها بين يديه يتأملها بعشق حقيقي و كأنه لأول مرة يراها لا يدري مالذي أصابه حتى أصبح لت يطيق فراقها و لو لدقيقة واحدة
هتف بعد صمت طويل قائلا بعتاب:”كل داه تأخير… قاعدة مع صحبتك و سيباني هنا لوحدي..”.
إبتسمت كاميليا بسخرية و هي تجيبه بتحفظ :”كنت بطمن على فادي عشان كده تأخرت… انا آسفة”.
قالتها بنبرة خافتة تدل على ضعفها أمامه ليسارع شاهين بتبديد ذلك الشعور بقوله :”لا متتأسفيش… خلاص محصلش حاجة بس…..إنت وحشتيني اوي في الساعتين اللي إنت قعدتيهم مع صاحبتك”.
نظرت له بعدم تصديق لبرهة من الزمن قبل أن تزيح عيناها عنه و تبعد يداه برفق قائلة:”معلش انا تعبانة ممكن نتكلم بكرة…”.
أكملت جملتها و هي تتثائب بتعب و تتجه نحو الحمام لتستحم و تغير ملابسها تاركة شاهين يتلظى
بنار الشوق و يمنع نفسه بصعوبة عنها…
كان يبذل مجهودا كبيرا حتى لا يتعامل معها كما في السابق فلو انها تصرفت معه كهذا منذ اسبوع لكانت أمضت بقية ليلتها في المستشفى…
تأفف للمرة الالف قيل ان يفتح باب الحمام و تخرج منه كاميليا ترتدي بيجامة قطنية طويلة باللون الأزرق السماوي كلون عيناها….
وضعت المنشفة على كرسي التسريحة ثم أخذت
مطاطة شعر لتلف شعرها على شكل كعكعة مهملة ثم تعود ادراجها إلى السرير متجاهلة زوجها الذي يقف مكانه يراقبها بصمت و غضب دفين…
:”تصبح على خير”.
رددت بصوت هادئ مما جعله يتوتر اكثر.. هو الذي قرر ان يبدأ صفحة جديدة معها و أن يتقبلها كحبيبة
بعد أن تغلغل عشقها و ملكت قلبه و عقله و روحه لكن كعادته كعادة أي شخص اناني مثله لايفكر سوي بنفسه ولا يهتم سوى براحته… لا يهمه رأي تلك المسكينة هل ستوافق او سترفض فهو كما تعود يأمر و هي عليها فقط أن تنفذ….
تمدد بجانبها على السرير ثم نزع الغطاء عنها قليلا قائلا :”ساعتين مستنيكي عشان في الاخير تقوليلي تصبح على خير….”.
وصل إلى مسامعه صوت تأففها قبل أن تستقيم في جلستها قائلة بطاعة :”حضرتك عاوز إيه؟؟”.
هز حاجبيه و هو يرمقها بعدم رضا على اسلوبها
المستفز معه قبل أن يتشدق بوقاحة :”عاوزك…”.
أغمضت عينيها بضيق واضح و هي تصر على أسنانها
بحنق قبل أن ترفع اصابعها تفتح ازرار قميصها
قائلة :”تحت امرك”.
أمسك يدها بسرعة يمنعها عن إكمال ما تفعله قائلا بتبرير :”قصدي عاوز اتكلم معاكي….”.
حدقت به ببلاهة غير مصدقة لما تسمعه منذ متى و هو يتحدث معها…كل ما كان بينهما هو الأمر و الطاعة….
أطول جملة سمعتها منه لا تتجاوز عشر كلمات إما يأمرها او يهينها فيها
فكيف يريد الان التحدث معها…. لاحظ شاهين إستغرابها ليهتف بهدوء و هو مازال يحتفظ بيدها داخل كفه
:” عاوز نبتدي صفحة جديدة انا و إنت… كأي زوجين طبيعين بيحبوا بعض”.
شهقة قوية و عينان متسعتان بذهول هذا كل ما صدر عنها ردا على كلامه الغريب…. حب ماذا يقول هل ذكر كلمة حب و هل للشيطان قلب حتى يحب
و هو الذي عذبها و اهانها لأيام و و ليال طويلة يأتي الان و ببساطة و يريد البدأ من جديد….
:” مش فاهمة حضرتك تقصد إيه؟؟ ”
تمالكت نفسها و هي تجيبه بنبرة متلعثمة دون أن تحيد عيناها عنه ليس شجاعة منها و لكنها في تلك اللحظة لم تكن تعي بما يدور حولها..
إبتسم شاهين و هو يتناول يدها الباردة بين يديه الدافئتين قائلا بصوت حنون :”مفيش واحدة تقول لجوزها حضرتك…تقوله يا حبيبي ياروحي… ياقلبي اي حاجة من الكلام الحلو داه…
كاميليا بتعجب:” و هو حضرتك معتبرني مراتك
يعني….انا هنا جارية مشتريها بفلوسك…. نسيت؟؟؟ ..
نفخ شاهين بضيق و قد فهم ما تقصده ليقاطعها بتفسير :”كاميليا….الكلام داه كان ماضي و عدا و انا قلتلك من شوية نفتح صفحة جديدة و ننسى اللي فات انا عارف إنه صعب عليكي إنك تتقبليني
بعد كل اللي شفتيه مني بس انا حخليكي تنسي
كل اللي فات….عوضك على كل الألم و العذاب اللي شفتيه في الأيام اللي فاتت إنت بس حاولي تنسي َو كل حاجة حتبقى تمام…..
حملقت فيه بصدمة ممزوجة بغضب شديد قبل أن تدفع يديه عنها و تقفز من السرير صارخة بعنف :”يا بجاحتك يا أخي إنت عاوز تجنني صح دي خطتك الجديدة عشان تتخلص مني بس ليه كل داه ليييييييه صرخت بجنون قبل أن تستأنف حديثها مرة أخرى….. انا عملتلك إيه عشان تعمل فيا كل داه طب…. طب عاوز تتخلص مني إقتلني و خلاص
و صدقني و الله…. مفيش حد حيدور عليا عيلتي و إنت عارفها ميقدروش يوقفوا قصادك و يحاسبوك…. إقتلني و ريحني ارجوك و الله معادش فيا حيل استحمل اكثر من كده…..
كانت تصرخ بانهيار و هي تجذب خصلات شعرها بعشوائية… وجهها أحمر بشدة و شفتاها ترتجفان
لا إراديا….أكملت كلامها و هي تحدق به بتركيز
منتظرة ردة فعله او بالأحرى عقابها….لكنها لم تعد
تبالي حتى لو قتلها هذه المرة….
لم يستغرب شاهين من ردة فعلها فقد كان يتوقع إنفجارها في اي لحظة ظل جالسا في مكانه يتطلع فيها ببرود مستفز قبل أن يتحدث بتأني:”كاميليا إهدي… مينفعش اللي إنت بتعملي داه إنت لسه تعبانة…..
كاميليا بجنون اكبر و هي ترميه بالوسادة :” ملكش دعوة بيا خالص و متعملش نفسك قلقان عليا…إنت اصلا اول مرة تنطق فيها إسمي…. فاكر كنت بتناديني إيه…. ها خدامة، جارية….
ضحك شاهين باستمتاع على جنونها رغما عنه… هي منهارة الان و تحتاج لأن تتكلم و تصرخ حتى تخرج كل ما يعتمر قلبها من حزن و ألم لا يريد منعها رغم انه يمنع نفسه بصعوبة كبيرة عن الوقوف و أخذها بين أحضانه في هذه اللحظة جتي ياخذ عنها بعضا من المها..
كاميليا بصدمة من برودة اعصابه :”بكرهك و حفضل اكرهك لآخر لحظة في عمري…
قاطعها بحدة و قد إكتسى الغضب ملامح وجهه الوسيمة:” كاميليا….إياكي تقولي الكلمة دي تاني إنت فاهمة “.
أخفت خوفها ببراعة و هي تجيبه:” أيوا…. طبعا إظهر على حقيقتك بقى مش بتعرف غير تدي الاوامر…. خلاص اوكي….. حاضر نبتدي صفحة جديدة و نحب بعض في أوامر ثانية يا شاهين بيه”.
قالت كلمتها الأخيرة بصوت مختنق قبل أن تسير باتجاه باب الغرفة للخروج…
توقفت مكانها و هي تكفكف دموعها بيدها بعد أن إعترض طريقها واقفا أمامها بجسده الضخم…فتح ذراعيه ليطوق كتفيها بنعومة قبل أن يتكلم بصوت هادئ :” إديني فرصة أخيرة و انا حخليكي تنسي
اللي فات…أنا بس كنت محتاج وقت عشان
أكتشفك بس للاسف الثمن كان اذيتك…..ليكي حق
تقولي و تعملي اللي إنت عاوزاه و لو عاوزة تنتقمي
مني انا جاهز لأي حاجة و راضي بأي حاجة تعمليها
فيا المهم إنك….تسامحيني”
قالها بصوت خافت و هو يغمض عينيه بقوة…لم يتعود على إظهار ضعفه أمام احد خاصة هي… لكنه
يريدها ان تسامحه و ان يبدأ معها من جديد و عليه أن يتنازل قليلا عن عرش الغرور و الكبرياء الذي يحيط به نفسه لاجلها..
هذه الصغيرة التي تقف أمامه و التي تصل بطولها إلى كتفيه تستحق ان يضحي من أجلها لاينكر أنه تفاجئ
من ردة فعلها عندما أرسل لها فتحية للايقاع بها لم يكن يتوقع انها ستتجاوز أول إختباراته الصعبة ببرائتها و طيبة قلبها….
لو كانت أخرى مكانها لسارعت إلى الارتماء في أحضان من هو أقوى منه مقابل خروجها من جحيمه
ذلك المنافس القوي الذي أوهمها بوجوده و معرفته بها يعرض عليها بكل بساطة ان ينقذها و ان يوفر لها حياة أفضل مقابل خيانة زوجها… رغم انه يستحق لكنها رفضت و بقيت حتى تحمي إبنه.
سمح ضحكتها الساخرة ليفتح عيناه ليجدها تحدق
فيه بنظرات غامضة قبل أن تقول بجرأة :”للدرجة دي صعبة الكلمة…. مش قادر تعترف بغلطك على العموم انا حقلك إيه هي الحاجة الوحيدة اللي حتخليني اسامحك…
تراجعت قليلا إلى الخلف مبتعدة عنه و هي لا زالت تتفرسه بعيناها الدامعتين التي تخلل بياضهما إحمرار خفيف….
طلقني…. و رجعني بيت أهلي و انا حرجعلك كل فلوسك اللي… آه.. “.
صرخت بألم عندما شعرت بذراعيها تكادان تنكسران من شدة ضغطه عليهما رفعت عيناها نحوه لتجد
شيطانا يقف أمامها لا إنسانا….كان ينظر لها و كأنه
على وشك ان يقتلها في أي لحظة.
:” إخرسي… إياكي تجيبي سيرة الطلاق ثاني على لسانك…. إنت فاهمة “.
هزها بعنف و هو يصرخ بغضب أعمى مكملا:” إنت
مراتي و مش حسيبك لآخر يوم في عمري”.
دفعها بعنف إلى الوراء ليرتطم ظهرها و رأسها بالحائط لتنفرج شفتاها بآه متألمة أفاق على إثرها
شاهين من جنونه….
ليقترب منها مرة أخرى متفقدا إياها قائلا بلهفة :” إنت كويسة…. وجعتك صح انا آسف مكنتش في وعيي….تعالي “.
قادها بلطف نحوالسرير و يده تقبع وراء ظهرها دون أن يلمسها لتسير كاميليا إلى جانبه بصمت بعد أن أدركت أنه لا جدوى من الحديث معه….
دثرها جيدا بالغطاء الصوفي ثم ذهب ليغلق باب الشرفة قبل أن يعود و يتمدد بجانبها في الجهة الأخرى من السرير تاركا مسافة بسيطة بينهما
حتى لا يضايقها أكثر.
_________________________________________
في فيلا البحيري…..
تناولت ليليان قرصا آخر من علبة المهدئ التي شارفت على الانتهاء ثم أمسكت كوب المياه تترشفه بتوتر بسبب إرتجاف يداها.
وضعت الكوب على المنضدة و هي تحاول تنظيم أنفاسها بهدوء منذ ساعتين و هي تحاول النوم بلا فائدة
فكلما أغمضت عينيها تتذكر ما حدث معها اليوم…
كانت جالسة كعادتها في مكتبها بعد ان أنهت جولتها التفقدية المعتادة لتفحص المرضى و الاطمئنان عليهم… لتسمع صوت الباب يطرق لتاذن لمن في الخارج بالدخول….لم تستغرب عندما وجدته الدكتور اسعد فهو منذ قليل أخبرها بأنه يود المجيئ و التحدث معها في أمر هام جدا ….
جلس على الكرسي المقابل للمكتب بعد أن القى عليها التحية.
ليليان بابتسامة صغيرة و هي ترفع سماعة الهاتف :”تحب تشرب إيه يا دكتور؟”.
اسعد :”لا مفيش داعي تتعبي نفسك”.
ليليان :”تعب إيه بس.. انا حطلبلك قهوة مضبوط زيي”.
أومأ لها بالايجاب و هو يتأمل ملامحها الفاتنة و خاصة غمازتيها اللتين تزينان وجنتيها كلما إبتسمت.
وضعت ليليان سماعة الهاتف ثم إلتفتت إلى أسعد الذي وجدته يتفرسها بنظرات غريبة….تنحنحت لجلب إنتباهه لينزل عينيه عنها فورا قائلا بحرج :” آنا آسف يا دكتورة….. الظاهر إني سرحت شوية..”.
ليليان و هي تخفي ضيقها :”حصل خير…إيه هو بقى الموضوع المهم اللي حضرتك عاوز تكلمني فيه”.
أسعد بجدية :”بصراحة الموضوع اللي انا كنت عاوز اكلمك فيه مينفعش يتقال هنا في الشغل بس كمان مقدرش اطلب منك إننا نتكلم في مكان ثاني غير هنا…الموضوع يخص الدكتور أيهم جوزك….”.
ليليان بتعجب و قد بدأت دقات قلبها بالتسارع :” ماله أيهم…حصله إيه؟؟ “.
أسعد بغضب ممزوج بسخرية :” متقلقيش هو كويس و محصلوش حاجة….انا بصراحة ترددت كثير قبل ما آجي أتكلم معاكي بس…. كمان مقدرتش اشوفك كده و معملش حاجة بالرغم من إن كل الناس اللي هنا عارفين لكن مفيش حد فيهم تجرأ و تكلم معاكي و نبهك عشان خايفين…. الدكتور أيهم جوزك بيخونك مع الدكتورة هند…”.
شهقت ليليان و هي تضع كفها على ثغرها تمنع صوت صرختها المتألمة من التحرر….قبل أن تهتف بعنف :” إنت بتقول إيه؟ جبت التخاريف منين؟
وقف اسعد من مكانه لينحني إلى مستواها و هو
ينظر في عينيها قائلا بتحدي:”لا دي مش تخاريف و إنت عارفة داه كويس…معقولة حضرتك عامية للدرجة دي مشفتيش نظرات زمايلك ليكي او مسعتيش همساتهم و هما بيتكلموا عليهم… الكل عارف إلا إنت كل الدكاترة و الممرضات حتى العيانين…و بعدين الدكتور أيهم غني عن التعريف و متعود على كده بس اللي مش فاهمه إزاي يبقى متجوزك إنت و يخونك…. ”
تجاوزت ليليان صدمتها ببراعة قائلة بغضب و هي تضرب سطح مكتبها بقبضتها :”انا ميهمنيش كلام أي حد… و الدكتور أيهم…. ”
إبتسم اسعد بسخرية و هي يكمل جملتها :” بيخونك مع ست ثانية و اللي هي الدكتورة هند طبعا إنت عارفاها و على فكرة دي مش اول مرة و انا قريب جدا حجيبلك الدليل خصوصا إنه إختارها هي بدال الدكتور أنور عشان تروح معاه مؤتمر برلين.. و لو مش مصدقاني تقدري تتأكدي بسهولة….متزعليش يا ليليان أيهم داه حقير و زبالة و يستاهل واحدة وسخة زيه…عن إذنك “.
افاقت من ذكرياتها و هي تشعر بغصة كبيرة تكاد تخنقها لقد أكد لها اسعد ماكانت تشعر به…خيانة الزوج ما اصعبه من شعور خاصة لإمراة مثل ليليان جميلة مثقفة.. و الأدهى من ذلك انها إبنة عمه يعرفها جيدا و يعرف أخلاقها….
لماذا أصر على الزواج منها إذا كانت نيته خيانتها.
فتحت شباك الشرفة ليتسلل هواء الشتاء البارد
عله يخفف بعضا من النار التي كانت تحرق جسدها
بلا رحمة.
مرت دقائق طويلة عليها و هي تقف مكانها حتى شعرت بالبرد الشديد ينخر عظامها.
مسحت دموعها بكفيها قبل أن تعود إلى داخل الغرفة
و هي تحاول التماسك و إخفاء ضعفها فليست ليليان البحيري من تبكي بسبب رجل باعها و خانها….
هي صامتة فقط لأنها تريد التأكد…. تريد دليلا ملموسا يؤكد خيانته لها بعدها تقسم أنها لن تتوانى ابدا عن الانفجار.
ستريه من هي ليليان البحيري فلينتطر قليلا فقط.
في نفس الوقت في شقة أيهم…
لفت هند غطاء المنشفة على جسدها العاري باحكام قبل أن تخرج من الحمام لتجد أيهم قد إرتدى ملابسه
و يقف أمام التسريحة يسرح شعره المبلل….
تقدمت نحوه بدلال مقبلة خده قائلة:”خلاص حتروح…؟؟
إحتضن أيهم خصرها ليق بها منه طابعا قبلة سريعة
على شفتيها قبل أن يجيبها :” لازم اروح البيت دلوقتي…”.
هند بخبث :” بس الوقت متأخر.. حتقولهم إيه لما يسالوك… ؟؟
ايهم بغمزة:”أكيد نايمين و بعدين انا كنت فين اصلا
في المستشفى عندي عملية مستعجلة…. ”
هند و هي تضحك بصخب :” مممم ذكي اوي يا بيبي
خمس دقايق ألبس هدومي و أنزل معاك عشان توصلني في طريقك”
أيهم بموافقة:” ماشي حستناكي في الصالون….
اومأت له بالموافقة ليغادر الغرفة…لتسرع هند إلى
حقيبة يدها التي كانت تضعها على الكومودينو بجانب السرير بشكل يظهر انه عشوائي…. فتحتها لتخرج هاتفها و تلتقط عدة صور لها في كامل انحاء
الغرفة قبل أن تغلقة و تعيده إلى مكانه و تحضر ملابسها لترتديها على عجل….
بعد نصف ساعة توقفت سيارة أيهم أمام مبنى راق
لتترجل هند بعد أن ودعت أيهم لينطلق الاخير بسيارته متجها إلى الفيلا….
صعدت هند درجات السلم متجهة إلى شقتها و هي تدندن بسعادة فتحت الباب بمفتاحها الخاص ثم
توجهت مباشرة نحو غرفة نومها….
أخرجت هاتفها لتعيد التحقق من وجود تلك الصور التي قامت بتصويرها في شقة أيهم قبل أن تتصل بأسعد….
اسعد بصوت ناعس:”بتتصلي بيا في الوقت المتأخر داه عاوزة إيه؟؟؟
هند :” سوري فيقتك من النوم بس عشان اقلك إني
خلاص إبتديت في تنفيذ الخطة و قريب جدا العصفور حيوقع في القفص “.
أسعد بتهكم :” طبعا ماهو أعمى و اهبل عشان يسيب القمر يبص على….
هند بمقاطعة'”بقلك إيه أنا مسمحلكش…. إنت مش احسن مني في حاجة انا و إنت مصلحتنا واحدة و هدفنا واحد فمفيش داعي كل شوية تسمعني الاسطوانة دي….تصبح على خير و متنساش اللي إتفقنا عليه….
أنهت المكالمة دون الاستماع إلى جوابه و هي تشتمه في داخلها بكل انواع الشتائم بسبب سخريته منها
و من حقارتها….
بالرغم من انه هو أيضا شريك معها في خطتها
القذرة في التفريق بين زوجين لكن أسبابه مختلفة
هو يحب ليليان حيا صادقا و إضطر إلى الدخول معها في لعبتها القذرة حتى يستطيع أن يخلص حبيبته من زوجها الخائن لما هند فهدفها هو ثروة أيهم البحيري و إسمه…. تريد الحصول عليه بأي
طريقة ممكنة…
مرت الايام على أبطالنا و لا جديد يذكر… ليليان لم تعد ترى أيهم إلا نادرا بسبب إنشغاله نهارا في العمل بالمستشفى و ليلا مع هند…. و أسعد ينتظر الفرصة
المناسبة حتى يقدم دليل خيانة أيهم ليليان حتى
تستطيع التخلص منه نهائيا.
اما عمر و هبة فقد عادا إلى الفيلا لإكمال تحضيرات الزفاف بمساعدة كاميليا و شاهين الذي حرص
على تغيير معاملته معها ليثبت لها رغبته في
بدا حياة جديدة و مختلفة معها .
ترجلت نور من السيارة التي خصصها شاهين
لتنقلها هي و كريم إلى مدارسهم…اغلقت الباب ورائها
لتتجه بعدها نحو باب البناية الفخمة التي أصبحت تقطنها صحبة عائلتها….تبعها اخوها الذي كان يمشي بتثاقل و تعب قبل أن يتوقف فجأة و يرمي
محفظته على الأرض هاتفا بغضب طفولي:”البتاعة
دي ثقيلة اوي و انا تعبت خليها هنا و انا حقول لماما تنزل تجيبها”.
إلتفتت له نور و هي تكاد تنفجر من الغيظ بسبب
أخيها المدلل قائلة بتهديد:”شيل المحفظة يا كريم
احسنلك بلاش دلع فارغ مش كل حاجة ماما حتعملهالك…”
هز الصغير كتفيه برفض و هو مازال يقف مكانه قائلا
بعناد :”لا خليها هنا مش عاوزها… او شيليها إنت”.
عادت نور أدراجها بخطوات غاضبة و هي تلتقط المحفظة من الأرض و تضعها قسرا على كتفيه
قائلة بنفاذ صبر:”محفظة فيها كتابين و قلم مش قادر تشيلها الخطوتين دول؟؟ …و بعدين حضرتك تعبان من إيه طول النهار بتجري و تتنطط في الساحة و دلوقتي بس إفتكرت إنك تعبان….شيل الزفتة دي و متجننيش انا مش ناقصاك…”
رمقها كريم بحقد طفولي وهو يزيح المحفظة مرة أخرى و يلقيها على الأرض من جديد قائلا بغضب
:” و الله لقول لماما إنك زعقتيلي و ضربتيني كمان
و حقلها إنك قلتي عليا حمار و غبي… ”
نظرت له نور بصدمة و هي تضع يدها على خصرها
قائلة بسخرية :” كداب.. انا إمتى مديت إيدي عليك
ها….. طولك شبرين و نص و بتكذب من دلوقتي أمال لما تكبر حتعمل إيه و بعدين ما إنت حمار و غبي فعلا
مش عارف خمسة زائد ثلاثة يبقوا كام…
أجابهاكريم بحنق:”يبقوا ثمانية….
نور بسخرية :”امال كاتب تسعة ليه في الورقة بتاعة الامتحان يا ذكي ؟؟ …
دي الميس بتاعتك عاملالك علامة إستفهام حمراء قد دماغك.. المسكينة عندها حق مش فاهمة خطك اصلا مفيش حد بيفهم إنت بتكتب إزاي لازمك منجم عشان يفك الطلاسم اللي إنت بتكتبها… يا غبي..
كريم بغضب:” انا مش غبي…إنت اللي غبية و وحشة….و شعرك قصير زي الاولاد….
انهي كلمته و هو يخرج لها لسانه باستهزاء لتبتسم نور بشر قبل أن تهتف بعناد و هي تخلل أصابعها في شعرها القصير :” أنا حنجح و حجيب مجموع كويس و ادخل كلية طب و ابقى دكتورة عشان شاطرة بس إنت عشان تلميذ فاشل حتسقط و حتعيد السنة و تبقى تدرس مع آية بنت أنكل عبد الحميد اللي لسه في سنة اولى ….
تجهم وجه كريم بشدة ليرمي محفظته على الأرض ثم يهرول بسرعة ليصعد الدرج متجها إلى شقتهم.
إنحنت نور لتلتقط المحفظة و هي تشتم كريم بعدة شتائم تصف فيها غبائه و دلاله المفرط…
فجأة توقفت مكانها إثر سماعها لضحكات رجولية
خافتة… إلتفتت إلى مصدر الصوت لتجد شابا اقل ما يقال عنه انه وسيم يرتدي سترة رياضية حمراء اللون بدون أكمام رغم برودة الطقس و بنطالا رياضيا ابيض و يرتدي نظارات شمسية تخفي عينيه…
حدقت فيه نور بعينين متسعتين و قد جذبها مظهره الجذاب خاصة بطوله الفارع حتى أنها إضطرت إلى رفع رأسها قليلا حتى يظهر لها وجهه و عضلات صدره و ذراعيه المنتفختين مثل خاصة المصارعين الذين تراهم في التلفاز…
تراجعت إلى الوراء قليلا و هي مازالت تتفرسه ببلاهة
ليبتسم محمد (شقيق أيهم لو فاكرينه) إبتسامة خفيفة أفاقت على إثرها نور من صدمتها و تتمالك نفسها لتكشر بوجهها متمتمة بصوت خافت ظنت انه لم يسمعها:” ماهو مش ناقص غير عم جون سينا داه…
كانت ستكمل طريقها نحو المصعد لكنه اوقفها قائلا بصوت رجولي خشن إقشعر له جسدها:” سمعتك على فكرة”.
إلتفتت نحوه مرة أخرى لتقول بتحدي:” و لايهمني على فكرة….
إبتسم محمد و هو يرفع يده ليزيل نظارته لتشهق نور بخوف و هي تتراجع إلى الوراء ظنا منها انه سيظربها…
إتسعت إبتسامته الساحرة حتى ظهرت أسنانه البيضاء اللؤلؤية لترمش نور بأهدابها عدة مرات قبل أن تحدث بتلعثم :” بقلك إيه…خذ عظلاتك دي و إتكل يلا انا مستعجلة َ مش فاضيالك في مصيبة مستنياني فوق…”
تعالت ضحكاته المستمتعة و هو يلاحظ نظراتها المرتبكة نحوه
و هي تضغط على أزرار المصعد الذي أبى ان يفتح و كأنه يعاندها هو أيضا تقدم قليلا ليضغط على الزر الصحيح ليفتح باب المصعد أمامها
دعاها للدخول بحركة لبقة من يديه قبل أن يتحدث بنبرة هادئة و هو يشير باصبعه نحو محفظة كريم :” أخوكي لسه صغير و ميستاهلش الكلام الجارح اللي إنت قلتيهوله…داه حيدمر نفسيته أكثر و يخليه يفقد الثقة في نفسه و في قدراته حاولي تتكلمي معاه بهدوء أحسن…”.
رمقته نور بانزعاج قبل أن تنزل رأسها باستسلام فهذا الغريب محق في كل كلمة قالها… هي دائما ما تقسو على كريم و لا يعجبها تدليل والدتها المفرط له و إهماله لدراسته لا تعي انه طفل صغير لا يفقه في هذه الدنيا سوى اللهو و اللعب…
فتح باب المصعد لتخرج نور و يتبعها محمد بصمت متجها نحو الشقة المقابلة لشقة سعيد محمود..
ألقت نحوه نظرة اخيرة قبل أن تخرج مفتاحها من جيب محفظتها و تفتح الباب و تدلف بسرعة….
إتسعت إبتسامتها لتصرخ بفرح عندما وجدت شقيقتها كاميليا تجلس مع والدتها في الصالون واضعة كريم في حجرها و تقبله بين الحين و الآخر.
إرتمت نور عليها تحتضنها بلهفة و تقبلها مصدرة أصواتنا عالية قائلة:”وحشتيني يا كوكي وحشتيني اوي اوي….
قهقهت كاميليا بخفة و هي تجيبها:” و إنت كمان…
وحشتوني كلكم كنت حتجنن و اشوفكم….
إبتعدت عنها نور ثم جلست بجانبها متمسكة بيديها و هي تتسائل بثرثرة :”إنت جيتي إمتى و كنتي فين يلا إحكيلي كل حاجة بالتفصيل…. إنت رحتي لندن صح..؟
قاطعها والدتها تنهرها بلوم :”بلاش غلبة يانور و سيبي اختك على راحتها و بعدين إنت لسه جاية من المدرسة يعني تدخلي اوضتك زي الشاطرة تغيري هدومك و تحطي أكل عشان تتغدي إنت و اخوكي …”.
إمتعظت ملامح نور و هي تتلقى توبيخ والدتها لتجيبها :”الله يا ماما و هو السؤال بقى حرام الايام دي انا كنت بس عاوزة أسألها قضوا شهر العسل فين عشان أغيظ لمياء و رؤى صاحباتي… ”
الام بتهكم :” بكرة لما تتجوزي…. روحي لندن و غيضيهم يلا قومي و إعملي إلي قلتلك عليه دلوقتي
اختك لسه قاعدة معانا لليل مش حتهرب “.
وقفت نور من مكانها و هي تلتقط أدواتها قائلة
بتذمر :” حاضر يا ماما رايحة أهو…. إلتفتت إلى كاميليا تتفحصها بتمعن قبل أن تردف :” مش حتباتي معانا ي كوكي؟؟
ظهر الارتباك على ملامح الأخرى لكنه تداركت نفسها سريعا مجيبة:” مقدرش يا نوري خليها المرة الجاية”
هزت نور كتفيها بلامبالاة لتتجه نحو غرفتها لتغير ملابسها كما امرتها والدتها”.
بعد ساعة كان الجميع يجلس في الصالة يتبادلون أطراف الحديث بينما تجلس نور على الأرض هي و كريم يفتحون الهدايا التي أحضرتها لهم كاميليا
فتحت نور أخد الأكياس و هي تتحدث بثرثرة :” قلتيلي بكرة فرح هبة…و الله لوريها الجزمة
آخر مرة لما كلمتني قالتلي حكلمك ثاني و اقلك معاد الفرح بالضبط عشان تيجي و بكرة فرحها و هي لسه مكلمتنيش”
مطت كاميليا شفتيها المكتنزتين بتذمر قبل أن تقول :” ما انا قلتلك أهو على معاد الفرح و إلا مش كفاية و بعدين هي دلوقتي عروسة يعني وراها الف حاجة و حاجة دا غير ظروف الفرح المتلخبطة
دي مامة عمر وافقت على الفرح بالعافية “.
الام بهدوء:” ربنا يتمم لها على خير يا بنتي…أحسن حاجة عملها جوزها انهم حيعيشوا بعيد عن عيلته و إلا كانت هبة حتعاني معاهم….
همت كاميليا لتجيبها لكن صوت هاتفها أوقفها…
نظرت إلى الشاشة لتجد شاهين يتصل بها تنحنحت قليلا لاجلاء صوتها وهي تجيبه :”الو…..
حاضر.. لا مش حتأخر….. تمام مع السلامة”.
فصلت المكالمة لتجد نور و والدتها ينظران إليها بفضول و كأنهما يسالانها بعينيهما لتجيبهما بلامبالاة:”دا شاهين بيسألني لو خلصت حيعدي
عليا عشان ياخذني…”.
أتاها صوت نور العابث :”الظاهر إنك وحشتيه… يا بختك مش قادر يبعد عنك….
قاطعتها كاميليا تنهرها بجدية مخفية بذلك خجلها :”إنت بقيتي قليلة الادب على فكرة… ”
قهقهت نور قبل أن تضيف :” متتكسفيش عادي يعني داه بردو زي جوزك…”
إنقضت عليها كاميليا تضربها بالوسادة لينظم إليها
كريم الذي إستغل الفرصة ليثأر منها على مافعلته
به منذ ساعات….
توقفوا عن عبثهم بعد أن شعروا بالتعب لتلتقط نور أنفاسها اللاهثة قائلة : بالحق يا كوكي…انا محكتلكيش في واحد شبه جون سينا ساكن في الشقة اللي قدامنا…. ”
رفعت كاميليا حاحبيها المرسومين ببراعة مستفسرة:” مين جون سينا داه… ”
عادت نور لتجلس في مكانها قائلة :” داه واحد من المصارعين اللي بيطلعوا في التلفزيون….بس اللي بحكيلك عليه أطول منه شوية شافني و انا بتكلم انا و كريم
تحت و قعد يضحك علينا…. عارفة يا كوكي كان لابس جاكيت من غير أكمام كأنه مش حاسس بالبرد… و حيحس بالبرد إزاي بكتلة العضلات اللي عنده…داه لو نفخ عليا كان طيرني…انا دايما بتساءل الناس دي بتاكل إيه عشان تتنفخ كده اه يا كاميليا لو كنتي شفتيتي و انا واقفة جنبه زي الارنوب الصغير الي قاعد جنب فيل… لا فيل إيه قولي ديناصور حتة واحدة…
كاميليا بضحك :”دول بيتبعوا تدريب خاص و أكل صحي معين عشان جسمهم يبقى كده يا أرنوب….
نور بلا مبالاة :” يا بنتي تلاقيها حقن و أدوية..
. المهم قوليلي حتلبسي إيه في الفرح “.
أمسكت كاميليا هاتفها تتصفحه لتبحث عن صور ما لتريها لأختها قائلة :” شفتي الفستان الأزرق داه
عجبني جدا…بس عريان شوية من فوق”.
همهت نور بعدم رضا قائلة:”بالعكس داه حلو اوي و تقدري تحطي فوقه إيشارب بنفس لونه حيبقى
عليكي تحفة يا كوكي… بس مش ملاحظة إن ثمنه غالي شوية”.
كاميليا بعدم إهتمام :” أيو هو غالي بس شاهين
قلي إشتري كل اللي أنا عاوزاه و أنا إشتريت الفستان داه و زمانهم وصلوه الفيلا….
نور بابتسامة :”يا جميل يا واثق إنت…. مش خسارة فيكي فساتين الدنيا كلها داه إنت حرم شاهين الألفي يعني تلبسي و تتشيكي زي ما إنت عاوزة “.
حركت كاميليا رأسها و هي تبتسم في وجه اختها متمتمة في نفسها :”لو كنتي تعرفي الحقيقة مكنتيش قلتي كده”.
بقيت كاميليا حوالي ساعة أخرى في منزل والدها
قبل أن تعود إلى الفيلا مجبرة بسبب مكالمات شاهين لها كل نصف ساعة تقريبا يلح عليها ان تعود إلى الفيلا..
نزلت من البناية لتجد سيارة شاهين متوقفة أمام البناية و ترافقه سيارات الحراسة الخاصة.. ركبت إلى جانبه لتتفاجئ به يلتقطها داخل أحضانه و يضمها
بقوة كبيرة كادت تكسر عظامها…
أبعدته عنها بصعوبة بالغة و هي تنظر له بتعجب
ليقابلها بنظرات هائمة عاشقة لم يستطع إخفائها
قائلا بلهفة :”وحشتيني اوي في الساعات القليلة اللي غبتيها عني دي و مقدرتش أستنى لما ترجعي البيت فقلت اجيلك بنفسي..”
حركت رأسها و هي ترغم نفسها على الابتسام أمامه قبل أن تجيبه بارتباك :”اها… طيب آسفة لو تأخرت اصل نور كنت عايزانى ابات معاها الليل….
سرعان ما تحولت ملامحه الهادئة إلى أخرى متجهمة مقاطعا كلامها بحدة :”لا ممنوع تباتي برا البيت مش حسمحلك بكده….”
كاميليا بهدوء:” حاضر… ”
إنشغلت بتقليب هاتفها متجاهلة إياه لي ليزداد غضبه و يخطف الهاتف من بين يديها صارخا بحدة :”و البتاع داه مش عاوز أشوفه في إيدك طول ما إنت جنبي”.
رماه على أرضية السيارة بدون إهتمام و هو يحاول السيطرة على أنفاسه المتسارعة…لتلتفت له كاميليا
قائلة بتردد :” هي دي الصفحة الجديدة اللي عاوز تفتحها معايا…
تدارك شاهين غضبه ليتحدث بنبرة خافتة :” مش عارف بس أكيد محتاج وقت… مش عارف إيه اللي بيحصل معايا بس إنت حاولي لما أتكلم معاكي
متتجاهلينيش و إهتمي بيا شوية”.
كاميليا بدهشة :” مش فاهمة…. ”
شاهين بحدة:” يعني إيه مش فاهمة…. مش ملاحظة إني من يوم ما إعتذرتلك و طلبت منك نبتدي صفحة جديدة بقيتي باردة معايا وقتك كله يا إما مع صاحبتك يا إما مع فادي و مش بتيجي الأوضة إلا لما تتأكدي إني أنا نمت … و كل ما آجي أقربلك بتبعدي عني و عن أي مكان بكون انا فيه… انا بحاول اعوضك على الايام الصعبة اللي قضيتيها معايا بحاول اتغير و اكون إنسان جديد معاكي غير اللي تعرفيه بس إنت مش بتساعديني… مش بتديني فرصة “.
إبتسمت كاميليا بحزن قبل أن تتكلم بتردد :” مش فاهمة حضرتك تاعب نفسك ليه مع واحدة زيي
إشترتها بفلوسك زي ما بتقول… حيفيدك بإيه رفضي او موافقتي ما إنت متعود تعمل كل حاجة على مزاجك…
شاهين بلهفة:”عاوزك تكوني مبسوطة معايا… إنت ليه مش بتفهمي”.
كاميليا بحنق غير مقصود:” هو إنت بتتكلم بجد عشان أنا بصراحة لسه مش مستوعبة شاكة إنك بتهزر ايوا طبعا ماهو مافيش تفسير غير كده
حضرتك ضربتني قلم على وشي عشان تطلب مني
أنسى و اسامحك…
شاهين بنبرة متعالية :” مهما كان اللي عملته فيكي داه كان زمان… ماضي و إنتهى و مفيش قدامك حل غير إنك تنسي….
كاميليا باستهزاء :” أيوا طبعا ماهو كل الحكاية زر و حكبس عليه و كل الذكريات حتتمسح من ذاكرتي
و حرجع عادي….انا بقول مفيش داعي حضرتك
تتكلم معايا في الموضوع داه ثاني عشان انا مستحيل انسى او أسامح عشان اللي شفته مش قليل….قول اللي عاوز تقوله و إعمل اللي عاوز تعمله إن شاء الله حتى تقتلني مش فارق معايا اصلا
أنا ميتة من زمان….و تعودت منك على كل حاجة ضرب و إهانة و…
توقفت قليلا عن التحدث قبل أن تكمل :”مشفتش منك حاجة حلوة عشان تشفعلك عندي… خلينا نفضل زي ما أحنا لحد ما حضرتك تزهق مني وترميني… زي ما رميت مراتك الاولانية…”
عم الصمت السيارة بقية الطريق فكاميليا لم تعد قادرة عن التكلم أكثر و شاهين لم يجد ما يدافع به عن نفسه….فكل ما قالته صحيح لكنه لن يستسلم هي معه و ستبقى معه حتى و إن كان رغما عنها… سيظل يحاول دون كلل او ملل ان يكسب قلبها الميت بعد أن يحييه من جديد.
في احد النوادي الرياضية الفخمة و تحديدا في قاعة كبيرة مخصصة لرياضة الملاكمة ….
يقف محمد بجانب المدرب و هما يراقبان شابان يتقاتلان بشراسة كل منهما حريص على الإطاحة بخصمه…
مرت دقائق طويلة قبل أن يشير لهما المدرب بالتوقف قائلا و هو يصفق :”برافو يا علي برافو يا أمير…كفاية تدريب النهاردة و متنسوش المسابقة بعد بكرة….
أومأ له الشابان بطاعة قبل أن يتجها إلى أحد الأبواب.
إلتفت طارق (المدرب) إلى محمد ليجده ينظر إلى الأرض بشرود صفق بقوة بجانب أذنه ليبعد الاخر رأسه بانزعاج و هو يصيح :” ياعم اوعي بلاش رزالة فصلتني”.
قهقه طارق بخشونة و هو يلكم محمد علي ذراعه المعضل قائلا بمرح :”لسه بتفكر في المزة إياها صح”
قلب محمد عينيه بملل و هو يجيبه :”مش حخلص منك أنا عارف بس أستاهل يا ريتني ماحكيتلك”
اجابه طارق بضحك :” و الله داه حبقى خبر الموسم محمد البحيري اللي عمره ما عبر بنت وقعته حتة بنت لسه في المدرسة..
رمقه محمد بحنق مجيبا :” أديك قلتها لسه في المدرسة يعني مستحيل أبصلها او أفكر فيها هي بس فيها حاجة مختلفة شدتني ليها… مش عارف اشرحلك عشان إنت حمار و أكيد مش حتفهمني….
قطب طارق جبينه مدعيا الحزن قبل أن يتحدث بصوت حاول أن يجعله رقيقا :” إخصي عليك يا ميمو انا حمار….
نظر له محمد باشمئزاز و هو يجيبه بحنق:” إسترجل يالا… ربنا يقرفك هي الدنيا ناقصة إنت لو شفتها كنت فهمت أنا أقصد إيه….
طارق بصوت عادي :”يا إبني من الصبح و إنت بتقلي مختلفة…. مختلفة صدعتني و انا بصراحة جعت
حل عني بقى و زي ما إنت قلت…. جو الرومنسية و الحنية داه مياكلش معايا انا عجبتني بنت اروح اتكلم معاها دغري و بعدين أقلب على مهلي….
محمد :” هي بطاطس عشان تقلبها… بقلك بنت صغيرة… بنوتة زي القمر…ناعمة زي حتة البسكوتة انا متأكد لو لمستها حتتكسر في إيدي كانت بتتخانق مع أخوها الصغير يعني دماغها لسه طفلة صغيرة… عاوزني اروح أتكلم معاها….
حدق به طارق قليلا ببلاهة قبل أن يجيبه :” عندك حق….تصدق إن إنت صح و إن انا مش فاهم منك حاجة غير إن البنت عاجباك عشان إنت اول مرة تكلمني عن بنت و دلوقتي حل عني انا خلصت شغلي و مروح…..
سار طارق مبتعدا عن محمد ليشتمه الاخر بصوت خافت قبل أن يتبعه مناديا :” طارق إستنى هنا…. بقلك…إنت مش تغديت بقالك ساعتين…. طب إستنى
بقلك انا عازمك على فرح صاحبي…
توقف طارق عن السير و هو يضع إصبعه على ذقنه يدعي التفكير :” اوبن بوفيه؟؟؟
محمد بقهقة :”طبعا يا بو كرش مش همك غير بطنك دي….
لكمه بخفة على بطنه ليضحك طارق و هو يبادله اللكمة بمزاح قبل أن يتجها نحو بقية القاعات الرياضية في النادي…
أدمعت عيني كاميليا و هي ترى صديقتها المقربة بفستان الزفاف الأبيض الذي جعلها تبدو كاميرة القصص الخيالية بقصته الضيقة الناعمة التي ابرزت إنحناءات جسدها الاهيف و ماكياجها الوردي الناعم الذي زاد من جمالها و رقتها.
هبة
إحتضنتها بقوة و هي تحاول بشدة ان تضغط على نفسها حتى لا تنفجر من البكاء…
كاميليا بسعادة :”أنا مبسوطة جدا عشانك يا حبيبتي
ربنا يسعدك مع البشمهندس عمر و يتمملكوا على خير”.
هبة بابتسامة جذابة :”ميرسي يا كوكي على كل حاجة عملتيها علشاني…إنت تعبتي جدا معايا الفترة اللي فاتت و خصوصا في غياب عمر زنك فعلا أثبتيلي إنك أختي مش بس صاحبتي…..
مطت كاميليا شفتيها المكتنزتين بدلال لم تتصنعه قائلة بعتاب :”مصلحجية من يومك انا عارفاكي… حسيبك انا دلوقتي عشان أروح اكمل اجهز نفسي
انا بقالي ساعتين و انا بلبس فادي و اجهزه… غلبني معاه عاوز يلبس بدلة كحلي عشان يبقى شبه باباه…
هبة بضحك :” طيب لبسيه ماهو عنده بدل كثير في الدولاب… ”
كاميليا بلوم:” داه لسه ولد صغير عوزاني البسه دواكن و غوامق مش كفاية أبوه….بقلك زمانها نور وصلت…
لم تكمل كاميليا كلامها بسبب صوت الباب الذي فتح بقوة و أطلت من ورائه نور بطلتها الجذابة و هي ترتدي فستانا قصيرا باللون الأزرق اللامع بفتحة جانبية تصل إلى فخذها
ضحكت كاميليا و هي تهمس لهبة :”يا ريتني ذكرت مليون جنيه…”
بادلتها هبة الضحك و هي تستقبل نور التي إندفعت
نحوها تعانقها و هي تصرخ بلوم :”كده يا جزمة
ماتعزمنيش على فرحك…أنا كنت مقررة إني مش حاجي ولا حعبرك بس عشان خاطر كوكي هي اللي شدت فيا و اقنعتني…”
هزت كاميليا حاحبيها بذهول قائلة :” أنا؟؟؟ و مين اللي ساحب مني عشرة آلاف جنيه عشان…
نور بصراخ و هي تباعد عن هبة :” ما خلاص يا كوكي
بلاش فضايح انا بس كنت بعبرها عن خالص أسفي و زعلي عشان معزمتنيش للفرح…بنتقم لكرامتي يعني
ااااا. إنت لسه ملبستيش حتحضري بالهدوم دي ”
صرخت نور و هي تتفرس ملابس أختها لتقف كاميليا و هي تضرب جبينها بيدها قائلة بعجل :”أيوا فعلا انا لازم أروح…يلا أسيبكم انا بقى… نص ساعة و حاجي
للميكاب ارتيست عشان تعملي ماكياجي.. ”
خرجت كاميليا مسرعة متجهة إلى غرفتها حتى ترتدي فستانها لتلتفت نور إلى هبة متسائلة :”إيه داه إنت جبتي ميكاب ارتيست هنا؟؟
هبة بإيجاب :” أيوا أمال مين اللي عملي الميكاب بتاعي”
نور و هي تحدق فيها :”طالعة حلوة اوي يا بت يا هبة زي بتوع المجلات بس الميكاب آب بتاعك خفيف شوية…و هادي ”
هبة :” داه عمر مكانش عاوزني اعمل ميكاب خالص…بس وافق لما قلتله إني حعمل بس حاجات خفيفة… داه لو شاف الفستان حينفخني…
نور بضحك :” لا كله إلا الفستان بصراحة تحفة أحلى من الفستان المقفل اللي لبسته كاميليا يوم فرحها…
هبة بضحك :” أسكتي لو سمعك جوزها حيعلقك على باب الفيلا عشان هو الي إختار الفستان…
نور و هي تدعي الخوف :”يا لهوي لا انا لسه صغيرة و عاوزة اعيش…
وقفت فجأة من مكانها و هي تمسح بيديها على فستانها قائلة :”إيه رأيك بقى في الفستان… تحفة صح حاجة محصلتش”
هبة و هي تلوي فمها بسخرية :” أيوا فعلا داه عريان من كل الجهات….
نور بزعل و هي تحرك شعرها القصير الأشقر بدلال :”لا بقى يا هبة داه حلو اوي و عادي حتى لو عريان انا لسه صغيرة يعني البس اللي انا عاوزاه على الاقل و معنديش حد يتحكم فيا و يقلي إلبسي داه و متلبسيش داه … “.
حركت هبة رأسها بموافقة قبل أن تنتبه للميكاب ارتيست التي كانت تتأكد من طلتها للمرة الأخيرة….
في جناح شاهين…
خرجت كاميليا من غرفة الملابس بعد أن إرتدت فستانها لتجد شاهين يقف أمام المرآة يضبط ربطة عنقه….
مرت من جانبه بسرعة و هي تتحاشى النظر إليه متجهة إلى خارج الغرفة ليستوقفها صوته الخشن قائلا :”تعالي…..
توقفت مكانها و و هي تقبض بكفيها على فستانها الأزرق ذو القماش الحريري
أخذت نفسا عميقا قبل أن تلتفت متجهة نحوه… توقفت أمامه و هي تدعو في داخلها ان تمر هذه اللحظات على خير …
رفع ذقنها بأصابعه و هو يتفرس ملامحها الفاتنة و جسدها بنظراته الحادة…قبل أن يقول :” ضبطيلي دي…
سحب ربطة العنق من عليه ثم مدها نحوها
لتأخذها كاميليا منه قائلة بتوتر :” ممكن توطي شوية عشان مش قادرة اوصلك….
شبه إبتسامة زينت شفتيه قبل أن يمسك خصرها
بكلتا يديه و يرفعها قليلا إلى الأعلى لتشهق كاميليا
بخفوت و تعض شفتيها بخجل و إرتباك بسبب
نظراته التي تتفحصها بجرأة….
إنتهت من تعديل ربطة العنق رغم إرتعاش أصابعها
لتنظر شاهين حتى ينزلها….
انزلها برفق حتى أصبحت تقف على مقدمة أصابعها و يديه مازالتا تحيطان بخصرها و ظهرها لتردف كاميليا بأنفاس متوترة :”ممكن تسيبني امشي عشان
لسه مضبطتش….. شكلي و..
صمتت عندما شعرت به بدفن وجهه في عنقها
و يقبله قبلات متفرقة و هو يتحدث في نفس الوقت :” مش ملاحظة إن فستانك مكشوف شوية…. من فوق…. مبين ظهرك…و رقبتك…..
تململت بين ذراعيه تحاول التخلص منه برفق و هي تجيبه :” ححط عليه إيشارب و كمان شعري حخليه مفرود….
اجابها كالمخدر و هو يشتم راحتها بعمق قائلا و عينيه مغمضتين :”ريحتك حلوة اوي… دي بارفان فادي صح….
أومأت له بالايجاب و هي مازالت مكانها تنتظر
حتى ينتهي و يتركها.
إبتعد عنها اخيرا و هو مازال يأسرها بين ذراعيه
متفرسا وجهها بعينين حادتين :” متحطيش ميكاب كثير و قبل ما تنزلي عاوز اشوفك و لو لقيت حاجة مكشوفة حتغيري الفستان….مفهوم.
أومأت له براسها بإيجاب دون أن تتكلم ليبقى لثوان أخرى ينظر لها قبل أن يحررها من بين يديه… لتتنفس كاميليا براحة قبل أن تمسك بأطراف ثوبها
الطويل و تسرع مغادرة الغرفة و هي تتنفس بارتباك…
في فيلا عمر الجديدة ……
صعدت فريدة هانم والدة عمر الدرج بخطوات راقية ثم طرقت باب الغرفة طرقات خفيفة ليأتيها صوت إبنها ليأذن لها بالدخول….
إلتفتت عمر ناحية الباب ليجد والدته….إبتسم
في وجهها قبل أن يعود لينظر أمامه في المرآة
مرة أخرى لينتهي من ترتيب ملابسه قائلا :”اهلا
يا ماما….
جلست فريدة على حافة السرير و هي تقلب عينيها
بعدم رضا في ارجاء الغرفة قائلة بنبرة غير راضية
:” يعني داه اخر قرار….. قررت تسكن بعيد عننا عشانها؟؟
تأفف عمر و قد إنمحت إبتسامته ليجيبها ببرود :”يا ماما ارجوكي إحنا تكلمنا في الموضوع داه مائة مرة
وإتفقنا….. و بعدين الفيلا مش بعدين في نص ساعة
اكون عندك….
فريدة و هي تخفي حنقها :”طيب على العموم… انا حنزل عشان المعازيم زمانهم وصلوا… و إنت حاول متتأخرش.
عمر بطاعة :”حاضر يا ماما….انا خلصت و نازل وراكي على طول….
نظر عمر لساعته ليطلق صفيرا خافتا من بين شفتيه قبل أن يتمتم :”أنا إتأخرت اوي و لازم انزل… فين تلفوني…
دار حول نفسه و هو يبحث عن هاتفه قبل أن يجده
فوق الاريكة ليختطفه بسرعة و يغادر الغرفة على عجل…..
بعد ساعة …..
على أنغام الزفة المصرية دلفت العروس قاعة الاحتفال الضخمة و هي تتأبط ذراع عريسها تحت هتافات الأصدقاء و الأقارب و بقية المدعوين الذين
تهافتوا لرؤية سعيدة الحظ التي فازت بقلب عمر
الشناوى….
توجه العروسان نحو وسط القاعة ليرقصا قليلا بعد أن تحولت الموسيقى إلى أخرى هادئة رومنسية
ليضع عمر يديه حول خصر هبة التي تعلقت بعنقه
بخجل ليتشاركا رقصتهما الأولى ….
إنحنى عمر ليهمس في أذنها قائلا :”يعني عملتي اللي في دماغك و أخترتي الفستان داه…
هبة بهمس مماثل:” عمر مش وقت الكلام داه من فضلك “.
تنهد عمر قليلا قبل أن يستأنف حديثه مجددا:” حستحمل بس عشان دي كانت غلطتي… انا اللي سمحتلك إنك تاخذي راحتك في إختيار فستان فرحك و محبتش أتدخل بس هانت يا بيبة من هنا
و رايح حختار لبسك بنفسي حتى…. اللانجري…
شهقت هبة بخجل وهي تخفي وجهها داخل أحضانه لينفجر عمر بالضحك عليها مستمتعا بمشاكستها لينسيها حزنها على غياب عائلتها و تركهم لها في أهم يوم في حياتها..
بجانبهما كان شاهين يراقص كاميليا تحت نظرات
المدعويين الذين كانوا ينظرون لهذا المشهد النادر بدهشة فمنذ وقت طويل لم يشاهدوا شاهين الألفي و هو يرقص او يضحك،
بعد دقائق قبيلة إنتهت الرقصة ليصطحب
عمر عروسه إلى الكرسي المخصص لهما ليرتاحا
قليلا بينما توجه شاهين و زوجته نحو إحدى
الطاولات حيث يجلس أيهم و ليليان معهما شقيقه محمد….
سلم عليهم ثم قدم لهم كاميليا التي جلست بجانب ليليان و هي تبتسم لها لتبادلها الأخرى الابتسامة
تفرست كاميليا ملامح ليليان الجميلة التي زينها الحجاب قبل أن تهتف باعجاب رغم خجلها
:”حضرتك حلوة اوي و فستانك حلو و لايق عليكي
جدا…”.
ليليان
ضحكت ليليان بخفة لتزداد فتنة و جمالا مما جعل
كاميليا تحدق بها دون شعور :”ميرسي اوي داه
من ذوقك بس أكيد مش احلى منك….إنت مصرية صح.. ؟؟؟
سألتها ليليان بعد أن لاحظت ملامحها الشبيهة
بالأجانب بدءا من عينيها الزرقاء و بشرتها الشديدة
البياض…. كانت ستجيبها لكنها تفاجأت بشاهين يضمها إليه بتملك قبل أن يتحدث :” طبعا مصرية
بس أحلى من الأجانب صح… ؟؟؟
أومأت له ليليان بالإيجاب ليقاطعهما صوت أيهم الذي تدخل قائلا :” طبعا كفاية إنها مرات شاهين الألفي…. طول عمره ذوقك حلو يا صاحبي. ”
رمقه شاهين بنظرة نارية تخللها التهديد ليرفع أيهم يديه باستسلام قائلا :” بس ذوقي أحلى أكيد…
أكمل جملته و هو يحتضن كتفي ليليان ليجذبها نحوه مقبلا جبينها قبل أن يستأذن منهم ليغادر.
أعاد شاهين تنظيم الوشاح فوق كتفي كاميليا
باهتمام و هو يتمتم. بانزعاج :” البتاع داه مش راضي يثبت ليه….إستني إفردي شعرك كده… تمام خلصنا…..
سمع ضحكات محمد الجالس بجانبه لكنه لم يهتم
به و اكمل عمله بتركيز إلى أن إنتهى ليهتف بانتصار و كأنه أنجز عملا مهما :” وريني كده عشان أتأكد…
أدارها نحوه قليلا ليلقي نظرة أخيرة على مظهرها
ليبتسم برضا قطعه صوت محمد الضاحك :” و الله الليلة دي ليلة عجايب….عشت و شفت شاهين الألفي
و هو بيرقص و بيضحك انا لازم أوثق الأحداث التاريخية الهامة دي… ”
أنهى كلامه بحركة درامية و هو يوجه هاتفه نحوه و كأنه يصوره…. ليشير له شاهين بعدم إهتمام و هو ينظر لكاميليا بهيام قائلا
:”محمد…. حل عن دماغي مش ناقصك كفاية الاغبياء اللي هناك…. عمالين يحرقوا في وشي من كثر الصور
اللي بيأخذوها… انا مش عارف إزاي عمر سمحلهم
يدخلوا رغم إني نبهت عليه…
قالها بتذمر و هو يمرر أصابعه على شعر كاميليا
بحركات رتيبة…لم تمر دقيقة أخرى حتى قدمت
فتحية حاملة فادي الذي إندفع إلى أحضان والده
ليجلسه فوق ساقيه و ينشغل بملاعبته….
مرر محمد نظره في أرجاء الحفلة ليستوقفه
مشهد اخوه أيهم و هو يقف بجانب فتاة جميلة
ترتدي فستانا فخما باللونين الأزرق الفاتح و الفضي يلتف حول جسدها بأناقة و إغراء
هند
ضيق عينيه بضيق عندما إنحنى أيهم على يدها ليرفعها نحو شفتيه و يطبع عليها قبلة طويلة و هو يبتسم لها…..
نظر إلى زوجة أخيه ليجدها منشغلة بالحديث مع
كاميليا ليتنفس الصعداء و ينسحب بخفة متجها نحو أيهم و هند….
نظر محمد بعدم إرتياح نحو هند التي قدمها له اخوه
بأنها طبيبة تعمل لديه في المشفى ليتجاهل نظراتها
الغير بريئة نحوه و يجذب أيهم قليلا بعيدا عنها ليهمس في أذنه بلوم :”مش حتبطل حركاتك دي… سايب مراتك و واقف مع الست دي ليه ها….
ايهم بضيق و هو يحاول التخلص من قبضة
أخيه :” دي دكتورة عندي في المشفى و جات
الفرح عشاني يعني هي متعرفش حد هنا و بعدين
ليليان ماهي قاعدة متلقحة هناك بتتسلى
مع مرات شاهين و مش فارق معاها وجودي او غيابي….
محمد باصرار :” أيهم انا فاهمك و عارفك كويس اوي و لاخر مرة بحذرك بلاش اللي في دماغك…. انا مش مرتاح للست دي نظراتها و حركاتها مش مريحاني و متنساش إنك بين الناس و الصحافة مليانة المكان
قاطعه أيهم بنفاذ صبر و هو عيناه مسلطتان على هند التي كانت تقف قريبا منهما و تنتظره :”محمد
سيب إيدي و ريح دماغك دي دكتورة و حتى ليليان
تعرفها و لو عاوز تتأكد روح إسألها….
تركه على مضض مقررا مراقبته من بعيد….
على طاولة أخرى تجلس نور مع والدتها و أخيها الصغير كريم بعد أن إعتذر سعيد عن القدوم بسبب
تعبه…هتفت نور بعد أن احست بالملل الشديد و هي جالسة منذ ساعة :”يا ماما ارجوكي رقصة واحدة بس…. طب شوفي اللي هناك دي اللي لابسة فستان احمر قصير دي صاحبتي منى حروح جنبها شوية و حرجع…
الام برفض :” إترزعي مكانك و خلي ليلتك تعدي على خير احسنلك…قال ترقصي قال ما تتهدي يا بت و إلا عاجبك فستانك اللي إنت ناسية نصه في البيت داه….بقى يا مقصوفة من قلة الفساتين اللي في المحلات جايبالي قماشة نص متر ب عشرة آلاف جنيه….الكلام مش هنا قدام الناس بس إستني بس لما نروح البيت…..ليا كلام ثاني معاكي….
نور بحنق :”الله يا ماما دي موضة و بعدين داه ارخس فستان لقيته يعني الفساتين اللي قدامك دي أقل واحد فيهم ب مية الف…و ثمن الفستان انا أخذته من كوكي يعني ما أخذتش منك حاجة عشان
…..
الام مقاطعة :” و هي اختك لاقية الفلوس دي في الشارع مش كفاية اللي هي عملته معانا عاوزة تفضحيها قدام جوزها… يقول علينا إيه… طماعين و عمالين ننهب في فلوسه…
نور :” ياماما ما خلاص بقى مش وقته الناس حتسمعك و حنتفضح بجد….انا رايحة للحمام حضبط الميكاب بتاعي و أرجع…
غادرت نور الطاولة متجاهلة نداءات والدتها باسمها….وصلت إلى أحد الاروقة الفارغة لتصطدم بشاب .
نور باعتذار :” سوري ما أخذتش بالي….
الشاب بسماجة و هو يحدق بها باعجاب :” و لا يهمك حصل خير يا قمر..
تجاهله نور لتكمل طريقها لكنه إعترض طريقها مرة أخرى ليمد لها يده قائلا :”أنا خالد يسري… إبن رجل الأعمال فاروق يسري صاحب مجموعة اليسر للمقاولات اكيد عارفاه…
بادلته نور إبتسامة صفراء قبل أن تجيبه بتجاهل :”ممكن تعديني لو سمحت….
خالد باصرار :”مش نتعرف الأول…”.
نور بضيق :”بقلك إيه حل عن دماغي عشان مش فاضيالك و روح دور على واحدة ثانية تعرف عليها…
خالد بابتسامة مستفزة:”بس إنت عاجباني و شايف إنك أحلى واحدة في الحفلة دي…و عاوز اتعرف عليكي….
نور باستهزاء :” لا خفة…وسع كده عشان جبت آخرى متخلينيش أتغابى عليك و ميغركش الفستان الكيوت اللي انا لابساه عشان أنا في لحظة ممكن اتقلب عليك و اخليك تشوف محمد رمضان….
إقترب منها خالد محاولا إمساك ذراعها و هو يقول :” بردو مش حسيبك غير لما تديني رقم تلفونك… انا خالد يسري و متعودتش أستسلم مهما قلتي او عملتي.. فقصري من الاخر و متعمليش فيها دور البنت الصعبة….
حدقت به هبة ببلاهة لثوان غير مستوعبة لما يقوله فقد ظنت في بادئ الأمر انه صدفة لكنها لاحظت انه
كان ينظر بين الحين و الاخر إلى شابين يبدو أنهما أصدقائه يستندان على أحد الاعمدة الرخامية… تداركت نفسها قبل أن ترتسم على وجهها
إبتسامة مزيفة قائلة :”قول كده بقى.. إنت عاوز رقمي عشان متراهن مع أصحابك صح….
سألته و هي تعيد النظر إليهما من جديد ….
إرتبك خالد قليلا قبل أن يجيبها :” لا… انا اول ماشفتك عجبتيني و قررت إني أتكلم معاكي لوحدي….
هبة و هي تدعي التفكير :”طيب و مش ملاحظ إن الحركات دي بقت موضة قديمة… اقصد حكاية الرهانات دي….انا بصراحة كنت بشوفها في الآفلام بس متوقعتش إنها حقيقية….. على العموم مبروك خسرت الرهان و يلا من قدامي عشان حضرتك معطلني…..
خالد و قد بدأت على ملامحه بوادر الغضب :” بقلك إيه هاتي من الآخر عاوزة كام و تجيبي رقمك…حديكي اللي إنت عاوزاه….. آآآه
صاح بألم عندما ركلته نور على ساقه بقوة ثم تراجعت خطوات إلى الوراء و هي تشتمه بغضب قبل أن تصدم بجدار صلب لتتأوه بخفوت و هي تستدير
إلى الخلف…و هي تتمتم :” هما غيروا مكان الحيطة و إلا….. إنت….
قاطعها صراخ خالد الغاضب :” و الله ما أنا سايبك بقى انا خالد يسري واحدة زيك…
محمد بتسائل :”في إيه يا خالد…مالك متعصب كده ليه…
خالد بغضب :” البنت دي غلطت فيا و انا لازم أربيها..لو سمحت يا محمد متتدخلش “.
محمد بهدوء:” البنت دي خطيبتي… عشان كده الموضوع يهمني”.
توسعت عيني نور بصدمة من كلامه في حين ظهر الارتباك جليا على خالد الذي بدا كعصفور صغير أمام صقر شرس ليتحدث بارتباك :”أنا… انا مكنتش اعرف
إنها تخصك يا كابتن….
ربت محمد علي كتفه بقبضته عدة مرات بخشونة ليتأوه خالد و يتراجع مبتعدا بخوف ليتكلم محمد و هو مازال يرمقه بنظرات حادة:” ممممم ماشي يلا روح دلوقتي زياد و هاني مستنيك هناك و إبقى تعالى السنتر عشان نكمل كلامنا….”
إبتلع خالد ريقه بصعوبة و هو يومئ له بالايجاب قبل أن ينسحب هاربا…تحت نظرات نور التي مازالت مندهشة… إلتفت إليها محمد و هو يرسم إبتسامة هادئة على ثغره قائلا :” إنت كويسة…..
نور باندفاع :”و إنت مالك و بعدين إيه الكلام الفارغ اللي إنت كنت بتقوله داه إوعي تفكر إنك حتستغل الموقف عشان انقذتني من العيل داه…
محمد و هو يرفع إصبعه ليضعه علي شفتيه هاتفا :”
ششش اسكتي بقى و بعدين لو مكنتش جيت في الوقت المناسب العيل اللي بتتكلمي عليه مكانش سابك في حالك….
نور باستهزاء رغم خوفها منه :” ما بخافش…و بعدين انا بعرف الأشكال دي كويس… و بعرف إزاي اتعامل معاهم
محمد بسخرية :” داه خالد يسري من اغني العائلات اللي في البلد يعني ولد متدلع و لما يعوز حاجة اكيد حيوصلها باي طريقة عشان كده قلت إنك خطيبتي
فميش غير الحل داه اللي حيخليه يسيبك في حالك….
طأطأت نور رأسها بخجل و هي تعيد خصلات شعرها القصيرة وراء أذنها قائلة بهمس :” متشكرة أوي…. انا حقول لأختي و هي حتتصرف…
محمد بتسائل :” مفيش داعي انا متأكد إنه مش حيتعرضلك ثاني… بس هي اختك تعرف خالد ؟؟؟
نور :”لا… أختي متجوزة شاهين الألفي…”
محمد بتعجب :”بجد…داه صاحب أخويا أيهم و عمر العريس..؟؟؟
أومأت له و هي تغادر مسرعة لتعود أدراجها متجهة نحو والدتها…
نظرت هند إلى ليليان بتكبر و قد إرتسمت إبتسامة مستهزئة على شفتيها قبل أن تميل لايهم و توشوش في أذنه قائلة :” مدام ليليان ذوقها غريب جدا في اللبس و مش طالع عليها الحجاب على فكرة لو تشيله حتبقى أحلى….”
رمقها أيهم بعدم رضا قبل أن يجيبها :”بالعكس
طالعة حلوة أوي بالأبيض و على فكرة الفستان داه ذوقي انا….
إرتبكت هند قليلا قبل أن تتحدث محاولة إصلاح
خطئها :” هو الفستان حلو بس مش لايق على جسمها عشان كده مش مبين جماله… بس أكيد إنت ذوقك حلو في كل حاجة يا بيبي….
إبتسم لها أيهم بتكلف قبل أن يعود للحديث مع شاهين الذي لم ينزل عينيه من على كاميليا طوال الحفل و هو يراقبها….طريقة كلامها و ضحكاتها مع ليليان التي إندمجت معها في الحديث و كأنها تعرفها منذ سنوات…مداعبتها لفادي… رقصها بين ذراعيه….
كم شعر بالاستمتاع و هو يكتشفها لأول مرة كان غارقا فيها بكل جوارحه حتى أنه لم ينتبه لايهم
الذي كان يحدثه…..
بعد ساعات قليلة إنتهى الحفل و ودع الجميع العروسين متمنين لهم حياة سعيدة.
قهقهت هبة بصخب بعد أن رماها عمر
على السرير بقوة و هو يمسك ظهره
بتمثيل قائلا :”اه ياني يا ظهري تكسر
….إضحكي ياختي إضحكي ماهو كله
حيطلع عليكي في الاخر….+
هبة من بين ضحكاتها :” و انا مالي
مش إنت اللي أصريت إنك تشيلني
و تطلع بيا الدرج….إشرب بقى…
عمر بخبث و هو يقترب منها ببطئ
كفهد يتربص بفريسته:”طبعا… دا انا
حشرب و حاكل و احلي كمان…
تراجعت هبة بجسدها إلى الوراء و
هي ترفع سبابتها أمامه بتهديد مزيف :”عمر….
نزع عمر جاكيت البدلة ببطئ مستفز
ثم رماه جانبا و هو لا يبعد عيناه من
عليها مجيبا بتسلية :”يا عيون عمر….
جالت هبة بعينيها يمينا و يسارا تبحث
عن مخرج ما قبل أن تلين نظراتها بعد
أن يئست من الهروب فعمر كان يقف
أمامها حائلا بينها و بين الباب لتنظر
له بوداعة و هي تقول له برجاء:” عمر… حبيبي….ارجوك
إهدى….
عمر بتسلية :”مش كنتي بتضحكي
عليا من شوية “.
هبة بخبث :” طب نتفاهم… إهدى
بس و انا حقوم اجيبلك اكل عشان
تتعشى زمانك زيي مكلتش حاجة من امبارح….
تحولت ملامح عمر الهادئة إلى
أخرى مهتمة و قلقة ليقترب
منها بسرعة قائلا باهتمام :” يعني
إنت مكلتيش حاجة النهاردة…. للدرجة
دي مهملة في نفسك طيب ليه مقلتيليش
هبة بكذب :” لا عادي انا اصلا مليش نفس و محسيتش بالجوع غير دلوقتي.. ”
هز عمر حاجبه بعدم تصديق ليقول
لها و هو يقف من مكانه :” دلوقتي بس جعتي…. ماشي إدلعي براحتك
يا قلبي… ادخلي غيري هدومك
و خدي شاور خفيف و انا حنزل
أجيبلك أكل”.
ارسلت له قبلة في الهواء
و هي تنزل بسرعة من السرير
ممسكة بثوبها الأبيض الذي كان يعيق حركتها…ليضحك عمر بخفوت
و هو يغلق الباب ورائه…..
في فيلا البحيري…..
أنهت ليليان إستحمامها لتجلس
أمام التسريحة تجفف شعرها بشرود
منتظرة قدوم أيهم
الذي تأخر في المجيئ لاتعلم
أين ذهب بعد أن اوصلها منذ ساعة
إلى الفيلا ثم إختفى بعدها دون
تبرير…
نظرت بحزن إلى صورتها التي
إنعكست أمامها على المرآة لتمسك
أحدي خصلات شعرها المبللة التي
ظهرت من تحت المنشفة جذبتها
بين أصابعها بقوة لكنها لم تكن تشعر بالالم….
تنفست بعمق لتمنع دموعها المتراكمة
في عينيها
من النزول…مدت يدها لتمسك بعلبة
المرطب لتفتحها
ببطئ و تأخذ منها قليلا لتمرره
على وجهها و رقبتها و ذراعيها…فتح الباب فجأة و يطل من ورائه أيهم
يسبقه عطره الذي تسللت إليها
لتتجعد ملامح وجهها بقرف….
وضعت ليليان يدها على أنفها و
هي تشعر بتقلب
معدتها و رغبتها الشديدة في التقيئ
اخذت أقرب زجاجة عطر إليها لترش
بعضا منها في الهواء
و تبدأ في تنفس رذاذه بقوة….إلتفتت ورائها لترى أيهم على وشك
أن يدخل إلى غرفة الملابس.. تنهدت
بارتياح لانه لم ينظر زليها عندما دخل
و إلا لكان لاحظ حالتها المتقلبة…
تمددت على السرير ثم دثرت نفسها
بالغطاء محاولة
النوم..
دقيقة…. ثلاثة.. خمس دقائق مرت
ليخرج أيهم من غرفة الملابس بعد أن غير ثيابه…تمدد بجانبها
قبل أن يهمس بصوت خافت :”لولو إنت نمتي؟؟+
تأففت ليليان قبل أن تجيبه :” لا لسه….عاوز حاجة؟؟
ايهم بضيق :”على فكرة انا جوزك
مش واحد معدي من الشارع عشان
كل اما آجي أكلمك تتأففي في وشي
…مش عاوز حاجة نامي… تصبحي على خير
أنهى كلامه و هو يطفئ النور بجانبه
لتلتفت له ليليان
هامسة بغرابة :” بتحبها؟؟؟؟؟
:” قصدك مين؟؟ إنت بتتكلمي عن إيه؟؟
تمتم أيهم بفزع و هو يضغط على
الزر مرة أخرى ليعيد إشعال النور..
نظر إليها ليجدها تحدق في سقف
الغرفة بهدوء و كأنها لم تفجر قنبلة منذ قليل
عاد أيهم ليسالها بحيرة و دقات قلبه بدأت بالتسارع :”ليليان انا بكلمك؟؟
ليليان بقهر :” الدكتورة هند انا عارفة
كل حاجة على فكرة…مش انا بس… كل اللي المستشفى عارفين…الممرضات.. الدكاترة حتى اللي
بيشتغلوا في البوفيه عارفين اللي بينكم….
تصنم أيهم مكانه و هو يبتلع ريقه بصعوبة لتتجلس
ليليان على السرير أمامه و هي
تتمالك نفسها حتى لا تنهار و تتحدث بصوت هادئ:” أنا مش عارفة الصراحة
حقلك إيه؟ عشان مبقاش في كلام
ينفع يتقال….
أنا و إنت مكناش لبعض من البداية
بس إنت إللي
أصريت و أخدت الحكاية عند و
خلاص مفكرتش
حيحصل إيه بعد ما نتجوز و آدي النتيجة… خنتني
و إحنا في أول شهر من جوازنا
و يمكن من قبل مين عارف؟؟
قاطعها أيهم بصوت ضعيف :”ليليان انا….
أشارت له بيدها أن يتوقف عن
التحدث و هي تبتسم
بألم قبل أن تتحدث بنبرة مهزوزة:” صدقني مش زعلانة… اصلا انا كنت عارفة إن
داه حيحصل يعني
محضرة نفسي لليوم داه كويس….
إنت كنت بتخني و إحنا مخطوبين…
صورك كانت بتوصلني كل أسبوع مع واحدة جديدة…كنت كل ما بروح مكان بلاقي
الناس بتبصلي و بيشاوروا عليا…
و لحد دلوقتي في المستشفى حتى
عيلتك عارفين بس كلهم… ساكتين
مفيش حد فيهم بيتكلم مفيش حد
وقف جنبي و اخذلي حقي منك
مفيش حد انقذني منك لما كنت
بتدمرني….حياتي، صحابي، جامعتي، شغلي…. مكانش عندي حق أختار أي
حاجة حتى جوازي منك كنت
مجبورة عليه حياتي كانت عبارة
عن لعبة في إيديك بتتحكم فيها
على مزاجك بس خلاص زي ماإنت
شايف كل حاجة و ليها نهاية…و اللعبة خلاص
إتدمرت و مبقاش فيها حاجة سليمة
عشان إنت المرة دي وقعتها من إيدك
و دست عليها جامد….
طلقني يا أيهم و انا مش حقول
لحد و لا حتكلم….طلقني عشان
بجد تعبت…. تعبت أوي…..مسحت ليليان دموعها المنهمرة
بكفيها قبل أن تتابع بصوت
مخنوق :” إطمن انا مش
حتكلم و لا حقول الحقيقة لحد…
كالعادة…و حنلاقي سبب مقنع عشان
نقوله لعيلتك و هما حيقتنعوا…انا
حلم هدومي كلها و حسيب البيت
حعد في أوتيل يومين لحد ما أشوف شقة أجرها….+
تنحنح أيهم حتى ينظف حلقه قبل أن
يتكلم :” يعني
إنت خلاص رتبتي كل حاجة على
أساس إني خلاص حسيبك تمشي و حطلقك…..
حدقت به بعيون دامعة قبل أن تتحدث :” قصدك إيه؟؟
إبتسم لها إبتسامة صفراء قبل أن يجيبها بغطرسة :”يعني مفيش طلاق يا لولو
و مفيش خروج من البيت داه
…إلا لو عايزة نطلع نسكن في شقتنا…”.
شعرت ليليان بالاشمئزاز منه
و من بروده لتهتف بحقد :” يعني إنت بتعترف إنك بتخوني….مممم بس انا عاوزة
أفهم إنت ليه عاوزنا نروح نسكن
في الشقة…عشان تتأخر و تبات
برا براحتك طيب ما إنت بتعمل كده و مفيش حد مانعك…أيهم هو إنت بتكرهني ليه؟؟
جذب أيهم الغطاء فوقه قائلا
بجمود:” أنا مش بكرهك بس إنت
مراتي و حتى لو عرفت ستات ثانية فأنا في الاخر برجعلك إنت…
إنتفضت ليليان من مكانها و قد
تملك منها غضب أعمى لتصرخ بغضب شديد :” طول عمرك حقير وواطي و كلب….انا بكرهك و كل يوم بكرهك اكثر ببقى شايفاك كإني شايفة شيطان قدامي….
جذبت الفازة البلورية لترميها على
الأرضية لتتحطم إلى أشلاء محدثة صوتا عال…ليصرخ أيهم بدوره :” بتعملي إيه يا مجنونة… إعقلي….
أمسكت الوسادة لتحاول تمزيقها
و هي تصرخ بأعلى صوتها :” مجنونة.. فعلا مجنونة عشان رضيت أتجوز
واحد حقير زيك…..
رمت الوسادة من يديها بعد أن فشلت
في إفسادها لتجذب الغطاء و ترميه
على الأرض بجنون قبل أن تسير
نحو بقية المزهريات و تكسرها
واحدة تلو الأخرى…و هي تتنفس
بصوت عال سمعت صوت طرقات
عنيفة على باب الغرفة لكنها لم تبال
و هي تواصل تحطيمها لكل ما تطأ
عليه عيناها التلفاز…باب الشرفة البلوري
الذي احدثت به بعض الخدوش…. مرآة التسريحة….
اسرع أيهم نحو الباب ليفتحه بعد أن فشل في تهدئتها و قد أصابه القليل من عنفها….ليجد والده ووالدته و إخوته يقفون خارجا….
إندفع الجميع إلى الداخل ليروا ليليان
أمامهم و هي تبدو في اوج غضبها..
.رمقتهم بحقد و كره لتندفع نحوها كاريمان و هي تحاول تفادي الزجاج الذي كان يغطي الأرضية قائلة بقلق :”ليليان يا حبيتي في إيه مالك…..
تراجعت ليليان إلى الوراء و هي تحدق
فيهم جميعا قبل أن تصيح :” قولي لابنك يطلقني… قوليله يسبني في حالي بقى….
انا زهقت…. زهقت و كرهت حياتي
….معدتش طايقاه و لا طايقة البيت داه بكرهه بكرهكم كلكم….
كانت تصرخ بعنف و تجذب خصلات
شعرها بجنون ليتدخل والد أيهم قائلا بحدة :” …في إيه إنت عملتها إيه يا أيهم..ليليان بصراخ :” قله… جاوبه إنت
عملتلي إيه؟؟؟ و إلا أقلك إنت الاسهل
تقله معملتش إيه عشان للأسف عمايلك كثير…..بيخوني ياعمي كان مع ست
ثانية الدكتورة هند اللي كانت في
الفرح من شوية… عرفتها يا محمد…+
تجهم وجه أيهم و إكفهرت ملامحه
ليهتف بصوت مهدد:” ليليان…. إخرسي إنت تجننتي…
ليليان بانكسار:” كل الناس عارفة إنك بتاع
ستات و كل يوم مع بنت ميرهان….
و شيري و أمل بتاعة لبنان اللي كنت
معاها من شهرين فاكرها صح و دلوقتي
هند تخبي ليه اصلا ما كل الناس عارفة حتى مامتك…. مش كده يا طنط كاريمان….
كاريمان بنفي :” لا و الله العظيم ما
اعرف حاجة…. أيهم إيه الكلام اللي
مراتك بتقوله داه….
ليليان :” متقوليش مراته عشان هو حيطلقني….نظرت إلى عمها بضعف
قبل أن تهتف بصوت مهزوز :”عمي
أرجوك ابوس زي ما جوزتني ليه
طلقني منه و الله بيخوني….. و مش
كده و بس
داه بيضربني و بيهني في الرايحة
و الجاية لو مش مصدقيني إسالوا
نعمات الشغالة و عم أيوب الجنايني
هوما كذا مرة شافوه….
إنهارت ليليان على الأرض بعد أن تعبت
من الصراخ و المقاومة لتسرع نحوها
كاريمان تسندها قائلة بشفقة :”إهدي
يا بنتي….إهدي يا حبيبيي و كل حاجة حتتصلح…
ليليان ببكاء:” لو كانت ماما موجودة
مكانش حيحصل فيا كل داه… أنا مشفتش
يوم حلو من بعد ما ماما توفت الله يرحمها.. يا ريتني كنت مت معاها على الاقل
كنت إرتحت…. أنا مش عاوزة حاجة
غير إني اروح من هنا
أرجوكي يا طنط و حياة أغلي حاجة
عندك ساعديني انا بجد حموت و لو فضلت هنا…خليه يطلقني و انا مش عايزة
حاجة لو كانت أميرة بنتك مكاني
اكيد مكنتيش حترضي يحصل فيها كده…
رمق محمد أيهم باحتقار و إشمئزاز
و هو يمسك قبضته بصعوبة حتى
لا ينقض عليه و يكسر عظامه…
قاطع تفكيره صوت والده الصارم و هو يقول :”كاريمان خرجي ليليان من
الأوضة دي و إنت تعالي ورايا على المكتب…
بعد دقائق… داخل المكتب
رمق أيهم والده بحنق بعد أن إستقبله
الاخر بصفعة قوية على خده قائلا
باشمئزاز :” مش مكسوف من نفسك
و إنت عامل فيها دكتور و محترم.
..كل القرف و البلاوي السودة دي
تطلع منك إنت.. انا إزاي كنت
أعمى للدرجة دي إزاي ملاحظتش
اي حاجة و إنتم كنتم ساكنين معانا
في نفس البيت…انا إزاي عملت كده
انا ضيعت الأمانة اللي إستأمنتني عليها سمية الله يرحمها قبل ما تموت….عشان إدتها لواحد حقير زيك….كنت فاكرك بني آدم بس للاسف طلعت……
زفر أيهم بقلة حيلة قبل أن يتحدث :”يا بابا…..
أشار له الاخر بيده ليتوقف عن
الكلام صارخا في وجهه بعنف :” إخرس مش عاوز أسمع نفسك حتى…
إنت حتطلقها و دلوقتي حالا
و مين غير نقاش…. انا زي ما
غلطت حصلح غلطتي مش حظلم
بنت أخويا ثاني….أيهم بحدة :”إنت إيه اللي
بتقوله داه يا بابا.. انا مستحيل
اطلق ليليان.. دي مراتي و انا لسه بحبها…
الاب باستهزاء و هو يضرب سطح مكتبه منفسا عن غضبه:” يا بجاحتك…. بتحبها.. امال
لو كنت بتكرها حتعمل إيه…مش
مكسوف من نفسك بتكذب الكذبة و تصدقها لما إنت
إنت مقرف كده و بتاع بنات
إتجوزتها ليه… كنت بتكذب
عليا كنت بستغفلني و إنت
بتحكيلي كل مرة عن حبك و
عشقك ليها… ها…. مش عاوز
كلمة زيادة حتطلقها يعني حتطلقها…..إنت متستهلش واحدة زي ليليان
جمال و ادب و أخلاق… إنت تستاهل
واحدة خاينة زيك من نفس العينة….
عند ليليان…..
أخذتها كاريمان إلى غرفة الضيوف
هي و أميرة بعد أن ساعداها
في تغيير ملابسها و ترتيب مظهرها…..
تمددت كاريمان بجانبها ثم
احتضنها بحنان و هي تتمتم بهمس
:”سامحيني يا بنتي و الله مكنتش عارفة حاجة….كنت باجي عليكي
و بلومك إنت بالرغم من إبني
هو اللي غلطان بس إنت كنتي
دايما ساكتة و مش بتدافعي على
نفسك… ليه سكتي، ليه رضيتي يحصل فيكي كده…
مسحت ليليان دموعها قبل أن
تجيبها بصوت ضعيف
:” كنت مكسوفة منكم…و مش
عاوزة أثقل عليكم كفاية إنكوا
إستقبلتوني في بيتكوا و ربيتوني
و مارميتونيش في أي ملجأ
او في الشارع. انا..
شهقت كاريمان بدهشة قبل
إن تهتف بلوم :” إخصى عليكي يا بنتي
إنت إزاي تقولي كده…في حد يرمي
ضناه في الشارع….إنت بنتي زيك زي أميرة
و قاعدة في بيت عمك مش عند حد غريب
أنا مش عارفة إنت ليه بتفكري كده….انا
قصرت معاكي في حاجة او حد من الأولاد
ضايقك في حاجة….
ليليان ببكاء:” أيهم كان بيقولي كده عشان ابويا بنفسه رماني و كان
بيقلي إني لازم اتجوزه عشان ارد جميلكم ليا
و عشان إنتوا تعبتوا مني و عاوزين تتخلصوا
من مسؤوليتي …..
مسحت كاريمان على كتفها بحنان و هي تقبل
رأسها قبل أن تهتف بهدوء:” شششش إهدي
يا حبيبتي و كل حاجة حتتصلح…الساعة دلوقتي إثنين الصبح و إنت أكيد تعبانة.. نامي و متفكريش
و انا أوعدك مش حسيبك لوحدك أبدا …إنت
بنتي حبيبتي و مش حخلي حاجة تأذيكي
طول ما انا عايشة….
تعالت أصوات أيهم ووالده داخل المكتب
و لكن من حسن الحظ انه يقع في الدور
الأرضي و إلا لكانت سمعتهما ليليان…..
ايهم بصراخ :”عاوزني أطلق مراتي غصب
عني يا بابا….
تدخل محمد الذي كان يجلس منذ وقت طويل
معهما دون أن يتكلم :” و لسه ليك عين تتكلم
و تقول مراتي…ما تروح ترجع للزبالة اللي كنت معاها
خليها تنفعك دلوقتي…
إندفع نحوه أيهم ليلكمه بغضب صارخا في وجهه
:”ملكش دعوة إنت فاهم….ملكش دعوة..
ابعده والده و سيف عن محمد الذي لم يقاومه
رغم قدرته البدنية الكبيرة و الذي كان قادرا
على إبعاده منذ الدقيقة الأولى..مسح محمد
شفتيه النازفة و هو ينظر لاخيه باستخفاف
ليزمجر أيهم بغضب و هو يبعد يدي والده و
أخيه عنه ثم يغادر و هو يرى شياطين الأرض تتراقص أمام عينيه …..في فيلا الألفي…+
تقف كاميليا أمام المرآة تزيل زينة وجهها بعد أن غيرت فستانها إلى بيجاما قطنية…
إقترب منها شاهين الذي خرج من الحمام للتو
ليقف وراءها مباشرة ليتكئ بذقنه
بخفة على كتفها
قائلا بمشاكسة :” أخيرا ظهر وشك الطبيعي
عارفة إنك كده أحلى بكثير…
ضحكت كاميليا باستهزاء قبل أن تجيبه دون أن
تتوقف عما تفعله :” إيش فهمك إنت بالميكاب
و الموضة…..
ضغط شاهين على خصرها فجأة لتتأوه
كاميليا ليكمل كلامه و هو يغمزها بمداعبة:”لسانك طول يا حبيبتي….
قبلها من عنقها قبلة خاطفة لتمتعض
ملامح كاميليا
و تتململ محاولة إبعاده هاتفة
بغيض :” مش وقت هزار دلوقتي انا تعبانة
و عايزة أخلص بسرعة عشان انام…
همهم شاهين قليلا قبل أن يديرها إليه
و هو يجذب إحدى المناديل المبللة
من العلبة و يبدأ بمسح وجهها و عينيها
بلطف لتصرخ كاميليا بأعتراض :” بتعمل إيه يا مجنون مش دي اللي بيشيلوا بيها الميكاب…
تجاهلها شاهين و قد إرتسمت على
وجهه ملامح الجدية حيث بدا و
كأنه يقوم بعمل مهم…جذبها
إليه محاوطا ظهرها بذراعه ليثبت
حركتها و هو يقول بصوت هادئ:” شششش
إستني بس شوية و حخلص و بعدين كلها مناديل
زي بعض…. إثبتي بقى يا قلبي… متتحركيش
لسه العين دي……. مممم شوية من هنا…..
قهقهت كاميليا بنعومة عليه هاتفة من بين
ضحكاتها:” و الله… اللي يشوفك… دلوقتي
ميقولش إنك إنت نفسك… شاهين الألفي….
رمى المنديل فوق الطاولة ليشرد في
وجهها الفاتن و ملامحها الضاحكة السعيدة
بنظرات عاشقة… من النادر رؤيتها و هي تضحك
هو تعود فقط بملامحها الحزينة الباكية
و نظراتها الخائفة منه لكنها الان على
طبيعتها و قد إنتقلت سعادتها تدريجيا
إليه لتنفرج شفتيه بابتسامة ساحرة
قائلا :” المهم إنت تشوفيني
مش مهم اي حد ثاني…..
إنكمشت تعابير وجهها و كأنها وعت الان
على نفسها لتكتسي ملامحها الجمود
من جديد و هي تدفعه بلطف عنها ليزفر
شاهين بضيق قبل أن يتحدث :” رجعنا للتكشير
و الزعل…يلا تعالي حنيمك الليلية زي
ما بعمل مع فادي و ححكيلك قصة كمان….
دفعها بلطف لتسير بجانبه متجهين إلى
الفراش ليبعد شاهين الغطاء و يلتفت
إلى كاميليا و يحملها بين ذراعيه و هي
مازالت
تنظر له بدهشة ليقاطعها هو مفسرا :” مش قلتلك
حنيمك زي ما بعمل مع فادي…. انا كده
بشيله و بحطه على السرير….
وضعها بلطف على السرير ثم غطاها
ليتسطح بجانبها هو الاخر و يغطي
نفسه متمتما بتساؤل :” كباية اللبن….
فادي بيشرب لبن قبل ما ينام…. بس مفيش
مشكلة بكرة الصبح تشربيه….
إمتعضت ملامحها باشمئزاز قبل أن تهتف :” مش
بحب اللبن…..
جذبها شاهين إليه ليقبل جبينها ثم يضع
رأسها على ذراعه قائلا :” فادي كمان بيكره
اللبن بس انا بخليه يشربه غصب عنه..كاميليا بسخرية :”هو انا عيلة عشان اشرب اللبن….+
شاهين بتجاهل :” عاوزة احكيليك قصة إيه..
الأميرة النائمة و إلا سندريلا….
كاميليا :” دي روايات قديمة على
فكرة…دلوقتي بقى في رابونزل و
فروزن…..
شاهين بتأكيد :” الروايات القديمة احلى اكيد…..
كاميليا ضاحكة :”بتقول كده عشان إنت
متعرفش الروايات الجديدة… غشاش….
شاهين بتحدي :” أنا ممكن أؤلفلك من دماغي على فكرة… او ممكن اشرحلك حاجة في الهندسة …
كاميليا بنبرة تخللها بعض الوجع :” لا مش عاوزة
أنا أصلا بقيت بكره الهندسة….
توقف شاهين عن مداعبة شعرها و وجنتها متسائلا :”بقيتي بتكرهيها بعد ما بقيتي في سنة رابعة…..داه فاضلك سنتين بس و تتخرجي؟؟؟
هزت كاميليا رأسها من فوق ذراعه لتحدق
في وجهه بتعجب قبل أن تتشدق قائلة
:”اتخرج إزاي و انا سبت الكلية…..
رفع يده الحرة ليقرص أنفها بمداعبة
هاتفا بمداعبة :”و مين قال كده…..
ضربت يده بكفها و هي تجيبه بحنق :”حضرتك
إللي منعتني إني أروح الكلية…. و إلا نسيت
شاهين ببراءة مصطنعة :” حضرتي بقيت
بيتراجع على قرارات كثير بعد ما تجوزتك…..
تنهدت كاميليا بقوة قبل أن تضع رأسها
على ذراعه مرة أخرى قائلة بضعف :” أنا
تعبانة و عاوزة انام….
إلتفت لها حتى أصبحا وجهيهما متقابلين
يفصل بينهما إنشات قليلة….
شاهين بجدية و هو يداعب وجهها بأبهامه :” اول الاسبوع اللي جاي حترجعي تروحي الكلية
كل المحاضرات اللي فاتاتك الشهر اللي فات
أنا جمعتهالك كلها و بكرة الصبح حبقى
اديهالك….
فتحت كاميليا عينيها على وسعها قائلة بعدم تصديق :” بتتكلم بجد…. حتسمحلي أرجع الكلية…
أومأ لها بالايجاب لتصرخ بفرح و هي
تتعلق بعنقه و تنخرط ببكاء فجئي……
شاهين بضحك :” متجوز طفلة يا ناس…. طب إهدي
لأحسن ارجع في كلامي…
إبتعدت عنه و هي تفرك وجنتيها بعنف قائلة :”لالا…انا مش بعيط…. و بعدين
شاهين الألفي مش بيرجع في كلامه…..
إحتضنها بقوة من جديد و هو يقهقه على
تصرفاتها الطفولية ليتأكد بأنه بدأ باكتشافها
يوما بعد يوم….متمنيا بداخله
بأن ينجح يوما ما
في جعلها تنسى الماضي و
تتقبل البداية الجديدة التي يريدها….
الساعة السابعة صباحا توقف أيهم
بسيارته أمام مبنى شقته بعد أن
أمضى الساعات الماضية و هو يجوب
الشوارع بلا هدف….
نزل بخطوات متعبة ليصعد الدرجات
الامامية للعمارة الفخمة….
دلف إلى الشقة ليرتمي أمام أول كرسي
قابله… فرك جبينه بتعب و هو يخرج هاتفه
من جيب سترته ليهاتف أحدا ما…..
بعد عدة محاولات جاءه صوت شاهين
الناعس :” عاوز إيه عالصبح يا رخم…..
أيهم بصوت مهزوز :” شاهين انا محتاجلك… انا في مصيبة و مش عارف حعمل إيه……
حكي له ما حصل معه باختصار
لينصت له الاخر باهتمام….قبل أن
يجيبه بحنق :”تستاهل اكثر من كده…و حبقى
اوصي محمد عليك…انا ياما نصحتك
و فهمتك بس إنت اللي كنت راكب دماغك.. إشرب بقى.
فصل الخط في وجهه فجاة بعد
أن لاحظ تململ كاميليا بانزعاج
بصوت صوته العالي …. لينفلت منه سباب
لاذع لايهم قبل أن يغلق هاتفه نهائيا و يعود لإحتضان زوجته من جديد و الاستسلام للنوم…
الساعة التاسعة صباحا كانت السيدة
ثريا تجلس في الصالون تلاعب فادي و معها
خديجة…..
فادي بضجر :”هو بابي و مامي فين….. انا عاوز
ألعب معاهم”؟؟؟
ثريا بضحك :” لسه نايمين يا حبيبي إستني
لما يصحوا و يفطروا و بعدها حيبقوا يلبعوا
معاك زي ما إنت عاوز….
فادي ببراءة :” اووف بابي كان دايما يصحى بدري و يلعب
معايا قبل ما أروح الحضانة “.
ثريا :” طب ماتروح الحضانة دلوقتي و بعدين…..
فادي بانزعاج :” لا انا مش حروح غير ما أشوف بابي… انا عاوز بابي.. ”
إنفجرت ثريا بالضحك قبل أن تنظر لخديجة التي كانت تخفي ضحكتها لتقول :” يا حبيبي بابي دلوقتي نايم….مش حنقدر نصحيه إيه رأيك تكمل
الرسمة لي في إيدك عشان توريهاله لما ينزل”.
أومأ الصغير لها بالايجاب ليلتفت إلى
ورقة التصويرالكبيرة التي كان يضعها
على الطاولة الصغيرة أمامه ليلونها….
نظرت ثريا لفادي المنشغل برسمته ثم إلتفتت إلى
خديجة لتسألها :” هي الساعة كام دلوقتي؟؟؟؟
خديجة :”حوالي تسعة و ربع يا هانم”.
ثريا بتعجب :” غريبة….شاهين عمره ما أهمل شغله بالشكل داه….من لما رجع الشغل من أسبوع بقى بيروح متأخر…
خديجة :”أكيد البيه تعبان من حفلة إمبارح….
ثريا :” إمبارح حفلة جواز صاحبه طب و
الايام اللي قبلها… لا يا خديجة أكيد في حاجة
هو عمره ما أهمل الشغل و الشركات بالشكل داه
حتى لما كان متجوز مها..أنا متأكدة إن في حاجة. مهمة بتحصل معاه “..
خديجة بخبث :”باين إن البيه بقى…. عاشق يا ست هانم…حضرتك مش ملاحظة حالته متغيرة إزاي “.
ثريا بابتسامة فرحة :” الحمد لله كل الكره و القسوة إللي كانت مالية قلبه تحولت لحب و عشق…
خديجة بصدق :”ربنا يفرحه كمان و كمان
و يرزقهم الذرية الصالحة و الله كاميليا هانم بنت
طيبة و بنت حلال مش زي اللي ماتتسمى و إلا بلاش…
ثريا :” آمين يا خديجة آمين…”.
في الاعلى…
خرج شاهين من غرفة الملابس بعد أن إرتدى
إحدى بدله الفاخرة ذات اللون الاسود ليجد كاميليا قد إنتهت من إرتداء ملابسها و تقف
مستندة بيديها على طاولة التسريحة عينيها مغلقتين و هي تتثاءب بنعاس…
إقترب منها بخفة من الخلف حتى لاتسمع خطواته و على وجهه إبتسامة ضاحكة ليحاوط خصرها و يصرخ في أذنها في نفس الوقت :”بتعملي إيه…..
صرخت و هي تفتح عينيها بفزع لتجد شاهين
يضحك عليها…. تأملته قليلا من خلال المرآة
كم يبدو وسيمابل شديد الوسامة ببشرته
الحنطية و شعره الأسود كسواد ليل الشتاء…عيناه الخضراء الداكنه كلون الغابات الاستوائية
أنفه المرفوع بشموخ و فكه المستقيم و شفتيه
الغليضتين الشهوانيتين التين لا طالما أشبعتاها تقبيلا….+
أفاقت من شرودها لتجد شاهين ينظر إليها
و على شفتيه إبتسامة خبيثة قبل أن يهتف:” حلو
مش كده…عجبتك ؟؟؟
صعقت كاميليا من إعترافه لتحرك رأسها يمينا
و يسارا و هي تكاد تبكي من فرط خجلها… إحمر وجهها بشدة حتى كاد ينفجر من شدة الحرارة
أداره نحوه بلطف ليقبل جبينها قائلا بنبرة عاشقة:” مكسوفة ليه؟؟ داه من حقك علي فكرة؟؟
فتحت عينيها ببطئ و قد بدأت أنفاسها بالتسارع
و هي تشعر باقتراب إغمائها ككل مرة عندما يقترب فيها منها.
تحدث شاهين بهمس و هو يجوب وجهها الفاتن بعينيه الهائمتين :” انا كلي ملكك زي ما إنت ملكي صح “.
هزت رأسها عدة مرات بالموافقة و هي مازالت
تحت تأثير سحرعينيه الخضراء ليبتسم شاهين بفرح لنجاحه في التأثير عليها قبل أن يضيف :”يلا ننزل نفطر عشان انا تأخرت على الشغل..عمر إتجوز و ساب الشغل كله عليا…”.
قادها بلطف أمامه ليتجها نحو الاسفل…ليجدا
خديجة و ثريا تتحدثان…..
صرخ فادي بفرح و هو يهرول نحو والده الذي
إلتقفه بخفة بين ذراعيه :”باااااابي…
وقفت خديجة من مكانها بسرعة لتقف بجانب كرسي ثريا التي طلبت منها تحضير طاولة الفطور…
شاهين و هو يتجه نحو والدته ليقبل جبينها :” صباح الخير يا ست الكل..
ثريا بابتسامة واسعة :”صباح الخير يا حبيبي… صباح الخير يا بنتي”.
إتجهت نحوها كاميليا لتقبل يدها باحترام و هي تهمس :” صباح الخير يا طنط….
توجهوا جميعا نحو طاولة الإفطار ليتحدث فادي بتذمر و هو يحاول الصعود على الكرسي :”بابي انا مش رحت الحضانة النهاردة….
نظر له شاهين بهدوء و هو يكمل ترشف قهوته :” و السبب؟؟
فادي بضجر :” مش عاوز اروح يا بابي انا عاوز العب مع مامي عشان واحشاني…مامي مبقتش تلعب معايا
زي زمان…إنت أخذت مامي لوحدك هي بقت على طول معاك “.
تصنمت كاميليا مكانها بصدمة من كلام الصغير و قد تلون وجهها بالوان الطيف تتمنى لو انها كانت تمتلك طاقية الاخفاء حتى تختفي من أمامهم من شدة الاحراج او تنشق الأرض و تبتلعها …
بينما تعالت قهقهات شاهين و ثريا و هما يمرران نظرهما بين فادي و كاميليا….
ليتحدث شاهين بصعوبة من بين ضحكاته :” إنت متأكد إن عمرك اربع سنين…
اطبق فادي ذراعيه و هو يطالع والده بحنق ليزداد ضحك شاهين عليه أكثر :” و الله معاك حق انا بقيت مستحوذ على مامي كثير الايام دي عشان كده انا
حسيبهالك النهاردة بس متاخدش على كده…عشان حرجع و آخدها….فادي ببراءة :”اوووف يا بابي…انا عاوز مامي تلعب معايا بالنهار و إنت خدها بالليل….+
شاهين بصرامة :”لا….. طول ما انا بالبيت مامي ليا انا لوحدي…كفاية إنها حتكون معاك و انا برا…
همهم فادي بضيق ثم رمى شطيرته في الصحن بقوة قبل أن ينزل من كرسيه و يهرول إلى الأعلى َمتجها نحو غرفته لتنطر له ثريا بعتاب قائلة :”ليه كده يا إبني…حاطط دماغك من دماغ طفل عنده اربع سنين
و بتعانده “.
شاهين بلامبالاة :”داه دلع أطفال بعد شوية حيهدى….
وقفت كاميليا من كرسيها قائلة :” أنا حروح أشوفه…زمانه قاعد بيبكي دلوقتي “.
قبض شاهين على يدها قبل أن تتحرك ليخاطبها
بنبرة آمرة :”لا… سيبيه و تعالي انا خارج دلوقتي…
وقف من مكانه ليجرها ورائه نحو باب الفيلا….
كاميليا بعتاب :” مينفعش اللي بتعمله داه.. كل اللي في البيت بيضحكوا علينا……
اوقفها شاهين أمامه ليحاوط وجهها بيديه قائلا :”محدش له عندي حاجة… داه بيتي و انا حر أعمل إللي أنا عاوزه”…
كاميليا و هي تتجرأ لتنظر في عينيه لأول مرة :” طيب و فادي…داه ولد صغير و مينفعش….
شاهين بطفوليه :”عاوز ياخذك مني… ”
كاميليا بعتاب :” داه طفل…
شاهين مقاطعة :”مش بإيدي بقيت بغير عليكي حتى من فادي عاوزك ليا لوحدي…
سكتت كاميليا و هي تشعر باحراج كبير ليقترب منها شاهين و يقبل جانب فكها بنعومة هامسا لها بصوت مغري :”مش حتأخر الليلة إستنيني و متفكريش في فادي حبقى اصالحه بطريقتي لما أرجع …
أومأت له بطاعة ليتركها على مضض و يغادر..
عادت كاميليا إلى الداخل و هي تتحاشى النظر
إلى ثريا و خديجة التي كانت تنظف طاولة الفطور
و تأخذ الصحون إلى داخل المطبخ…
صعدت إلى الأعلى حيث وجدت فادي
يجلس على سريره و هو يمسك بالايباد الخاص
به…
نظر نحوها قليلا قبل أن يعود لينشغل بلعبته
مدعيا عدم الاهتمام بها.
إقتربت منه لتجلس بجانبه و تحيط كتفيه
بيديها و هي تنظر إلى الايباد :”بتعمل إيه؟؟؟
فادي بلامبالاة مزيفة :” و لا حاجة…. بلعب “.
أخذت كاميليا الجهاز من يده ثم أغلقته
ووضعته بجانبها على السرير قائلة بهدوء :” حبيبي
إيه رأيك تقضي اليوم مع مامي…عشان إنت وحشتها جدا…
فادي بنبرة حزينة :”أنا بقيت بقعد كثير لوحدي
َ مفيش حد بيهتم بيا رجعت لوحدي من ثاني “.
كاميليا بشفة. هي تشتم شاهين في سرها :” لا يا حبيبي متقولش كده…انا دايما معاك و حفضل على طول معاك و تيتة و بابي كمان..فادي برفض :” لا بابي مش بيحبني…عشان أخذك مني….+
كاميليا بقلة حيلة :” لا يا فادي متقولش كده داه بابي أكثر واحد بيحبك في الدنيا دي كلها.. داه حتى قلي من شوية إنه حجيبلك هدية لما يرجع عشان يصالحك.. هو بس خرج عشان مستعجل عنده شغل كثير و وصاني كمان أعملك كل حاجة إنت عاوزها…
أشرقت عيني الصغير بابتسامة فرحة ليقفر بين ذراعيها محتضنا إياها بلهفة و هو يصرخ :”بجد يا مامي بجد….
ضحكت كاميليا بمرح و هي تحتضن جسده الصغير مقلدة إياه بصوت طفولي شبيه بصوته :” بجد يا روح مامي….
تعالت ضحكات فادي و هو يخبرها بكل مايريد فعله لهذا اليوم و كاميليا تستمع له بانتباه.
في فيلا عمر الشناوى..
صاح عم للمرة الالف و ه. يصرخ على هبة النائمة
بهدوء كطفل صغير..
:” هبببة بييييبة حبيبتي قومي الساعة
بقت تسعة و نص إتأخرنا على معاد الطيارة”.
تململت هبة على السرير قليلا قبل أن تتحدث
بصوت يغلبه النعاس :”خمس دقايق و حصحى”.
إلتفت نحوها عمر و هو يربط كرافتته ليجيبها
بانزعاج:”بقالك ساعة بتقولي خمس دقائق
و بترجعي تنامي… يا قلبي مينفعش كده ورانا طيارة..
هبة بانزعاج مماثل :”مش عايزة أسافر خلينا هنا. “.
عمر بلين :” طيب قومي خوذي دوش و غيري هدومك و لما تطلع الطيارة إبقي إرجعي نامي…
أشارت له بيدها بلامبالاة قبل أن تأخذ إحدى
الوسائد و تضعها على رأسها لتعود للنوم
من جديد….
زفر عمر بضيق من فعلتها لينحني فوق السرير
و يجذب الغطاء بقوة قائلا :”إصحي يا كسولة
و إلا حشيلك و أرميكي في البانيو….
صرخت هبة بفزع و هي تقفز لتجذب الغطاء
و تلفه بحرص على جسدها العاري :” بتعمل
إيه يا مجنون..إنت ناسي إني أنا مش لابسة هدومي و عر…..
نفخت وجنتيها بانزعاج كطفل صغير و هي تتحاشى
النظر له و قد إحمرت عيناها من شدة الحرج….
كتم عمر ضحكته و هو يتأمل ملامحها المضطربة
و هي تلعب بطرف الغطاء بأصابعها…
ليقول بنبرة عادية راحما خجلها الذي تحاول إخفائه وراء نوبة غضب مزيفة :”طيب قومي غيري
هدومك عشان نلحق معاد الطيارة الساعة إحداشر
و نص”.
رفعت هبة إحدى يديها لترجع إحدى خصلات
شعرها الشاردة وراء أذنها و هي مازالت تنظر أمامها
بحرج متصنعة عدم الإهتمام و هي تجيبه :” يعني
فاضل ساعة و نص و بعدين… مش الطيارة
خاصة يعني نسافر وقت ما إحنا عاوزين “.
إبتسم عمر بتلقائية و هو يرتمي بحانبها
على الفراش قائلا بمرح :”يا حبيبتي الطيارة
صحيح إنها خاصة بس في حاجة إسمها إحترام
للمواعيد و انا رتبت مواعيدي على الساعة
إحداشر و نص يعني لازم دلوقتي تقومي
تجهزي نفسك يا دوب نلحق “.أومأت له بالايجاب قبل أن تضيف :”طب ممكن
تستناني برا….+
داعب عمر وجنتها الحمراء باصبعه لتبعده
عنها مصطنعة الضيق ليقهقه عمر بصوت عال…
قبل أن يهتف بعبث :”مستحيل… عاوزة تبعديني
عنك من يوم صبحيتنا…
اجابته هبة بضجر و هي تجذب الغطاء
فوقها جيدا :”لو مش حتطلع مش حقوم من السرير
و إبعد دلوقتي عشان اكمل نوم…. “.
عمر :” حبيبتي ارجوكي إرحميني بقالي ساعتين
و انا بصحيكي…
رفعت كتفيها بعدم إهتمام و هي تلتفت نحوها
باحثة عن أي شيئ ترتديه…لتصرخ فجأة
إثر حمل عمر لها :” ااااه عمر بتعمل إيه…. نزلني”.
عمر برفض :”تؤ…حعرفك إزاي تتجاهليني ….
هبة بخوف :” حتعمل إيه؟؟؟
عمر بخبث:”حساعد بنوتي الحلوة عشان تاخذ
شاور…. اصلي عارف تعبانة بعد مجهود إمبارح….”.
خبأت وجهها بيديها و هي تصرخ بصوت باكي:”و الله قليل الأدب….. بكرهك “.
قهقه عمر بصوت رجولي و هو يفتح باب الحمام
و يستمع لهمهات هبة الباكية لينزلها بهدوء
على الأرض وهو مازال يضحك عليها….دثر جسدها جيدا بالغطاء ثم إنتقل ليقبلها من جبينها هامسا
بنبرة عاشقة :”نسيت اقلك مبروك يا حبيبتي”.
حاوط وجهها بكفيه ليمسح دموعها مضيفا
بنفس النبرة :”حسيبك دلوقتي عشان لسه
متعودتيش عليا بس يكون في علمك دي
آخر مرة…
غمزها في آخر الجملة ثم خرج تاركا
هبة في عالم آخر غير واعية بنفسها حتى
انها كانت تقع على الأرض مكانها.
الساعة الثالثة عصرا……
تنفس شاهين الصعداء بعد أن أنهى آخر ملف أمامه ليمسح وجهه بتعب
تراجع قليلا ليستند بظهره على كرسي مكتبه
الجلدي و هو يفك قليلا ربطة عنقه المزعجة….
ثم نظر إلى ساعة معصمه و هو يبتسم تلقائيا
عندما تذكر زوجته الصغيرة التي تركها صباحا
على مضض ليتمتم في داخله :” وحشاني
اوي…. يا ترى عملتلي إيه عشان تخليني ملهوف
عليها بالشكل داه…اااااوف نسيت الزفت التاني”.
أكمل شتمه في شره و هو يتفقد مفاتيحه و هاتفه و بقية أغراضه الشخصية ليلتقطها جميعا ثم يغادر المكتب…..
بعد حوالي نصف ساعة توقفت سيارته أمام مبنى فاخر تقع فيه شقة أيهم…طرق باب الشقة لتفتح
له أميرة…
:” إزيك يا أبيه عامل إيه؟؟
إحتضنها شاهين بمحبة و هو يجيبها :” أنا كويس إزيك إنت و عاملة إيه في المذاكرة…
أخذت منه معطفه لتعلقه في مدخل الباب قائلة :”كله تمام بس السنة دي صعبة شوية و محتاجة حضور”.
أومأ لها شاهين بتفهم قبل أن يقاطعهما صوت أيهم الذي ناداه من الداخل :” أخيرا إفتكرت إن ليك صاحب و جاي تسأل عليه….ضحك شاهين قبل أن يتحدث :” كنت مضطر أروح الشركة… في حاجات مستعجلة و لازم اكون موجود بنفسي خاصة إن عمر مش موجود”.+
جلس بجانبه ليتمتم أيهم بتذمر :” إبن المحظوظة
هو الوحيد اللي مرتاح فينا….
شاهين بمقاطعة:” إتكلم على نفسك… انا الحمد لله
كل أموري بقت تمام….
أيهم :”يعني مفضلش غيري…توقف عن الحديث عندما وجد أميرة تجلس معهم… حك طرف ذقته
باصبعه قبل أن يستأنف حديثة :” ميرا حبيبتي ممكن
تعمليلنا فنجانين قهوة مضبوط…..
قاطعه شاهين :” أنا عاوزها سادة..
أميرة و هي تتجه إلى المطبخ :” حاضر….
نظر شاهين في أثرها قبل أن يشير لصديقه
بمعنى ماذا تفعل شقيقته هنا…. ليزفر أيهم بملل
قبل أن ينتقل إلى كرسي أخر ليكون أقرب
منه قائلا بصوت منخفض :”ماما بعثاها
قال إيه عشان تتطمن عليا”
شاهين بهمس :” تطمن عليك؟؟ على أساس إنك
تلميذ في إبتدائي و مامتك قلقانة عليك….
أشار له أيهم بأن يسكت ليستأنف هو حديثه
بتفسير :” اوووف من الاخر ياعم مراتي عرفت
إني بخونها و حصلت خناقة كبيرة في البيت
و عاوزيني أطلقها”.
هز شاهين حاحبيه بتعجب و هو يهمهم بتفكير :” مممم فهمت… و أميرة دي أول مرة أشوفها هنا ؟؟
ايهم بلامبالاة :” مش عارف يمكن عشان تنظف
الشقة او بالأحرى تفتش…
كركر ضاحكا ليرمقه أيهم بانزعاج ثم إلتقط
إحدى السجائر ليشعلها و يدخنها بشراهة…
أحضرت لهما أميرة فناجين القهوة ثم غادرت
تنهد أيهم بصوت عال قبل أن يتحدث بصوت
هادئ مسترسل و هو يتكئ بجذعه إلى الأمام واضعا ذراعيه على فخذيه ناظر إلى نقطة وهمية أمامه:” مستحيل…انا و ليليان مش حيفرق بينا غير الموت
أهينها، اضربها، أخونها… أقتلها بس مستحيل
إني أطلقها…
شاهين بنبرة مؤكدة:” بس دي بنى آدمة…مش لعبة
في إيدك عشان تعمل فيها اللي إنت عايزه… دي إنسانة و من حقها تعيش….لو مش عايزها
سيبها هي حتلاقي حد غيرك يقدرها و…..
رمقه أيهم بنظرة نارية و هو يصر على أسنانه
بغضب هادرا بنبرة غاضبة:” شاهين…
رفع الاخر يديه باستلام هاتفا بهدوء:” داه رأيي
الشخصي و إنت حر…البنت مرمطتها معاك بما
فيه الكفاية سيبها تاخذ نفس هي مش حمل
عمايلك….
دهس أيهم بقايا سيجاره داخل المنفضة قبل أن يلتفت إليه و يحدثه بصوت منفعل :” هو انا جايبك
هنا عشان تلاقيلي حل وإلا عشان تزيد همي…. يا تتكلم عدل يا تسكت انا مش ناقصك..كفاية اللي أنا
فيه”.
شاهين بسخرية :” عاوز تقلي إنك نادم…
أيهم بصوت عال :” لا مش نادم و مش متأسف… اللي حصل حصل هي يومين و حتهدا و نرجع زي ما كنا انا عارف ليليان كويس …شاهين ببرود مستفز:” إنت مجنون يا إبني…. مين دي اللي تهدأ.. إنت واعي بنفسك و بالكلام اللي بتقوله
إوعي تكون شارب حاجة ثقيلة….
ايهم بتأفف:” شاهين أسكت… صوتك بقى بيوترني.
شاهين بضحك :”ما إنت اللي عمال بتقول في حاجات غريبة و مش منطقية الصراحة…. يعني
عاوز من مراتك اللي مسبتش حاجة وحشة و معملتهاش فيها إنها تهدأ و تسامحك….
رمقه بسخرية قبل أن يتحدث بانفعال:” عاملي نفسك الملاك البريئ ما إنت ألعن مني…دا انا مجيش نقطة في بحرك..
زفر شاهين الهواء بقلة صبر و هو يكور قبضة يده
بعنف يحاول تهدأة نفسه لكي لا يفتك بصديقه قبل أن يتحدث بنبرة اكثر هدوء و عقلانية :” أنا فعلا
غلطت كثير في حياتي و عملت حاجات كثير
و يمكن حتى أسوأ منك بس مع اللي يستاهل….و الانسانة الوحيدة اللي ظلمتها هي مراتي..
انا أذيتها كثير و عذبتها كثير بس مخنتهاش…
و إنت عارف إن أنا أكثر إنسان إتوجع من الخيانة…عارف لما توصل تحب إنسان لدرجة إنك تأمنه على بيتك و شرفك .. و شغلك و حياتك كلها بس تتفاجئ إنه غدر بيك
و خلاك تفقد الثقة في كل اللي حوالك و حتى
في نفسك…عشان كده انا تغيرت و تهت عن
نفسي شوية بس خلاص الحمد لله أديني
بحاول ارجع واحدة واحدة…و الفضل كله لمراتي
انا ندمان على كل حاجة عملتها معاها و
حفضل لآخر لحظة في عمري أحاول أرجعها ليا و أخليها تحبني….
بالمختصر المفيد انا لا عايز ألومك و لا اعاتبك
على اللي إنت عملته عشان اكيد في غيري
كثير عملوا كده بس عاوز اقلك حاجة واحدة
إن إنت لسه مش معتبر نفسك غلطان لكن لو حطيت
نفسك مكان مراتك و قبلت إنها تعمل معاك نفس اللي عملته معاها و ترجع تسامحها و تقبل تكمل حياتك
معاها فكده انا اقلك عداك العيب و إنت صح….
قاطع كلامه حضور أميرة التي كانت تحمل حقيبة يدها قائلة :”عاوزين حاجة قبل ما اروح.
أومأ لها أيهم و قد كان تائها في عالم آخر يفكر في كلام صديقه الذي لا يعني سوى حقيقة واحدة و هي
إن ليليانه قد ضاعت منه إلى الأبد….
أما شاهين فقد اجابها :” إستني حوصلك في طريقي…
رمقته أميرة و قد إرتسمت على وجهها إبتسامة
عريضة :” مفيش داعي انا معايا العربية….
هز شاهين حاجبه بتعجب قبل أن يهتف بمداعبة :”كبرتي يا مرمر و بقى عندك عربية…
الظاهر إن انا فاتني كثير….
أميرة بضحك :” أنا بقى عندي سعتاشر سنة….إنت بس مبقتش تحضر حفلات عيد ميلادي عشان
كده لسه معتبرني صغيرة…..
شاهين بضحك :”طب متزعلش عيد ميلادك
اللي جاي حبقى آجي و معايا العيلة كلها….
صرخت أميرة بحماس و هي تتقدم لتجلس
معهم :”بجد يا أبيه يعني حتجيب مراتك معاك لعيد ميلادي.أومأ لها بالايجاب لتهتف هي بثرثرة :”على فكرة يا أبيه إنت ذوقك تحفة.. مراتك قمر آخر حاجة كل الناس فاكراها اجنبية….انا حبيتها جدا عشان
باين عليها طيبة جدا دي إمبارح طول الحفلة و هي
قاعدة مهتمة بفادي كأنه إبنها بجد…..
إبتسم شاهين و قد لمعت عيناه باشتياق و لهفة
لمجرد ذكر إسمها لينتبه لصوت صديقه المزعج
الذي هتف بنبرة حادة:”مش كنتي مروحة…. قاعدة ليه و إلا مصدقتي لقيتي موضوع تتكلمي فيه…
رمقته أميرة بانزعاج و هي تتمتم بداخلها :” يا ساتر على البوز… عندها حق ليليان و حتستحملك على إيه..
اردفت بصوت عال. هي تتجه نحو باب الخروج :”بليز يا ابيه سلملي على مراتك و إبقى
إسالهالي هي بتستعمل وصفات لشعرها عشان
يبقى حلو بالشكل ده و كمان بشرتها…. بليز متنساش
شاهين بقهقهة :”طيب حبقى أسألها و اقلك…
أيهم بغل :”أنا نفسي اقوم أخنقك بإيدي إنت
و هي و أخلص البشرية منكم بقى انا واقع في مصيبة سودا ميعلم بيها إلا ربنا و إنت عمالين
بتتكلموا على وصفات شعر و اضافر…
شاهين بضحك :”كده مراتك حترتاح منك للأبد….
تعالى رنين هاتفه ليخرجه من جيب سترته
و هو يواصل ضحكه… ليزداد إشراق وجهه و
تلمع عيناه بعشق عندما قرأ إسمها الذي يزين
شاشة هاتفه….
تافف أيهم بصوت عال قبل أن يتجه إحدى
الغرف تاركا صديقه يتكلم على راحته…
أغمض شاهين عينيه ببطئ مستمتعا بنبرة صوتها
المميزة عندما تحدثت :”الو…
شاهين بلهفة :” وحشتيني..
كاميليا بخجل :”أنا كنت عاوزة افكرك بهدية
فادي عشان هو مستنيك من بدري…
شاهين بتسلية :” هو بس اللي مستنيني…..
طال سكوتها و لم يصدر منها سوى انفاسها
المتلاحقة التي تدل على توترها ليستانف شاهين
حديثه من جديد و قد لمعت في رأسه فكرة ما
:” أنا مضطر اتأخر النهاردة… عشان عندي شغل
كثير
يمكن اخلص الساعة تسعة او عشرة بالليل….
كامليا بصوت رقيق :” بس إنت كده حتتعب يعني. اقصد ممكن تقسم الشغل شوية النهاردة و تكمل الباقي بكرة..
شاهين بتأسف مزيف :”مينفعش انا اصلا يدوب
لقيت شوية وقت عشان اتغدى انا و السكرتيرة…قبل ما نكمل الشغل
كاميليا بتردد:”يعني هي… اقصد السكرتيرة
حتفضل معاك للساعة عشرة؟؟؟
إبتسم شاهين بخبث و هو يتراجع بجسده إلى الوراء
قبل أن يجيبها بتأكيد :”طبعا…حتفضل معايا للساعة عشرة بالليل…. بتسالي ليه؟؟
سالها و هو يترقب إجابتها بفارغ الصبر
كاميليا :”أنا بس كنت بسأل عشان هي بنت
و الشوارع بتبقى خطر بالليل…و هي يمكن حتروح لوحدها….
لوي ثغره بخيبة امل على فشل خطته ليردف بنبرة جافة و هو يتمنى بداخله لو كانت الان أمامه حتى يعاقبها على غبائها :” يعني انا بقلك إني حفضل للساعة عشرة بالليل في المكتب مع السكرتيرة
و حضرتك مفكرتيش غير في إنها حتروح لوحدها…. يا برودك يا شيخة إقفلي يلا… إقفلي و انا حبقى
اشوف شغلي معاكي لما اروح بعدين….
أعاد هاتفه إلى جيب سترته و هو يبرطم بشتائم
كثيرة قبل أن ينتبه لايهم الذي كان يقف مستندا
على باب الغرفة و يرمقه بنظرات خبيثة قبل أن ينفجر ضاحكا و هو يقول :”كنت عاوزها تغير عليك صح…يلا إعترف…
شاهين بضجر :” يا شيخ إتلهى….
ايهم بسخرية :”دا إنت حالتك صعبة جدا و لازمك حل في أقرب فرصة….
شاهين :” خليك في حالك انا مبسوط كده…. بقلك
أنا رايح دلوقتي و متنساش تفكر في كلامي…. و أي حاجة جديدة تحصل بلغني…
أيهم بتهكم :” عشان تقفل السكة في وشي زي ما عملت النهاردة الصبح …
شاهين بضحك و هو يتذكر ما حصل صباحا :”غصب عني و الله… قلبك أبيض…
:”تعالي يا حبيبتي زمانك جعتي… انا جبتلك كل
الأكلات اللي بتحبيها و عملتلك العصير داه بأيدي…
ليليان و هي تجلس بجانبها :” تسلم إيدك يا طنط
بس مكانش في داعي تتعبي نفسك انا مش جعانة
جعدت كاريمان ملامحها بانزعاج قبل أن تهتف
برفض :”ميصحش كده إنت لازم تاكلي و تتغذي
عشانك و عشان الي في بطنك كمان…
ليليان بلوم :”ارجوكي يا طنط وطي صوتك
لأحسن حد يسمعك…
كاريمان بتأفف :” أنا مش فاهمة لازمتها إيه تخبي
حاجة مهمة زي دي…دي العيلة كلها مستنية
الحفيد داه بفارغ الصبر ليه تحرمينا من الفرحة
دي؟؟
مسحت ليليان دموعها بسرعة قبل أن تراها
كاريمان قبل أن تقول بصوت جاهدت لكي يخرج طبيعيا :” بعد ما أيهم يطلقني حبقى أعلن الخبر داه… انا لو لا حضرتك شفتيني مكنتش حقلك كمان…..
وضعت ليليان الصينية فوق ساقيها و هي تقول
بتشجيع محاولة تغيير الموضوع حتى لا تزيد
من حزنها قائلة بحماس :” طيب يا حبيبتي
إعملي اللي يريحك و دلوقتي لازم تاكلي
عشان النونو باين عليه جعان و لازم يتغذى”.
إغتصبت إبتسامة صغيرة على شفتيها قبل أن
تنظر لزوجة عمها اللطيفة التي ما فتئت تساندها
منذ تلك الليلة….
نزل شاهين الدرج بخطوات مسرعة متجها نحو
غرفة والدته…. دخل دون أن يطرق الباب ليجدها
في شرفة غرفتها تسقي نباتاتها المفضلة التي
زرعتها في أصص صغيرة و تضعها فوق سور الشرفة القصير….
وضعت المرش من يديها على الأرضية عندما
رأت إبنها يدخل الغرفة بوجه متجهم….
إنحنى ليجلس على ركبتيه أمامها و يضع
رأسه في حجرها متمتما بصوت حزين :”بتكرهني
يا أمي…. بتكرهني لدرجة إنها عاوزة تموت
إبننا مش عاوزة حاجة تربطها بيا… مش عاوزاني
مش عاوزاني…
صمت قليلا ليتنفس بعنف قبل أن يكمل بنبرة
ضعيفة غريبة عنه :” بحبها و الله العظيم بحبها
أنا تغيرت عشانها، تغيرت بس عشانها… انا ليه
حظي كده ليه؟؟ ليه كل ما إحب واحدة
تغدرني مش من حقي أحب و أتحب زي بقية
الناس….. للدرجة دي وحش و ما أستحقش
لو تشوفي انا تغيرت إزاي عشانها… بقيت زي
الطفل الصغير بفرح بأي كلمة منها…بفكر فيها
في كل لحظة حتى لما أكون بعيد عنها ببقى بعد
الساعات و الدقائق عشان أرجع لحضنها…. في
الليل بقيت بصحي من النوم عشان أتأكد إنها
جنبي و إنها حقيقة مش حلم جميل و حصحى
منه…..
رفع شاهين رأسه لينظر لوجه والدته التي كانت
تطالعه بحزن و أسف ظاهر على إنكساره و ضعفه
الذي لا يبينه لأحد غيرها…
إستأنف حديثه من جديد بصوت متحشرج:” اول مرة في حياتي بحس بالعجز.. مش عارف أتصرف إزاي
مقدرش اجبرها على حاجة هي مش عاوزاها بس كمان مقدرش أخسرها…. هي بقت روحي و حياتي
الهوا اللي بتنفسه….. انا مش عارف انا إزاي او إمتى
حبيتها كده بس كل اللي عارفه إني مش متخيل
حياتي من غيرها.. إنت و فادي و هي و البيبي
الصغير اللي جاي في السكة اهم ناس في حياتي
بس هي عاوزة تحرمني منها و منه…بتهددني
حتقتل نفسها لو مطلقتهاش.. عاوزة تسيبني
يا أمي…قوليلها متعملش كده هي بتحبك و أكيد حتسمع كلامك… ارجوكي يا ماما ارجوكي
بدأ يتمتم بهذيان و هو ينظر لوالدته باستعطاف
لتحيط ثريا وجهه بيديها قائلة بصوت حنون
يبعث الدفئ و الطمئنينة بداخله:”ششش
إهدى يا حبيبي إهدى….كاميليا متقدرش تعمل
كده دي متقدرش تأذي نملة حتقتل إبنها… دي
كانت بتقول كده عشان مصدومة بالخبر….
كاميليا حنينة و طيبة و لايمكن تعمل حاجة
وحشة زي دي… إهدى و كل حاجة حتتصلح
اصبر شوية و حتشوف بنفسك هي كمان
محتاجة وقت عشان تسامحك إنت كمان
متنساش إن اللي عملته فيها مكانش شوية….
زي ما جرحتها لازم تداويها.. و عشان ترجعها لحضنك لازم تكون صبور….
أومأ لها بإيجاب و قد لمعت عيناه بفرح بسبب
تأثير كلام والدته الذي كان كالبلسم الشافي
قبلت ثريا جبينه بلطف و هي تختم كلامها
بمرح :”فادي حيفرح أوي عشان حيكون عنده
اخ يلعب معاه…”
شاهين :”صح إنشاء الله حيبقى عنده اخوات
كثير…بس ربنا يهدي المجنونة اللي فوق دي
عشان هدت حيلي”.
ثريا بضحك :”آمين…
شاهين و هو يقبل يديها الاثنتين هامسا بامتنان
:” شكرا ليكي يا ست الكل مش عارف من غيرك
كنت حعمل إيه…
منتصف الليل…..
صعد شاهين الدرج بخطوات متثاقلةنحو غرفته بعد أن أمضى بقية وقته في المكتب و إكتفي بسؤال
زينب عن كاميليا من حين لآخر.
فتح الباب ببطئ و حذر حتى لا يزعجها ثم
مشى باتجاه السرير بهدوء ليجلس على حافته
مد يده بتردد ليدثرها بالغطاء جيدا قبل أن يتوجه
نحو غرفة الملابس ليغير ثيابه و يخرج ليندس
بجانبها تحت الغطاء تاركا مسافة بينهما حتى
لا يزعجها…
تمدد على ظهره ليحدق في سقف الغرفة بشرود
بعد أن جافاه النوم….منذ ساعات و هو يحاول
التفكير في حل أو طريقة تجعلها تتراجع عن
قرارها ليهديه تفكيره أخيرا إلى الاتصال غدا
صباحا بوالدتهاو إخبارها بكل شيئ.
أعاده صوتها الهادئ من شروده عندما سمعها
تقول بصوت هامس :” أنا عاوزة بنت”.
إلتفت إليها و على وجهه علامات الحيرة….لم
يصدق ما تسمعه أذناه او تراه عيناه كانت مستندة
على ظهر السرير و تضع يدها على بطنها تحسسها
برفق.. تساءل في داخله كيف تحركت بجانبه
و لم يشعر بها الهذه الدرجة كان غارقا في تفكيره
واصلت كاميليا كلامها دون أن تنظر إليه :” أنا
إللي حسميها وانا اللي حختار لبسها و انا
اللي حهتم بيها بنفسي و مش حسمح لحد يلمسها
او يلعب معاها غير طنط ثريا او فادي…..
تنهد شاهين بصوت مسموع و هو يبتسم
على هذه المجنونة التي سيموت بسببها
ذات يوم…رفع جسده قليلا ليجلس على
السرير مثلها و هو يشعر و كأن صخرة عملاقة
قد إنزاحت من على صدره لتعود له أنفاسه
من جديد قائلا بتسلية:”طيب و أنا مليش أي حق فيها دي مهما كان بنتي ؟؟؟
نظرت له بحنق قبل أن تنفي برأسها :” لا
ملكش دعوة بيها دي بنتي أنا و بس….
اجابها بمسايرة :”طيب عاوزة تسميها إيه؟؟؟
هزت كتفيها بلامبالاة قبل أن تجيبه :” مش
عارفة… في دماغي أسامي كثيرة بس لسه
مقررتش “.
شاهين بهمهمة :”طيب نامي دلوقتي عشان
بكرة الصبح لازم نروح المستشفى”.
كاميليا بنفي :” لا مش عاوزة انام انا جعانة….
رمش شاهين قليلا بعينيه قبل أن يبعد الغطاء عنه قائلا :” طيب حنزل أجيبلك حاجة تاكليها……
كاميليا بجدية :” لا انا نفسي في بيتزا و إنت اللي
تعملها….
شاهين باستغراب:”حطلبلك دلفري احسن…
كاميليا باصرار:”لا مش عاوزة دلفري… انا عاوزاك
إنت اللي تعملها….
شاهين :”بتتكلمي جد…
كاميليا :” أيوا داه إسمه وحم يعني مش ذنبي
لو طلبت من حضرتك طلبات غريبة كده…..
شاهين و هو يقف من مكانه متمتما بحنق :”ما انا
عارف إنه زفت وحم بس مكنتش عارف إنه كله حيقع على دماغي انا….و على فكرة انا معرفش
اعمل بيتزا….
جذبت كاميليا روبها من فوق الاريكة لترتديها
فوق ملابسها و هي تجيبه :” ما انا عارفة عشان
كده حنزل معاك…. إسبقني إنت بس على
المطبخ و انا حلبس حاجة ثقيلة و ألحقك….
شاهين برجاء أخير :” طيب مينفعش نطلب
دلفري و بكرة اعملك البيتزا اللي إنت عاوزاها…..
تجاهلته كاميليا لتسير نحو غرفة الملابس و هي تمتم في سرها :”و هو إنت لسه شفت حاجة
داه حخليك تقول حقي برقبتي…مش عاوز فرصة
ثانية إشبع بقى… يا انا يا إنت يا شيطان “.
بعد دقائق عديدة كان شاهين يجلس على طاولة
المطبخ و هو يراقب بذهول كاميليا التي كانت تعلمه
طريقة صنع للبيتزا.
قهقه بسعادة للمرة الالف و هو يتعمد وضع المقادير
بطريقة خاطئة حتى يشاكسها و يتمتع برؤية ملامحها اللذيذة الحانقة حامدا الله في سره
عدة مرات على مرور تلك الغيمة السوداء التي
كادت تدمر حياته من جديد.
يقف عمر أمام المرآة لينشف شعره الندي توقف
فجأة عندما لمح جسدها الصغير اللذي كان
يغوص داخل الاغطية لايظهر منها سوي شعرها
الحريري المفرود بنعومة على الوسادة….
رمي المنشفة من يده بلا مبالاة ثم توجه نحوها
ليستلقي بجانبها إقترب منها حد الالتصاق
ليتأمل قليلا ملامح وجهها الفاتنة التي
أسرته في شباكها منذ أول نظرة….
إبتسم بخفة قبل أن يمد يده ليزيح بعض
الخصلات الشاردة التي كانت تغطي وجهها
إنكمشت ملامح وجهها بانزعاج لتتسع
إبتسامته الخبيثة و هو ينزل بأصابعه
الباردة نحو رقبتها و عظمة ترقوتها منحدرا
نحو صدرها…
همهمت بانزعاج ثم تحركت قليلا لتبعد يده
قليلا قبل أن تسكن حركتها من جديد… ليضحك
عمر بخفوت عليها قبل أن يعود للعبث معها
من جديد….
امسكت هبة بالغطاء لتضعه فوق راسها
و هي تمتم بانزعاج :”عمر بطل.. حركات الاطفال
دي عاوزة انام….
جذب عمر الغطاء قليلا عنها ليظهر
ظهرها العاري و ذراعيها مما جعله يبتلع ريقه بصعوبة.. إنحنى ليطبع عدة قبلات خفيفة
على عنقها و طول ظهرها متمتما بصوت
متثاقل :” حبيبتي يلا كفاية نوم بقى…وحشتيني….
همهت دون أن تفتح عينيها ليزفر عمر بغيض متابعا. :” طب انا موحشتكيش…
نفت برأسها ليشهق هو بحركة درامية قبل أن
يقول بلوم :”مممم بقى كده يا بيبة طيب
مفيش لندن و حنبقى هنا في إيطاليا….
قفزت هبة من مكانها وهي تلف الغطاء حولها
بقوة قائلة برجاء:”لالا حرام عليك متعملش
معايا كده إنت عارف إن انا أمنيتي اروح لندن
في الشتاء….
ضحك عمر قليلا قبل أن يجيبها بنبرة
خبيثة :”طيب خليها المرة الجاية عشان إحنا
حنكمل شهر العسل كله هنا قبل ما نرجع مصر”.
رمقته هبة بدهشة قبل أن تمط شفتيها بعبوس
قائلة :” إنت ظالم على فكرة كل داه عشان نمت
ساعتين زيادة…
إستلقى عمر على السرير ثم رفع إصبعه
ليحركه بنفي أمامها و هو يهتف :” أربع ساعات
يا روحي دي الساعة بقت حداشر…
تأففت بصوت عال و هي تضربه بالوسادة
قائلة :”عشان حضرتك حرمتني من النوم طول
الليل…فطبيعي أصحى متأخر “.
شهقت عندما وعت على نفسها لتكتم بقية
شهقتها بوضعها ليدها على فمها متحاشية
النظر إلى عمر الذي إنفجر ضاحكا
على ملامح وجهها الخجولة….
مد ذراعه ليسحبها نحو أحضانه وهو يواصل
ضحكه لتلكمه هبة بخفة على صدره هامسة
بخجل :” بس بقى يا قليل الادب…..
أجابها هو من بين ضحكاته بنبرة لعوبة:” و هو
في أحلى من قلة الأدب يا قلبي…تعالي بس
حقلك حاجة سر.. إنما إيه عسل زيك….
أنهى كلامه وهو يبعدها عنه قليلا مقبلا
شفتيها بنهم قبل أن يسمع إعتراضها عما يفعله….
في كافتيريا الجامعة…..
ترشفت كاميليا كوب المياه بتمهل غير
مهتمة بعيون الجميع التي كانت تتابعها أينما
ذهبت…
منذ أن وطئت قدمها أرضية الجامعة هذا الصباح
و الجميع ينظر لها يراقبها و كأنها كائن فضائي
قادم من كوكب آخر…لوحت بيدها لتراها صديقتها
شيماء التي أتت نحوها بخطوات مترددة و هي تنظر لكاميليا بحذر لتعقد الأخرى حاحبيها بتعجب
قائلة :”مالك بتبصيلي كده يا شيماء…كأنك شايفة
عفريت قدامك يا بت انا كاميليا، كاميليا محمود ….
إقتربت منها شيماء لتسلم عليها و تبارك لها على
الزواج قائلة بتوتر :” ما أنا عارفة بس بصراحة انا كنت فاكرةإنك بعد ما إتجوزتي حتنسيني و مش
حترجعي تتكلمي معايا زي زمان…
ضحكت كاميليا بخفة قبل أن تجيبها :” إنت
غبية يا بنتي…إيه الكلام الفارغ اللي بتقوليه
داه..
إنشغلت شيماء بوضع حقيبته على الكرسي الاخر
قليلا قبل أن تجيبها :” يعني… بقيتي متجوزة
حد زي شاهين الألفي.. فحقك بصراحة تعملي
إللي إنت عاوزاه….
لوت كاميليا ثغرها باستهزاء قائلة :”لا مفيش
عندي الكلام داه.. انا زاي ما انا مفيش حاجة
تغيرت غير الاسم و بس….
تفحصتها شيماء قليلا قبل أن ترفع حاحبيها
كعلامة شك لتجيبها :” إسم إيه اللي تغير يا بنتي
داه إنت كلك على بعضك بقيتي واحدة ثانية
داه لبسك لوحده حكاية ثانية… و إلا الخاتم
الألماس إللي بملايين داه.. إوعدنا يا رب….
أنهت حديثها و هي ترفع يديها نحو الأعلى
لتضحك كاميليا عليها قائلة بمرح :” يا بكاشة
ما إنت لحد دلوقتي متقدملك يجي مية عريس
و كل واحد فيهم احسن من الثاني…إختاري
واحد منهم و بلاش نقك داه…
حركت شيماء رأسها بنفي قبل أن تهتف بلا مبالاة
:” مش قبل ما اخلص دراستي و اشتغل…انا لسه
صغيرة إيه اللي حيجبرني اتجوز و اتحمل مسؤولية
زوج و اولاد…و اصلا بابا مستحيل يوافق داه
بيستنى إمتى أخلص جامعة عشان أساعده
في المكتب…..و متزعليش مني يا كوكي بصراحة
مفيش حد من اللي تقدمولي زي شاهين الالفي
أنا لو كان تقدملي كنت سبت بابا و ماما و الدنيا
كلها..
أكملت حديثها بضحكة صغيرة لتشرد كاميليا
قليلا في كلامها لتتذكر ان والد شيماء يمتلك
شركة صغيرة للدراسات الهندسية
تنهدت و هي تخفي حزنها مقرة في نفسها
كم إن صديقتها محظوظة فهي سوف تحقق
حلمها و لن تضطر للتنازل أو الحياد عن
حلمها بسبب فقرها و عدم قدرتها على دفع
مصاريف دراستها….
إنتبهت لصوت شيماء المرتبك و هي تستأذن منها للذهاب ظنا منها انها قد غضبت من كلامها المازح ….
بعد دقائق قليلة شعرت بالملل لتبتسم بخفة
عندما تذكرت صديقتها هبة و جلوسهما الدائم
في هذا المكان و ثرثرتهما معا لعدة ساعات
دون كلل او ملل.
فتحت هاتفها لتجد عدة إتصالات من شاهين
نفخت الهواء من فمها قبل أن تلملم حاجياتها
مقررة العودة إلى الفيلا..
مشت عدة خطوات مبتعدة عن الكافتيريا
لتمر من جانبها مجموعة من الفتيات… لم تهتم بهن كاميليا في بادئ الأمر لتكمل سيرها قبل أن تضطر
للتوقف عندما سمعت همس إحداهن و هي تقول
لزميلتها :”مش دي كاميليا محمود اللي إتجوزت
الألفي…ا صحيح هو كان إسمه إيه. ممممم ايوا شاهين الألفي ؟؟
لكزتها الأخرى قبل أن تجيبها بهمس مماثل :” وطي
صوتك يا بنتي احسن تسمعنا.. ايو هي دي كاميليا
محمود….
مصمصت الأولي شفتيها قبل أن تضيف بسخرية
:”سبحان مغير الاحوال….دي تغيرت 180 درجة
على الاقل غيرت البنطلون و القميص الطويل
الأزرق بتاعها اللي كانت لازقة فيهم طول
السنة….
أنهت كلامها بضحكة خافتة قبل أن تكمل :” مكذبش
اللي قال الفلوس بتغير..دي بقت شبه الممثلين”.
شاركتها الأخرى الضحك قائلة بصوت ضنته خافت :”
بصراحة هي كانت حلوة بس دلوقتي بقت احلى
بمليون مرة انا لو منها مكنتش فلت واحد ملياردير
زي شاهين الألفي…. داه حلم يا بنتي معجزة و هي محظوظة جدا بصراحة عشان قدرت توصله…
أيدتها الأخرى قائلة :”طبعا يا بنتي داه.. داه
مجموعة بنوك متنقلة….لالا بنوك إيه؟؟ داه
عامل زي مصباح علاء الدين السحري اهي
دي اللي بيسموها جوازة لقطة مال و جمال و كاريزما ااااخ دا انا امنيتي الوحيدة إني اشوفه قدامي بس…..
ضحكت الأخرى قليلا قبل أن تقاطع كلامها :” متنسيش إن الراجل داه كان متجوز و تقريبا عنده اولاد يعني اكيد مش حتقبلي على نفسك تكوني
زوجة ثانية…. انا عن نفسي مستحيل اقبل
بكده حتى لو كان معاه فلوس الدنيا
كلها داه غير فرق السن اللي بينا داه عمره يجي خمسة و ثلاثين سنة أو يمكن اكبر … يعني مش حرمي نفسي في حضن واحد عجوز عشان
الفلوس يااااع دي الفكرة بحد ذاتها مقرفة…..
بس هو عرف يختار كويس البنت حلوة و فقيرة
يعني داه يعتبر إشتراها بفلوسه.. هو يتمتع
بجمالها و شبابها و هي تتمتع بفلوسه و تخرج
نفسها من الفقر اللي كانت عايشة فيه….تقدري
تقولي منفعة متبادلة…
نظرت لها صديقتها و على وجهها علامات الدهشة
لتدفعها لتكملا سيرهما قائلة :”إمشي قدامي بلاش
كذب داه لو شاورلك باصبعه بس حتروحيله
جري….
تأوهت الأخرى بزيف قائلة بصوت عال نسبيا:” طب ما كل الجامعة بتتكلم عليها مش انا لوحدي يعني و بعدين سيادتك تكونيش بقيتي المحامي الخاص بتاعها وانا مش عارفة….
كممت صديقتها فمها و هي تهمس باذنها :” أسكتي
يا مجنونة لسانك داه حيودينا في داهية متنسيش جوزها يبقى مين… داه بإشارة منه حيودينا ورا الشمس……
أكملتا سيرهما دون الالتفات ورائهما و رؤية
ملامح كاميليا التي كانت حرفيا و كأنها إنتقلت
إلى عالم آخر… تحاملت على نفسها لتتابع
سيرها نحو المكان الذي تقف السيارة المخصصة
لنقلها للجامعة….
فتح لها السائق الباب و هو ينحني باحترام
أمامها لتصعد بصعوبة و تجلس على الكرسي
الخلفي….
أغلقت عينيها بقوة عندما أغلق السائق
الباب ورائها لتسمح لدموعها المحبوسة بالانهمار و هي تتذكر حوار الفتاتين و كلامهما الذي مازال
يرن في اذنها…
في المقر الرئيسي لمجموعة الألفي…
مر وقت طويل و شاهين مازال جالس وراء مكتبه
يكمل اعماله المكتبية التي لا تكاد تنتهي…
زفر بملل قبل أن تتوجه عيناه نحو صورتها
الموضوعة امامه لترتسم إبتسامة لا إرادية
فوق شفتيه….
امسك إطار الصورة بين يديه و هو يتراجع
بجسده إلى الخلف… تأمل ملامح وجهها الضاحكة
التي زادتها فتنة و جمالا ليشرد قليلا ويتذكر
ما حدث منذ ساعات قليلة عندما أخذها للمستشفى للاطمئنان عليها على الصغير …
إبتسم بسعادة و هو يرخي ربطة عنقه المزعجة
قليلا قبل أن يعيد الصورة إلى مكانها..ثم
أمسك بهاتفه ليعيد الاتصال بها دون جدوى
:”يمكن عندها محاضرة دلوقتي….و مشفتش التليفون”.
قاطعه رنين هاتف المكتب لتذكره السكرتيرة
بموعد الاجتماع لينشغل مجددا بالعمل و يأجل
التفكير بزوجته الصغيرة إلى حين آخر.
في إيطاليا…
نائمة من جديد على صدره و هو يحتضن جسدها
بحب و يده الأخرى تسير صعودا و نزولا على
كتفها العاري و هو لا ينفك يقبل جبينها و مقدمة
رأسهامن حين إلى آخر مطالعا إياها بنظرات
تفيض عشقا…
همهت هبة بصوت خافت قبل أن تهمس : عمر….
أغلق الاخر عينيه باستمتاع بنبرة صوتها الرقيقة
و هي تناديه باسمه ليجيبها دون أن يفتح عينيه
:”روح و قلب عمر من جوا…
:” إنت بتحبني؟؟؟ سألته
توقف عمر عن مداعبتها ليركز نظره على
وجهها ذو الملامح الناعمة التي يعشقها
قبل أن يهتف بصدق :” أنا عديت المرحلة
دي من سنين.. و كلمة بحبك دي قليلة جدا
إنها توصف مشاعري ليكي… إنت باختصار
بقيتي روحي و قلبي و كل دنيتي و مش
قادر اوصف حياتي من غيرك كانت حتبقى
إزاي….بس للاسف انا لحد دلوقتي مش متأكد من
حبك ليا….
حركت هبة حاحبيها بشك و هي ترفع نظرها نحوه
لتلاحظ إبتسامته المرتسمة على شفتيه
لتمط شفتيها بسخرية قبل أن تجيبه :” طيب
حضرتك عاوز تتأكد إزاي يا عمر بيه؟؟
قرص انفها بخفة قبل أن يتكلم :” ما إنت عارفة؟
شهقت هبة بقوة و قد إتسعت عيناها بتوتر قبل
إن تصرخ في عمر الذي لم يتمالك نفسه طويلا
بعد أن إصابته نوبة هستيرية من الضحك
:”آه يا قليل الادب يا سافل….يعني مفيش
غير الطريقة دي عشان أثبتلك بيها إني
بحبك…طب خلاص مفيش لا حب و لاغيره
بطلت…
أحكمت شد الغطاء على جسدها ثم جلست
على السرير و أمسكت الوسادة لتضربه
بها ليتلقفها عمر و يرميها جانبا هاتفا من بين
ضحكاته :” خلاص يا مجنونة بتعملي إيه؟؟
كل داه عشان قلتلك نستحمى مع بعض؟”.
هبة بحنق و هي تحاول الوقوف لمغادرة السرير
:”و بتقولها مين غير كسوف… داه إيه داه؟؟ إنت
مش طبيعي على فكرة”.
أمسك عمر طرف الغطاء و هو يرمقها بنظرات
متسلية لترفع هبة سبابتها بوجهه قائلة بتهديد :” عمر سيب الغطاء…مش وقت لعب “.
سحب الغطاء قليلا بتهديد و هو يراقبها بتسلية
هازا كتفيه برفض لتصرخ هبة من جديد من
بين أسنانها :” عمر بقلك… سيب… الغطاء”.
عمر بتلاعب:”و إلا؟؟؟؟
هبة ببكاء مزيف معلنة إستسلامها أمامه :” عشان
خاطري سيبه…..
إتسعت إبتسامته الخبيثة ليجذب الغطاء
بقوة اكبر بطريقة لم تتوقعها هبة حتى إنفلت
من بين يديها لتصرخ بقوة و تنحني بسرعة
لتلملم أجزاء الغطاء الأخرى لتخفي ما ظهر
من جسدها و هي تتمتم بكلمات غاضبة :” هزارك
ثقيل على فكرة و انا زعلت بجد.. سيب الزفت
من إيدك عشان حدخل آخذ شاور و اطلع اوظب
شنطتي…أنا حرجع مصر ومش حقعد معاك دقيقة
واحدة بعد كده..
توقف عمر عن ممازحتها ليتجلس في مكانه
متأملا ملامح وجهها الحانقة ليسألها بتردد:” هبة
إنت زعلتي؟؟؟؟
لم تلتفت نحوهه بل تابعت سيرها بتعثر نحو
الحمام لتفتح الباب و تغلقه وراءها بقوة.
مسح عمر وجهه بعنف متمتما :” دي زعلت بجد…
حصالحها إزاي انا دلوقتي؟؟
أمام فيلا الألفي…..
توقفت السيارة الفاخرة لتنزل كاميليا بخطوات
مسرعة متجهة نحو باب الفيلا….
أسقطت حقيبتها و أوراقها من بين يديها على
الأرض ثم واصلت سيرها إلي الداخل دون
إكتراث…
تجاهلت نداء ثريا لها لتصعد الدرج مهرولة
نحو غرفتها لتعود ثريا أدراجها مقررة التحدث
إليها لاحقا.. إعترضتها زينب التي كانت
تحمل الحقيبة و الكتب لتسألها و هي تنظر
إلى الأغراض التي بين يديها :” إيه اللي
في إيدك داه يا زينب؟؟؟؟
أجابتها الأخرى على الفور :” دول بتوع كاميليا
هانم انا لقيتهم مرميين على الأرض… السواق قلي
إنها نزلت من العربية بسرعة و تقريبا وقعوا
من إيديها قدام الفيلا “.
عقدت ثريا حاحبيها بشك و هي تتمتم :” غريبة
.. اكيد في حاجة حصلت معاها نظرت إلى زينب
التي كانت تقف أمامها منتظرة اوامرها حتى تنفذها لتقول لها :”حطي الحاجات دي في الصالون
و روحي على شغلك.. بلاش تزعجيها دلوقتي”.
أومأت لها زينب برأسها قبل أن تغادر تاركة
ثريا تصارع أفكارها…..
في الأعلى…
إرتمت كاميليا على السرير تبكي بقوة
متذكرة بوضوح جميع ما حصل معها
منذ أول يوم وطئت فيه ساقيها هذا المنزل
ظلت تبكي وتشهق لوقت طويل حتى
أخرجت كل المشاعر السلبية التي احاطت بها فجأة
….
شعرت بالغثيان لتدلف الحمام بسرعة و تتقيأ
ما في جوفها حتى شعرت بآلام شديدة
في حنجرتها و معدتها….
تحاملت على نفسها لتخرج ممسكة ببطنها
و تكتم تأوهاتها المتألمة…إلتفتت نحو الباب
الذي فتح فجأة ليطل من ورائه شاهين
بجسده الضخم و عينيه التي كانت ترمقانها
بحدة جعلتها ترتجف بخوف شديد حتى انها
نسيت آلام بطنها المبرحة….
تأمل شاهين ملامح وجهها الباكية ثم
سقط نظره نحو يديها الممسكة بمعدتها
لتلين نظراته و يندفع بسرعة نحوها قائلا :”
بقالي ساعتين بكلمك مش بتردي على التلفون
ليه…. كنتي بتبكي صح تعالي….
أنهى كلامه و هو يساعدها على الجلوس على حافة
السرير و هو مازال يتفحصها….
ابعدت كاميليا يديه عنها و هي تجيبه بصوت ضعيف :” أنا كويسة مفيش حاجة….صدرت منها
آه خافته لتقوس ظهرها قليلا و هي تتنفس بقوة
جعلت من شاهين يصرخ بلهفة :” كاميليا مش وقت
جنان دلوقتي مالك….حاسة بإيه و ليه بتعيطي….
دفعت يده التي كانت تمسك بكتفيها قائلة:”قلتلك
مفيش حاجة….لو سمحت عاوزة أقعد لوحدي شوية
تأفف شاهين على عنادها الغير مبرر لينحني فجاة
نحوها و يشدها من ذراعيها ليوقفها من مكانها
و تصبح واقفة أمامه….
أمسكها بيد واحدة
و بيده الأخرى رفع ذقنها ليصبح وجهها
مقابلا لوجهه طالعها بنظرات حادة لتنكمش
كاميليا على نفسها…
لانت ملامحه عندما شعر بخوفها و ألمها
الذي كان يظهر جليا على تفاصيل وجهها
الشاحب ليحدثها بصوت مهتم :”مالك….في حاجة
واجعاكي؟؟
أومأت له بإيجاب و هي تتحاشى النظر إليه
قبل أن تتحدث بنبرة باكية :” كلهم بيتكلموا عني في الجامعة…بيقولوا عني كلام وحش اوي…..
اعاد شاهين سؤالها مرة أخرى :”في حاجة واجعاكي؟؟؟
أومأت له بإيجاب مجددا قبل أن تهمس:” بطني
كانت واجعاني شوية بس خفت..
قاطعها :” حطلبلك الدكتورة و إلا أقلك يلا
بينا حنروح المستشفى عشان نطمن أكثر….
كاميليا بنفي :” أنا شوية و حبقى كويسة مفيش داعي للدكتور ما إحنا رحنا الصبح و إطمنا على البيبي….
شاهين بصرامة:” بطلي عند بقى وشك تعبان اوي
و إنت مش قادرة تقفي على حيلك و لسة بتكابري
مش حنخسر حاجة لو رحنا المستشفى….
قاطعته بصراخ :”إنت ليه بتخوفني منك انا
معتش قادرة أستحملك أكثر من كده قلتلك مش عاوزة اروح هو بالعافيه؟؟
زفر شاهين الهواء عدة مرات قبل أن يتمتم
بدون صوت :” أستغفر الله العظيم صبرني يا رب…
جلس إلى جانبها ثم جذبها نحوه ليحتضنها
بقوة رغم ممانعتها وهو يهمس في أذنها بعبارات
الأسف والعشق لتبدأ كاميليا في الهدوء تدريجيا
قبل رأسها عدة قبلات خفيفة قبل أن يسألها :” إحكيلي إيه اللي حصل معاكي بالتفصيل؟؟؟
مدت كاميليا كفها لتمسح دموعها قبل أن تستأنف
حديثها بمرارة:” كلهم كانوا بيبصولوا بغرابة الطلبة و
حتى الدكاترة كمان …. البنات اللي كنت بتكلم
معاهم زمان مي و سهيلة دي حتى شيماء دي كانت
أكثر واحدة بقعد معاها رغم إن ابوها غني و عنده
شركة صغيرة بس هي متواضعة و دايما بتتكلم
معانا انا وهبة النهاردة كانت خايفة تقعد معايا
و مجاتش تسلم عليا إلا لما ناديتها قعدت معايا
عشر دقائق وهربت.. كلهم خايفين مني
عشان تجوزتك…. انا كنت طالعة من الكافيتيريا
بس سمعت بنتين بيتكلموا عني قالوا إني
تجوزتك عشان طمعانة في فلوسك وعشان أخرج
عيليتي من الفقر و إنت قبلت تتجوزيني عشان
أنا حلوة بس حييجي يوم وتزهق مني …و
تطلقني…
شعرت بتصلب جسده و يديه التي بدأت بالضغط اكثر حول جسدها و صوت انفاسه الذي أصبح
مسموعا لشدة غضبه لتتوقف عن الحديث
قليلا وترفع عينيها نحوهه ليبتسم شاهين لها
رغم غضبه الحارق الذي يشعر به بداخله
أبعدها عنه قليلا ليحاوط وجهها بيديه
و هو يمرر إبهاميه على خديها المحمرين
قائلا بجدية :”عينيكي الحلوة دي مش
عاوزها تبكي بسبب حد طول ما انا عايش
بكرة حروح معاكي بنفسي للجامعة و خلي
حد يتجرأ يبصلك بصة مش مضبوطة و حياتك
عندي لكون دافنه مطرحه و البنات دي انا
حتصرف معاهم حخيليهم ييجوا لعندك و يعتذرولك
و يبوسوا رجليكي كمان… إنت بس متفكريش
في حاجة غيري و خلي الباقي عليا…
إتسعت عينياها برعب من تهديده لتنفي برأسها
قائلةباندفاع :”لالالا انا مش عايزة حاجة انا اصلا
مبقتش عاوزة اروح الكلية وهبة مش معايا… حبقى
اروح لما هي تيجي…انا. انا كويسة صدقني
بس تعبانة شوية و داه شيئ طبيعي في حالتي….
همهم شاهين باستمتاع على كلامها قبل أن
يهتف بتعمد :” مالها حالتك…تقصدي إيه؟؟
إبتلعت ريقها بصعوبة و هي تجيبه بتردد:” عشان.. الحمل و كده…
تحدثت بصوت خافت و هي تنظر للأسفل
ليقهقه هو بصخب وهو يداعب ارنبة انفها
قبل أن يتحدث بصعوبة :”و مالك….بتقوليها
بتردد كده…
توقف عالضحك قبل أن يضمها فجأة إليه بقوة
متنهدا بصوت مسموع ليتحسس جسدها بين
يديه بخوف من فقدانها خاصة بعد ما حدث
معه تلك الليلة الكئيبة و ردة فعلها بعد
إكتشافها لخبر حملها…
أغمض عينيه ليتكلم بصوت دافئ
حنون :” من أحلى الحاجات اللي حصلتلي في
حياتي… ولادة فادي و جوازي منك و البيبي
الجديد اللي جاي في السكة…مهما قلت
و تكلمت مش حقدر أوصفلك
فرحتي مش قادر اتخيل حياتي من غيرك
عاوزك معايا في كل لحظة و كل دقيقة…كل
حاجة في حياتي بقى ليها معنى و روح
انا بيكي ببقى إنسان ثاني لدرجة إني رافض
أسيبك و انا عارف و متأكد إنك بتكرهيني
و مش عاوزاني بس أنا قريب جدا
حخليكي تغيري رأيك و حتبقي تحبيني و
تعشقيني كمان….وعلى فكرة و انا في المكتب
النهاردة فكرت في كذا حاجة لازم نعملهم
مع بعض و أول حاجة شهر عسل طويل جدا “.
بسطت كاميليا يديها على صدره قبل أن
تتكلم بنبرة متسائلة :” شهر عسل؟؟؟؟
شاهين بابتسامة :”طبعا و مش حنرجع قبل
شهرين ثلاثة…. حخليكي تلفي العالم كله”.
كاميليا بهمهمة :”طب و فادي…
شاهين بمزاح :” ماهو حيبقى مع ماما و كمان
حخلي عمر ييجي كفاية عليه اسبوع….
كاميليا :” أنا مش عاوزة أسافر.. خلينا هنا
انا حبقى مبسوطة اكثر انا أصلا مش بحب
السفر و البعد…. بالعكس انا برتاح لما اكون
مع الناس اللي بحبهم و كمان فادي و طنط ثريا
حيزعلوا لو إحنا سبناهم لوحدهم…. هما
ملهمش غيرك و انا مش عاوزة ابعدك عنهم
و لو يوم واحد ….
طبع قبلة عميقة على فروة رأسها قبل أن يجيبها بفخر :”حاضر يا قلبي حعمل كل اللي إنت
عاوزاه…و انا إن شاء الله حعوضك عن شهر
العسل عشان من حقك…. يلا دلوقتي قومي
عشان تغسلي وشك و تغيري هدومك و
انا حخلي زينب تحضرلنا الغدا المتأخر
داه اصلي حموت من الجوع و مش بعيد
آكلك دلوقتي….
خرجت هبة من الحمام تنشف شعرها
بمنشفة بيضاء صغيرة متجاهلة نظرات
عمر المتفحصة لها…. رمت المنشفة على الأرض
بإهمال قبل أن تتجه نحو ركن الغرفة
لتحضر إحدى الحقائب و تضعها على السرير.
فتحتها ثم بدأت بوضع ملابسها فيها دون تنظيم
جعد عمر حاجبيه بعدم رضا قبل أن يقول
بسخرية مخفية :”بتعملي إيه… يا بيبة”.
أجابته دون أن تتوقف عما تفعله :” زي ما إنت
شايف بلم شنطتي عشان راجعة مصر”.
ضحكة صغيرة فلتت من شفتيه قبل
ان يقف من مكانه و يسير مقتربا منها
ليغلق الحقيبة و يرميها جانبا لتصرخ هبة :”
سيب الشنطة و ملكش دعوة بيا انا مش
حقعد هنا دقيقة واحدة و إنت مش
حتجبرني”.
هز عمر يديه باستسلام قبل أن يقول :” طيب
ممكن أفهم السبب و انا أوعدك إني مش
حمنعك عن حاجة”.
نظرت نحوه بغضب قبل أن تجيبه :” مزاجي
كده…. عاوزة أرجع مصر مين غير سبب….
شهقت بقوة عندما شعرت بنفسها
مكبلة بين ذراعي عمر الذي حاصرها
بينه و بين الخزانة….تلوت بعنف محاولة
التخلص منه لكنها لم تستطع لتهتف بحنق
:”إنت تجننت بتعمل إيه؟؟ سيبني”.
قيد عمر يديها بيد واحدة بينما إمتدت يده
الأخرى لتداعب خصلات شعرها الندية
التي غطت وجهها بسبب حركتها العنيفة
قائلا ببرود :” كل الدراما دي عشان شوية
هزار…. انا لو كنت عارف إنك حتتضايقي
كده مكنتش هزرت معاكي و لو إني متأكد
إن مش داه سبب زعلك…
وجهت هبة رأسها للجهة الأخرى ليرفع
عمر اصابعه عنها قليلا قبل ان يمسك
بذقنها و يعيد وجهها نحوه قائلا :” إتكلمي و
قوليلي مالك بقالك ساعة و إنت بتقولي
كلام غريب مش لايق على عروسة في
شهر عسلها…
تنحنحت هبة قليلا قبل أن تجيبه بصوت هادئ :” ماما وحشتني اوي…حاسة إن في حاجة
ناقصاني و منغصة عليا فرحتي…. مش قادرة
أفرح و عيلتي زعلانة مني..
توقفت عن الحديث بسبب إختناقها ببكائها
و دموعها التي بدأت تنهمر على خديها
ليحرر عمر يدها و يجذبها نحوه و يضمها
برفق محاولا تهدئتها قائلا :” بلاش تبكي
عشان خاطري مش بستحمل أشوفك
كده….اوعدك اول ما نرجع حاخذك عندهم
و نصالحهم…
هبة من بين بكائها :” بابا مش حيسامحني
داه بقى بيكرهني اوي و مانع ماما إنها
تكلمني…. انا عاوزة ماما ارجوك يا عمر….دي
واحشاني اوي….
عمر بحنان و هو يسير بها نحو السرير :” حاضر
يا قلبي.. حاضر إهدي و كل حاجة حتتصلح
بإذن الله…
في مشفى البحيري……
إبتسم أيهم بخبث و هو يطالع الأوراق
أمامه متمتما بوعيد :” تستاهل…انا حخليها
عبرة للجميع بقى واحدة زي دي
تتحداني انا …
شرد قليلا و هو يتذكر مظهر هند المثير
للشفقة أمام جميع العاملين بالمستشفى
هز الاخر حاجبيه بعدم إعجاب وهو يمسح
يديه بالمنديل قبل أن يضعه على
الطاولة قائلا :” خلصتي شغلك بالنهار بس
لسه شغلك بالليل…..
اجابته و هي تكرمش وجهها بتقزز:”نعم.. قصدك
إيه ؟؟؟
إستند على ظهر الكرسي :”اللي فهمتيه
يا لولو….ثالث أوضة على إيدك اليمين دي
اوضتي حتلاقي فيها هدوم نص ساعة و
حجيلك”.
نهض بهدوء مغادرا المطبخ لتبقى ليليان
مكانها وهي تغلي بداخلها من شدة الغضب
لتمتم. هي تنهض بدورها :” لا داه إتجنن
رسمي…. انا لازم اتصرف لازم الاقي حل
صعدت نحو الغرفة لتفتح الخزانة لتتفاجئ
بملابس نسائية اقل ما يقال عنها أنها
لا تخفي شيئا…تاففت بداخلها و هي تغمض
عينيها من شدة القهر الذي تشعر به…
تفرست التصاميم الغريبة بتقزز علها
تجد ما يصلح للارتداء من بينها… هذا قصير
هذا عاري.. هذا شفاف.. زفرت بملل قبل
إن تتجه للجهة الأخرى من الخزانة لتخرج
منها احد قمصان أيهم الطويلة
قائلة:”فاكرني بنت شوارع من اللي بيقابلهم
دلفت الحمام لتنعم بشاور دافئ يريح
جسدها المتعب من الجهد الذي بذلته
طوال النهار…
خرجت بعد مدة و هي تنشف شعرها
البني الطويل لتتفاجئ بأيهم يجلس
على طرف السرير…. اطلق صفيرا
يعبر عن إعجابه و هو يتفحص جسدها
بطريقة وقحة تجاهلته ليليان متجهة
نحو التسريحة لتأخذ المشط و تبدأ
في تسريح شعرها وهي تمنع نفسها من
شتمه بكل شتائم العالم التي تعلمها….
شعرت به ورائها لتنكمش على نفسها
تشعر بالتقزز الشديد من قربه و من لمسه
لها…حاوط خصرها بذراعه ليجذبها نحوه
ليشتم رائحة شعرها بعمق ثم يدفن وجهه
في تجويف عنقها ليقبله قبلات رقيقة
ناعمة قبل أن يهمس :”زي القمر و إنت
لابسة هدومي…حتكوني ليا الليلة دي…
ملكي ليا لوحدي، ليليان بتاعتي انا وبس و
مش حسمح لأي حد ياخذك مني ……
ظل يهمس في أذنها بنبرة تملكية مخيفة
و قبضته تزداد رويدا رويدا عليها
لتتأوه ليليان بألم وتحاول دفعه عنها
ليزمجر أيهم بغضب و يديرها نحوهه
بملامح متجهمة تنذر الخطر….
وقع قلبها بين يديها عندما إصطدمت
بعينيه الجائعتين….
تراجعت للوراء حتى إصطدمت بالحائط
ورائها لترفع يديها تشد بها مقدمة القميص
ليبتسم لها أيهم باستهزاء ثم يخفض بصره
نحو ساقيها العاريتين ثم شعرها الندي الذي
تساقطت بعض القطرات منه لتبلل الأرضية
تقدم نحوها و قد بدأت عروق رقبته و ذراعيه
بالبروز و بياض عينيه تحولت للإحمرار من
شدة الغضب… نفس الرفض، نفس نظرتها
المتقززة و النافرة منه…
حرك رقبته يمينا و يسارا لتصدر صوت
تمدد عضلاته قبل أن يهتف بصوت
هادئ يخفي ورائه بركانا ثائرا:”تعالي بمزاجك
أحسن…. عشان في طرق ثانية كثير و انا
مش عاوز أجربها معاكي……
رمقته بنظرات ضعف و رجاء قبل أن تتحدث
بنبرة متحشرجة :” أرجوك يا أيهم عشان
خاطري تعبانة خليها لبكرة “.
توقف أمامها ليهمس أمام شفتيها و هو
يجذب يدها التي كانت تضعها على مقدمة
القميص :”تؤ…. عاوزك دلوقتي….
جذبها نحو السرير لتسير ليليان بخطوات
متعثرة و هي تنظر للفراش برعب كنظرات
مسجون لكرسي إعدامه…شهقت بصوت عال
قبل أن تنفجر بالبكاء…ضعف، عجز، قلة حيلة
هذا ماشعرت به ليليان و هي تراقب
ايهم الذي كان يفتح ازرار قميصه باستمتاع
لا تستطيع مقاومته حتى لا يؤذي جنينها
و تشعر بالتقزز بمجرد وقوفه أمامها فقط
فكيف و هو ينوي…..
رمى قميصه جانبا ليظهر صدره العاري ثم
أجلسها على ساقيه و أمسك بيدها
ليضعها فوق وشمه قائلا بصوت جاف
قاس غير مهتم بدموعها التي اغرقت
وجهها و لا بجسدها الذي يرتعش
بين يديه كورقة في مهب الريح :”شوفي
إسمك لسه في مكانه…ليليان أيهم البحيري….
نطق إسمها بتلذذ و هو يميلها بخفة لتمدد
فوق السرير و يعتليها ليحتضن جسدها
بين ذراعيه….
جالت يديه لتتلمس جسدها بأريحية و يبدأ
في فتح ازرار قميصها الذي كانت ترتديه
قبل أن يبدأ في تقبيلها بجنون…شفتيها
وجنتيها…. رقبتها.. كل ما تصل إليه شفتيه.
مرر شفتيه على بشرة عنقها البيضاء
الرقيقة لترفع ليليان يدها نحو فمها لتعض
جلدها لتتحمل قربه منها…
توقف أيهم عما يفعله عندما لاحظ سكون
حركتها ليرفع نفسه بذراعيه لينظر نحوها
هاله مظهرها الذي قتل آخر ذرة تعقل بداخله
مسح وجهه بغضب و هو يحاول التحكم في
أنفاسه اللاهثة بسبب فرط مشاعره ليصرخ
فيها بصوت عال:” مش حسيبك يا ليليان
مش حسيبك حتى لو متي قدامي…. إنت
فاهمة و دلوقتي إطلعي برا… برا مش… عاوزك ،قرفان منك….
أسندت ليليان نفسها بصعوبة و هي تلملم
شتات نفسها قبل أن تغادر الغرفة و هي
تحمد الله بداخلها على نجاتها هذه المرة….
ثار أيهم كأسد مقهور ليبدأ في تكسير
كل ما تطاله يديه من أثاث الغرفة و قد
إنحفرت صورتها في تلك الهيئة داخل عقله.
أدمعت عيناها من شدة الخجل و هي
ترفض إبعاد وجهها عن أحضانه ليقهقه
شاهين بشدة عليها بعد أن فشل في
إبعادها و لو قليلا….
ليهتف من بين ضحكاته قائلا :”خلاص
بقى إنت مكسوفة ليه…. طب يا ستي انا
حسحب كلامي….بس بردو دي تعتبر أول
ليلة جوازنا…ممم شفتي قربنا ننسى
البيبي اللي جوا….. حبيب بابي…
قبل رأسها في آخر كلامه قبل أن يضيف
بنبرة جدية بعد أن يئس من مشاركتها
في حديثه المازح :” على فكرة انا كنت عاوز
اكلمك على موضوع مهم يخص نور….
رفعت كاميليا رأسها عندما سمعت
إسم أختها لتضيق ما بين حاحبيها
منتظرة بقية حديثه….
إستغل شاهين الفرصة ليخطف قبلة
سريعة من شفتيها اللتين إنتفختا
بإغراء قبل أن يقول :” فاكرة محمد
البحيري الشاب اللي قعد معانا على
الطاولة في فرح عمر…
أومأت له كاميليا بإيجاب…. ليستند
شاهين على ذراعه ليصبح مقابلا لها
يلاعب خصلات شعرها المبعثرة ليكمل
حديثه و عينيه تلمعان بفرح :” كلمني
إمبارح الصبح و قلي إنه معجب بنور
و عاوز يتقدملها رسمي اول ما تخلص ثانوية
عامة..و قبل ما تسألي على اي حاجة
الشاب كويس جدا و محترم و عنده شغل
خاصو من عيلة كبيرة و غنية جدا و عنده
شقة في نفس العمارة اللي ساكنه فيها عيلتك
و هو شافها هناك كذا مرة…..
اجابته و ملامحها مازالت تحت تأثير الصدمة
:”بس معتقدش إن نور حتقبل دي مخصصة
كل وقتها للدراسة و بس دي عاوزة تبقى دكتورة”.
تنهد شاهين و هو يتابع ملامحها الفاتنة
قبل أن يقول بلامبالاة:”يعني اقله يشيل
الموضوع من دماغه؟؟
كاميليا برفض:” لا طبعا دي حاجة تخص
نور لوحدها انا حقلها و هي حرة…”.
شاهين بخبث و هو يميل عليها :”طب
خلينا دلوقتي فينا إحنا.. انا لسه في
كلام كثير عاوز اقولهولك “.
👇👇👇👇👇👇👇👇👇👇👇👇
الفصل الرابع و الثلاثون(الاخير)
مر أسبوع على أبطالنا…..
عمر رجع غصب عنه من شهر العسل بعد
ما قعد شاهين يزن عليه و يزعجه عشان
يلغي رحلته و يرجع يكمل أجازته في مصر.
شاهين بقى بيعيش أجمل أيام حياته
بعد ما إكتشف عشقه لكاميليا اللي بقى
بيعاملها و كأنها ملكة و كل طلباتها
بقى بينفذها مين غير إعتراض… كل داه
عشان يعوضها على معاملته القاسية
اول ما عرفها…
عيلة أيهم كلهم بيدوروا على ليليان
بعد ما إختفت فجاة بس بعد ما رحمة
الشغالة قالتلهم إن أيهم طلبها من تليفونها
و خلاها تطلع عشان تقابله راحوا عند أيهم
اللي رفض يقلهم على مكانها بحجة إنها
مراته و إن هما خلاص رجعوا لبعض و مش
لازم حد يتدخل بينهم….
كاريمان طردت أيهم من الفيلا بعد خناقة كبيرة
حصلت بينهم.
ليليان بقت عايشة زي الخدامة بتشتغل كل
شغل الفيلا عشان تتجنب غضب أيهم اللي
مش بيسيب فرصة عشان يذلها و يهينها…
و رغم التعب و الألم اللي كانت بتحس
بيه إلا إنها كانت بتتحامل على نفسها و مش
بتبينله حاجة عشان ميشكش في حملها.
في احدي الليالي…..
كانت ليليان كعادتها تحضر طعام العشاء
منتظرة عودة أيهم الذي لم يتأخر وعاد
لكن هذه المرة بصحبة فتاة.
أطلت من باب المطبخ عندما سمعت
ضجيجهما لينظر لها بنظرات لم
تفهمها قبل أن يشير للفتاة لتصعد
إلى الأعلى نحو الغرفة و يتقدم بخطواته
نحو ليليان….
تفرس ملامحها الجميلة رغم ذبولها ثم مد يديه
نحو خصلات شعرها التي تمردت من تحت حجابها
ليقول بجمود:”مش إنت قرفانة من لمستي و رافضة
قربي ليكي.. أهو قلت أريحك و أشوف في حتة
ثانية ما أنا أكيد مش حبقى أستنى
حضرتك عشان ترضي عني…إلتفت ليهم بالسير
لكنه عاد و هو يقطب جبينه وكأنه تذكر شيئا
ما ليستأنف حديثه من جديد :” مفيش
داعي تحضري العشاء…بس لو نانا جاعت
حبقى أندهلك…مممم اقصد البنت اللي
فوق….
سار مبتعدا عنها نحو وجهته وهو يخفي
ببراعة ملامح التوتر و القلق التي كانت
تعتريه كلما رآها هذه الأيام فهو لم يخفى
عنه ذبولها و إنهاكها و نظرتها المنكسرة
التي كانت تحاول إخفاءها عنه كلما تواجها
كذلك نحول جسدها و ضعفها خاصة
في الأسبوع الاخير….صمتها و قبولها
لكل كلامه القاسي و المهين دون رد منها
و هذا ليس من عادتها فهم كما يعلمها
لسانها سليط و شخصيتها قوية و دائما
ما كانت تجادله و ترد إهاناته بكل قوة
و جرأة…
لا تبدو بخير و هذا ما كان متأكد منه
و لكن ليس لديه دليل على ذلك….
بقى يفكر و هو يصعد درجات السلم
المؤدي نحو الطابق الثاني…. فتح الغرفة
ليجد تلك الفتاة المدعوة نانا قد غيرت ملابسها
و إرتدت ثيابا مغرية تظهر جميع مفاتها دون
حياء او خجل….
إقتربت منه حالما لمحته يدلف إلى
داخل الغرفة لتضع يدها على صدره بدلال
و تنظر نحو بنظرات مغرية محاولة
إثارة شهوته….
بادلها أيهم نظرات مشمئزة و كأنه
ينظر نحو شيئ مقزز ليدفع يدها عنه
مبعدا إياها و هو يقول بحدة:”بقلك
إيه مين غير لف و دوران… انا جايبك
هنا عشان تقعدي ساعتين بهدوء
و بعدها تغوري…. يعني القرف اللي
إنت متعودة عليه إنسيه و انا لو عزت
اعمل حاجة فأكيد مش مع واحدة زيك
جايبها من كباريه…
مصمصت نانا شفتيها بعدم رضا ثم تراجعت
إلى الخلف بطاعة دون أن تنبس بكلمة
خوفا منه…..
بينما دلف أيهم إلى الحمام لينعم
بشاور هادئ و يغير ملابسه.
في الأسفل… جرت ليليان قدميها لتجلس
على أقرب كرسي قابلها و هي تضع يدها
على بطنها لتمسد عليها برفق محاولة
تحمل الألم الذي تشعر به…..
نزلت دموعها بحرقة على وجنتيها
و هي تشعر بانقطاع آخر خيط أمل
بينها و بين من يدعو نفسه بزوجها…..
صفعة قاسية تلقتها للتو أقسى
من أي شيئ مضى من أفعاله المشينة
في حقها… صفعة من شدة قساوتها
جعلت آخر ذرة من صبرها المزيف
تنفذ…لقد أثبت لها بفعلته هذه صدق كلامه
لن يعتبرها أبدا كزوجة.. ليست سوى مجرد
خادمة لديه و لن ترتقي ابدا لمستواه رغم
حملهما لنفس الإسم و الدم و العائلة….
أخذت انفاسا عميقة و هي تكفكف
عبراتها التي كانت تأبى الإنقطاع
لتصمم في داخلها على إنقاذ
ما تبقى من كرامتها مهما كلفها الأمر…..
تمتمت بداخلها بحقد قبل أن تستقيم
من كرسيها :”أقسم بالله لخليك تندم
بقية حياتك على اللي بتعمله فيا…
دلفت كاميليا غرفة النوم بخطى غاضبة
و هي لا تستجيب لنداءات شاهين
المتكررة والتي يأمرها فيها بالتوقف…
جذبها من ذراعها برفق ليوقفها عن السير
ثم أدارها نحوه لتصطدم بصدره العريض
ليبتسم شاهين رغم غضبه منها و شجاره
معها منذ قليل…
وضعت يديها على صدره لتدفعه لكنه
أبى التحرك من مكانه و لو إنشا واحدا
لمحت إبتسامته لتلوي شفتيها بحنق
قائلة :”على فكرة مفيش حاجة بتضحك…..
إستجمع شاهين شتات نفسه و هو يحاول
رسم ملامح الجدية على ملامحه ليهتف
بصوت جاد :” عارف بس انا بقالي
ساعين و انا بسألك نفس السؤال و إنت
اللي عمالة بتلفي تدوري و مش عاوزة
تجاوبيني…. كاميليا لعاشر مرة بسألك
الخاتم بتاعك فين؟؟ و إزاي تسمحي
لنفسك تقلعيه من إيدك؟؟انا منبه عليكي
قبل كده و حذرتك إنك لو شلتيه حعاقبك…..
هزت كاميليا حاجبيها بعدم رضا قبل أن
تجيبه و هي تداعب أزرار قميصه باصابعها
:”وحتعاقبني إزاي بقى المرة دي؟؟ حتجبرني
اقعد في البلكونة برا للبرد و إلا.. حتخليني
أقعد تحت رجليك و اقلعك جزمتك….. مممم
لا حتغتصبني طول الليل زي ما كنت…
صرخ شاهين مقاطعا كلامها :” كاميليا…. مفيش
داعي للكلام داه إنت عارفة إني مستحيل
أذيكي….
رفع ذقنها باصبعه ليطبع قبلة رقيقة
بجانب شفتيها الطريتين قبل أن يبتعد
عنها لينظر لداخل عينيها الزرقاوتين
اللتين كانتا تلمعان بسبب دموعها
المنحسرة داخلهما…..
تحدث بصوت هادئ حنون هذه المرة :”حبيبي
مش إحنا إتفقنا ننسى اللي فات…. و نبتدي
صفحة جديدة انا كنت بقصد عقاب
من نوع ثاني…و مش بعيد يعجبك… بس
إنت لازم تجاوبيني الأول… إنت ليه قلعتي
خاتم جوازنا إنت مش عارفة داه معناته
إيه بالنسبالي… انا كل ماشوف دبلتي في إيدك
بكون بعلن للعالم كله إن إنت ملكي انا…. حبيبتي
أنا حياتي انا روحي و قلبي أنا.
كاميليا بعدم تركيز وهي تشعر بأن
الأرض قد بدأت تدور حولها :”ها…انا…. انا….
سيطر على رغبته العارمة في الضحك
ليسألها مرة أخرى بتأكيد :” فين الخاتم؟ لو
مش عاوزاه قوليلي و انا حجيبلك غيره
المهم إنه يفضل في إيدك….
إستأنف حديثه مرة أخرى عندما رآها
تحرك رأسها بنفي :”أمال ليه عملتي كده؟؟
إقتربت منه أكثر لتخفي نفسها بداخل
أحضانه وهي تتمتم بصوت منخفض
غير مفهوم :”عشان بقت ضيقة عليا….
حاول إبعادها لكنها إلتصقت به
أكثر ليهتف هو بصوت عال :”مش سامع
حاجة عيدي ثاني”.
كاميليا بسرعة :”عشان بقت ضيقة على
صباعي…فقلعتها و خبيتها في الدولاب…..
شد شاهين أنفه باصبعيه ليمنع نفسه
من الضحك و يقول بصوت جاهد لأن
يكون عاديا :” طيب مقلتيليش ليه؟؟
عاجبك خناقتنا تحت قدام ماما و فادي. ”
كاميليا بصوت منخفض :”مكنتش عايزة
أضايقك بموضوع زي داه…
شاهين بخبث:” بس انا مستغرب إزاي
بقى ضيق عليكي بعد ما كان مقاسك
بالضبط”.
هزت كاميليا كتفيها دون أن تجيبه ليهمهم
شاهين مدعيا التفكير بصوت عال :”مش يمكن
عشان وزنك زاد شوية من…..
صرخت كاميليا و هي تدفعه بكل قوتها
ليتراجع شاهين قليلا :” قصدك وزني زاد عشان بقيت باكل كثير مش كده … كمل إنت
وقفت ليه؟؟؟
مد شاهين يديه ليجذبها إليه من جديد
لتبتعد عنه رامقة إياه بتحذير من
أن يقربها ليزفر شاهين بنفاذ صبر من جنونها
الذي زاد منذ إكتشاف حملها :” حبيبي و الله
مكانش قصدي كده… انا اقصد إنك حامل
و طبيعي إن وزنك حيزيد… بالرغم من
إنه مش باين عليكي عشان كده أنا كنت
مستغرب…… حبيبي إستهدي بالله كده دي
حاجة عادية و إنت مش اول و لا آخر
ست وزنها بيزيد بسبب الحمل و إنشاء الله
بعد الولادة حترجعي زي ما كنتي…و لو
على الدبلة فبكرة حجيبلك كتالوج كامل
و إنت إختاري براحتك كل اللي عاوزاه..
بلاش تزعلي نفسك عشان البيبي حيزعل..داه طفل
صغير ملوش ذنب يهون عليكي يتأذي….
ضيقت كاميليا عينيها قليلا بتفكير و كأنها
تقلب كلامه بداخل عقلها قبل أن
تومئ له بإيجاب ليتقدم نحوها شاهين و
يحتضنها ويقبل رأسها عدة مرات مستشعرا
دفئ جسدها الذي إنتقل مباشرة لجسده
ليبث بداخله راحة غريبة…قبل أن يتذكر
حكاية الخاتم ليبتسم بإتساع و يمنع بصعوبة
ضحكه أمام حتى لا تقيم الدنيا و تقعدها
هذه المجنونة التي بين يديه….
تنهدت كاميليا بصوت مسموع قبل أن
تتحدث بصوت هادئ :” متكتمش ضحكتك
أكثر من كده… بس ارجوك بلاش تحكي
لطنط و فادي.. داه حيستلمني و مش حيبطل
تريقة عليا… داه بقى شرير اوي وعامل نفسه
الأخ الكبير….
أجابها بعد أن ضحك ضحكة خفيفة:” مش حقول لحد..
و كمان مش عاوزك تكوني حساسة تجاه
الموضوع داه عشان دي حاجة طبيعية
يا قلبي و بعدين محدش له دعوة بينا
إنت عاجباني كده بطبوطة……
أبعدت رأسها قليلا لتلتقي اعينها الزرقاء
بخاصته الخضراء في تواصل بصري
لعدة ثوان قبل أن تستدرك كاميليا قائلة
بهمس :”يعني حتفضل تحبني حتى
لو بقيت شبه الفيل….
شاهين بابتسامة :” حتفضلي في نظري
زي القمر مهما تغيرني عشان إنت شايلة
جواكي حتة مني…و منك بتكبر كل يوم
و بيكبر معاها حبي و عشقي ليكي… انا
أصلا دايما بفكر هو انا ححبك أكثر من
كده إزاي؟؟
كاميليا و هي تمسد بيديها أعلى صدره :” مممم
طيب انا كنت عاوزة أطلب طلب…
شاهين بمقاطعة:” اطلبي اي حاجة
غير إنك تباتي عند أهلك… إحنا تكلمنا
في الموضوع داه و إتفقنا…
كاميليا بنفي :”لالا أنا مش بتكلم على
الموضوع داه… انا اصلي نفسي في حاجة
بس مش عارفة أفسرلك.. أصلي بسبب الحمل
بقيت عاوزة أعمل حاجات غريبة غصب
عني ما إنت عارف الوحم يعني مش بإيدي….
مش أنا اللي عاوزة يعني داه البيبي هو….
شاهين :” كوكي حبيبيتي تعالي نقعد
الأول و بعدين إحكيلي بهدوء… إنت
عاوزة إيه المرة دي عشان أنا عارف و متأكد
إنك حتفاجئيني زي كل مرة…
أجلسها برفق على الكنبة ثم جلس
بجانبها محتفضا بيديها داخل يديه
و يمسد عليهما بحنان و هو يرمقها
بنظرات يحثها على أن تتكلم بعد أن
لاحظ تلعثمها و تأتأتها و هي تتكلم ضانا
أنها لازالت تخاف التكلم بحرية معه…..
أعادت كاميليا خصلات شعرها وراء
اذنها قبل أن تهمس في اذنه فجأة بعدة
كلمات جعلت شاهين يتصنم مكانه
بصدمة…..
وقف من مكانه و هو يصرخ :”نعم…
سمعيني ثاني كده عشان الظاهر إني سمعت غلط….
إنكمشت على نفسها بخوف و حرج
لتهمس :” داه وحم انا مليش دعوة…
شاهين و هو يضرب كفيه بغيظ :”يعني
كل مرة سيادتك بتتوحمي على حاجة
أغرب من اللي قبلها و تقولي مليش
دعوة…يعني الوحم مجاش غير على
السجاير يا كاميليا… عاوزة تشربي
سجاير…. و إيه كمان طب مش عاوزة
شمبانيا و إلا…. لا إلاه إلا الله…داه
إنت حرمتيها عليا جوا الفيلا عشان
فادي و البيبي اللي في بطنك “.
ضحك بعدم تصديق و هو يعود ليجلس
بجانبها مثبتا نظره عليها…مسح وجهه
بقلة حيلة و يأس من تصرفاتها المجنونة
قبل أن يهتف :”طيب مفييش أوبشن ثاني
حاولي كده…عشان موضوع السجاير داه
حاجة مستحيلة الله”.
فركت يديها يتوتر و هي تمط شفتيها
بعدم رضا على كلامه قبل أن تهتف بنبرة
مستعطفة و هي تنظر له بوداعة كجرو لطيف
:”طب حتة صغنونة بس….واحده او نصها
يكفي عشان خاطري….
شاهين بهدوء :” ربنا يهديكي يا حبيبتي
عقبال ما تولدي…. حكون انا خلاص تجننت بإذن
الله…بلا ننام عشان بكرة لازم اروح الشركة
بدري عندي أوراق مهمة لازم أراجعها
مع عمر ….
لوت كاميليا شفتيها تعبيرا عن عدم
قبولها لكلامه…و تراقبه و هو ياخذ
مكانه في السرير لتنفخ خديها قبل
إن تقول :” عاوزة اروح لماما واحشاني.. و
بقالي كثير….
زفر شاهين بنفاذ صبر قبل أن يرمي الغطاء
فوق جسده هاتفا بصوت جاد :” كاميليا
بلاش دلع مش كل مرة تطلعيلي بحكاية
قتلك ورايا شغل بكرة يعني لازم انام
بدري و لما ارجع حبقى آخذك لأي
مكان إنت عاوزاه….يلا تعالي عشان
ننام….
كاميليا برفض :” مش عاوزة انام.. قلتلك
عاوزة….
صمتت عندما ربت شاهين على الوسادة
التي بجانبه ثم أشار لها بإصبعه حتى
تقترب… تقدمت بخطوات غير راضية
و هي ترسم على ملامحها الجميلة
علامات الحزن لتبدو أمامه كطفلة صغيرة غاضبة ترفض طاعة والدتها …ليخفي شاهين رغبته
الملحة في إلتهامها…
إستلقت على السرير ثم إلتفتت للجهة
الأخرى متجاهلة إياه…إقترب منها ليتكئ
على ذراعه و يهمس قرب اذنها :”مش
حيجيلي نوم و إنت مش في حضني….
ممكن نأجل الزعل لبكرة….
هزت كتفيها برفض ثم حركت يدها
لتحاول نزع يده التي حاوطت خصرها
.. تنهد بصوت مسموع قبل أن يهتف
بصوت حان :” طب عاوزاني اعمل إيه؟
طب ينفع بنوتة رقيقة زيك تمسك
سيجارة و..
صمت دون أن يكمل كلامه عندما شعر
بها تلتفت لتخفي وجهها داخل صدره
كعادتها كلما شعرت بالخجل ليشدها
نحوه بتملك قائلا بارتياح :” طيب
نامي دلوقتي وبكرة إن شاء الله حنكمل كلامنا
تمام…..
أومأت له لينحني إليها مقبلا وجهها
قبلات رقيقة قبل أن يرجع رأسه
إلى وسادته و يغمض عينيه و شعور
السعادة يغمر قلبه و روحه…هذه الصغيرة
التي تسكن أحضانه الان تزداد تمردا و شغبا
يوما بعد يوما يجزم ان فادي أصبح اعقل منها
بتصرفاتها الطفولية التي صارت تفاجئه في كل مرة
تحاول إثارة غضبه و كأنها تنتقم منه بطريقتها
لكنها لاتعلم بأنه سيظل يهيم بها عشقا مهما
فعلت…
نظرت نانا بملل نحو باب الحمام قبل
أن تقرر الخروج من الغرفة و التجول قليلا
في الفيلا إلى أن ينهي أيهم حمامه….
تمتمت بضيق و هي تنزل درجات السلم
المؤدي إلى الطابق السفلي :” إيه
قصر الأشباح داه…المكان كله معتم
و يخوف أما أروح أدور يمكن ألاقي
حاجة آكلها….و أخيرا لقيت المطبخ….
تحدثت و هي تدلف إلى داخل المطبخ
لتتسع عينيها من جماله و ضخامته
فهي في الاخير ليست إلا فتاة بسيطة و فقيرة
جلبها أيهم من إحدى الشوارع حتى
تنفذ خطته بإغاظة ليليان….
تسمرت عينيها على الطاولة الكبيرة
عندما لاحظت وجود فتاة في سنها
اقل ما يقال عليها آيه في الجمال
و الروعة رغم ثيابها البسيطة
التي كانت ترتديها و خلو وجهها
من مساحيق التجميل عكس خاصتها…
هتفت دون وعي منها و هي تتفرسها بذهول :” يا نهار اسود..لما تكون دي خدامة انا ابقى إيه… دي لو توافق تشتغل معايا
حتكسب ذهب.. ذهب إيه قولي الماس…انا
مش فاهمة البيه جايبني هنا ليه… ماكان أخذها
مكاني و خلص نفسه من وجع الدماغ داه كله….
سمعتها ليليان لكنها تعمدت عدم الانتباه
لها و تجاهلها لتتقدم نحوها نانا و هي
ترسم على وجهها إبتسامة خافتة
نانا :” سلام عليكم يا قمر.. هو إنت
بتشتغلي هنا؟؟؟؟
ليليان و هي تخفي إبتسامتها الخبيثة :” أيوا انا بشتغل هنا بقالي حوالي ثلاث سنين و نص….
جلست نانا على الكرسي بجانبها
و بدأت تتفحصها دون خجل قائلة :”طيب
على كده بتقبضي كويس”.
ليليان و هي تتظاهر بالحزن :”لا و الله دي
شوية ملاليم.. البيه بيرميهالي آخر كل شهر
مش مكفياني حق الدواء بتاع والدتي…
أنا لو اقدر الاقي شغل ثاني مكنتش
قعدت هنا دقيقة.
نانا بتأسف مزيف :” قلبي معاكي يا حبيبتي
بس بصراحة واحدة زيك خسارة تشتغل
خدامة و بشوية ملاليم زي ما قلتي…
إنت مش شايفة نفسك في المراية و
إلا إيه… عارفة انا مستعدة اساعدك و حوفرلك
شغلانة معايا حتاكلي من وراها الشهد”.
ليليان بحماس :”بجد… داه انا حكون ممنونالك
عمري كله…بس إزاي داه البيه اللي انا
بشتغل عنده زي ما يكون مستعبدني
تصوري مش بيسمحلي أخرج من هنا غير
مرة كل شهرين اروح أزور أمي في المستشفى
و أرجع هنا على طول …
همست ليليان بصوت منخفض و هي
توجه بصرها نحو الباب مخافة ان
يأتي أيهم و يفسد عليها خطتها و هي تكمل
:”داه حتى مانع عليا التلفون… انا بقالي اكثر
من شهر و نص مسمعتش صوتها و لا
إطمنت عليها…
مسحت دموعها المزيفة ثم إستأنفت
حديثها من جديد و هي تتوعد بداخلها
لايهم :” هو حضرتك ممكن تساعديني…
لو يعني عندك موبايل ممكن اكلمها
دقيقة بس أسمع صوتها و ارجعهولك
على طول انا فاضلي بس اسبوع و
شوية عبال ما اخرج و ازورها.. بس
المرة دي لو حضرتك ساعدتيني انا مش
حرجع هنا ابدا….
أومأت لها الأخرى و هي تخفي
فرحها بداخلها متخيلة كم ستجني
من مال لو انها نجحت في إقناع ليليان بالعمل
معها…مدت يدها نحو صدرها لتخرج هاتفا
صغيرا و تعطيه لليليان التي
إلتقطته بفرح و هي تهتف لها بعبارات الشكر
و الثناء :” و أخيرا حقدر اخرج من هنا شكرا يا… هو
إنت إسمك إيه…
اجابتها :” أنا إسمي نانا… و إنت…
تجاهلتها ليليان و هي تقف من مكانها متجهة نحو
غرفتها قبل أن تلتفت وراءها قائلة
بتحذير :”إوعي تجيبي سيرة لحد إنك
إديتيني موبايل او حتى تكلمتي معايا
عشان لو البيه عرف حيقتلك و يقتلني…
اصل هو مش بيحب حد يعصي أوامره…
حروح أكلم ماما دقيقة و ارجعلك….”.
اومات لها نانا بخوف وهي تتذكر معاملة
أيهم القاسية و المتعجرفة لها منذ أول لحظة
ركبت فيها سيارته
دلفت ليليان غرفتها البسيطة ذات الاثاث
المتهالك التي أجبرها أيهم على المكوث بها
طيلة الاسبوع الماضي….جلست على السرير
الصغير ثم ضغطت بأصابع مرتعشة على
الهاتف لتهاتف زوجة عمها و التي تمثل
الأمل الوحيد لإنقاذها…. بعد ثوان قليلة
أجابتها :”الو….
ليليان باندفاع :” أيوا يا طنط انا ليليان..
كاريمان بفزع :”ليليان… ليليان إنت فين
يا بنتي و أيهم عمل فيكي إيه؟؟ إنت كويسة
إنت فين ؟؟؟
ليليان :” طنط ارجوكي سيبيني اتكلم
عشان معنديش وقت كثير….انا تعبانة اوي
و مش كويسة ولو فضلت هنا يومين كمان
يمكن اخسر إبني… أرجوكي يا طنط
خرجيني من هنا أيهم خطفني و حاجزني
في فيلا شاهين الألفي صاحبه…إسألي محمد
هو يعرفها بس متجيش لوحدك… قولي
لشاهين هو الوحيد اللي حيقدر
يخرجني من هنا أرجوكي يا طنط داه
مشغلي خدامة هنا…متتاخريش انا حقفل
دلوقتي و متتصليش بالرقم داه ثاني…
كاريمان بصراخ :”ليليان….. ليليان.
أنهت ليليان المكالمة ثم تسللت
نحو الخارج متجهة نحو المطبخ…..
تنهدت بارتياح عندما وجدت
نانا جالسة في مكانها تاكل و أمامها طبق
من الفواكه المشكلة…
مدت لها الهاتف و هي تقول :خبيه بسرعة
عشان محدش يشوفه…و إبقي حاولي
تخليلي رقمك عشان اتصل بيكي لما اخرج
من هنا…
في نفس الوقت في فيلا البحيري….
حكت كريمان لزوجها ما حدث بالتفصيل
ثم تركته ليغير ملابسه متجهة نحو غرفة
محمد الذي هاتف شاهين ليسأله
على عنوان الفيلا ليقرر هذا الأخير
مرافقتهم فهو أكثر شخص يعلم بعناد
صديقه.
دلف أيهم المطبخ بخطى مستعجلة
و هو يرمق نانا باشمئزاز و غضب
قبل أن يصرخ في وجهها :”بتعملي
إيه هنا مش قلتلك متخرجيش من الأوضة
غير بإذني….
وقفت نانا من الكرسي و هي ترتعش من
الخوف بعد أن شدها أيهم من ذراعها
ليجبرها على الوقوف لتهتف بتلعثم
:” أنا كنت عطشانة فنزلت عشان اشرب..
أيهم بغطرسة و هو يدفعها:”كان لازم تتديني
خبر قبل ما تخطي برا الأوضة.. داه مش
بيتك عشان تتفسحي فيه زي ما إنت
عاوزة…يلا إطلعي فوق فورا و حسك
عينك الاقي رحتي هنا و إلا هناك…. يلا “.
إهتز جسدها لصراخه قبل أن تهرول
مسرعة إلى الخارج و هي تكاد تتعثر
بملابسها الضيقة و القصيرة و كعبها
العالي الذي كانت تتحرك به بصعوبة…
حول أيهم نظره ليليان التي كانت
تراقب مايدور حولها ببرود …غير
عابئة به ليجن جنونه ليقترب منها
قائلا بنبرة آمرة :” حضريلنا الأكل بسرعة
و طلعيه فوق…
اخذت ليليان نفسا عميقا لتستجمع
بقية قواها قائلة :” أنا حامل.. “.
صمتت قليلا قبل أن تضيف بنبرة منكسرة
حاولت إخفائها لكنها لم تستطع :” أنا تحملت إهاناتك و قسوتك طول الفترة اللي فات
و كنت بنفذ كل اللي بتقولهولي بس عشان
البيبي ميتأذيش لكن لحد كدا و كفاية….
تخدعني و تكذب عليا عشان تخطفني
و تجيبني لمكان زبالة زي داه و تسجني
فيه و قلت ماشي مش جديدة عليك
ما إنت عملتها قبل كده.. و تعاملني
زي الخدامة و حاططني في أوضة
صغيرة و باردة زي الزنزانة مفيهاش
غير سرير صغير قديم لو نطيت فوقه حيقع
و عبايتين مقطعين لما ألبس واحدة لازم
اغسل الثانية عشان مفيش غيرهم….
قلت مش مهم فترة و حتعدي بس وصلت
بيك الدناءة إنك تجيبلي عشيقتك
هنا عشان اخدمها…”.
ضربت الطاولة بيديها بقوة لتهتز الأطباق
محدثة ضجيجا عال و تقف ليليان
من مكانها لتقترب من أيهم الذي
كان مصدوما من كلامها…. دفعته بيدها
إلى الوراء ليتراجع قليلا بسبب
عدم إنتباهه و هي تكمل حديثها ببكاء:” قلي
عاوز إيه مني؟ عملتلك إيه أنا عشان
تكرهني في حياتي كده؟؟ دا أنا حتى
مليش حد في الدنيا لا ام تحن عليا لا اب
يراعيني و لا أخ يكون سند ليا …حتكون
إنت و الزمن عليا….ليه؟؟ قلي ليه؟؟ داه
أنا عمري ما خنتك و لابصيت لراجل غيرك
كنت صاينة إسمك و شرفك من يوم
ما لبست دبلتك في إيدي… من سبع
سنين رغم إنك واحد حقير و متستاهلش
بس عمري ما عملت حاجة غلط
في حقك…بس عارف انا يمكن كنت
زبالة زيك مكانش حيحصل فيا
كل داه….
مسحت دموعها بيدها و باليد الاخرى
كانت تستند بها على طرف الطاولة
لإحساسها بالتعب :”طب قلي
أعمل إيه عشان ارتاح.. و اريحك مني
مش انا عبئ عليك و مش من مستواك….
و ما استاهلش أكون مع واحد زي حضرتك
طيب قلي إنت بس أعمل إيه و انا حعمله
أقتل نفسي…للأسف مقدرش عشان
في روح ثانية جوايا مقدرش أذيها….
سقط أيهم جالسا على الكرسي ينظر أمامه
بصدمة متذكرا كل مامرا به من أحداث
طوال الايام الفارطة….تذكر كيف كان
يعملها بمنتهى التعجرف و القسوة
و رغم ملاحظته لتعبها و إنهاكها
إلا أنه لم يشفق عليها بل كان يتعمد
رمي الطعام على أرضية المطبخ
و تكسير الأواني مدعيا عدم إعجابه
بطهوها او إجبارها على الصعود بالاواني إلى
الطابق العلوي عدة مرات في اليوم بحجة
رغبته في تناول الطعام في غرفته….
تمتم بذهول و هو يصفع نفسه
داخليا كيف لم يمر إحتمال حملها
في باله رغم انه طبيب :”حامل من إمتى؟؟
و ليه مقلتيليش؟؟؟؟
نظرت له ليليان باستهزاء قبل أن
تجيبه:” بقالي شهر و نص و مكنتش
ناوية اقلك بس مجبرة عشان خلاص
ما بقيتش مستحملة اللي بيحصل
بس هانت كلها دقائق و حخلص
منك…..
لم يفهم أيهم ما تقصده و لم يهتم بذلك
فكل ماكان يشغله هو خبر حملها الذي
لم يعلم به إلا الآن…سمعا دقات عنيفة
على باب الفيلا لتبتسم ليليان بارتياح
و هي ترمق أيهم بنظرات ذات معنى
قفز أيهم من مكانه متجها نحو الباب
نظر نحو الشاشة ليجد صديقه
شاهين
يقف أمام الباب واضعا يديه في جيوب
بنطاله…..
فتح أيهم الباب قائلا بتعجب :”شاهين..
إيه اللي جابك في الوقت داه في حاجة….
دفعه شاهين من أمامه ليدلف إلى الداخل
وهو يجيبه بلا مبالاة :” مش داه موضوعنا….
فين مراتك؟؟؟
تقدم شاهين للداخل و هو يجول بعينيه
هنا و هناك و كأنه يبحث عن شيئ ما
توقف فجأة عندما لمح ليليان تقف
في مدخل المطبخ…
ضيق عينيه بتركيز ليتأكد من إن اللتي
تقف أمامه هي نفسها ليليان زوجة صديقه
كانت مختلفة جدا بوشها الذابل و ملابسها القديمة …تنحنح باحراج لما لاحظ
إنه بقي يحدق فيها بغرابة قبل ما يلتفت
لأيهم الذي كان ينتظره
ليتكلم…
دفع أيهم امامه باتجاه الصالون
بعيدا عن ليليان و هو يتحدث بخفوت من
بين أسنانه :”إيه اللي إنت هببته داه يا مجنون…
بتخطف مراتك؟
جلس أيهم على الكرسي بعدم إرتياح
ماسحا وجهه بكفيه بعجز قبل أن
يتحدث بنبرة يائسة:” مش عارف… مش
عارف ياصاحبي ليليان حامل…. حامل
أنا كنت حعمل جريمة…. كنت ح.. “.
شاهين و هو يحدق فيه بتركيز :” قصدك
إيه غير اللي انا شفته…عملت فيها ثاني؟
دفن أيهم وجهه بين يديه دون أن يجيبه
ليصرخ الاخر بنفاذ صبر :” إنطق يا
زفت عملت إيه في مراتك…و على فكرة محمد و طنط كريمان مستنيين برة بس لو تأخرت
عليهم أكيد حييجوا…
هب أيهم باندفاع من مكانه ليهتف بحدة
:” ماما و محمد؟ بيعملوا إيه برة و مين
اللي قلهم على مكاني اكيد إنت…
شاهين و هو يلوي فمه باستهزاء :” مامتك
هي اللي كلمتني و قالتلي إنك خاطف مراتك
و مشغلها خدامة في الفيلا…و إنها تعبانة جدا
بالزور اقنعنا والدك إنه ميجيش هنا بعد ماوعدته
إني ححل الموضوع…
أيهم بجنون :”طب هما عرفوا إزاي؟ مين
اللي قالهم؟؟؟؟
شاهين ببرود و هو ينظر لساعته :”مش عارف؟ انا مستعجل و عاوز ارجع بيتي…خليني آخذ
مراتك عشان أوصلها لطنط ومحمد برا…
أيهم بحدة :”مستحيل…ليليان مراتي
يعني مكانها معايا… انا حاخذها و حمشي
من هنا…..
صمت عندما قاطعته ليليان التي كانت
تسترق السمع لتتدخل في الوقت المناسب
:”أنا اللي كلمت طنط كاريمان و حكيتلها
على كل حاجة…كفاية اللي حصل ما بينا
لحد دلوقتي.. دي النهاية خليني أمشي
بهدوء و سيبلي حاجة كويسة افتكرك بيها انا حخرج من هنا و حسافر و
اوعدك إنك مش حتشوف وشي ثاني
مش دي رغبتك…. سيبني أمشي أرجوك
أنا معادش ليا طاقة عشان أقاومك…
لو فضلت معاك صدقني حموت “.
صرخ أيهم بقوة و قد تملكه غضب
شيطاني :” تروحي فين؟ عاوزة تروحي
فين من غيري ها…… إنت مكانك جنبي…إنت مراتي
و انا مستحيل أسيبك…حتفضلي معايا
و حنربي إبننا سوى حاخذك و حنسافر مع
بعض أي مكان إنت عاوزاه….بس إني
أسيبك يبقى بتحلمي “.
أمسكه شاهين ليمنعه من الاقتراب
من ليليان التي كانت تبكي بقوة
رافضة كل كلمة ينطق بها… صاح
عندما رفض أيهم الانصياع له :” إعقل
يا غبي مراتك حامل و ممكن تأذيها
إهدا…انا حكلم محمد عشان ييجي
زمانهم مستنيين على نار… داه انا خليتهم
يستنوا برا بالعافية…
دفع أيهم بقوة ليجلس رغما عنه على
الاريكة و هو لايزيح نظره من على ليليان
ليخرج شاهين هاتفه و يتصل بمحمد
ليأتي هو ووالدته حتى يتوصلوا
إلى حل نهائي..
إحتضنت كاريمان ليليان بحنان و هي
تحاول تهدئتها مذكرة إياها بتأثير
الحزن السلبي على الجنين… بينما
إندفع محمد ليلكم أيهم بغضب و الذي
دخل معه في شجار عنيف إستطاع
شاهين بصعوبة التفريق بينهما….
مسح أيهم شفته النازفة بعدم إهتمام
قبل ان يدفع شاهين عنه صارخا بحدة
:”إنتوا ملكوش دعوة محدش له الحق
يتدخل بيني و بين مراتي…
زفر الاخر بملل و هو يرتب ملابسه
شاتما اياه ببعض الشتائم البذيئة في سره.
هرولت كاريمان لتمسك محمد الذي
كان على إستعداد للفتك بأخيه الكبير و تلقينه
درسا لن ينساه طوال حياته لما
فعله في حق إبنة عمه رغم انه اخوه الكبير و يحترمه كثيرا لكن مافعله أيهم جعله يفقد إحترام جميع عائلته ..
شدته من ذراعه لتبعده عن أيهم و هي تصيح :”كفاية بقى إبعدو عن بعض… إنتوا تجننتوا بتتخانقوا قدامي و مش عامليني اي إعتبار….
نظرت لأيهم بغضب و هي تكمل :” و إنت
إيه اللي إنت هببته داه؟؟ دي آخرتها يا أيهم
بتخطف مراتك و تسجنها كأنها جارية عندك
هي كل حاجة عندك بالغصب…إنت إيه مش
مقدر حتى إنها بنت عمك و أمانة عندنا
مفيش حاجة وحشة غير و عملتها فيها
… انا لسه مش مصدقة الي
بيحصل مش مصدقة إن إبني يعمل كده
دي مراتك يا إبني حرام اللي إنت بتعمله فيها
و هي كمان حامل إنت مش شايف حالتها بقت
عاملة إزاي…
تقدمت نحوه لتنظر له بتحدي قبل أن
تتحدث بنبرة آمرة :”أنا طول عمري
كنت بفتخر بيك و بنجاحاتك و كنت دايما
جنبك و في صفك و بدافع
عنك قدام أي حد حتى لو كنت ظالم بس
لحد كده و كفاية…انا حاخذ ليليان معايا
هي كمان بنتي اللي انا اللي ربيتها و كبرتها و مش
حسمح لحد يأذيها طول ما انا عايشة.. في
إيدك يومين بس عشان تبعث لها ورقة
طلاقها…و بحذرك مش عاوزة اشوف وشك
غير و الورقة معاك…..
تعمدت عدم النظر نحوهه في آخر كلامها
لتستدير بخطواتها نحو ليليان لكن أيهم
سبقها ليمسك ليليان من ذراعها مقربا إياها منه قائلا بصوت هادئ :”ماما….. لو سمحتي متتدخليش
خذي محمد و روحي من هنا…
محمد بصراخ :” إنت عبيط و إلا بتستعبط
إيه الجزء اللي إنت مفهمتوش من كلام
ماما…إحنا مش حنخرج من هنا غير
و ليليان معانا….
دفع أيهم زوجته وراءه برفق ليبعدها عن والدته
قبل أن يصيح :”و انا قلت لا….
كاريمان بتحذير :”أيهم سيب البنت تمشي ….
ايهم بصراخ و عيناه تطلق شرار :”على جثتي…
ليليان ليا انا و بس من يوم ما جات على
بيتنا و أنا قررت إنها حتكون مراتي…و مفيش مخلوق في الدنيا حيقدر يفرقنا و الله لقتلك
و اقتل أي حد يفكر يبعدها عني…
صدم الجميع من كلامه حيث بدا
لهم و كأنه مريض نفسي.. بينما
شهقت ليليان بيأس و خوف من
إن يستسلم الجميع أمام إصرار أيهم.. نظرت
لزوجة عمها التي كانت تقف متسمرة
مكانها و دموعها تكاد تفضح خوفها من تهور
ولدها من جهة و قلقها على تلك التي تعتبرها
بمثابة إبنتها من جهة أخرى..
لكم محمد طرف الكرسي بغضب لشعوره
بالعجز امام عناد أخيه الذي كان يقف
أمامهم كليث جريح يصد كل محاولاتهم
لافتكاك فريسته منه….
تحدث شاهين اخيرا بعد أن كان يجلس
في مكانه يراقب الجميع :”أنا عندي
حل مناسب ليكم كلكم…انا حستضيف
ليليان هانم عندي خليها ترتاح فترة
و تريح اعصابها و إنتوا فكروا بهدوء
مع بعض و أكيد حتلاقوا حل يرضي
الجميع…
تسللت ليليان من وراء أيهم هاتفة
برفض:” أنا مش محتاجة أفكر في
حاجة إنتوا ليه مش عاوزين تفهموا
أنا بكرهه بكرهه….و الموت أهونلي
إني أرجعله و الله لقتل نفسي.. حقتل
نفسي يا أيهم عشان اخلص منك…اااااه
صرخت بألم في آخر كلامها و هي تنحني
إلى الأمام ممسكة ببطنها…ليسرع أيهم
لإسنادها بما أنه كان اقرب شخص لها…
كان وجهه القلق آخر ما رأته ليليان قبل
إن تسقط بين أحضانه مغمى عليها…
بعد أسبوع….
صباحا دلف شاهين مكتبه بخطى
مترددة يقدم ساقا و يؤخر أخرى….
دلك جبينه بتعب قبل أن يرفع سماعة
الهاتف و يطلب من السكرتيرة إحضار
قهوته المعتادة و بقية الملفات المستعجلة….
أعاد سماعة الهاتف لمكانها ثم حول نظره نحو
الباب الذي فتح فجأة…. اطل من وراءه عمر
بابتسامه البشوشة كعادته.. إرتمى على الكرسي
أمامه و هو يقول :”صباح الخير يا بوص.. مش
عوايدك تتأخر يعني….دي الساعة داخلة على إثناثر.
زفر شاهين بحنق قبل أن يجيبه:” إطمن من هنا
و رايح حتبقى تستغرب لما تشوفني جاي الشغل بدري..
عمر بضحك :”ليه…إيه اللي حصل متقوليش
حكاية جديدة…..
شاهين بحنق :” و هو في غيرها… يا اخي
الستات دول كائنات مزعجة إتخلقوا عشان
يزهقونا في عيشتنا… مش عاجبهم العجب
خصوصا لما الواحدة منهم تكون حامل و
بتتوحم… بتتقلب 180 درجة…مبقيتش
قادر أتعامل معاها….كل يوم نفسها في حاجة
أغرب من اللي قبلها…إمبارح خطر على
بالها تقص شعرها و لما رفضت أعلنت عليا
الحرب… و هاتك يا زعل و عياط و إنت
مش بتحبني و مش حاسس بيا و سايبني
طول النهار ووو في الاخير إضطريت
إني أصالحها رغم إنها هي الغلطانة….
عمر بضحك :”طب إيه دخل الوحم في شعرها
أنا أعرف إن الستات بيتوحموا على الاكل بس….
شاهين بلامبالاة :” مش عارف و مش عاوز أعرف
أنا بفكر أبقى أبات هنا الفترة دي….
عمر بتعجب :”للدرجة دي زهقت من مراتك….
شاهين :” طبعا لا انا حعمل نفسي حبات
هنا و حشوف ردة فعلها يمكن تخف عليا
شوية…داي بقت بتتصرف زي الأطفال داه حتى
فادي بقى اعقل منها…..
عمر :”متقلقش فترة و حتعدي إن شاء الله…بس
قلي مفيش جديد على أيهم مراته انا روحتله
من يومين بس الحالة هي هي….. مفيش
تحسن..
مسح الاخر وجهه بكفيه متنهدا بتعب قبل
أن يأذن للسكرتيرة بالدخول لتضع
فنجان القهوة و الملفات أمامه و تغادر بعد
أن أشار لها….
:” أنا مريت عليه من شوية قبل ما آجي هنا …
مراته لسه تحت المراقبة عندها إنهيار عصبي
حاد و عايشة على المهدئات … المسكينة ربنا
يكون في عونها الغبي أيهم اذاها كثير
و انا ياما نصحته بس مسمعش كلامي…
عمر :” أنا قلقان عليه جدا…أنا عمري ماشفته
في الحالة دي من الضعف و العجز… كأنه
مش هو نفسه أيهم صاحبنا….
شاهين بشرود :” مكانش عاوز يعترف إنه
بيحبها…كان بيأذيها عشان يثبت لنفسه
إنه قوي و إن مفيش واحدة ست حتقدر
تسيطر عليه أو تمتلك قلبه…مكانش عارف
إن قلبه خلاص كان ملكها من الاول و إنه كل
ماكان بيأذيها كان بيأذي نفسه الأول…
اطلق عمر صفيرا يعبر عن إعجابه لما تفوه
به صديقه ليضيف:” هو إنت بتتكلم عن
نفسك و إلا على أيهم… داه إنت واقع يامعلم
واقع من زمان… قال تبات في المكتب قال….
داه مش بعيد تجيبها الشغل معاك…
شاركه شاهين الضحك و هو يؤمئ له برأسه
علامة على موافقته لكلامه..
في مستشفى البحيري…..
ربتت كاريمان بيديها على كتف أيهم
الذي كان يجلس على حافة سرير ليليان
ممسكا بيدها كعادته منذ دخولها للمشفى….
تنهدت بحزن على حال إبنها قبل أن تهمس
له بصوت خافت:”يا حبيبي مينفعش
كده… إنت مش شايف حالتك بقت عاملة إزاي
على الاقل روح إحلق ذقنك و إتغدا
و ناملك ساعتين..بقالك اسبوع و إنت
ساكن الأوضة دي… انا حقعد معاها
و لو فاقت حقلك..
أومأ لها بالرفض و هو يتمسك أكثر
بيدها قائلا بصوت مهزوز:” أرجوكي يا ماما
متضغطيش عليا…انا كويس و مش
ناقصني حاجة فاضل خمس دقائق
عشان ينتهي مفعول المهدئ و ليليان
حتفوق و المرة دي أنا عاوز اتكلم معاها
في حاجة مهمة تخص حياتنا …
جلست كاريمان على الكرسي المقابل
السرير بعد أن يئست من إقناعه…تنهدت
و هي تدعو له في سرها بالهداية و الصلاح….
عادت من شرودها إثر سماعها لتأوهات
ليليان التي بدأت في الاستيقاظ
:”أنا فين..ااااه…. دماغي حتنفجر.. ااااه
إبني… إبني هو كويس….قلي إنه
كويس ارجوك…. ارجووو
صرخت بنحيب بعد أن تذكرت
اخر ما حصل معها عندما اغمي
عليها ليثبتها أيهم من كتفيها
مخافة أن تأذي نفسها ليقول بثبات
:” إهدي.. البيبي بخير متقلقيش…محصلوش
حاجة….
نظرت نحوه باستعطاف قبل أن تردف:” بس
أنا شفته كان في دم و…
لم تستطع إكمال حديثها بسبب
دموعها ليتحدث أيهم بصوت هادئ
:”داه كان نزيف بسيط و الحمد لله
الدكتورة صفاء قدرت تنقذ الجنين
هي حتيجي بعدين عشان تفحصك
و حتبقى تطمنك بنفسها…
تنهدت بارتياح و هي تبعد يديه
عنها بحركة عفوية ليبتسم أيهم
بحزن قائلا :” ماما خذي بالك منها
أنا حخرج أكلم الدكتورة عشان تيجي…
أكمل جملته ثم خرج لتلتفت ليليان
نحو كاريمان التي لم تنتبه لوجودها من
قبل…
كاريمان بابتسامة حنونة:” حمد لله عالسلامة
يا حبيبيتي… الحمد لله إنك بخير….
ليليان و هي تومئ لها :”الحمد لله إن
إبني بخير…انا كنت حموت لو جراله حاجة…
كاريمان :”بعد الشر عليكي يا لولو…إيه
الكلام اللي إنت بتقوليه داه….
ليليان بحزن :” أنا خلاص يا طنط
إكتفيت من الدنيا دي.. و هو الحاجة الوحيدة
اللي مخلياني أكمل…
مسدت كاريمان على يديها بحنان قائلة
:”متقوليش كده إنت صغيرة و لسه الحياة
قدامك طويلة..و أكيد ربنا شايلك فرحة كبيرة
بعدين..ربنا يقومك بالسلامة يا حبيبتي
و تفرحي بابنك.. إنت لازم تكوني قوية
عشانه و على فكرة انا عاوزه احكيلك
على حاجة مش ياريت متتضايقيش…
ايهم طول الاسبوع اللي فات مسابش
إيدك لحظة واحدة، كان قاعد جنبك
ليل نهار، هو ندمان جدا على كل حاجة
عملها معاكي….
ليليان باستهزاء و حزن:”كثر خيره..
طنط أرجوكي انا مش عاوزة اتكلم
عنه..انا مش عاوزة اي حاجة تربطني
بيه بعد كده كفاية اللي عمله فيا، خليه
يطلقني و كل واحد يروح لحاله و لو على
إبنه انا أكيد مش ححرمه منه….
فتح الباب فجأة ليدلف أيهم بوجه
متجهم لكنه تدارك ذالك ليقول بصوت
هادئ:”و انا تحت امرك و مستعد أنفذ كل حاجة
إنت عاوزاها … انا سبتلك أوراق مهمة عند محمد
و هو حيبقى يفهمك كل حاجة… الدكتورة صفاء
زمانها جاية عشان تفحصك و تطمنا عليكي….
رمشت ليليان بعينيها بعدم تصديق
و كأنها الان فقط إنتبهت لمظهر أيهم
الغير مرتب و نبرته المختلفة في الحديث….
قاطع تفكيرها دخول صفاء التي
إبتسمت لها بسعادة قبل أن تتقدم للاطمئنان عليها….
بعد يومين في فيلا البحيري….
تجلس ليليان في غرفتها القديمة
وعلى وجهها علامات الصدمة و الذهول
لتعيد قراءة رسالة أيهم للمرة الثانية
:”حبيبتي…. ليلياني يمكن إنت مستغربة
إني بناديكي حبيبتي رغم إني أنكرت
قبل كده الف مرة وكنت بقول إني مش بحبك
لما كنتي بتسأليني..كان لازم أجاوبك و اقلك
إني بعشقك.. بعشق إسمك و وشك و كل تفاصيلك
من اول لحظة شفتك فيها…بس من عندي
و غبائي ضيعتك من بين إيديا…غروري
و قسوتي هما اللي وصلوني لطريق مسدود
معاكي بس لما شفتك واقعة بين إيديا و غرقانة في دمك انا كنت حموت من الخوف ساعتها
عرفت و تأكدت إني محبيتش في حياتي
غيرك و كأني كنت أعمى و فتحت.
انا مش حتكلم فلي فات ولا حطلب
منك إنك تسامحيني عشان عارف
إن دي حاجة مستحيلة.
لما تقرئي الرسالة دي انا حكون سافرت
لندن انا حستقر هناك و ححاول…. يمكن
اقدر ابدأ حياتي من جديد انا كتبت
المستشفى باسمك و كمان شركة الأدوية
بقوا ليكي… انا إتفقت مع سيف أنه
حيمسك الإدارة عشان إنت مش حتقدري
تهتمي بالشغل و إنت حامل….
أنا حبقى أكلم ماما كل يوم عشان أطمن على
صحة البيبي…بحبك و حفضل أحبك لآخر يوم
في عمري.. أنا عرفت داه متأخر اوي بعد
فوات الأوان…خلي بالك من نفسك و من
إبننا.ايهم
الجزء الثاني 2

بعد ثلاثة سنوات……
في احدى أكبر مستشفيات لندن…
طرق أيهم باب مكتب مدير المستشفى الدكتور
ألبير ليسمح له بالدخول، أدار مقبض الباب
ثم دلف ليقف له الآخر و يحييه باحترام مرحبا
به :”مرحبا دكتور أيهام…تفضل بالجلوس”.
أخفى الاخر رغبته في الضحك على هذا
الانجليزي الذي لم يستطع نطق إسمه بالطريقة
الصحيحة رغم مكوثه هنا لمدة ثلاثة سنوات
كاملة….
هتف أيهم رادا التحية و هو يهم بالجلوس
:”شكرا دكتور ألبير”.
إنحنى الآخر ليفتح أحد أدراج مكتبه
و يخرج احد الملفات ليضعه أمامه
قائلا باهتمام :”إذن دكتور أيهام… هل
مازلت مصرا على تركنا، في الحقيقة
أنا و بقية الطاقم الطبي الذين
يعملون هنا لا نريد خسارتك…فكما
تعلم أنت تعتبر من أهم جراحي المخ و الأعصاب
في هذه المستشفى حتى أن مجلس
الإدارة في آخر إجتماع إقترح مضاعفة
راتبك و قبول جميع مطالبك حتى تقبل
تجديد عقد عملك في مشفانا “.
أجابه أيهم باختصار و قد نمت على شفتيه
إبتسامة خفيفة:” دكتور ألبير.. اشكرك على هذه الفرصة القيمة و لكنني في الحقيقة أريد
الرجوع إلى بلادي..لدي زوجة و طفل صغير
و عائلة تنتظرني هناك “.
نزع البير نظارته ثم وضعها على سطح
مكتبه ثم تطلع في أيهم بتمعن قبل
إن يتحدث بصوت واثق :” مستر ايهام
أنا اطلب منك أن تفكر مجددا…إنت من الاطباء المحظوظين الذين وجدوا
فرصهم هنا في بلد متقدم كبريطانيا…تستطيع
جلب عائلتك و الإستقرار هنا من المؤسف ان
تضيع عملك بعد كل الجهود التي بذلتها لتصبح
رئيسا لقسم جراحة المخ و الأعصاب في احد اكبر
المستشفيات هنا….
أومأ له أيهم بتفهم و قد إرتسمت أمامه شريط
ذكريات ثلاثة سنوات متواصلة من العمل
و الجد المتواصل ليلا و نهارا حتى
تم إختياره لرئاسة قسم جراحة المخ
تنهد مطولا قبل أن يهتف بتصميم
:”اقدر ذلكم ذلك مستر البير و لكنني
لا أستطيع لدي ظروف قاهرة تجعلني
أعود لمصر…. لكن أعدك إن قررت
مغادرة مصر مرة أخرى فسوف تكون
مشفاكم اول وجهة لي”.
:”حسنا دكتور أيهم اتمنى لك التوفيق
في حياتك…و لا تنس ابدا ان هذا المستشفى
يرحب بك دائما”.
أنهى كلامه ليقف من مكانه ليمد
يده ليصافح أيهم بحرارة قبل أن
يمد له بملف يحتوي على أوراقه.
بعد ساعة…
وصل أيهم لشقته التي تقع في
احد الأحياء الراقية بلندن.. دلف
إلى الداخل بخطى رتيبة ليجول بنظره
أنحاء الشقة الباردة كبرود حياته منذ
اول يوم أتى فيه إلى هذا البلد.
رمى مفاتيحه و هاتفه على أقرب
طاولة إعترضته ثم توقف أمام
مجموعة من الصور المعلقة على
الحائط بطريقة أنيقة.
تحسس إحداها باصابعه و هو يبتسم
بشوق…. طفله الصغير “أيسم” الذي بلغ من العمر
سنتين و نصف كم يشبهه بعينيه
الزرقاء و بشرته البيضاء المحمرة و شعره
الأشقر الحريري…
لم يره سوى من خلال الصور
التي تبعثها له والدته كل أسبوع و التي كان
ينتظرها بفارغ الصبر إضافة لمكالمات
الفيديو…كم حلم بضمه و تقبيله و
إستنشاق رائحته الطفولية… كم تمنى
انه كان معه في لحظة ولادته يتذكر
جيدا ذلك اليوم الذي هاتفته فيه والدته
و أخبرته أن إبنه قد جاء إلى الحياة يومها
ظل لساعات طويلة يبكي كطفل صغير
ود لو أنه لم يفعل ما فعله سابقا حتى
فقد حق وجوده بقربهما كأي اب في العالم.
منع نفسه بصعوبه حتى لا يركب أول
طائرة متجهة نحو مصر ليكون معهما.
في كل مرة يتمنى لو يلمح وجهها الجميل
الذي إشتاق له حد الموت…منذ مجيئه
إلى هنا و قد تغيرت حياته كليا يتمنى
لو يعود به الزمن لكان الان في بيته
مع زوجته و طفله…
ندم بل يكاد يموت ندما في كل يوم
على أفعاله في الماضي.. كل يوم
يمر عليه يشعر و كأنه يموت بالبطيئ
يتعمد إرهاق نفسه في العمل لساعات
طويلة حتى لا يفكر…..
مسح دمعة خائنة سقطت من عينيه
رغما عنه قبل أن يشق طريقه لداخل
الشقة متجها نحو الحمام حتى
يتوضأ و يصلي صلاة الظهر…
في فيلا عمر الشناوى….
صرخت هبة بقهر و هي تدفع
باب غرفة نومها متجاهلة نداءات
عمر باسمها :”و الله حرام… انا إستحملتها
كثير و هي عمالة بترمي كلام زي
السم يمين و شمال… انا ذنبي إيه
مش كفاية اللي أنا فيه هو انا ناقصة”
أغلق عمر باب الغرفة وراءه ثم
إقترب منها محاولا تهدئتها كعادته
:”حبيبتي إهدي مينفعش كده ما إنت
عارفة ماما بتقول الكلمتين دول
كل شوية بس مش بتعمل حاجة”.
هبة ببكاء:” لا يا عمر المرة دي مامتك
مصرة على اللي في دماغها و عاوزة
تجوزك بنت صاحبتها اللي بتقول
عليها دي…مش بتسيب فرصة إلا
و بتعايرني عشان لسه ربنا مكرمناش
و رزقنا بحتة عيل يملأ علينا حياتنا “.
إنكمشت ملامح عمر و بان عليه الحزن
ليردف بنبرة مريرة تخفي ورائها إنكساره
:” قلتلك قبل كده خليني اقلها
الحقيقة… إن انا اللي.. مبخلفش…
أسرعت نحوه بخطوات متعثرة
لتقف أمامه واضعة يدها على
ثغره تمنعه من إكمال كلامه قائلة
بصوت متحشرج وهي تنظر داخل عينيه
:” مش عاوزة اسمع الكلام داه ثاني..انا
أهون عليا استحمل نظرات الناس
و كلامهم عليا و لا اسمع حد يجيب
سيرتك بكلمة…
شهق بقوة ليغمض عينيه براحة
عندما شعر براحتيها الناعمتين
تلامسان وجهه و رائحتها اللذيذة
تغلفه لتذيب قلبه الهائم بها عشقا
ليهمس بتوتر رغم ألمه:”بس إنت
ذنبك إيه….انا السبب في ألمك و
حزنك داه…الناس كلها لازم تعرف
إن إنت ملكيش ذنب…
قاطعته مجددا :” متقولش كده مافيش
حد له ذنب في اللي حصل داه قدر
ربنا.. إحنا نصبر و و ندعيه وهو اكيد
حيعوض صبرنا خير….
أومأ لها بإيجاب لتجذبه هبه لها
لتريح رأسه على كتفها مخففة عنه
بعضا من آلامه التي يختزنها داخل
قلبه المتعب منذ سنوات….
في فيلا الألفي….
تركض كاميليا وراء إبنيها التوأم آسر و أسيل
كعادتها محاولة الإمساك بهما بعد أن رفضا تناول
وجبة الخضروات الخاصة بهما و التي
تحرص كاميليا على إعدادها لهم كل يوم
و إجبارهما على تناولها….
بينما يجلس فادي الذي بلغ من العمر
سبعة سنوات على اريكة الصالون
يتناول صحنه رغما عنه.. و على وجهه
علامات التقزز…
إلتفتت نحوه كاميليا لتجده يرفع
الشوكة ببطئ نحو فمه و يغمض
عينيه حتى يتناول ما بها دون النظر
إليها..
صرخت بصوت لاهث بعد أن شعرت
بالتعب من الركض وراء الأطفال
:”حتى إنت يا فادي… و انا اللي بعتبرك
الكبير العاقل اللي بينهم اللي يشوفكم
و إنتوا عاملين كده بيقول بعذبكم”.
اكل فادي قطعة الخضر متنهدا بقلة
حيلة مستسيغا طعمها اللذي يشبه
طعام المستشفيات قائلا باعتراض
:”طعمها وحش يا مامي…اصلا مفيش
حد عاقل بيحب الخضار “.
أكمل كلامه بنبرة هامسة لتبرق عينا كاميليا
بغضب لتهدر:” إنتوا لسه صغيرين
و مش عارفين… الخضار اللي مش عاجباك
دي فوائدها كثيرة خاصة للأطفال…عشان
كده….
أكمل فادي معها بصوت منخفض بقية
كلامها الذي حفظه عن ظهر قلب :” و أطباقكم حتكملوها يعني حتكملوها زي كل يوم…مش كفاية
حرمت نفسي من شغلي و مستقبلي و قاعدة في
البيت عشانكم….يا رب صبرني انا كان مالي و مال الجواز و الخلفة كان يوم اسود.. “.
نظرت حولها باحثة عن المشاغبين
الذين لم يتجاوز عمر الواحد منهما
سنتين و النصف و اللذين بالكاد يستطيعان
المشي جيدا لتجدهما يقفان وراء والدهما
الذي كان قد وصل منذ بداية وصلة
ردحها اليومية….
إبتلعت ريقها بصعوبة و هي ترفع
عينيها تدريجيا لتلتقي بعينيه
التين رأت بهما نظرة وعيد بعقاب
مناسب لما تفوهت به من كلام غير
مبالية بمن حولها…
أخفت خوفها و هي تتقدم نحوه
تتظاهر بالشجاعة و اللامبالاة و قد برعت في
رسم إبتسامتها الساحرة المعتادة
على ثغرها قائلة بصوت مرح :”حبيبي
حمد الله عالسلامة…
تعلقت بعنقه تمرر اناملها بدلال على
صدره لتشعر باشتداد عضلاته تحتها
لتهمس في اذنه بترجي بصوت شبه باكي :” حبيبي
ارجوك بلاش عقاب قداهم انا آسفة
اصل الولاد جننوني…
إبتعدت عنه بعد أن قبلت وجنتيه عدة مرات
محاولة الحصول على رضائه لكن دون
جدوى… تجاهلها شاهين و هو ينحني ليحمل
الصغيرين بعد أن وضع حقيبة عمله
على الأرض ثم سار بهما نحو فادي
الذي كان يشاهد مايحصل بابتسامة
خفية فهو يعلم جيدا ما سيحصل
آتيا..
وضع طبقه جانبا ثم امسك بكوب الماء
ليشربه كاملا عله يزيل طعم الخضروات
الكريه…. وقف بعدها ليحصل على
قبلة والده اليومية.
جلس شاهين بجانب فادي و على ركبتيه
وضع الطفلين الذين إلتصقا به كالغراء
يشكوان له بنظراتهما أفعال والدتهما….
تنهد بقلة حيلة و هو لا يزال يطالعها
بنظرات غير راضية ليهتف بعدها بتهكم
:”هو كل يوم نفس الحوار…مش حنخلص
من موضوع الخضار داه”.
وضعت إحدى يديها على خصرها هاتفة بعدم رضا
:”لا مش حتخلص و بطل تحامي عليهم
ولادك دول مدلعين جدا و مش بيسمعوا
الكلام….
رفع حاجبيه نحوها بتهديد بعد أن نفذ صبره
ليتوعدها بعقاب شديد في سره على
وقوفها أمامه بهذا الشكل…لم تمر دقائق
قليلة على مرور خطأها الأول حتى تلته بخطأ
آخر أكبر.
زفر بحدة قبل أن يضع الصغيرين
أرضا لينادي بعدها على زينب
لتأخذهما إلى غرفتهما… إستغل
بعدها فادي الفرصة ليستأذن
للذهاب إلى غرفته و هو يشكر والده
في سره على إنقاذه له من إكمال طبق
الخضروات.
إلتفتت كاميليا حولها ببلاهة لتجد نفسها
وحيدة في عرين هذا الأسد الغاضب
الذي كان يرمقها بنظرات حادة
ليشير لها باصبعه آمرا إياها بالتقدم
نحوه…تصنمت مكانها بخوف وهي تتمنى
لو بإمكانها الهروب من أمامه والاختفاء
عن مرمى بصره..
تهدلت أكتافها بقلة حيلة لتسير نحوه
و هي تقوس شفتيها ببكاء…
راقب شاهين ملامح وجهها الممتعضة
بتسليةوهو يحاول كبح ضحكته، أشار
لها لتجلس فوق ساقيه لتطيعه على الفور
همس لها بصوت خافت يخفي في طياته
نبرة وعيد :”سمعيني كنتي بتقولي إيه
من شوية عشان مكنتش سامعك كويس”
فركت يديها بتوتر و هي تجيبه بتلعثم :”الولاد
مش بيسمعوا الكلام…. و مدلعين”.
شاهين بتفي :”تؤ اللي قبل كده… حاجة
كده على الجواز و الخلفة…..
رمشت ببلاهة عدة مرات لتبحث بسرعة
عن كذبة ما تنفذها من ورطتها قبل
إن تهتف بحماس زائف:”أحلى حاجة
في الدنيا و الله…..
قاطعها بحده و يديه تلتفان بقوة
حول خصرها :” كاميليا….
كتمت آهة متألمة لتعوضها بابتسامة
بلهاء:”قلب و عيون كاميليا…..
تجاهل محاولتها الفاشلة للتأثير عليه
:” كنتي بتقولي إيه؟؟؟
بصوت قريب للبكاء هتفت :”ما إنت
سمعتني كويس أنا قلت إيه… انا
مكانش قصدي بس الولاد حيجننوني….
رفع حاجبيه بمعنى عدم إقتناعه بحجتها
رغم نداء قلبه الذي يكاد يخرج من مكانه
تعاطفا معها لكنه بدل ذلك تصنع الحدة
:”مش عاجبك جوازك مني يا هانم؟ طيب
الظاهر وحشك العقاب اصلي بقالي
مدة مدلعك…..
أنهى كلامه و هو يقف من مكانه
ليحملها متجها للأعلى نحو غرفتهما
لتتعلق كاميليا بعنقه و هي تحاول في
كل خطوة تهدأته و إثناءه عن عقابها
بكلماتها الرقيقة :” حبيبي و الله آسفة
مكانش قصدي…ما إنت عارفني هبلة
و لما بفقد أعصابي بقول أي كلام….
عشان خاطري آخر مرة….
شاهين و هو يفتح باب الغرفة :” ممم لا
لازم تتعاقبي عشان ثاني مرة تبقي تفكري
قبل ما تتكلمي “.
أنزلها لتبتعد عنه مهرولة لآخر الغرفة
قائلة برجاء:”عشان خاطري و الله مكانش
قصدي…..
قاطعها و هو يعيد كلامها الذي تفوهت به
:” كان يوم اسود… ها….
كاميليا بنفي و هي تمسد أسفل ظهرها :”لالالا كان بامبي… أخضر فستقي..
أي لون عاجبك المهم العقاب لا… اصل
إيدك ثقيلة و بتعلم.. اااه
صرخت عندما وثب أمامها فجأة ليمسكها
بسهولة و قد إتسعت إبتسامته الشامتة
لتصرخ هي و تدفعه بجنون للتخلص منه قائلة
بصوت باكي:”و الله محاسمحك المرة دي
لو ضربتني…
ضمها نحوه بقوة لتغوض داخل جسده
لتخمد حركتها مثبتا رأسها بيده بعد أن
تأكد من هدوئها همس في اذنها بصوت
لين :” إهدي مش حعمل حاجة كنت بهزر
معاكي بس…و بعدين مش بيقولوا ضرب
الحبيب و إلا خلاص مبقتش حبيب..
شعر بارتعاش جسدها ليعلم انها تبكي
ليتنهد بنفاذ صبر و هو يجذبها برفق
لتسير معه و يجلسا معا على حافة
السرير…
حاولت دفعه عنها دون فائدة
ليحاوط هو وجهها بكفيه لاتتوقف
عن المقاومة مد انامله ليزيح دموعها برفق
قبل أن يهتف بنبرة حنونة و كأنه ليس
هو نفسه من كان يتحدث منذ قليل
:”
إنت اللي قلب….. و عيون… و روح…. شاهين و….. دنيته… كلها… متعيطيش..خلاص.. حقك… عليا
كان يقبل كل ما طاله من وجهها بعد كل
كلمة يقولها..عضت شفتيها بقوة
مانعة اي دموع أخرى من النزول…محاولة
السيطرة على مشاعرها التي تكاد
تفضح تأثرها بكل كلمة ينطق
بها….لتقول بدل ذلك :”لا إنت كنت عاوز
تعاقبني…..
صدرت منه ضحكة خافته قبل أن
يجيبها :” طب بذمتك ينفع الكلام اللي
قلتيه و قدام الولاد يقولوا علينا إيه
و خصوصا فادي….داه بقى كبير
و بيفهم.
كاميليا بنبرة متعثرة :”كنت زعلانة منهم…
شاهين و هو يلاعب ذقنها بابهامه
و في كل مرة يطبع قبلة رقيقة على عنقها :” بطلي تجبريهم ياكلوا خضار مسلوقة..طعمها وحش جدا
إتفقنا “.
:” حاضر… ”
غمغمت كاميليا بطاعة و قد بدت
مغيبة و كأنها في عالم آخر لا تستطيع مقاومته ليبتسم هو بسعادة ماكرة لنجاحه في كل مرة في السيطرة عليها و تمكنه بسهولة تامة من قلب حالتها كليا ….
أمام كلية الطب…
يجلس محمد في سيارته منذ حوالي
نصف ساعة ينتظر خروج نور ليقلها
إلى المنزل كما يفعل يوميا…
نظر إلى ساعته للمرة العاشرة قبل
أن يزفر بملل.. يقسم انه سينفجر
يوما ما من شدة غضبه من أفعالها
الطفولية المتهورة فكيف لا و هي
تكاد تفقد صوابه في كل مرة منذ
أن خطبها او بالأحرى منذ أن
عقد قرانه عليها أي منذ سنة
و بضعة أشهر بعد أن إستطاع
كسب الجميع بصفه للضغط
عليها لتمتثل نور رغما عنها لإلحاح كاميليا
و والدتها عليها حتى تقبل به
ليتحقق بذلك حلمه بها منذ أول يوم رآها فيه.
هدأت ملامحه الثائرة فور ان لمحها
تقترب من السيارة بخطى هادئة
بعد أن أشارت لصديقتها تودعها..
فتحت الباب لتركب بجانبه بعد أن
ألقت عليه التحية بنبرة مختصرة :”أهلا”.
هز حاجبيه بعدم رضا من برودها معه
رغم أنه تعود عليها و على طبعها
الجاف ليجيبها ببرود مماثل :”أهلا…
قاد السيارة بملامح متجهمة بينما
إنشغلت هي بهاتفها تقلبه باهتمام
غير مبالية باللذي يجلس بجانبها
ينتظر ان تعبره بكلمة واحدة….
تنحنح محمد بعد أن يئس من حديثها
ليسألها :” إيه رأيك نتغدى سوى… في
مطعم فاتح جديد و أكله تحفة مش بعيد
من هنا…
قاطعته ببرود تخفي ضيقها :” لا انا وعدت
ماما حتغدى معاها.. زمانها مستنياني هي
و كريم……
لوى ثغره بتهكم و كأنه كان متوقعا
لإجابتها:”كالعادة بتتهربي انا مش عارف
لحد إمتى حتفضلي كده “.
فتحت نور حقيبتها لتخفي بداخلها
هاتفها و هي تجيبه في نفس الوقت
:” مفيش داعي للكلام داه.. إحنا في كل
مرة بنفتح فيها الموضوع داه بتنتهي
بخناقة خلينا كده احسن”.
محمد :”أحسن…. احسن في إيه؟؟ ها
إحنا كلنا كده على بعضنا مش زي
أي طبيعين و لا كإننا مخطوبين بقالنا
سنة بتكلميني بالعافية و لا مرة
قبلتي نخرج نتفسح و إلا نقعد مع
بعض نتكلم و لا نتغدى…. رافضة
أي تواصل بينا لحد إمتي حتفضلي
كده “.
نور بضيق :” إنت عارف كل حاجة على
فكرة فمفيش داعي لكل العصبية
دي…انا كده و مش حيتغير و لو حضرتك
مش عاجبك الحال براحتك…كل واحد
يروح لحاله و نفضيها سيرة اصلي
بصراحة زهقت “.
مرر نظره بينها بين الطريق متفرسا ملامح
وجهها البريئة التي يهيم بها عشقا
ليزفر بقلة حيلة… مهما فعلت و قالت
لم يستطيع التفريط فيها بعد
ان تعذب في الحصول عليها.
:” إنت ليه كده…هاين عليكي قلبي عشان
توجعيه بالطريقة دي…. إنت لو تعرفي
أنا بحبك قد إيه مكنتش قلتي كده”.
غمغم بمرارة و عجز مكملا :”بقالي
سنين يشحت منك شوية حب
و إهتمام… دست على كرامتي
أكثر من مرة و بتجاهل كلامك
و معاملتك الباردة ليا كل داه عشان
لييييه… قوليلي ليييه”.
صرخ بقوة و هو يضرب مقود. السيارة
بعنف حتى كاد يخلعه من مكانه لتنكمش
نور على نفسها ملتصقة بنافذة السيارة
متحاشية النظر ناحيته حتى لا ترتعب
أكثر…. فمحمد منظره مخيف و هو هادئ
فكيف سيكون عندما يغضب..
عضت شفتيها عدة مرات محاولة
التفوه بأي كلمة تهدأ بها غضبه
لكنها فشلت لتهتف في الاخير
بتأتأة :”مح…. مد إهدأ….إنت
بتسوق”.
و كأنها بكلماتها تلك زادت من لهيب
ناره التي تشتعل داخله منها ليهدر
بصياح :”خايفة على نفسك….كالعادة كل اللي
يهمك نفسك و بس…. مش هامك انا
اولع بغاز انا و قلبي و مشاعري….
يا ريتني ما كنت قابلتك و لا شفتك
و لا قلبي تعلق بيكي…. يا ريتني ماحبيتك
يا نور…مكنتش ذليت نفسي لحتة عيلة
عشان تلعب بيا…
قطع كلامه و هو يوقف السيارة بهدوء
ليسند رأسه على الكرسي مستنشقا
الهواء بقوة عدة مرات…ليهدأ من نفسه
حتى لا يقوم بشيئ متهور يندم عليه لاحقا.
تكلمت نور بصوت منخفض :”طيب
خلينا ننزل نتغدا و بعدين نكمل كلامنا”.
صدرت منه ضحكة ساخرة عقبها قوله :”كثر
خيرك…البرنسس تنازلت المرة دي و قبلت
تتغدا معايا….
اجابته بهدوء:” محمد ملوش لزوم الكلام داه
إنت عارف إن أنا و إنت حكايتنا من الاول
كانت غلط…. أنا كنت صريحة معاك ومخبيتش
عليك حاجة من اول مرة كلمتني فيها…. قلتلك
إني أنا مش بحبك و طلبت منك إنك تنساني
و تدور على واحدة ثانية من مستواك و تليق بيك..
بس إنت اللي ركبت دماغك و اصريت عليا
و انا وافقت بس كان غصب عني مكنتش
مقتنعة.. ماما من جهة و كاميليا و جوزها من
جهة ثانية حتى كريم….كلهم حتى إنت
كنت كل اما اروح مكان الاقيك فيه حاصرتني
من كل الجهات و تحت الضغط داه كله أنا
سلمت ووافقت بس إنت كنت عارف يعني
إنت دلوقتي ملكش حق تلومني على حاجة
و انا كمان مش حجبرك تكمل معايا…
إلتفت الآخر نحوها ليوليها كل إهتمامه
مركزا على كل كلمة تقولها قبل أن. يتحدث
:”طيب ممكن افهم ليه؟؟ و متقوليليش
شكلي عشان دي حجة عبيطة و مش
داخلة دماغي……
اجابته و هي تحرك رأسها بنفي :” طبعا
لا….مش داه السبب بس في أسباب
كثيرة بتدل على إن حكايتنا غلط من الاول
زي الفرق الاجتماعي الكبير جدا اللي بينا
مثلا انا نور بنت سعيد محمود
اللي شغال عامل في محل صغير و إنت
محمد اللي من عيلة البحيري من أكبر واغنى
العائلات في البلد…
حولت نظرها نحو الشارع قبل أن تستأنف
حديثها من جديد بنبرة حزينة :”إنت
مشفتش إحنا كنا عايشين إزاي قبل
ما كاميليا أختي تتجوز شاهين الألفي
كنا…فقرا اوي مش لاقيين ناكل .. انا
كنت بستلف هدومي من بنات الجيران
لما يكون عندنا فرح او مناسبة…بالمختصر
انا من عيلة بسيطة و فقيرة و كل
حاجة عندنا هي ملك لاختي و جوزها
يعني…
محمد بعدم تصديق :”يعني إيه… يعني
إيه يا نور إنت مجنونة انا مالي و مال الكلام
داه انا عاوزك إنت…. بحبك إنت
حفهمك إزاي داه….و بعدين ما انا عارف
و عيلتي كلها عارفة ها في حجة ثانية
و إلا خلاص”.
بللت نور شفتيها قبل أن تنطق مدافعة
عن رأيها :”دي مش حجج دي حقايق
بكرة لما نتجوز حتفهم كويس أنا بتكلم
عن إيه و ساعتها انا إللي حبقى خسرانة “.
تنهد بنفاذ صبر من عنادها و رأسها اليابس
قائلا :” أنا لسه مستغرب من نفسي انا
جايب طولة البال دي كلها منين….و بسمع
كلامك الأهبل داه”.
نور بغضب :”كلامي مش هبل و إنت
عارف داه كويس … و الدليل اخوك
اللي تجوز بنت عمك و طلقها بعد شهرين
…وكان بيخونها مع كل ست يقابلها
و اهو بقاله ثلاث سنين لا حس و لا خبر
رمى إبنه و مراته…اللي هي بنت عمه
تقدر تقلي انا حيبقى مصيري إيه
لو حضرتك تجوزتني و رميتيني
زي ماعمل أخوك….
فغر محمد فاه بصدمة غير مصدق
لما يسمعه منها لأول مرة…هل وصل
بها التفكير لهذا الحد ان تظنه كأخيه أيهم؟
إحتقنت الدماء في وجهه أكثر و قد شعر
بأنه يكاد ينفجر في أي لحظة….
اعاد تشغيل سيارته من جديد متفاديا
قول اي كلمة ليسير في طريقه من جديد..
تسمرت ليليان مكانها و هي تنظر امامها بصدمة
و كأن الزمان توقف عندها عندما إعترضت
أميرة طريقها في مدخل الفيلا لتخبرها
بصوت متحمس:”أيهم رجع يا لولو… أيهم
رجع”.
أومأت لها وهي تبتلع ريقها بصعوبة
و دوار خفيف قد أحاط بها حتى
كاد يجعلها تقع مكانها على الأرض
لولا انها تمالكت نفسها في آخر لحظة
لتكمل سيرها للداخل بخطوات
متوترة……
لم تره منذ ثلاثة سنوات و لم تسمع
حتى صوته و كأنه لم يكن في حياتها
من قبل…لم يبق لها سوي ذكرياتها معه في كل
ركن من الفيلا و المستشفى…
توقفت عن السير تبحث عنه بأعين
مترقبة من بين أفراد العائلة الذين
كانوا مجتمعين حوله في الصالون…لتجده
اخيرا بدا مختلفا في شكله عما
كان عليه سابقا…لحية خفيفة و نظارات
طبية و جسد نحيف و عيون ترسل
رسائل كثيرة… شوق و لهفة، خوف و تردد
امل و حزن، عذاب و ندم….
و كأنه احس بحضورها شعر بها
دون أن يرفع عينيه حيث لم
يمنعه إنشغاله باحاديث عائلته
الكثيرة و أسئلتهم المختلفة من
إستشعار وجودها…ليرفع عينيه
نحوها و إبتسامة رقيقة وجدت
طريقها نحو ثغره كالملاك الذي نزل
من السماء يراها… بحجابها الأبيض
و غمازتيها التين إشتاق إليها حد
الموت…
تنحنح قليلا و هو يقف من مكانه
حاملا طفله الذي غفى في أحضانه
متقدما نحوها بخطوات مترددة حتى
وصل أمامها..مد يديه و علامات الخجل
تصحب جميع تصرفات قائلا بصوت
خافت :”إزيك يا ليليان… عاملة إيه؟”.
بصعوبة حركت يدها نحوه لتصافحةو تحيته
قائلة :”حمد لله عالسلامة.. إزيك إنت ؟؟
أومأ لها و هو يسحب يده مرغما ليحيط
بها جسد طفله بقوة يمنع نفسه بصعوبة
من جذبها نحو أحضانه ليزيل عنه شوق
سنين.
تمالك نفسه بصعوبة ليعود لمكانه و هو يربت
باصابعه على شعر أيسم لتعرض عليه
والدته أخذه لينام في غرفته… أعطاه لها
بعد أن قبله قبلة طويلة و عيناه لا تحيد
عن تلك التي مازالت تقف مكانها و كأنها
تمثال جامد…و قد طافت بعقله مئات
الأسئلة و الافتراضات حول ردة فعلها
بعد رؤيته…
إستجمعت ليليان بقية قوتها لتستأذن
من الحاضرين الصعود إلى غرفتها
لأخذ قسط من الراحة بعد قضائها
ليوم طويل من العمل المرهق..
أغلقت باب غرفتها بهدوء ينافي
صخب قلبها و جوارحها…لقد عاد
كابوسها من جديد و عادت معه ايام
العذاب و الحزن بعد أن إستطاعت
طوال الثلاث سنوات الماضية
من مداواة جروحها و آلامها هو
عاد حتى يفتحها من جديد
رمت حقيبتها بعنف على السرير
ثم إستدارت نحو باب الشرفة
لتفتحه و تسير بهدوء نحو السور
الرخامي لتسند عليه بيديها.. تنفست
الهواء بقوة بعد أن احست بانقطاعه عنها
ثم مسحت براحة كفها رقبتها عدة مرات
قبل أن تتوقف فجأة عندما شعرت بدخول
أحدهم إلى غرفتها….
لم تكد تخطو خطوة إلى الداخل حتى
تفاجأت بأميرة تقفز أمامها كالقطة صارخة
بقوة :”لولو…. شفتي أيهم جابلي إيه؟؟
رمقتها ليليان بعدم رضا و هي تضع
يدها موضع قلبها تهدأ ضرباته
التي زادت بسبب فزعها من صراخ
أميرة :” يوووه يا ميرا إنت مش حتبطلي
حركاتك دي…. موتيني من الرعبة حرام
عليكي “.
قهقهت الأخرى بخفة و هي ترمق
ملامحها الفزعة بتسلية قائلة
:”سوري يا لولو…مش قصدي
بس الظاهر إنت اللي كنتي سرحانة
بقلك إيه تعالي عشان اوريكي علب
المايكاب اللي جابهالي تجنن تجنن
يا لولو…..
جذبتها بخفة من يديها لتدخلا
إلى الداخل و تجلس أميرة على السرير
و تبدأ في فتح العلب الفاخرة بحماس
مثرثرة :” واو… مكنتش عارفة إن أيهم
ذوقه حلو كده…. الظاهر في حاجات
كثيرة تغيرت فيه مش بس
شكله….
رفعت عيناها نحو ليليان و هي
تضم شفتيها بتفكير قبل أن تردف
:” حساه مختلف اوي عن زمان مش بيتكلم كثير
و لا بيشخط زي عوايده…حتى لما اخذ ايسم
في حضنه عيط.. انا شفت دموعه و ماما
كمان…. المهم انا حسيبك تغيري هدومك
و بعد العشاء حرجع عشان اوريكي
الحاجات الثانية… و إنت كمان….إتفقنا
وقفت من مكانها و هي تلملم اكياسها
بسرعة مضيفة :” اصل أيهم جايب شنط
كثير و حطها على جنب في اوضته …”.
خرجت أميرة تاركة ليليان تضع
يديها على رأسها بتعب من ثرثرة
إبنة عمها التي لا تنتهي…
جلست على الفراش بهدوء متمتة بملل
:”البنت دي حتجنني…ميكاب إيه و زفت إيه
اللي بتتكلم عليه داه مش مكفيها محل مواد
التجميل اللي في أوضتها…و مين اللي تغير داه؟؟
أنا مش فاهمة حاجة و مش عاوزة أفهم اصلا
يتغير ميتغيرش دي حاجة تخصه… يبعد عني
و خلاص داه المهم…. اوووف خليني اقوم
اغير هدومي و انزل اشوف إيه الحكاية
بالضبط “.
تمتمت بانفعال قبل أن تتجه نحو خزانة
ملابسها لتنتقي ملابس بيتية أنيقة
لترتديها و تنزل….
بعد نصف ساعة كانت مع بقية
أفراد العائلة الذين تحلقوا على مائدة
الطعام يتحاذبون أطراف الحديث
متحمسين برجوع أيهم….
سيف بمزاح:” بما إنك رجعت فأنا
اعتبر نفسي في إجازة طوييييلة…. ياه
بقالي ثلاث سنين مستني اليوم داه”.
ايهم بابتسامة و هو يختلس النظر
ليليان بين الحين و الاخر :” وانا مال ما
انا بردو في اجازة …
سيف و يمثل الحزن :” يعني إيه
في اجازة….شركتك و إدارة المستشفى
ردت إليكم انا مليش دعوة من بكرة
دوروا على حد غيري انا راجع مكتبي
في شركتنا “.
ايهم بجدية :” سيف لو سمحت…انت
عارف إن الشركة و المستشفى باسم
ليليان…. يعني هي صاحبة الشأن و القرار….
رفعت رأسها عندما سمعته يتحدث عنها
لتتلاقى أعينهما لتخفض ليليان عينيها
متظاهرة الانشغال بطبقها ليتحدث
سيف بثرثرة :” ماهي رجعتهم باسمك
من زمان…و الأوراق موجودة في مكتب
بابا….هي ما قالتلكش و إلا إيه؟؟؟
سعلت ليليان بقوة لتتجه جميع الانظار
نحوها…ليرمقها أيهم بقلق قبل أن تسارع
أميرة و تعطيها كأس مياه لتاخذه منها
ليليان و هي تشعر بحرج كبير….
تنحنح أيهم عن قصد حتى يجذب الانظار
نحوه قبل أن يتكلم بصوت هادئ :”طيب
خلينا نأجل الكلام داه لبعدين…
إلتفت نحو والدته ليكمل :” تسلم إيدك
يا ماما الأكل تحفة بقالي كثير مأكلتش
اكل زي داه….
كاريمان بابتسامة فرحة :”بالهناء و الشفاء
يا حبيبي…لو عاوز اكلة معينة قلي و انا
ححضرهالك بنفسي….
سيف بغيرة :” يا سلام.. من شاف احبابه يا ست
ماما….
ضحك الجميع و اكملوا تناول العشاء في
جو لا يخلو من المزاح و الضحك…..
بعد إنتهاء السهرة العائلية المعتادة
دلفت ليليان غرفتها مشتاقة لصغيرها
الذي لم تره كثيرا اليوم…توقفت عن السير
بعد أن لمحت أيهم متكئا على ذراعه
بجانب أيسم الذي كان يغط في نوم
عميق… يداعب شعره بحنان و يقبله
بحرارة بين الحين و الاخر مستنشقا
رائحته الطفولية بعمق…
إنتبه أيهم لقدومها ليقف من مكانه
بهدوء و إبتسامة سعيدة تسللت
نحو شفتيه عند رؤيتها…مازالت كما
هي..كما تركها منذ سنوات لم تتغير
سوى انها إزدادت جمالا عن قبل
ركز ببصره على خديها و تحديدا في مكان
غمازتيها قبل أن يتكلم بصوت خافت
حتى لا يزعج الصغير النائم وراءه:”أنا
آسف عشان دخلت اوضتك من غير
إستئذان… بس انا كنت عاوز اشوف
أيسم….أصله واحشني اوي و ملحقتش
اشبع منه”.
أومأت له بإيجاب و هي تخفض رأسها
دون أن تنظر نحوه.. تقدمت للداخل
نحو الصغير من الجهة الأخرى للسرير
لتجلس قريبة منه… أمسكت بكفه
الضيئلة لتقبلها ثم جذبت الغطاء
أكثر نحو صدره لتغطيه….
راقب أيهم بتمعن.. كل حركة تقوم
بانفاس منقطعة يخزن ما يراه داخل
عقله و قلبه الذين حرما طويلا من
رؤيتها…
لاحظ توقف حركتها و سكونها في
مكان واحد ليعلم انها تنتظر خروجه
من الغرفة…لكنه عكس ذلك سار بهدوء
نحو كرسي وجده قريبا من السرير
ليجلس عليه قائلا :”أنا كنت عاوز اتكلم
معاكي في موضوع الشركة و المستشفى
إنت ليه عملتي كده… انا مش عاوزهم
و بكره إن شاء الله اول حاجة حعملها
حرجعهم باسمك إنت و أيسم… دول من
حقك”.
اجابته دون تفكير :”انا مش محتاجة
منك حاجة…لا انا و لا إبني انا اصلا
كنت مستنياك عشان ترجع.. ”
خفق قلبه بلهفة منتظرا بشوق ما ستقوله
بعد ذلك لكنها خيبت أمله بعد أن أكملت
:” عشان نكمل إجراءات الطلاق….
هب من مكانه منتفضا و كأنه نارا احرقته
و هو يكاد يخترقها بعينيه ليهتف
بصوت مرتعش:”لا…. لا ..لو سمحتي
متكمليش…مش وقت الكلام داه عشان خاطر
إبننا يا ليليان…
ليليان بجمود رغم أنها لاحظت
إرتعاش صوته و ملامح وجهه التي تجهمت:”
طيب.. خذ وقتك زي ما إنت عايز اسبوع
إثنين شهر سنة لو حابب بس الموضوع داه
حيحصل في الاخير يعني ليه التأجيل؟
في تلك اللحطة شعر بأنه سمع صوت
تحطم قلبه و تمزق شرايين لآلاف القطع…
ساقيه اصبحتا كالهلام لا تقدران على
حمله ليرتمي من جديد على الكرسي
وراءه و إحساس العجز و قلة الحيلة
يغزوانه تدريجيا.. لا يستطيع إرغامها
على العودة إليه.. يعلم انه امر مستحيل
و انه لديها كل الحق مهما قالت او فعلت
فما يحصده الان هي ثمار ما غرسه في الماضي.
إبتسم بألم قبل أن يتكلم بصوت يتخلله
بعض الرجاء وكانه آخر حل لديه :”طيب
خلينا كده…إنت كملي عيشي هنا إنت
و أيسم و انا.. انا إشتريت شقة جديدة
قريبة من هنا حسكن فيها… و اوعدك
مش حزعجك و لا حعمل اي حاجة
تضايقك.. حتى…. حتى لما آجي
اشوف أيسم حبقى اديكي خبر
قبلها بيوم…و اوعدك مش حتشوفيني
كثير… مرة واحدة في الأسبوع حبقى
آخذه الصبح و حجيبه بعد الظهر… مش
حخليه عندي كثير عشان متتضايقيش
ليليان ارجوكي انا قابل بكل شروطك
مهما كانت إلا الطلاق.. ارجوكي بلاش
مش حقدر أعمل كده انا إستحملت الغربة و بعدي
عن إبني و إستحملت إني مبقاش موجود يوم
ما تولد…. و تحملت بعدك عني اللي
بيقتلني كل دقيقة و كل ثانية حستحمل حتى لو مية سنة قدام… بس مش حستحمل الطلا……
خفض رأسه و هو يغلق عينيه بقوة يمنع تساقط دموعه التي اغشت عينيه التي أوشكت على فضح
ضعفه و هو الذي لم يتعود ان يكون ضعيفا
من قبل…. يقسم انه مستعد في هذه
اللحظه ان يخر على ركبتيه اسفل قدميها
طالبا الصفح و الغفران…ناشدا إياها
إن تمنحه فرصة اخيرة حتى يحاول
إصلاح ما افسده سابقا…..
حدقت ليليان بذهول فيه غير مصدقة
تذكرت قول أميرة قبل ساعات عندما
أخبرتها انه تغير و لكنها لم تكن تعلم
إلى أي حد… هل من المعقول انه هذا هو
ايهم كابوسها المرير الذي رافقها
لسنوات طويلة… هل هو نفسه من
جعلها تكره حياتها بسببه؟؟ هل غيرته
سنوات البعد حتى أصبح إنسانا يفقه معنى
الندم و الحزن ام أنها.. خطة جديدة
يتبعها حتى يصل إلى مراده ثم من
بعد ذلك يعود كما الفته من قبل؟؟؟
حركت رأسها لتنفي عنها تلك الأفكار
التي تجمعت فجأة داخل دماغها…
ثم وجهت بصرها نحوه من جديد
لتجده على حاله…
طال صمتهما ليقطعه أيهم الذي وقف
من مكانه فجأة و قد إرتسمت على
ثغره إبتسامة مريرة ليتحدث
بصوت جاهد ان يخرج عاديا :”أتمنى
تفكري كويس في كلامي… فكري في
أيسم حياته حتبقى إزاي و أمه و ابوه
مطلقين.. انا مش بكذب عليكي انا فعلا
تغيرت اوي مبقتش أيهم بتاع زمان
و الايام حتثبتلك صدق كلامي….
تصبحي على خير…..
إتجه نحو الباب بعد أن أنهي كلامه
و دون أن ينتظر إجابتها غادر المكان
تاركا إياها تتخبط في ذكرياتها بين
الماضي و الحاضر….
بعد اسبوع ….
تجلس كاميليا بملل في مكتبها في
شركة شاهين الذي أقنعها بالعمل معه
بعد أن كانت رافضة تماما فكرة الخروج
للعمل و الانشغال عن اطفالها
تتصفح صورهم في حاسوبها المحمول
زفرت بانزعاج بعد أن لمحت في
أسفل الشاشة الساعة التي كانت تشير
إلى الحادية عشر صباحا…
تمتمت و هي تمط شفتيها بغضب
قائلة:”هو الوقت مش بيعدي ليه هنا؟؟
اوووف انا بجد زهقت…
قاطع أفكارها دخول هبة التي
إنفجرت ضاحكة عند رؤية صديقتها
تجلس كما تركتها منذ ساعة بنفس
هيأتها مسترخية على كرسيها و تضع
خدها على يدها و بيدها الأخرى تضغط
ازرار الحاسوب…
رمقتها كاميليا بعيون نصف مغمضة
قائلة بعدم مبالاة :”إنت إيه اللي جابك
هنا معندكيش شغل؟؟؟
تصنعت هبة الحزن لتضع يدها على
صدرها شاهقة بزيف :” إخص عليكي
يا كوكي و انا اللي جيت اطمن عليكي
قلت يمكن محتاجة حاجة….
وضعت أمامها كوب القهوة ثم جلست
على الكرسي أمام المكتب لتخطف نظرة
على الملف الذي لم يمس حتى الآن
قائلة :” إنت لسه مكملتيش تصميم
المشروع….على فكرة معاد تسليمه
النهاردة.. و البشمهندس حسن
هو اللي حيختار التصميم الأفضل..
نفخت كاميليا خدها بعدم إكتراث
قبل أن تجيبها دون أن تحول نظرها
عن شاشة الحاسوب أمامها :” لا خلصته
من يومين…و حبقى اسلمه بعدين..
هبة و هي ترفع حاحبيها بعدم رضا :” أنا ليه
حاسة إنك جاية الشغل مجبرة…مين غير
نفس كده؟؟
كاميليا :”مش قادرة اتأقلم مع جو الشركة و
الشغل…ملفات و تصاميم حاسة إني مش
فاهمة حاجة…تعودت بقعدة البيت و العيال…
انام براحتي و اصحى براحتي عاوزة ارجع
اتفرج على التلفزيون مع طنط ثريا… وحشني
مسلسل الحاج متولي داه معاده بقالي اسبوع متفرجتش عليه…. .
أنهت جملتها بصوت شبه باكي لتحدق
بها هبة ببلاهة قبل أن تنفجر ضاحكة
عليها و هي تهتف من بين ضحاتها
:”مسلسل إيه ياهبلة…مش مصدقة إن
اللي قدامي هي نفسها كاميليا الأولى
على دفعتي خمس سنين…
كاميليا :” داه كان زمان…انا اصلا دماغي
تمسح منه أي حاجة تخص الهندسة…بيت
ربة بيت ممتازة زي ما بيقولوا….انا مش
فاهمة إنت إزاي مستحملة خنقة الشغل
هنا..حاجة تقرف..
هبة و قد إكتسى ملامحها بعض الحزن
:” مفيش حاجة تخليني أقعد في البيت
ما إنت عارفة لا عيل و تيل
بالعكس على الاقل الشغل بيلهيني
شوية و يخليني انسى و ابعد عن
المشاكل…..
عضت كاميليا شفتيها و هي تشعر
بتأنيب الضمير لتطرقها لموضوع حساس
عند صديقتها دون قصد…لتنطق محاولة
تشتيت تفكيرها :” بقلك إيه معاكي روج؟؟
اجابتها الأخرى و هي تنظر لها ببلاهة :” روج
إيه؟؟؟
كاميليا :”روج يا هبة…و يا ريت يكون
لون فاقع اصل مش معايا حاجة في
شنطتي غير البرفيوم؟؟؟
هبة بتعجب :” نعم ياختي…. برفيوم و بس
مفيش حتى ماسكارا، ايلاينر….
كاميليا بنفي و هي تمد لها حقيبتها :”تؤ….و
لا اي حاجة… اصل شاهين قبل ما اخرج
بيفتش الشنطة و لو لقى حاجة تابعة
الميكاب بيرميها على طول…
هبة و هي تمصمص شفتيها بانزعاج :”ما
أنا شايفاكي اهو قدامي وشك مفهوش حاجة…
بس مش جديدة ما إنت من زمان يعني
من قبل ما تتجوزي مكنتيش بتحبي تحطي
حاجة على وشك…يا دوب بتغسليه و تنزلي
بيه على طول كده”.
كاميليا بتنهيدة:”عشان زمان مكانش عندي
ثمن قلم كحل… بس دلوقتي الحمد لله التسريحة
مليانة..
هبة :”طيب مش قلقانة يشوفك و إنت
عاملة روج هنا….
كاميليا بتذمر:” وحيشوفني إزاي؟؟ لو طلبني
حبقى امسحه قبل ما اروحله….
هبة بعدم إقتناع و هي تنهض من مكانها
:” طيب حروح اجيب شنطتي و اجيلك…
تراجعت كاميليا بظهرها على
الكرسي و هي تراقب خروج هبة
بأعين ناعسة قبل أن تلمح من
جديد ذلك الملف الذي حدثتها عنه
صديقتها منذ قليل….
ضمت شفتيها باستهزاء لاترغب في التفكير
في أي شيئ يخص العمل….
دخلت عليها هبة من جديد و هي تفتش
حقيبتها لتضع أمامها عدة انواع من مستحضرات
التجميل قائلة :”داه ايلاينز و داه ماسكارا و
دول روج إختاري اللي إنت عاوزاه و دي……
قاطعتها كاميليا و هي تخطف قلما أحمر
فاقعا جذب إنتباهها :” لا خلاص خدي
الثانيين كفاية داه… هاتي مراية و إلا قلك
حضبطه على كاميرا التلفون….
هبة باستسلام :”طيب انا رايحة
دلوقتي علشان عندي شغل مستعجل
و لازم أخلصه…و إلا عمر حيطين
عيشتي…
كاميليا :”طيب قبل ما تروحي… قوليلي
إيه رأيك في الروج… حلو عليا بقالي
كثير محطيتش اللون داه…
هبة بخبث:”هو من ناحية حلو فهو حلو اوي
بس لو شافك جوزك حيبقى احلى و احلى
“.
كاميليا بعناد :” وهو جوزي حيشوفني إزاي يا فالحة؟؟
هبة و هي تغمزها:”من الكاميرا اللي في
المكتب يا قمر….
وضعت الأخرى يدها على ثغرها
و قد إتسعت عيناها برعب بعد أن
سمعت ما تفوهت به هبة و هي تنفي براسها
يمينا و يسارا قبل أن تتكلم باختناق
:” كاميرا هو حاططلي كاميرا في المكتب “.
هبة و هي تتجه نحو باب المكتب
:” الشركة مليانة كاميرات…يلا سلام
اشوفك بعدين”.
جالت بعينيها ارجاء المكتب بحثا
عن الكاميرا المختبئة لكنها لم تجدها
لتبدأ في مسح احمر الشفاه بمنديل ورقي و هي تطمئن متمتمة:”مفيش كاميرا هنا… اكيد
الغبية هبة قالت كده علشان تغيضني
مش اكثر… و بعدين هو انا خايفة منه ليه
أنا مش بعمل حاجة غلط و كل الستات
بتعمل روج و ألوان ثانية كمان….ايوا صح…
قاطع تمتمتها رنين هاتفها لتصرخ
بفزع قبل أن تستدرك نفسها….
:” يا لهوووي داه شاهين…يا نهار اسود
يا نهار اسود… حيقتلني…حتموتي
يا كاميليا بسبب قلم روج”.
في الخارج تابعت هبة طريقها نحو مكتبها
لكنها توقفت فجأة متمتمة بتفكير :”أنا نسيت
مقلتلهاش إن الروج ثابت و مش بيتمسح
قبل إثناشر ساعة..
وضعت يدها على مقبض الباب لتفتحه
و تدلف و هي مازالت تتمتم:”حبقى أقلها
بعدين… دلوقتي
لازم أخلص كوم الملفات اللي سابهولي
الاستاذ جوزي…انا إيه اللي خلاني اقبل
ابقى مديرة مكتبه…بلا نيلة ماهو
لو كنتي رفضت كان قعدني في البيت…..
فين ملف الصفقة 5642 انا حطيته فين….
فين يا هبة؟؟ ركزي بقى….
في الجهة الأخرى من نفس الطابق دخلت
كاميليا مكتب شاهين الذي كان منشغلا
بدراسة التصاميم التي
قدمها عدة مهندسين من الشركة حتى
يتم إختيار التصميم الأنسب
لبناء المدينة السياحية الجديدة
التي تعتزم الشركة بنائها قريبا….
كان يترأس طاولة الاجتماعات
و على يمينه يجلس عمر و بجانبه
المهندس حسن بينما يقابلهما
في الجهة الأخرى رجلين لم تتعرف
عليهما كاميليا التي ظلت واقفة
بارتباك..
خفض الجميع رؤسهم باحترام متحاشين
النظر نحوها مخافة غضب رئيسهم…بينما
رفع شاهين عينيه نحوها يتأملها بشوق
و حب.. لحظات قليلة حتى أدرك أن
مشاهدتها من بعيد لم تعد تكفيه…
أشار لها حتى تجلس على مكتبه قليلا
قبل أن ينهي الاجتماع على عجل.
وقف من كرسيه ليسير نحوها
حالما أغلق عمر باب المكتب خلفه…
توقف أمامها بعد أن لاحظ إرتباكها
ليفهم أنها قد قامت بفعل شيئ
خاطئ و تخفيه عنه
اثار إنتباهه أحمر الشفاه الذي
زين شفتيها حتى أصبحتا مثالا
في الجمال و الإغراء لتعتريه
رغبة جامحة في تقبيلها بقسوة
حتى يزيل عنهما هذا اللون المزعج الذي
إستفزه بشدة.. وضع يديه في جيوب
بنطاله متمالكا نفسه بصعوبة قائلا بسخرية
:” حلو الروج….جبتيه منين؟؟؟
رفعت رأسها نحوه قائلة باستغراب
:” روج إيه؟؟ انا مسحته قبل ما أجيلك….
إنحنى نحوها ليمرر إصبعه على
شفتيها قائلا :”تؤ….مش من النوع اللي
بيتشال بسهولة…..
رمشت عينيها عدة مرات تسبل اهدابها
و هي تنظر نحوه بوداعة قائلة
بنعومة :”مخذتش بالي…اصلي زهقت
في الشركة و ملقيتش حاجة اعملها….
شاهين :”زهقانة مممم يعني كملتي
تصميم المشروع…
اخذ الملف الذي وضعته منذ قليل
فوق مكتبه ليفتحه و يبدأ في مراجعته
بعد ثوان قليلة تفاجأت به يلقيه
على الطاولة الصغيرة أمامها بإهمال
قائلا بفتور :” باين جدا إنك زهقانة
لدرجة إنك بتشتغلي بالمقلوب…
مفيش حاجة عدلة في التصميم
بتاعك أخطاء ميعملهاش طالب
في سنة اولى…سايبة شغلك و
مهتمة بحاجات تافهة.
وقفت أمامه بتحدي لتشعر بالغضب
من كلاماتها التي تتضمن في طياتها
:” على فكرة إنت اللي اقنعتني إني
آجي الشركة و ابدا شغل… انا مكنتش عاوزة
عشان عارفة نفسي حفشل…. مش حقدر
أركز هنا و قلبي و فكري هناك في البيت
مع الاولاد…مع اللي إسمها فتحية إنت عارف
كويس إني مش بحبها و إنت بالعند فيا
خليتها هي اللي تهتم بيهم”.
شاهين بملل :” رجعنا لنفس الاسطوانة
من تاني…. فتحية مين اللي تتجرأ و تأذي
أولادي… . انا لو كان عندي شك واحد في المية
في أمانتها كنت محيتها من على وش الأرض
من زمان…إنت ليه مش عاوزة تقتنعي
إن حكاية زمان كانت مجرد تمثيلية
مني…شيلي الأوهام دي من دماغك
عشان ترتاحي و بالنسبة للتصميم
أنا عارف إنك بتتعمدي تغلطي عشان تخليني
أيأس منك و ابطل أجيبك معايا الشركة…
كاميليا بضيق من إكتشاف خطتها :”لا طبعا… كل الحكاية
إن المشروع صعب و ِمحتاج حد عنده
خبرة اكثر مني عشان يطلعه perfect….
أحاط خصرها بذراعيه ليقربها منه
هامسا بحنان مفاجئ بعد أن لانت نظراته :” حبيبي
إنت كنتي الأولى على دفعتك خمس
سنين يعني مشروع زي داه مهما كان
صعب لو ركزتي شوية مكنتيش حتغلطي
فيه كده….انا مش عايز احرمك إنك
تحققي حلمك اللي تعبتي عشانه من
سنين…الاولاد بخير متقلقيش و تقدري
كل ساعة تطمني عليهم بالتلفون… و كلما
تحسي نفسك زهقتي او تعبتي تقدري
تروحي انا مش بجبرك إنك تشتغلي بالعافية
بس انا لاحظت من فترة طويلة إنك
بقيتي مهوسة بالاولاد بشكل غريب…
لدرجة إنك بتراقبيهم حتى و
هما نايمين… بقيتي خنقاهم ياكلوا داه و
مياكلوش داه مش بتخليهم يلعبوا براحتهم
فالحل إنك لازم تبعدي عنهم شوية لو سبتك
كده حتبقي موسوسة…. خليهم هما
كمان يرتاحوا شوية من الخضار المسلوقة
اللي بتجبريهم ياكلوها….
قالها بمزاح مترقبا ردة فعلها التي توقعها
عندما قوست شفتيها بحنق مزيف
و هي تحاوط عنقه بذراعيها تتعلق به
كطفلة صغيرة هامسة بدلال :”بقى كده
يعني إنت جبتني هنا عشان الولاد يرتاحوا
مني….
لثم شفتيها بخفة قبل أن يهز راسه بنفي
ويجيبها بصوت متحشرج:” تؤ جبتك
هنا عشان عاوزك قدامي طول الوقت…
و كمان عشان اكسب ثواب في ولادك
المساكين و خاصة فادي…
زمانه عامل حفلة مع اسيل و ايسم
و بياكلو بيتزا و كنتاكي…..
ضربته على صدره بخفة متمتمة بانزعاج :”انا
مش عارفة إنت ليه كل مرة بتغلبني و بتنفذ بس
اللي في دماغك بأي طريقة…كل حاجة
بتحصل على مزاجك إنت وبس انا مليش
رأي و لا اي قرار….”
داعب انفها قائلا :”و هو انا إيه مين غيرك…
و لا حاجة….
تراقص قلبها بفرحة و اشعت عينيها
بلهفة واضحة تطالعه بنظرات هائمة
مطالبة بالمزيد من كلماته التي تأخذها
عاليا فوق الغيوم الوردية حتى انها
تنسى نفسها و زمانها و مكانها لا ترى
سواه و لا تشعر سوى باحضانه الدافئة…
في كلية الطب…..
أنهت نور محاظراتها الصباحية ثم خرجت
إلى الكافتيريا لطلب قهوة تمكنها من
إكمال يومها الطويل.. إلتقت بصديقتها
بسمة لتتحول القهوة إلى وجبة غداء….
إرتشفت رشفة من كوب المشروب الغازي
الذي طلبته مع بيتزا متوسطة الحجم
لم تأكل منها سوى القليل….لتنظر نحوها
صديقتها بدهشة قائلة :”مش بتاكلي
ليه يا نور؟؟
أجابتها نور و هي تدفع الطبق أمامها قليلا
:” مليش نفس… مش عارفة مالي حاسة
نفسي مخنوقة و مش عاوزة أعمل حاجة
مش عاوزة أبقى في الجامعة و مش عاوزة
اروح البيت… زهقت من حياتي كلها يا بسمة “.
بسمة بحاجب مرفوع :” نعم؟؟ زهقتي امال
أنا أقول إيه؟؟ اروح أنتحر أحسن…
ضحكت نور ضحكة قصيرة ساخرة:” الظاهر
أنا اللي حنتحر و أرتاح….
نفخت بسمة وجنتيها بضيق قائلة :” فعلا
لو مبطلتيش تسمعي لكلام ميار و وسوستها
حتبقى نهايتك يا الموت يا مستشفى المجانين..
إهتز جسدها فجأة إثر صفعة خفيفة على
ظهرها تلاه صوت ميار صديقتهم الثالثة
و هي تصرخ بعتاب :”و مالها ميار يا ست
بسمة..مش عاحباكي في إيه بقى…إشجيني “.
قلبت بسمة عينيها بملل فهي بالرغم
من أنها صديقتهم إلا أنها لم تكن
تطيقها و دائما ماكانت تتشاجر معها
لو لا وقوف نور حائلا بينهما…
:”مفيش…كنا بنتكلم عنك عادي…عشان
محضرتيش محاظرات الصبح…. فقلقنا
عليكي “.
قالتها بزيف و هي تبادلها نظرات
باردة و قد إرتسم على ثغرها إبتسامة
صفراء لكن الأخرى لم تهتم بها…. فكل
ما يهمها هو نور…. او لنقل محمد “.
فميار فتاة في الثانية و العشرون
من عمرها صديقة نور منذ دخولهما
معا كلية الطب… إبنة إحدى الاسر
الغنية و المعروفة و لطالما كانت معجبة
بمحمد و تريد الحصول عليه حتى بعد
إن علمت بحبه و زواجه من نور لتبدأ
بالتقرب منها و أصبحت بذلك صديقتها
حتى تجعلها بكل الطرق تترك محمد
حتى تفوز به بعد أن علمت باستحالة
ترك الاخر لها لأنه يحبها جدا …
إلتفتت ميار نحو نور تراقب ملامحها
الجميلة الشاردة بقهر و حسد تتمنى
لو أنها في مقدورها قتلها و التخلص
منها حتى تحصل على حبها…
أخرجت من حقيبتها هاتفها لتتصفحه
و هي تتحدث او بالأحرى تحدث نور
:”رامي عزام عامل حفلة في اليخت
بعد ثلاثة أيام….تيجوا نروح؟؟
اجابتها بسمة بعدم إهتمام و هي تقضم
قطعة البيتزا :” و من إمتى ياختي و إحنا
بنروح حفلات رامي إمام و إلا غيره”.
بادلتها ميار نظرات مشمئزة قائلة :” رامي
عزام يا جاهلة إبن المستشار مدحت عزام
بقلك إيه يانور سيبك منها دي طول عمرها
كئيبة و فقرية من البيت للكلية و من
الكلية للبيت بعد شهر حتلاقي عندها
الضغط و السكر و جميع الأمراض
النفسية….خلينا نروح انا و إنت صدقيني
المكان حيعجبك جدا… انا متأكدة
إنك عمرك محضرتي حفلات من النوع داه
بحر و مزيكا و رقص حاجة جنان….داه
إنت بالكثير سنة أو سنتين و حتتجوزي
و ساعتها مش حتلاقي فرصة تعملي
الحاجات دي…حتتحبسي في البيت
و حياتك حتبقى لجوزك و أولادك و بس….
يلا بقى قلتي إيه؟؟؟
تنهدت نور بحيرة من كلام صديقتها
الواقعي فهي رأت كيف أصبحت
حياة كاميليا شقيقتها بعد الزواج
و كيف تغيرت… بمجرد إنجابها
لاطفالها إنتهت حياتها المهنية و أصبحت
تكرس كل وقتها للاعتناء بهم…
قاطعت بسمة تفكيرها :” جو الرقص و المياعة
داه مش بتاعنا…و أكيد نور باباها و جوزها
مش حيسمحولها تحضر حفلات ناس متعرفهاش
حتى لو كان زميل لينا في الكلية….
نفخت ميار الهواء بغضب مكبوت
من بسمة التي دائما ما تقف ضدها و تحبط
كل خططها للسيطرة على عقل و تفكير
نور لتقول بنبرة ساخرة:”طبعا عشان
مفيش حد منهم حاسس بيها.. نور بقالها
فترة تعبانة من ضغط الدراسة هي مش
لوحدها طبعا كلنا مضغوطين خاصة
و إن الامتحانات قربت… اي حد في
حالتنا محتاج إنه يرفه عن نفسه شوية
وبعدين دي مجرد حفلة و كل أصحابنا
حيحضروها….
بسمة باندفاع :” نور كويسة لو بس تبعدي
إنت عنها شوية”.
ميار بعصبية :”ليه هو انا عملتلها إيه؟؟إنت
عارفة إن انا بحب نور اوي و بعتبرها أختي
مش صاحبتي وبدور على مصلحتها”.
بسمة باستهزاء:”لا واضح اوي و بدليل…
إنك بتشجعيها تطلق من جوزها”.
ميار بانفعال مزيف :”أنا مش عارفة
أنا عملتلك إيه عشان تكرهيني بالشكل
داه المفروض إن إحنا أصحاب و بنخاف
على بعض و بننصح بعض عشان ناخذ
القرار الصح في حياتنا….انا كل الحكاية
إني بحاول اكون حيادية نور مش سعيدة
مع اللي إسمه محمد داه… في فروقات كثيرة
بينهم بتخليهم مش لايقين على بعض فالاحسن
إن نور تعرف داه من دلوقتي أحسن ما تندم
بعدين و ساعتها مش حتقدر تنقذ حياتها
و بعدين هي بنفسها عارفة إن كلامي صح….
هي لسة صغيرة و حلوة و كلها كام سنة و
حتبقى دكتورة…. ليه تدمر حياتها و تربط
نفسها بعيلة و اولاد من دلوقتي….و اكيد
بعدين تلاقي آلاف الفرص احسن بكثير
من محمد البحيري داه….
بسمة بحنق :”متسمعيش كلامها يا نور
دي شيطان و بتوسوسلك في اوذانك
عشان تدمري حياتك بايدك…صدقيني
محمد بيحبك اوي و مستحيل حتلاقي
زيه و بعدين داه إبن عيلة محترمة و أهله
ناس طيبين اوي و بيحبوكي حتندمي
لو فرطي فيه….
ميار بخبث :” و اخوه أيهم البحيري زير
نساء محترف.. مفيش ست في البلد معملش
معاها علاقة بالرغم من إنه متجوز بنت عمه
مشفعش ليها جمالها و لا ثقافتها و لا راعى
إنها قريبته….يعني اخوه مش حيبقى احسن
منه و بكرة توقفي على كلامي داه…
اكملت و هي تنفجر ضاحكة :” بصراحة
يا نونو انا لما بتخيلك و إنت متجوزاه
بموت من الضحك…يعني إفرضي
تخانقتو و عصب عليكي قلم واحد من
إيده حيوديكي المستشفى….
بسمة بمقاطعة :”و إنت مالك حد خد رايك
بتحشري مناخيرك في اللي ملكيش فيه ليه…يا شيطانة واحدة زيك….
نور بتافف :” خلاص إنت و هي كفاية بقى
سيبوني في حالي هو إنتوا ملكوش
حكاية غيري كل يوم نفس الكلام
لغاية مكرهتوني في حياتي ….
إلتفتت لميار التي تصنعت الاسف:”
ميار انا مش رايحة
لا حفلة و لا غيره الامتحانات قربت
و انا لازم اذاكر كويس…و كمان محمد
مستحيل يخليني اروح و انا مش عاوزة
مشاكل معاه كفاية الخناقة الأخيرة….
ميار و هي تكتم فرحتها :”خلاص يا نور إهدي
إحنا كنا بندردش… محصلش حاجة يعني
المهم راحتك يا حبيبتي…خلينا نغير
الموضوع…
أدارت عيناها قليلا في ارجاء الكافتيريا
قبل تتحدث بملل:” امال فين ديالا.. انا
مشفتهاش النهاردة الظاهر إنها مجاتش”.
رمقتها بسمة بغل تتمنى لو تقفز عليها
و تمسكها من شعرها و تمسح به بلاط
الجامعة بأكمله قبل أن تجيبها بنبرة
ساخرة:”لا جات بس راحت مع
ياسين النادي….
مطت الأخرى شفتيها قائلة بنبرة متعالية:”
طبعا.. اهي الناس العايشة اللي عارفة
قيمة الحياة مش زينا…انا بصراحة تخنقت
و عاوزة ارفه عن نفسي شوية اليوم اللي
بيعدي من حياتي مبيرجعش يلا باي…
و لو غيرتوا رأيكم و عاوزين تروحوا
الحفلة قولولي…..
حملت حقيبتها الفاخرة و إرتدت نظارتها
الشمسية ثم غادرت و هي تمتم بداخلها
بعبارات الوعيد لنور….
بصقت بسمة في إثرها قائلة
باشمئزاز :”بقلك إيه يا نونو البنت
دي انا مش مرتاحالها… بتحشر
نفسها في حياتك بطريقة
مش طبيعية… مع انها و لا مرة تكلمت
عليا انا و رامز خطيبي…
نور بتعجب:” قصدك يا بسمة…هي
ميار بس بتقول وجهة نظرها لما
لاحظت حاجات غلط يعني الحمد لله
علاقتك إنت و رامز ماشية تمام و مفيش
أي مشاكل بس لو هي كانت شافت حاجة
كانت قالتلك….
بسمة :” يا سلام.. و هو فين الغلط في
حكايتك إنت و جوزك…. ها إيه
ناقصه محمد عشان واحدة زي ميار
دي تنقده و بعدين حتى لو مش عاجبها
هي مالها…دي حاجات خصوصية
أنا حتجنن اقسم بالله حتجنن من
برودك و تصرفاتك اللامبالية…
جوزك راجل اي واحدة تتمناه في
الدنيا مؤدب و طيب و… وسيم
و بيموت فيكي و بيحاول يرضيكي
بأي طريقة… عاوزة إيه أكثر من كده”.
نور :” اوووف يابسمة انا زهقت…
بسمة بمقاطعة:”بلا بسمة بلا زفت…بكرة
حيزهق منك و من معاملتك الباردة معاه
و يسيبك و ساعتها حتبكي بدل الدموع
دم… هو في بنت في الزمان داه تلاقي
الحب الحقيقي و تفرط فيه…
نور:” يعني عاوزاتي اعمل إيه؟؟؟
بسمة :”يعني انا اللي حقلك تعملي
إيه…كلميه.. اخرجي معاه ،روحيله
لشغله…حبيه…
نور :”ماهي دي المشكلة مش عارفة
ليه مش قادرة أحبه بالرغم من إنه زي
ماقلتي…محمد حلم اي بنت في الدنيا
بس مش انا يا بسمة… مش انا… إنت
ليه مش عاوزة تفهميني هي ميار صح
بتبالغ أحيانا و بتقول كلام مش من حقها
تقوله بس أحيانا بشوف إن كلامها صح
أنا مش عاوزة اتجوز دلوقتي.. انا لسه
صغيرة و لسه عندي احلام و أهداف
كثيرة في حياتي عاوزة احققها…انا
مريت بظروف مايعلم بيها إلا ربنا
عشان اكمل دراستي و اكون متفوقة
بعد كل داه عاوزاتي اتجوز و اقعد في
البيت عشان اربي العيال….
بسمة :”و مين قال إن واحد زي محمد
حيجبرك تتخلي عن أحلامك.. هو إنت
ليه شايفة إن الجواز هو نهاية لكل
طموحاتك بالعكس دي حتكون البداية
محمد حيشجعك و حيوقف جنبك… حيكون
قوتك و سندك داه بيحبك اوي يا نور
و إنت عارفة داه كويس بيحبك لدرجة
إنه مستحمل حاجات كثيرة منك، برودك
و جفائك و معاملتك الوحشة ليه راجل غيره
مكانش صبر عليكي و كان رماكي من
زمان بلاش تضيعيه
من إيدك عشان شوية اوهام مش موجودة
غير في دماغك إنت و بس…حاولي
تتغيري معاه حاولي تحبيه يا نور على الاقل
قدري مشاعره ليكي بلاش ترخصيه….
عشان هو كمان حيجي يوم و رصيد حبه
ليكي حيبدأ يقل و حيجي يوم مش حتلاقي حاجة تشفعلك عنده… بلاش تدوسي على
كرامته اكثر من كده.. عاوزة يطلقلك اوكي
مفيش حاجة أسهل من كده…هو بسهولة
حيلاقي الف بنت مستنياه إذا ماكانش
مليون و اولهم الست ميار اللي عمالة
تذم فيه في الرايحة و الجاية بس
إنت ياترى حتلاقي واحد يحبك و يحترمك
زيه..
أسندت نور رأسها على الطاولة مغمضة
عينيها بتعب.. تشعر بالتشتت و الضياع
الشديد…بين قلبها و عقلها معظم الأحيان
تتعجب من نفسها كيف لنور ذات الشخصية
القوية ان تتأثر بآراء الآخرين تمتمت
بصوت منخفض سمعته بسمة:”محتارة
يا بوسي محتارة اوي و مش عارفة
اعمل إيه…اووووف”.
أومأت لها الأخرى بعدم رضا و هي
ترتشف كأس العصير أمامها.
بعد ساعة من الزمن كانت ميار
تجلس مع صديقتها ديالا نفخت
بعنف للمرة العاشرة على التوالي
و هي تكاد تشد شعرها من شدة
الغضب….
ديالا بهدوء:” هو إنت مش ناوية تشيلي
الموضوع داه من دماغك.. الراجل تجوز خلاص
و بيحب مراته و لو كان في نصيب كان حصل
من زمان لما كان سنجل و مفيش حد في
حياته…
ميار ببكاء:” مش قادرة يا ديالا انا
بحبه اوي….بحبه و مش شايفة راجل
غيره في حياتي….
اجابتها الأخرى باستهزاء:” و سليم و جاسر
و أمير ووو…..امال لو كنتي بتشوفي غيره
كنتي عملتي إيه؟؟؟
ميار :”مش وقت تريقتك على فكرة
أنا بموت بالبطيئ كل يوم و خاصة
لما بشوفها قدامي..خايفة في يوم
افقد السيطرة و اقتلها عشان اخلص منها
أنا مش عارفة هو عجبه فيها إيه بنت
الشحاتين دي….
ديالا بسخرية :” القلب و ما يعشق يا
حبيبتي.. و بعدين البنت حلوة جدا
يعني طبيعي يحبها و كمان
متنسيش اختها متجوزة مين… فلو نور
محظوظة قيراط أختها محظوظة
مية قيراط….
ميار بغيظ: ماهو دا اللي حارقني…إزاي
قدرت هي و أختها يوقعوا رجالة زي
دول؟؟ بس انا مش حستسلم و مش
حيهدالي بال غير لما ما آخد منها محمد
بأي طريقة”.
قبضت على كفها بقوة و هي تنظر
أمامها هاتفة باصرار و قد لمعت عيناها
بخبث و وعيد……..
في صالة الملاكمة التابعة للمركز الرياضي
الذي يملكه محمد….
تابع محمد التدريبات التي يقوم بها
طارق مدرب الملاكمة بشرود حتى
شعر بيد تلكزه حتى ينتبه…
نظر ليرى طارق يحمل قارورة ماء
بيده و يفتحها إستعدادا ليسكبها عليه
صاح محمد و هو يقف من مكانه جاعلا
طارق ينفجر ضاحكا على مظهره…
:”و الله لو كنت عملتها كنت كسرت إيدك
و رجلك هنا….
طارق بضحك :” بقالي ساعة بنده عليك
و سيادتك سرحان في العسل….
محمد و هو يجلس من جديد على كرسيه
رامقا طارق بغضب :”و إنت مالك إتنيل
إلتهي بشغلك”.
طارق وهو يدير رأسه في ارجاء القاعة
:”الحصة خلصت و فاضل ساعتين على
الحصة الثانية…. يعني انا دلوقتي
خارج نطاق الخدمة يا بوس”.
محمد بغيظ:”ابو ثقالتك يا اخي…انا
إيه اللي خلاني اشغلك معايا….
طارق بصوت أنثوي مريع :”عشان
بتحبني…. تنكر”.
اجابه الاخر بملامح مشمئزة :” أوي…
طارق و قد إكتسى ملامحه بعض الجدية
:” مالك يا صاحبي…. فكرك مشغول بإيه؟؟؟
مسح محمد وجهه بتعب و كأن سؤال
طارق المفاجئ أعاد له أفكاره التي ظن
أنه هرب منها :”و حفكر في مين غيرها…
الظاهر إن طريقي معاها نهايته قربت”.
طارق بحيرة :”قصدك إيه؟؟؟
محمد بصوت مجهد : مصرة على…… الطلاق
كل مرة بتجيبلي حجة أغرب من اللي قبلها
و انا بصراحة تعبت…. بحبها اوي بس
كرامتي اهم عندي من اي حاجة “…
شعر طارق بالاسف الشديد تجاهه فهو
كان على علم بعلاقته مع نور منذ البداية
و كأن متأكدا من أن صديقه سوف
يتعب كثيرا…و لكن لم يتوقع أبدا ان
نهاية حبه العظيم ستكون حزينة بهذا
الشكل.
في شركة الالفي…..
ركلت كاميليا كرسي مكتبها بعنف
و هي تهدر بصوت عال :”بيقولي
إن مشروعي سيئ لدرجة إن حد
في أولى هندسة يقدر يعمل أحسن منه
بكثير.. انا يا هبه انا؟؟؟
أمسكت هبة ملف المشروع الذي قدمته كاميليا
منذ ايام و الذي يخص مشروع القرية السياحة
الذي تنوي الشركة إنجازه قريبا.. دققت
النظر في الرسم الهندسي الذي يحتوي
على ملاحظات كثيرة باللون الأحمر تعبر
عن أخطائها لدرجة ان التصميم لم
سعد يظهر جيدا…. حمحمت و هي تخفي
ضحكتها قائلة بصوت جاهدت ان يخرج
عاديا:”و لا يهمك يا حبيبي هو التصميم
حلو بس فيه شوية أخطاء….مش كثير…..
جذبت كاميليا الملف من يدها بعنف
لترميه على الأرض ثم تتوجه نحوه
لتدعسه بحذائها قائلة بغل :” و هو إيش
فهمه في الهندسة و التصميمات… تلاقيه
زمان كان ببنجح بالواسطة….بقى انا
تصميمي مش عاجبه و مليان أخطاء و مش
مركزة…. طيب يا شاهين بيه… انا حستقيل
و نش حرجع الشغل ثاني و حطلب الطلاق
كمان و غرامة مليون جنيه و…..
عادت وراء مكتبها لتبدأ في جمع مقتنياتها
غير مبالية بهبة التي إنفجرت ضاحكة
على جنون صديقتها…
هبة بضحك:”مش قادرة… يا لهوي…
كاميليا بحنق:” إضحكي.. إضحكي فعلا
شيئ بيضحك بس انا حندمه و الله ما
حسكت على المهزلة دي… إذا كان هو
و المهندسين بتوعه مش بيفهموا في
المشاريع و التصميمات فدي مش
مشكلتي…. بقى انا الخطوط بتاعتي
مش واضحة و المساحات عندي مش
مطابقة للمشروع…طيب خلي الاستاذ
حسن ينفعه….
هبة :”يا مجنونة بتعملي إيه؟ بدل
ما تقعدي تشتمي في الناس روحي
إتأكدي من التصميم بتاعك….
كاميليا و هي تشير بيديها بغضب
:” ماله تصميمي يا ست هبة..انا تأكدت منه عشر
مرات قبل ما قدمه…
هبة بصوت منخفض:”مفيش بس كأنه
في حد كاتب حاجات غريبة عليه
زي الشخابيط كده….
كاميليا باستفهام :”شخابيط؟؟؟
هبة بلا مبالاة :” شوفيه و تأكدي…..
سارعت كاميليا لتلتقط الملف من
على الأرض لتتأمله بعيون متسعة
قبل أن تهتف بصدمة:” يا نهار إسود
الاولاد…..
هبة بعدم فهم :” مالهم الاولاد في حاجة؟؟
كاميليا و هي تغمض عينيها بخجل
و تقول بنبرة باكية :”هما اللي بوزوا التصميم….
أغلقت كاميليا باب الشرفة و نظرها مازال
معلقا بالاضواء البعيدة تحتها التي كانت تلمع
منيرة ظلام الليل….
تنهدت بحزن متجهة للسرير بخطوات
مترددة لتتمدد فوقه بكسل جاذبة الغطاء
لتدثر كامل جسدها….
تسللت نحو أنفها رائحة عطره التي تعشقها
لتهز رأسها ببطئ لتجده يقف أمام التسريحة
و في يده زجاجة العطر يعلقها ثم يضعها
فوق الطاولة….
عقفت حاجبيها بدهشة عندما لاحظت
أنه يرتدي بدلة أنيقة باللون الأسود
مستعدا للخروج… رفعت الغطاء
عنها ثم سارت نحوه قائلة :”إنت خارج
دلوقتي؟؟
اجابها ببرود و هو يرتب ربطة عنقه:”أيوا
في مانع؟؟؟
عضت شفتيها بغيظ فمنذ ثلاثة أيام
و هو غاضب منها بسبب ماتفوهت به
من حماقات في مكتبها مع هبة فلسوء
حظها كان شاهين يراقبها من خلال كاميرا
مزروعة داخل مكتبها ليشاهد و يسمع
ردة فعلها بالكامل عند رفض تصميمها
حاولت مصالحته بشتى الطرق و لكنها
فشلت….
و هاهو الان يعاملها ببرود و جفاء غريبين
سألته مجددا :”بس الساعة دلوقتي بقت
عشرة بالليل الوقت متأخر و مش عوايدك
يعني”.
رمقها بنظرات لامبالية قبل ان يلتفت نحو الباب قائلا
:”حتأخر برا…نامي و متستنينيش”.
توقف عن سيره عندما إعترضت كاميليا طريقه
موجهة نحوه نظرات لوم و عتاب :”شاهين..
هو إنت حتفضل زعلان مني لحد إمتى…. انا
إعتذرتلك مية مرة بس إنت رافض حتى
إنك تسمعني…. و الله انا مكانش قصدي….
أمسكها من كتفيها يهزها برفق مقاطعا كلامها
صارخا بنبرة غاضبة :” بقى بتقولي إنك حتطلقيني
قدام صاحبتك و كأنها كلمة عادية ملهاش اي
معنى….. للدرجة دي هاين عليكي كل اللي بينا..
هان عليكي الحب و العشرة….
حتى لو مكنتيش بتعنيها…. حتى لو كنتي بتهزري
المفروض كلمة زي متنطقيهاش على لسانك… لو
كنتي… بتحبيني بجد مكنتيش قلتي كده “.
إغرورقت عينيها بالدموع و هي تحرك رأسها
يمينا و يسارا نافية مايقوله قبل أن تهتف بصوت
مختنق :” لا و الله انا بحبك…
تركها لترتد بجسدها قليلا إلى الوراء
شاهقة بقوة لتتمسك بطرف السرير
إلتفت شاهين نحوها بسرعة يتفحصها
بقلق ظنا منه أنه قد دفعها بقوة دون
قصد منه…..
إرتدت ملامحه ثوب اللامبالاة من جديد
هاتفا باستهزاء :” لا باين… باين اوي
بأمارة الكوابيس اللي لسه بتجيلك
كل ليلة…نظرات الرعب و الخوف اللي لسه
بشوفها في عينيكي كل ما قرب منك…
بالرغم من كل حاجة عملتها على شانك لسه
مش قادرة تتجاوزي اللي حصل زمان….
أنا كل يوم بعتذرلك و بتاسفلك و بحاول
أعبرلك على ندمي و اعوضك بأي طريقة…. إتغيرت كثير على شانك… كل همي إنك تنسي و تحاولي
تحبيني.. مش طالب غير حبك.. بس للاسف
لسه الحال زي ماهو من ثلاث سنين…..
أغمض عينيه بقوة وهو يوليها ظهره…
لا يريد أن تأثر عليه بدموعها و بكائها
رغم أن اكثر شيئ يكرهه في هذه الدنيا هو
رؤية دموعها و حزنها.
تنهد بصوت مسموع قبل أن يضيف :”
كاميليا انا حسافر أمريكا الاسبوع اللي جاي عشان عندي صفقة مهمة.. ححاول ابعد الايام دي عشان
ترتاحي و تهدي أعصابك…وتفكري بهدوء
أنا عارف إني قسيت عليكي بالكلام بس غصب عني
كان لازم اقلك كل اللي جوايا….
مسحت دموعها بقوة قبل أن
تسارع بخطواتها لتعترض طريقه… وقفت
بجسدها الصغير أمامه قبل أن يصل أمام باب
الغرفة، رفعت رأسها تناظره بعينيها الدامعتين
قائلة برجاء:”متمشيش…إستنى إنت رايح فين؟؟؟
هز حاجبيه قائلا بتعجب:” و إنت من إمتى بتسأليني
السؤال داه ؟؟
رمشت عدة مرات بعينيها قبل أن تجيبه
:”عشان الوقت متأخر”.
سألها مرة أخرى :”عشان السبب داه بس؟؟ “.
نفت برأسها و هي تخفض نظرها للارض
تفرك يديها بتوتر شديد…إبتسم شاهين
بخفة عليها قبل أن يرفع ذقنها باصبعه
لكنها ظلت تنظر للارضية متحاشية النظر
إليه حتى عندما سألها:”طب قوليلي ليه؟
تمتمت كاميليا بصوت منخفض:” عشان مش
عايزاك تروح”.
شهقت متفاجأة عندما جذبها من خصرها
محيطا إياها بذراعيه القويتين بإحكام
عازما على عدم تركها هذه المرة حتى
يفهم ما يدور برأسها العنيد…..
:” مش عايزانى أروح ليه؟؟ “.
تحدث بصوت بطيئ صبور رغم علمه
بتهربها من أسئلته…محدقا بها بنظرات
متفرسة لكل إنش من وجهها الفاتن رغم
إحمرار عينيها ووجنتيها بسبب بكائها
قضمت شفتيها بتوتر غير عالمة بتأثير
تلك الحركة العفوية عليه….
:”مس حسيبك المرة دي غير لما تصارحيني
بكل حاجة…. إحنا بقالنا اكثر من ثلاث سنين
متجوزين…. بس دايما بحس إنك بعيدة عني
لسه نظرات الخوف بشوفها في عنيكي في كل مرة
…. حاسس إنك مش مرتاحة معايا…تصرفاتك
بتقول كده مثلا و لامرة سألتيني رايح فين
و إلا كنت مع مين؟ مش بتغيري عليا زي
بقية الستات…مفيش مرة طلبتي مني حاجة
كأنه مش من حقك حتى لما بتحبي تروحي
لبيت أهلك بتبعثيلي فادي علشان يقلي…
إحكيلي مالك…بصيلي في عينيا و تكلمي
قولي كل اللي في قلبك مين غير خوف
ولا قلق… إحنا لازم نصارح بعض عشان
نقدر نكمل حياتنا بشكل أفضل ….
مفيش قدامك حل غير داه عشان
إنت عارفة إني مستحيل أسيبك…..
إستجمعت انفاسها المسلوبة منها بسبب
محاصرته لها خاصة بعد أن تأكدت من إصراره
على جعلها تصارحه بالحقيقة…
بسطت أصابعها المرتعشة فوق صدره تحارب
بكل قوتها حتى لاتنهار أمامه فكيف ستخبره
أنه محق في كل ماقاله… و انها لازالت
تخشاه…تخشى شاهين الألفي….
نطقت أخيرا بعد صمت طويل ليخرج
صوتها خافتا مرتعشا و متذبذبا:”أنا…أصل…
أنا لسه بخاف منك… شوية يعني لما بتعصب
او تصرخ حتى على الولاد…عشان بفتكر
زمان لما كنت بتصرخ عليا و كنت يعني
بتكرهني…انا و الله مش بإيدي بس غصب
عني مقدرتش انسى إاللي حصل معايا
أنا عارفة إنك بتحاول بكل جهدك إنك
تنسيني اللي فات بس للاسف مقدرتش
مع إني مسامحاك…لكن إنت عارف إن
يعني…. اللي حصل مكانش سهل….
رفعت عينيها قليلا لتجده ينصت لها باهتمام
و هو يشير لها بعينيه ليحثها على إكمال كلامها
دون أن يقاطعها لتستأنف حديثها من جديد
:” الاغتصاب هو أسوأ حاجة ممكن تحصل
لأي بنت… و حتى لو فاتت عشرين سنة مش حقدر أنسى اللي حصل…انا كل حاجة حصلت معايا بسرعة
أنا جيت اشتغل هنا و بعدها بأقل من شهر إتجوزنا
مكنتش فاهمة حاجة… إنت كنت بتكرهني و بتعذبني
مين غير سبب…تعودت على قسوتك و على نظراتك
المشمئزة مني و بعدها قلتلي إنك عاوز تبدأ حياة
جديدة معايا و انا مكانش عندي إختيار.. عشان
إنت وقتها مخيرتنيش إنت بس قررت و انا
كالعادة لازم أنفذ….
أنا تعودت إني أعمل كل اللي إنت عاوزه
مين غير تفكير و لا حتى أقول رأيي و لامرة
خيرتني او سألتني انا عاوزة إيه…صح
إنت عملت حاجات كثير انا عاوزاها
و غيرت في نفسك كثير علشاني بس
بالرغم من داه لسه متعودتش اطلب
منك حاجة عشان حاسة إنه مش من حقي…
متنساش إنك إشترتني بعشرين مليون جنيه
وداه مبلغ كبير جدا عشان كده
لازم أرضى بكل اللي بتعمله و كل اللي بتجيبه
مين انا عشان أتشرط و إلا أعارضك…
ببقى عاوزة أسألك بس بخاف تزعل مني
و ببقى عاوزة أطلب منك حاجة بس بعدين أبطل
عشان متتضايقش مني…
ساعات بقول إن واحدة زيي لازم تحمد ربنا
صبح و ليل علشان متجوزة شاهين الألفي
بالرغم من إني على طول ببقى مرعوبة… وخايفة
لييجي يوم و تزهق مني و ترميني برا…
عشان إنت شاهين الألفي و تقدر تعمل أي
حاجة…
ضمها إيه بحنو لتجهش ببكاء مرير بعد أن
بذلت مجهودا كبيرا في قول تلك الكلمات
التي لا طالما كتمها بداخلها و لم تجرأ
او تفكر يوما في قولها له…
ظلت دقائق و هي تبكي و تشهق و شاهين
يربت على ظهرها بلطف دون أن يقاطعها
حتى بدأت تهدأ شيئا فشيئا…
دفعته قليلا ليبتعد عنها ليظهر له وجهها
المحمر و عينيها المنتفختين ووجنتيها
الغارقتين بالدموع… ليبتسم رغما عنه على
مظهرها اللطيف القابل للأكل… رغم شعوره
بالحزن من إعترافاتها التي تتضمن مدى
معاناتها و حزنها رغم مجهوداته المضنية
لإسعادها….
تنهد بصوت عال و هو يمسح بأنامله
دموعها الرطبة مقبلا جبينها و عينيها
قبل أن يحتضنها من جديد بقوة أكبر
و كأنه يريد إدخالها بين أضلعه بجانب
قلبه حتى يمنع عنها جميع أحزانها و مخاوفها
همس و هو لا يكف عن تقبيل أعلى رأسها و جبينها
قبلات حنونة :” مش قادر اقلك غير إنك
من يوم ما إبتديت أحبك و أنا بعتبرك حتة
مني…إنت رجعتيني للحياة من ثاني فعشان
كدة حياتي ملكك إنت…طمني قلبك و بلاش
تتعبي دماغك بأوهام فارغة..و مهما حصل بينا
مستحيل أسيبك تبعدي عني يوم واحد.. داه قدرك
و لازم ترضي بيه…. برضاكي أو غصب عنك…
إبتسم قليلا و هو يمسد خصلات شعرها
الناعم ليكمل:”حخليكي تحبيني و تغيري
عليا و حعلمك إزاي تعتبريني حق من حقوقك
زيي بالضبط…كل الخوف و التردد تنسيه
و اول درس حيبقى الليلة….حترجعي تطلعي
عيني زي ايام ماكنتي حامل بآسر و اسيل …. فاكرة؟؟
أنهى كلمته الأخيرة ثم إنحنى ليحملها
لتحاوط كاميليا رقبته بيديها متسائلة
: تؤ.. طب مش كنت حتخرج؟؟؟
أومأ لها بنفي و هو يجلس بها على
حافة السرير و يجيب مثلها:” تؤ… طلعلي
شغل هنا فجأة… و بصراحة الشغل هنا
أحلى…..
تخضبت وجنتيها بحمرة قانية جراء
شعورها بالخجل من تصريحاته
الجريئة التي تعودت على سماعها منه لتخفي
وجهها داخل صدره و قد إمتلأت رئتاها برائحة
عطره المميزة.. ليقهقه عليها قائلا :”إنت دايما كده
فكرك رايح لبعيد انا قصدي إننا حنتكلم و نفضفض
لبعض…كلام و بس يا قلبي….
قرص أنفها المحمر باصبعبه لينكمش وجهها
بضيق مردفة :” تمام بس حروح اغسل وشي
الأول و إنت غير هدومك….
:”اوكي و لو إن لوك الفراوالاية لايق عليكي
اوي…تتاكلي أكل…..
أنهى كلامه بغمزة وقحة جعلت وجهها يشتعل
أكثر ليفقد شاهين السيطرة عن نفسه ليميل
مقبلا شفتيها بنهم ناسيا بذلك جميع ما قاله
لها منذ قليل…..
______________________________________
قبل ساعات في منزل سعيد والد كاميليا….
إستأذن محمد ليغادر بعد أن تحدث مع والدي
نور حول رغبتها في الطلاق وأخبرهم أنه
سيقوم بجميع الاجراءات الازمة في أقرب وقت
ممكن….
فتح باب الشقة ليخرج تاركا إياهم
متسمرين مكانهم من شدة الصدمة…
لكنه توقف مكانه بعد أن سمع صراخ والدة نور و هي تقول بحرقة
:”أنا لسه مش مصدقة اللي سامعاه يا نهار إسود..
يا نهار اسود شايف يا سعيد…. شايف
بنتك عملت إيه؟؟ عاوزة تتطلق.. يا فضيحتي
يافضيحتي اودي وشي فين من الناس
و الجيران بعد كده…..
اجابتها نور بصوت مندفع:” يعني
كل اللي همك هو كلام الناس.. و مش
همك انا؟؟؟
هبت والدتها من مكانها فجأة لتصفعها بكل قوتها
حتى شعرت نور بطعم الدماء في فمها…
قبض محمد على يديه بقوة يمنع بصعوبة نفسه
من العودة إلى الداخل لحماية عنيدته من بطش
والدتها….رغم ألمه منها و عذابه إلا أنه لم يستطع
إن يراها تتعرض لأي أذى…..
سارع سعيد لإبعاد زوجته التي لم تكتفي بصفع
إبنتها بل كانت تنوي إكمال ضربها…هدر بغضب
و هو يدفعها برفق:”بتعملي يا ولية إنت إتجننتي
بتمدي إيدك على بنتك و انا واقف؟؟؟
أجابته و عيناها تكادان تقفزان من محجرهما
من شدة الغضب :” و أقطم رقبتها كمان… البجحة عديمة الرباية دي… الظاهر إن إحنا دلعناها اوي عشان كده شافت نفسها وتفرعنت علينا…
تحدث سعيد بصوت هادئ رغم إشتعاله من
الداخل :” الضرب عمره ماكان حل…هي مش
صغيرة و عارفة كويس مصلحتها فين…سيبيها
تتحمل نتيجتها قرارها…
صرخت في وجهه لأول مرة في حياتها
و هي تكاد تشد شعرها من شدة الغيظ
بسبب برود أعصابه التي أثارت إستفزازها:”
متجننيش يا راجل أحسن انا على آخرى
بقلك بنتك عاوزة تتطلق تقلي حرة و تتحمل
نتيجة قرارها…تتحمل إيه و تتنيل إيه؟داه
طلاق طلاق يا ناس…مش لعب عيال”.
سقطت على الكرسي وراءها بعد أن شعرت
بارتخاء ساقيها و إرتعاش جسدها…تمتمت
بضعف و هي تسند رأسها الذي ثقل فجأة بكفيها :” طب ليه؟؟ حصل إيه عشان تطلبي الطلاق…. عملك
إيه إبن الناس؟؟
نظرت لها نور قليلا قبل أن تجيبها بصوت مرتبك
:” معمليش حاجة انا لوحدي طلبت الطلاق
عشان مقدرتش أستمر في العلاقة دي.. كان
لازم أحطلها حد من دلوقتي قبل ما تتطور….
:”سكت بنتك يا سعيد مش عاوزة اسمع
صوتها.. لحسن و الله حرتكب جناية الليلة دي…
ربنا نقذه منك جوزك عشان طيب و إبن ناس
ميستاهلش واحدة زيك… بكرة حتندمي يا بنت
بطني لما تحسي بقيمة الحاجة اللي ضيعتيها
من إيدك…
قاطعها سعيد ليسأل نور قائلا بصوت جاد :” طب
ممكن تفهمينا يا بنتي حصل إيه عشان تقرري
قرار زي دا…ماهو مش معقول بين يوم و ليلة
كده تطلبي الطلاق اكيد في أسباب مقنعة….
نفت نور براسها و هي تفرك يديها بتوتر قائلة
: يا بابا صدقني مفيش حاجة.. انا من الاول
مكنتش عاوزة الجوازة دي.. ما إنت عارف
من سنة لما وافقت على محمد انا وقتها كنت
فاكراها خطوبة بس إنتوا اللي قررتوا إنه يكون
كتب كتاب…
صفعت فخذيها بقهر قبل أن تهتف بحرقة:”بقى
زعلانة عشان الراجل شاريكي و داخل من الباب
بنات آخر زمن….منك لله يا نور منك لله كسرتي
ظهري ووطيتي عيني و عين أبوكي الخلق….
تكلم سعيد قائلا بصبر :” بطلي ولولة بقى
خلينا نفهم المشكلة فين يمكن نلاقيها حل….
-“حل إيه ياخويا ما خلاص اللي حصل حصل
بقى…والراجل خلاص زهق من عمايل بنتك
السودا و طفش…بس عنده حق انا لو منك
مكنتش صبرت عليها شهر كثر خيره بقاله
أكثر من سنة ساكت و مستحمل….
تجاهلها سعيد و هو يحدث إبنته :” تكلمي يانور
قولي اي حاجة خلينا نفهم….
نور بتوتر :” يابابا قلتلك مفيش حاجة… إنتوا ليه
بتضغطوا عليا… انا نفسي مش فاهمة حاجة…..
الام بغضب:”لااااا لحد هنا و كفاية.. يعني إيه مش عارفة و إلا هو دلع بنات وخلاص… بت إنت تعدلي
و بلاش حركاتك دي ربنا يعلم بحالي دلوقتي..فاضلي
تكة و أنفجر فينك يا كاميليا علشان تشوفي
أختك عملت فينا إيه؟؟ ….
نور بتهكم : وهي كاميليا دخلها إيه؟ دي حياتي
و أنا حرة فيها…
_:”لا مش حرة…ليكي اب و ام و أخت ليهم
رأي كمان…و قرار الطلاق داه تشيليه من دماغك
…. تنسيه خالص لحد ماشوف صرفة للمصيبة
اللي وقعتي نفسك فيها ووقعتينا معاكي
و حسك عينيك أسمعك جبتي سيرة
الموضوع داه لأي مخلوق…. يومين كده و حكلم
جوزك ييجي…..
نور مقاطعة :”لا يا ماما إنت مش حتكلمي حد….
الموضوع خلص خلاص و محمد قال أنه حيبتدي
في إجراءات الطلاق قريب….إنت ليه مش عاوزة
تقتنعي إن أنا و هو مفيش نصيب بينا…
الام بصوت عال:” ليه؟؟ عملك إيه الجدع
داه محترم و إبن ناس و عمرنا ما شفنا
منه حاجة وحشة…. قولي إيه اللي قلبك
مرة واحدة كده… و إلا في حد ثاني لعب بدماغك
إنطقي يا بت…..
ضيق محمد حاجبيه بدهشة و هو يستند بظهره على باب الشقة… دقات قلبه المتسارعة تدل على
توتره الشديد و هو ينتظر إجابتها على أحر
من الجمر… لم يضع هذا الاحتمال بباله
لشدة ثقته بها بالرغم من تصرفاتها الغريبة
و الغير مفهومة معه و خاصة في الفترة
الأخيرة….
إلا أنه لم يتوقع ابدا انها ستتركه من أجل شخص آخر…..
فتح أزرار قميصه العلوية بعد أن شعر
باختناقه توقف عن الحركة و جميع حواسه
تأهبت عندما سمع صوت نور و هي تصرخ
في وجه والدتها بغضب:”حضرتك تقصدي
إيه… تقصدي إني بخون جوزي و انا لسه
على ذمته…سامع يا بابا سامعها بتقول إيه؟؟
بجد مش قادرة أصدق إنك ممكن تقولي عليا
كلام زي داه انا تربية إيديكي و عارفة أخلاقي
كويس……
تدخل سعيد محاولا تهدئتهما:” أمك متقصدش
يا بنتي هي قصدها إن مفيش سبب
مقنع يخليكي تتطلقي…..
نور بغموض :” لا في…انا عندي أسبابي
الخاصة و انتوا لازم تحترموا قراري داه
عم إذنكم….
إتجهت سريعا نحو غرفتها لتغلق الباب وراءها
بعنف مصدرا صوتا عاليا….تاركة والديها ينظران
لبعضهما بحيرة و ألم على إبنتهما العنيدة…..
تزامن صوت إغلاق باب الغرفة مع خروج
محمد من الشقة نهائيا و رأسه يكاد ينفجر من شدة
الأفكار التي تزاحمت فجأة داخل دماغه
بعدما سمعه…..
____________________________________
تنهدت ليليان بتعب و هي تصعد
آخر درجة من السلم الرخامي لفيلا
البحيري متجهة نحو غرفتها….دلفت
إلى الداخل و هي تسير علي أطراف
أصابعها حتى لا توقظ صغيرها الذي
من المفترض أن يكون نائما كعادته
بالداخل و بجانبه مربيته تنتظر مجيئها
حتى تغادر لكن عندما تتأخر ليليان في العمل
فهي تتركه مع جدته كاريمان او اي فرد من
أفراد العائلة ….
نزعت حذائها و رمته جانبا عند مدخل الغرفة
ثم أكملت سيرها تبحث بعينيها عن صغيرها
فوق سريرها…. جفلت و توقفت مكانها عندما
تفاجأت برؤية أيهم يتكئ على الفراش موليا
ظهره للباب و يحدث الطفل النائم و كأنه
يسمعه…..
إستوى في جلسته عندما شعر بوجودها
ثم إلتفت نحوها و قد ظهرت على وجهه
إبتسامة سعيدة….
وقف متجها نحوها قائلا بهدوء:”إتأخرتي
و المربية روحت فقلت أقعد شوية مع
أيسم…..كنت بحكيله حكاية لحد مانام…..
أومأت له برأسها و هي تتجاوزه… وضعت
حقيبة يدها على التسريحة ثم بدأت بفك
دبابيس وشاحها قبل أن تتوقف فجأة
عندما تذكرت وجوده….
لملمت أطراف الحجاب بعشوائية قبل رواية الشيطان شاهين بقلمي ياسمين عزيز فقط على صفحتي على الواتباد أن تلتفت نحوه متسمرة مكانها و كأنها
تنتظر خروجه.. إبتسم أيهم دون مرح
قبل أن يعود أدراجه ليجلس مكانه على طرف
السرير…..بدأ بمداعبة الصغير متحسسا بشرته
الطرية باستمتاع هاتفا بخفوت :”على فكرة
أنا لسه جوزك يعني تقدري تشيلي حجابك
قدامي….
أجابته دون تتحرك من مكانها :” الوقت تأخر
و انا تعبانة و عاوزة أنام…أيسم معاك طول
اليوم و كمان تقدر تشوفه بكرة…..
ايهم بلطف:”أنا كنت مستنيكي عشان آخذه ينام عندي
في أوضتنا….
ليليان بجمود:” حيضايقك عشان بيصحى في الليل إنت مش حتقدر تهتم بيه…..
أيهم برجاء:” طب تعالي معانا ننام كلنا في او…..
ليليان بمقاطعة:” لا انا تعودت أنام هنا و أيسم
كمان….
ايهم و قد فهم مايدور بخلدها لكنه ظل على
هدوءه:” طيب ممكن أنام معاكم هنا… عاوز إبني
ينام في حضني مرة واحدة بس…
ليليان برفض:” لو سمحت كفاية كده إحنا
قريب جدا حنطلق و مينفعش اللي إنت
بتعمله داه….
ايهم بهدوء رغم غضبه:”يعني مفارقش معاكي
حوارنا المرة اللي فاتت…. مفيش حاجة تغيرت؟؟؟
ليليان بحدة و قد شعرت بثقل الهواء من حولها
:”عشان اللي طلبته مستحيل…إني ابقى على
ذمتك بقية عمري حتي لو كل واحد فينا في مكان
ثاني داه شيئ مستحيل…
أيهم بتهكم:”طيب نفضل مع بعض….
ليليان بحنق:”إنت بتهزر… هو إنت فاكرني
نسيت اللي إنت عماته فيا زمان….أكثر من عشر
سنين عيشتني فيهم في حجيم… ذوقتني
فيهم كل أنواع الذل و العذاب و عاوزني
أنسى و أرجعلك…..
ايهم بهدوء مستفز:”طيب عاوزة إيه من
الاخر؟؟؟
ليليان و هي تغلق عينيها محاولة تهدأة
نفسها:” نتطلق و كل واحد منا يشوف حياته
كفاية السنين اللي ضاعت من عمري…أنا
رجعتلك شركتك والمستشفى بتاعتك…
و حتنازلك على حقوقي كلها مش عاوزة
منك حاجة و حسيب الفيلا و أجر شقة صغيرة ليا
أنا و إبني….انا قدمت في كذا مستشفى
و أكيد حلاقي شغل ثاني قريب جدا
و إستقالتي حتكون بكرة على مكتبك..
أيهم بسخرية و هو مازال منشغلا بالنظر
للصغير :”و إيه كمان؟؟؟
ليليان ببساطة :” ولا حاجة….حشوف حياتي
وإنت كمان شوف حياتك…. إحنا مش اول
كوبل يطلقوا……
أيهم بابتسامة مريرة معيدا كلامها بنبرة بطيئة :”صح مش اول كوبل يطلقوا…
رفع عينيه نحوها واضعا يديه على جانبيه
:” عاملة حساب كل حاجة يعني….بالسرعة
دي قدرتي تنظمي حياتك من ثاني؟؟؟
ليليان ببرود :”إنت سايبني بقالك أكثر
من ثلاثة سنين… فترة كافية عشان اقدر
ارتب حياتي من ثاني… أكملت باستفزاز
لو كنت طلبتني قبل ماتسافر كنت رجعت
لقيتي تجوزت…
إسترقت ليليان النظر إليه بعد أن شعرت بمدى
قسوة كلماتها لتجده يحدق في أرضية
الغرفة و قد إشتدت قبضتاه على لحاف
السرير حتى كاد يمزقه….مغمضا عليه
بقوة حتى تجعد وجهه.. لم تمض لحظات قليلة
حتى فتح عينيه من جديد مزفرا الهواء عدة
مرات قبل أن يتحدث بصوت مرتعش:” هوالدكتور
أسعد رجع المستشفى من ثاني؟؟
أجابته دون تفكير :” لا من ساعة ما طردته
من المشفى قبل ما تسافر مشفتوش …و بعدين
هو مفيش غيره و إلا أنا ميستاهلش إني
أحب و أتحب……..
إرتفعت زاوية شفتيه بابتسامة حزينة قبل
إن يهتف :” للأسف إنت مينفعش غير
تتحبي…..
رفعت رأسها بغرور مزيف و هي تكتف ذراعيها
أمام صدرها قائلة :” طيب حيث كده
إبتدي في إجراءات الطلاق عشان نخلص…..
هز الاخر حاحبيه بسخرية :” يعني مفيش
حل ثاني….
أجابته بحدة :” طبعا لا انا مصرة و اظن
إن داه من حقي…..
تحدث متنهدا:” طيب و ايسم؟؟
أجابته بحيرة :”ماله؟؟ داه إبني و مكانه الطبيعي
معايا….
قاطعها بصوت هادي:”بس داه كمان إبني
و مكانه الطبيعي معايا انا بردو……
ليليان بنفاذ صبر من هذا النقاش العقيم
حسب رأيها:” بلاش تلف و تدور عليا بالكلام
زي عوايدك…. رجوع مش حرجعلك لو إنطبقت
السماء على الأرض و لو على ايسم داه إبني
و حعرف إزاي اهتم بيه لوحدي متقلقش نفسك….
ايهم بغموض :” طيب و إنت فاكرة إن ماما
و بابا حيسيبوكي تخرجي من البيت و تبعدي
عنهم حفيدهم الوحيد …. ثم إزاي حتقدري تعيشي
لوحدك في شقة و عيلتك موجودة….
ليليان بألم :” دي عيلتك إنت…. انا معنديش عيلة
مش داه كلامك ليا زمان انا مجرد ضيفة هنا….
انا امي ماتت و ابويا رماني و جوزي ذلني و عذبني
سنين طويلة… مفضلش ليا غير إبني هو عيلتي
الوحيدة….
أيهم بتماسك رغم تأثره بكلامها:” دي عيلتك
اللي ربتك و كبرتي وسطيها و إنت عارفة
هما قد إيه بيحبوكي و عمرهم محسسوكي
بحاجة…إنت أكيد مش حتقدري تكسري
بخاطرهم و تسيبي البيت كده فجأة….
و أيسم محتاج أنه يتربى في جو العيلة
مع ابوه و أمه إنت أكثر واحدة عارفة أهمية العيلة..
ليليان باندفاع :”قصدك إيه؟؟ دلوقتي
بقيت أنا الوحشة و عاوزة ابعد إبني
عن أهله و ابوز نفسيته…..انا مقدرش اقعد هنا
و إنت عارف كده كويس و عمي
و طنط اكيد حيفهموا انا عملت كده ليه؟؟
أيهم بابتسامة بعد أن نجح في إستفزازها
:” أنا أكيد مش حمنعك تروحي اي مكان إنت
عاوزاه و مش حمنعك تتجو…. زي و تشوفي
حياتك من ثاني…
نطق بصعوبة قبل أن يتوقف قليلا ثم
إستانف حديثه من جديد :” بس إبني
مش حيسيب بيته و عيلته… مكانه هنا
و لو عاوزة تفضلي جنبه أهلا و سهلا بيكي
مش عاوزة إنت حرة….
صرخت ليليان بعد أن فقدت السيطرة على
نفسها :”عاوز تاخذ مني إبني هي حصلت…
طبعا مش حستغرب منك حاجة ما إنت
عملت اللي أسوأ من داه “.
فلتت منه ضحكة قصيرة غير مرحة ليقف
من مكانه متوجها نحوها ببطئ:”إهدي… إهدي….
مفيش حد يقدر ياخد منك إبنك….إهدي يا لولو.
رمقته بحنق قبل أن ترفع سبابتها في وجهه
قائلة بتهديد :”متقليش لولو…..
هز كتفيه
صرخ عمر بنفاذ صبر في وجه الطبيب
الذي يتابع حالته منذ سنتين و هو يلقي
بحزمة الأوراق التي تتضمن تحاليله الطبية
قائلا بغضب:”بقالي سنتين.. سنتين و انا
بسمع منك نفس الكلام….أصبر و استنى،
خذ الدواء داه.. إعمل كده و متعملش كده
سنتين و مفيش حاجة تغيرت…صارحني
و قلي إذا حالتي ميؤوس منها انا حفهم
و حتصرف بس متودينيش و تجيبني زي
العيل الصغير و في الاخر مفيش حاجة….
متدينيش أمل كذاب يخليني أحلم بحاجة
مستحيلة انا خلاص زهقت و مليت و صبري
نفذ و معادش ليا طاقة…. لا انا و لا مراتي….
إرتمى جالسا على الكرسي ليفرك وجهه بتعب
غير مهتم بنظرات الطبيب المتأسفة لحاله….
مد له الاخر كوب ماء و هو يحاول تهدئته قائلا
بعملية :”إهدى يا أستاذ عمر انا فاهم و مقدر
حالتك بس صدقني النرفزة و الزعل مش
كويسين علشانك…إنت بقالك سنتين بتتعالج
عندنا و الحمد لله حالتك بقت أحسن بكثير
و إن شاء الله حنسمع اخبار كويسة قريب
بس لازم تكون صبور و هادي أكثر من كده في ناس بتقعد تتعالج بين خمس و عشر سنين و أحيانا
أكثر….
رمقه عمر بحنق و هو يضع الكوب فوق
المكتب متمتما بغيض:”لسه بيقولي اصبر
طبعا ماهو مش اللي رجليه في المية…
يلا إكتبلي لو في دوا او تعليمات عشان
عاوز أمشي من هنا انا كرهت ام المكان
داه…
إبتسم الطبيب و هو يخفض رأسه
ليدون بعض الملاحظات بسرعة في ملفه قائلا :”
إنت حتستمر على الأدوية القديمة و إن
شاء الله المرة الجاية حنسمع اخبار كويسة
موعدنا كالعادة كمان أسبوعين “.
صافحه عمر على مضض قائلا:”إن شاء الله”.
تنهد بعمق و هو يغلق باب المكتب وراءه
ليسير في البهو بخطوات متثاقلة و قد بدأ
يتملكه اليأس من حالته فكلام الطبيب
لاجديد فيه… في كل مرة يلقي على مسامعه
نفس التعليمات و النصائح…
توجه نحو إحدى الكراسي الموضوعة في
إحدى الزوايا ليجلس عليه بعد أن أحس
بثقل ساقيه و عدم إستطاعته إكمال السير
دفن رأسه بين كفيه و قد تهدلت أكتافه
بعجز…شعر بغصة في حلقه عندما تذكر
هبة التي تنتظره ليهاتفها و يطمئنها
ماذا سيقول لها الآن..
من أين سيأتي بالقوة و الصبر حتى يهدئها
و يقنعها بقرب الفرج إذا كان هو نفسه قد
تعب و بدأ الياس يتسلل بداخله رويدا رويدا
كيف سيواجه والدته و عائلته الذين لا يكفون
عن طرح موضوع الأطفال أمامه دون مراعاة
مشاعره او مشاعر زوجته التي تحاول دائما
إخفاء ألمها و تجاهل إيحاءاتهم حول فشلها
في أن تصبح أما و تحريضهم له أحيانا
بالبحث عن زوجة أخرى تهب له أطفالا…
نزلت دموعه دون وعي منه و هو يناجي
ربه في سره لييسر أمره و يفرج عنه… أدار
رأسه للجهة الأخرى ليمسح دموعه عندما
شعر بيد أحدهم تربت على كتفه ثم تنحنح
لينظف حلقه قليلا لا يريد لأحد أن يرى ضعفه و إنكساره الذي يخفيه عن الجميع
رفع رأسه ليجد هبة تحدق فيه بصمت و عيونها تتفرسانه بلهفة….
ما إن رآها حتى إنهارت جميع
حصونه الواهية ليجذبها نحوه معانقا إياها
بقوة متشبثا فيها كطفل صغير يبكي
في حضن أمه…كتم صوت شهقاته
بيده لكن هبة أحست باهتزاز جسده
في أحضانها لتربت على ظهره بحنان
محاولة مواساته بعد أن فهمت فحوى
الحوار بينه و بين الطبيب في الداخل….
نجحت أخيرا في تهدئته بعد دقائق طويلة
ليبتعد عن حضنها و هو يجفف عبراته
بيديه قبل أن يردف بصوت مختنق:”انا
آسف يا بيبة مش عارف إيه اللي حصلي
فجأة إنهارت و معتش قادر أكتم جوايا…
ناولته هبة منديلا ورقيا ليأخذه منها
و هو يحاول رسم إبتسامة خفيفة
على وجهه لتقول هبة بصوت هادئ
:” متحملش نفسك أكثر من طاقتها
و بعدين انا مليش دعوة بكلام الدكاترة
الفارغ داه… أنا أملي في ربنا كثير و انا
كل يوم بدعي عشان يحقق حلمنا و انا
متأكدة إنه مش حيخيب ظننا…دي
آخر مرة تيجي فيها المكان داه..من النهاردة
مفيش لا أدوية و لا تحاليل، حنسيب كل
حاجة لربنا لو قدر لينا إننا نخلف فالحمد
لله و لو مقدرش نقول بردو الحمد لله…..
ضمت يديه بين يديها و هي تضيف
بنبرة عاشقة حنونة:”مش قلتلي إنك
حتعتبرني بنوتك الكبيرة و مش عايز
من الدنيا حاجة غيري و إلا إنت غيرت رأيك
بقى….
رفعت يده ببطئ إلى شفتيها لتطبع على
باطنها قبلة و هي تنظر في عيني عمر الذي
إرتفعت زاوية شفتيه بابتسامة فخورة
رغم وجهه المتعب إلا أنه شعر براحة نفسية
كبيرة لسماعه كلماتها الحنونة التي تخرجه
في كل مرة من ضيق أحزانه و تعوضه
عن شعوره التقصير ناحيتها
طوال سنوات زواجها به لم تحسسه
و لو مرة واحدة بالنقص تواجه كل إهانات
عائلته بصبر و لاتشتكي له ابدا…
هذه هبة التي عشقها و إختارها من بين
آلاف الفتيات يوما بعد يوم تثبت له
أنه لم يخطئ ابدا عندما وهبها روحه و حياته
و توجها ملكة على عرش قلبه….
لم يشعر بنفسه إلا و هو يحاوط وجهها
بين يديه و يقبل جبينها قبلة خفيفة
قبل أن يجذبها إلى أحضانه ليعتصرها
بقوة و كأنه يخاف أن تختفي..
أخذ نفسا عميقا يستنشق رائحتها بادمان
و هو يتمتم بصوت مسموع :”بحبك يا أحلى
حاجة في حياتي…. بحبك و مش عايز غيرك
في الدنيا….
أجابته هبة:” و انا كمان يا قلب هبة”.
_________________________________
بعد اسبوع……
مساء في مستشفى البحيري :
فركت ليليان عنقها بتعب و هي تنحني
برأسها قليلا لتستند بجبينها على سطح المكتب
تنهدت و هي تغمض عينيها بارهاق من احداث
الاسبوع الماضي….عملها الذي إستمر في المستشفى
بعد أن رفض أيهم إستلام الإدارة و إكتفائه بالعمل
بالشركة بعد إنسحاب سيف و عودته للعمل
مع والده لم تذق طعم النوم منذ يومين
لكثرة العمل و الذي إضطرها للمكوث
في المشفى أغلب وقتها و من جهة أخرى
أيهم الذي لا يكف عن ملاحقتها و محاصرتها
في كل مكان بهداياه و مفاجآته الغريبة
باقات ورود و مجوهرات ثمينة و فساتين
ووو…
فتحت أحد ادراج المكتب لتخرج منها
علبة مخملية زرقاء داكنة لتفتحها فيظهر
بداخلها خاتم ألماسي رقيق يخطف
الانظار وجدته صباحا فوق مكتبها و معه
وردة حمراء نسيت حتى اين وضعتها
بسبب إكتظاط مكتبها بباقات الورد
التي تصلها منه كل يوم…
تذكرت الرسالة المرافقة لها و التي كتب فيها
ايهم لها عن رغبته في رؤية الخاتم في يدها
و سيعتبر ذلك دليلا على موافقتها على
الرجوع له و البدء معه من جديد حياة جديدة
مختلفة كليا عن الماضي الأليم الذي لم تستطع
لحد الان نسيانه…
همست بداخلها و هي تعبث بالخاتم الذي
زين إصبعها و كأنه صنع خصيصا لها
:”يا ترى هو فعلا تغير و إلا لعبة من ألاعيبه
القديمة…إزاي حد زي أيهم مغرور و قاسي
و زير نساء حيتغير… بس هو بقى بيصلي
أنا شفته كذا مرة و بسمع صوته كل ليلة و هو
بيرتل القرآن… و بيحفظ ايسم السور القصيرة
بس رغم كل داه مش قادرة أصدق إنه….
يووووه انا تعبت من التفكير تعبت من كل
حاجة…. يا ريته مارجع كان زماني مرتاحة “.
إلتفتت بجسدها للوراء لتضع العلبة
في حقيبته و هي تحاول طرد تلك الأفكار من راسها ثم عادت لتتصفح أوراقها لتغرق
في عملها من جديد رغم إحساسها الشديد
بالتعب و الإرهاق…
هزت رأسها بترقب عندما سمعت صوت
مقبض الباب و هو يدار ليدلف أحدهم دون
طرق الباب و الذي لم يكن سوى طفلها الصغير أيسم
أسرعت نحوه لتلتقط بين ذراعيها قبل أن يسقط
على الأرض بسبب ركضه بخطوات غير
متوازنة و هو يحمل في يده وردة حمراء
في غاية الروعة…فكان مظهره لطيفا
قابلا للإلتهام…. قهقه الصغير بصوته
الطفولي ووالدته لا تكف عن تقبيله و
دغدغته جلست به على الاريكة و هي
تسأله بصوت لاهث :”مين اللي جابك هنا
طنط أميرة و إلا انكل محمد…..”.
إستقام أيسم ليقف على الاريكة متعلقا
برقبتها و هو يقول مشيرا باصبعه نحو الباب
:”بابي هنا….
حولت ليليان نظرها نحو مكان إشارته
لتجد أيهم مستندا بجسده على الباب و يتابع
حركاتهما منذ دلوف الصغير و على وجهه
إبتسامة سعيدة…
رفع كفه ليحييها :”اهلا…
ثم خطى للداخل ليبحث عن حقيبة يدها
حتى وجدها معلقة وراء مكتبها ليأخذها
ثم يسير نحوها مكملا كلامه :”يلا خلينا
نروح الوقت تأخر…..
تابعته ليليان بعينيها حتى وصوله أمامها
لتجيبه :”لسه عندي شغل كثير مش حقد….
قاطعها و هو يجثو أمامها ليمسك يدها التي
كانت تضعها على
ركبتيها قائلا بنبرة حنونة مشفقة:”الشغل مش
حيطير و إنت بقالك يومين منمتيش حتى
وشك تعبان و عنيكي مرهقة…محتاجة ترتاحي
عشان تقدري تكملي و انا أوعدك بكرة حاجي
بدالك المكتب و أكمل كل الشغل المتعلق و إنت خذي اجازة…أيسم مشتقالك كثير مش كده يا بابي….
حول نظره نحو الصغير الذي أومأ له بالايجاب
ليقرص أيهم وجنته المكتنزة الحمراء بخفة
قبل أن ينحني نحوه ليحمله و يقف منتظرا
ليليان التي لم تستطع معارضته فهي فعلا
متعبة جدا تشعر بأنه سيغمى عليها في أي
لحظة…
خلعت معطفها الطبي ثم وضعته على الاريكة
قبل أن تسير باتجاه الباب و تخرج بعد أن أشار
لها أيهم بأن تسبقه…. أطفأ الانوار و أحكم إغلاق
الباب بالرقم السري ثم توجها معا نحو الخارج
وافقت ليليان على مرافقته في سيارته دون
جدال بسبب عدم قدرتها على القيادة…
راقبت أيهم من مرآة السيارة و هو يضع الصغير في كرسيه المخصص له في الخلف ثم دلوفه بجانبها
على مقعد السائق..
أشار لها لتضع حزام الأمان
الذي نسيته لتومئ له بالايجاب ثم تلتف إلى
جانبها لتخرجه من وراء المقعد و تضعه حولها….
راقب أيهم ملامحها المتعبة بقلق مؤنبا نفسه
للمرة الالف ففي كل مرة يكون هو السبب في
ألمها و تعبها….سألها بصوت خافت بعد أن
لاحظ أنها تغلق عينيها من حين إلى آخر
:”إنت كويسة؟
أجابته ليليان دون أن تلتفت إليه :” دماغي
مصدعة….
وزع نظراته الخاطفة بينها و بين الطريق
و هو يهتف مطمئنا:”داه من قلة النوم…اول مانوصل
تعشي و نامي على طول …
أومأت له قبل أن تجيبه:” لا انا حنام على طول
مش عاوزة عشاء…ممكن تنيم أيسم معاك الليلة
دي لو وسمحت؟ …..
أخفي أيهم إبتسامته المستهزءة على آخر كلماتها
ليردف :”طبعا…متقلقيش عليه داه إبني بردو”.
تابع قيادته بهدوء و من حين لآخر يلقي
نظرة على المرآة التي تعكس صورة الصغير
خلفه و الذي كان يلعب بأحد الألعاب التي أحضرها
لها أيهم أثناء جولتهم في النهار..
كانت الساعة تشير إلى السابعة و النصف
مساء عندما دلفت سيارة أيهم بوابة الفيلا
نظر نحو ليليان التي أغمضت عينيها باستسلام
لسلطان النوم الذي تمكن منها بشدة…
فتح باب السيارة الخلفي لينزل أيسم و يضعه على
الأرض قائلا له : “حبيبي إنت إسبقني على جوا
و قول للدادة رحمة تخلي باب الفيلا مفتوح عشان
أجيب مامي…أصلها نامت في العربية….
اجابه الصغير ببراءة قبل أن يركض للداخل
:” حاضر يا بابي…
سار أيهم ليفتح باب السيارة الأمامي بهدوء
حتى لا يصدر صوتا مزعجا و يجعل تلك النائمة
تستيقظ… ليحملها بخفة و يدلف بها إلى الداخل
حيث وجز الباب مفتوحا كما توقع…
صعد درجات السلم و هو يشير لكل شخص
من العائلة يراه في طريقه ليصمت تاركا أيسم
يخبرهم انها نامت في طريق العودة من شدة
تعبها في العمل…
أغلق أيهم باب غرفته بعد أن أوصى والدته
بالاعتناء بالصغير و إرسال طعام العشاء نحو
غرفته…. وضع ليليان على الفراش ثم نزع
عنها حذائها و حجابها ثم تجرأ بعد تردد
طويل في فتح اول أزرار قميصها حتى تشعر
بالراحة أثناء نومها..
غادر نحو غرفتها ليحضر لها بعضا من ثيابها
البيتية المريحة بيجاما قطنية باللون الوردي
الهادئ…ثم عاد ليجلس بجانبها ليبدأ في إيقاظها
:”ليليان… قومي يا حبيبتي عشان تغيري هدومك هدوم الشغل حتضايقك و إنت نايمة”.
تململت ليليان في نومها لتلتفت للجهة الأخرى
و هي تجيبه بصوت ناعس دون أن تفتح
عينيها :”سيبني انام مش…. قادرة أحرك….
إيدي حبقى اغير بعدين”.
ايهم ضاحكا:”إمتى بعدين…يلا بلاش كسل قومي
غيري هدومك و تعشي و بعدين إرجعي نامي “.
همهمت ليليان دون أن تجيبه ليزفر أيهم
بيأس قائلا و هو يهزها :”طيب قومي شوية و أنا حساعدك”.
تأففت قليلا قبل أن تستقيم في جلستها و تبدأ في
رفع قميصها بأعين مغمضة…امسك أيهم
بطرف القميص و يساعدها في رفعه ليخرج
رأسها من ياقته الضيقة….إبتلع ريقه
بصعوبة عندما ظهر له جسدها الناعم
الذي لطالما إفتقده ليدير عينيه بسرعة
للجهة الأخرى متحسسا جبينه المتعرق
بيديه الباردتين… تمالك نفسه بصعوبة
و هو يعود من جديد ليساعدها
في إرتداء بقية الملابس ثم يبدأ في
إطعامها رغم تذمرها و رغبتها الملحة في
العودة للنوم….
تنهد بصوت مسموع قبل أن يقف من جانبها
و في يده الصينية متوجها نحو الاسفل..
_____________________________
في فيلا الألفي…..
قبل شاهين جبين كاميليا بعد جولة
حميمية طويلة هامسا بصوت لاهث:”مش عارف… ليه كل يوم بتحلوي أكثر…حطيري عقلي من
مكانه”.
إبتسمت كاميليا بشقاوة قبل أن تغمر وجهها
داخل أحضانه قائلة :”أحسن.. حتبقى
مجنون كاميليا”.
قهقه شاهين و هو يحتضنها بقوة حتي
تأوهت :”بالراحة حتكسر في إيدك
مش كفاية من شوية كنت حت….
شهقت باحراج و هي تضع يدها على
فمها دلالة على صمتها لتزداد ضحكات
شاهين التي زادت من خجلها مردفا:” كملي
سكتي ليه…كنت بعمل إيه من شوية…
ضربته على كتفه قائلة بحنق:”قليل
الأدب…. انا عارفاك بتدور على حاجة عشان
تمسكهالي ذلة….
حرك شاهين رأسه نافيا :”بريئ و الله…
إنت اللي بتجيبيه لنفسك….
رفعت كاميليا جسدها قليلا إلى الأعلى
لتضع يديها على وجه شاهين هامسة
بصوت خافت :”غمض عينيك….
أطاعها دون تفكير و دقات قلبه تزداد سرعة
ليشعر بأناملها الرقيقة تتحسس وجهه… عينيه ،
وجنتيه، فكه.. و أخيرا شفتيه…
أخذت كاميليا نفسا عميقا قبل أن تبدأ
في الحديث :” عارف… اول ماتجوزنا
كنت بفكر اقتل نفسي….
فتح شاهين عينيه معترضا على كلامها
ليحاول الحديث لكنها أسرعت لتضع
إصبعها على شفتيه و يدها على
عينيه تطالبه بغلقها من جديد و عدم
مقاطعتها:” شششش خليني أكمل…
أومأ لها بالايجاب رغم رغبته في مقاطعة
حديثها لتستأنف من جديد :” كنت بقول
أنا إزاي حساحمل البني آدم داه…كنت
دايما ببقى لوحدي بفكر ياترى آخرتي
حتكون إزاي معاه حيقتلني بعد مايزهق
مني و إلا حيطلقني و يرجعني لبيت أهلي
و إلا ياترى حيعمل معايا إيه؟؟ كنت عايشة
في رعب كل ما بشوفك و كأني شايفة
وحش كبير قدامي مش بيرحم حد … ما إنت بصراحة كنت عامل زي الوحش بس بعدين
لما بقيت بتحبني كل حاجة تغيرت و لحد
النهاردة انا مش مصدقة إزاي الوحش
تحول لأمير جميل….
قضم شاهين إصبعها الذي كان يداعب
شفتيه بخفة قبل أن يفتح عينيه ليحدق
فيها بنظرات عاشقة قائلا:”أنا كنت قبلك
الشيطان شاهين بس دلوقتي بقيت
الملاك شاهين و داه بفضلك يا ملاكي..”.
……………………………………………………
صباحا إستيقظ أيهم ليجد نفسه يحتضن
ليليان التي كانت تغط في نوم عميق..
إبتسم بسعادة غامرة ليتكئ على ذراعه
ليقابله وجهها الفاتن الذي إشتاق ان يبدأ
صباحه برؤيته….
مد يده ليزيح خصلات شعرها الذي
غطت رقبتها و جزءََ من وجهها ليبقى على
حاله يتأملها وقتا طويلا قبل أن يطبع
قبلة طويلة على وجنتها مستنشقا رائحتها
و كأنها إكسير الحياة بالنسبة له….
إستقام من مكانه مكرها ليتجه صوب
خزانته ليخرج ملابسه و يتجه نحو الحمام
ليقوم بروتينه اليومي و يرتدي بدلة رسمية
باللون الأزرق الداكن ثم يغادر نحو المستشفى….
بعدها بساعتين….مطت ليليان ذراعيها بكسل
دون أن تفتح عينيها ثم مدت يدها نحو الطاولة
بجانب السرير بحثا عن هاتفها ظنا منها انها
في غرفتها…
فتحت عينيها اخيرا بعد أن فشلت في إيجاده
لتدور بنظراتها أرجاء الغرفة…إتسعت مقلتاها
بذعر و هي تتلمس ثيابها البيتية لتشتم نفسها
بصوت عال :”يخرب بيت غبائك يا ليليان.. يانهار
إسود دي مش اوضتي و حتى هدومي متغيرة
هو إيه اللي حصل انا مش فاكرة حاجة خالص”.
قفزت من الفراش بسرعة قبل أن تتمتم مستدركة
لتعود لتنظيم غطاء السرير بحركة سريعة ثم تتجه
نحو غرفتها لتغير ملابسها و تنزل للأسفل…..
في صالون الفيلا كانت كريمان تجلس مع إبنتها
أميرة تتجاذبان أطراف الحديث….
القت عليهما تحية الصباح..
ليليان :” صباح الخير…ياطنط صباح الخير يا
ميرو”.
كاريمان و قد إرتسمت على وجهها إبتسامة
واسعة:”صباح الخير يا حبيبتي…انا مش قادرة
اوصفلك فرحتي قد إيه… و أخيرا ربنا إستجاب
لدعائي و رجعك إنت و أيهم لحضن بعض الحمد لله
ربنا يهنيكو و يهدي سركم….
أضافت أميرة:” احنا كده إطمنا على أيسم
على الاقل حيعيش حياة طبيعية مع أمه و ابوه…..
أشارت لهما ليليان بيديها ليتوقفا عن الحديث
و قد إرتسمت على ملامحها علامات الاستفهام
:” إنتوا تقصدوا إيه معلش أصل انا مش فاهمة
حاجة “.
قهقهت كاريمان بصخب و هي تضع فنجان
القهوة من يدها على المنضدة لتلتفت بجسدها
نحو ليليان و تمسك بكلتا يديها قائلة :”إحنا
نقصد عنك إنت و أيهم..مبسوطين عشان
رجعتوا لبعض”.
رمشت ليليان بأهدابها عدة مرات قبل أن
تهتف ببلاهة:” حضرتك مين قال إن إحنا
رجعنا لبعض؟؟؟؟
أميرة بخبث:” محدش قالنا بس إحنا
عرفنا لوحدنا يعني إنت نمتي في أوضته
و أيسم نام عند ماما و بابا… و الدكتور أيهم نزل الصبح ياااه لو شفتيه يا لولو الفرحة كانت
بتنطط من عينيه و بيضحك مين غير
سبب “.
ليليان بغضب مكتوم :”يعني هو اللي قالكم
إننا رجعنا لبعض”.
أميرة بتريث:” بصراحة هو مقالش كده
خالص داه حتى سيف قعد ساعة و هو مستلمه
عشان يعترف بردو مفيش فايدة “.
كاريمان بلهفة:” مش مهم… المهم إنهم رجعوا لبعض
و…
ليليان بمقاطعة:”إستنوا بس الحكاية مش كدة….
كاريمان و هي تقطع كلامها:” رجعتوا بس مش
عاوزين تقولوا لحد…. ماشي إحنا مش حنتكلم
في الموضوع داه لغاية ما إنتوا تقرروا….
ليليان برجاء :”يا طنط لو سمحتي….
وقفت كاريمان من مكانها لتستأذن بالمغادرة
قائلة :” أنا طالعة عشان أطمن على سومة
زمانه زهق من اللعب و عاوز ينام… لولو جوزك
راح المستشفى و قال إحتمال إنه يتأخر النهاردة “.
نظرت ليليان في أثر زوجة عمها و هي تصعد
درج الفيلا قبل أن تلتفت نحو أميرة التي
إنشغلت بوضع سماعات الهاتف في أذنيها
كطريقة للهرب من التحدث معها بعد
إن إتفقت مع والدتها أن يضعا خطة تجعلها تعود لأيهم….
نفخت ليليان خديها بضجر بعد أن يئست في
جعلهما تنتبهان إليها حتى تشرح لهما حقيقة
ما حدث البارحة…إستقامت من مكانها لتغادر
نحو المستشفى و في داخلها تتوعد لأيهم….
٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠٠
في المركز الرياضي الذي يملكه محمد…
ضرب محمد سطح مكتبه بقوة حتى كاد
يقسمه إلى نصفين بعد أن بلغ غضبه عنان
السماء لحديث نور المستفز و الذي ظل
يتجاهلها طوال الاسبوع الماضي…
:”مش حطلقك يانور و وريني حتعملي إيه؟؟
وقفت من كرسيها لتتراجع إلى الوراء مخفية
خوفها من هذا الوحش الذي إنقلب فجأة
لتردف بصوت مسموع :” و أنا قلتلك مش عايزاك…إفهم بقى…. انا بقالي أسبوع و انا بعيدلك نفس الكلام و إنت مش عاوز تفهم تبقى دي
مشكلتك… طلقني و خلي كل واحد مننا يروح
لحاله زي مادخلنا بالمعروف نخرج بالمعروف”.
حملق فيها محمد بعينين حمراوتين و هو
يشد على أسنانه بقوة قائلا بهسهسة:” و انا
قلت مش حطلقك غير لما إفهم السبب….
نور بصراخ :”و إنت مالك انا حرة… مش عايزاك
و بكرهك….
قفز محمد بحركة خفيفة من وراء مكتبه حتى
أصبح أمامها ليأسرها بينه و بين الحائط
هادرا بصوت مرعد :” إنطقي… في حد ثاني
في حياتك غيري”.
صرخ بها و لأول مرة ترى هبة وجه محمد
الغاضب الذي يحاول في كل مرة مهما كان
منزعجا منها أن يتمالك نفسه مخافة أن
يأذيها لكنه لم يستطع هذه المرة فقد فاض
الكأس و إنفجر البركان و لم يعد باستطاعته
العودة إلى الوراء…يريد فقط أن يفهم
سر تغيرها قبل أن يقدم على تنفيذ
أهم قرار في حياته ألا وهو تحريرها منه….
همهت نور بصوت شبه مسموع و هي لا
تستطيع السيطرة على إرتجاف جسدها
من الخوف :”و الله مفيش حد… انا مش
عاوزة ارتبط… ارجوك خليني أمشي انا
مش عاوزة أقعد هنا…”.
إبتعد عنها ليتلفت إلى الجهة الأخرى
نافثا الهواء بقوة حتى يستطيع السيطرة
على أنفاسه الغاضبة….
تحدث بصوت مقهور رغم صلابته :”دي عاشر
مرة تهيني كرامتي و رجولتي بكلامك
و انا بسامح و اعدي و أقول صغيرة بكرة
حتكبر و حتتغير بس الظاهر مفيش فايدة
أنا بقى اللى مش عايزك بعد كده على قد
ماحبيتك و عشقتك بقيت بكرهك و مش
قادر أبص في وشك….بكرة حضري نفسك
عشان المحامي حيكلمك نتمم إجراءات
الطلاق…من النهاردة إنت برا حيلتي
حياتي … كل اللي بينا إنتهى و حاجتي اللي عندك إحتفظي بيها مش عاوز اي حاجة تفكرني بيكي حتى. الدبلة و دلوقتي إطلعي برا و متورينيش خلقتك ثاني “.
سمع صوت الباب و هو يغلق وراءها ليغمض
عينيه بأسى عن حاله مستندا على الحائط
بضع دقائق قبل أن يستقيم متجها نحو
مكتبه متمتما في داخله :” ملعون ابو الحب
اللي خلي الواحد يفرط في كرامته بالشكل
داه…كان لازم أعمل داه من زمان “.
…………………………………..
بعد خروجها من المركز الرياضي قادت نور
سيارتها نحو الجامعة لتبحث بعدها عن صديقتها
بسمة وجدتها أخيرا لتجذبها من ذراعها
متجهة بها نحو مكان ناء بعيد عن الجميع…
إنفجرت بسمة غاضبة في وجهها بعد أن
حكت لها نور ماجرى معها :”إرتحتي.. اهو حتبقي
مطلقة على صغر سنك….
أجابتها نور بلامبالاة :” أحسن ما ابقى مطلقة
ومعايا عيل او إثنين….
هزت بسمة رأسها بياس من عنادها الفارغ
قائلة بحنق :”يارب طول في عمري عشان
اشوفك ندمانة و دمعتك على خدك و تقولي
ياريت يرجع بيا الزمن ماكنت هببت اللي
هببته…. يا بنتي إنت إيه دماغك دي مصنوعة
من إيه ماتفهميني عمالة تدمري في حياتك
بايديكي بسبب عنادك و غرورك اللي حيوديكي
للهلاك”.
نور بضجر :”بقلك إيه بطلي تزني في دماغي
اللي حصل حصل و إنتهى خلاص و انا مش حرجع لمحمد لو إنطبقت السماء على الأرض. خاصة
بعد اللي شفته النهاردة اكدلي كل شكوكي
محمد و اخوه و عمر و اصحابهم حكلهم
نسخة من شاهين الألفي اللي عذب أختي
و هانها و كسرها ايام و شهور… أختي
اللي مفرحتش بجوازها زي أي عروسة
أنا مش عاوزة أفتكر اللي حصل عشان كل
مرة بفكر إيه اللي كان بيحصل معاها زمان
أول ماتجوزت بتمنى الموت الف
طرقت ليليان مرتين باب المكتب قبل أن
تدلف لتجد أيهم منغمسا في العمل و أمامه
كومة من الأوراق يتفحصها بتمعن…
رفع رأسه نحوها ليضيئ وجهه بابتسامة
عريضة ثم قال :”يا اهلا و سهلا نورتي
المكتب…إتفضلي..
وقف من مكانه متجها نحوها ليقف
قريبا منها مشيرا نحو الاريكة لتجلس
عليها قبل أن يعود نحو هاتف المكتب
يطلب لها عصيرا… تأملته ليليان بضيق
و هو يسير من جديد ليجلس بقربها
على الاريكة و نفس الابتسامة مازالت
مرسومة على وجهه…
قطع الصمت عندما تحدث أيهم متسائلا
:”ليه تاعبة نفسك و جاية ما انا قلتلك
حهتم بالشغل النهاردة…. كان المفروض
تقعدي ترتاحي و تشبعي شوية من أيسم”.
تنحنحت ليليان قبل أن تجيبه بتردد:”
لقيت نفسي فاضية قلت آجي و كمان
طنط كاريمان مهتمة بأيسم جدا بالأخص
النهاردة”.
أتمت كلامها لترمقه بنظرات غير راضية
ليتعجب أيهم الذي هم بسؤالها لكن قبل
ان يتحدث قاطعه طرق على الباب”.
ايهم :”ادخل”.
دخلت السكرتيرة و في يدها صينية
صغيرة لتضع محتوياتها على الطاولة
و تغادر بعد أن أشار لها..
إلتفت نحو ليليان مرة أخرى مستفسرا
:”في حاجة حصلت؟؟
ليليان بضيق :”يعني مش عارف؟
ايهم بصبر :” قصدك إيه؟؟
ليليان :”قصدي اللي حصل إمبارح و الصبح
كمان “.
فرك أيهم طرف شفته السفلى محاولا
السيطرة على ضحكته ليهتف بتهرب
:” و إيه اللي حصل إمبارح و الصبح؟؟
صرخت ليليان بحنق على طريقة كلامه
المتلاعبة :” بطل تعمل كده…مش بحب اللف و الدوران…إنت عارف كويس انا بتكلم على
إيه و عاوزة تفسير دلوقتي حالا”.
أيهم بمشاكسة :” مش حقلك عشان حتزعلي
و انا آخر حاجة عاوزها هي إني أشوفك
زعلانة و متضايقة”
ليليان بتحذير:”أيهم لو سمحت ..
أيهم مقاطعا :” محصلش حاجة.. إنت كنتي
تعبانة لدرجة إنك مكنتيش حاسة بحاجة
نمتي في العربية و انا شلتك و طلعت بيكي
الأوضة و هناك غيرتي هدومك و أكلتي
شوية شوربة و بعدها نمتي للصبح”.
ضيقت ليليان عينيها بتفكير قبل أن
تهمس :” بس انا مش فاكرة حاجة…
أضافت بتردد” طب ليه مصحيتنيش على
الاقل عشان اغير هدومي… اووف مش فاكرة
حاجة .
أيهم بتسلية :” إنت ليه مكبرة الموضوع…
كل حاجة خلصت….
ليليان بغضب:”هو إيه اللي خلص؟؟ و كل اللي
في الفيلا فاكرين إننا رجعنا لبعض تقدر تقلي
حنعمل إيه في المصيبة دي؟؟
نفخ أيهم الهواء بنفاذ صبر قبل أن يتريث
قليلا ليرفع كأس العصير نحوها قائلا :”إشربي
العصير و إهدي.. كل مشكلة و ليها حل متقلقيش “.
أشاحت بوجهها بعيدا عنه ليعيد الكوب
لمكانه ثم يقف من مكانه ليسير نحو النافذة
الزجاجية واضعا يديه في جيوب بنطاله
و ينظر للأسفل لحديقة المستشفى….
رمت ليليان حقيبتها جانبا قبل أن
تتجه نحو أيهم الذي إنشغل عنها و كأنه
نسي وجودها او هكذا ظنت بينما
هو في الحقيقة كل تركيزه كان عليها حتى و إن
لم يكن ينظر نحوها….يكفي تهربا فقد
وصل الطريق لنهايته و حان وقت المواجهة….
أغلق عينيه ليتنفس بقوة عطرها الذي لفح
أنفاسه عندما مرت بقربه ليرتجف جسده
بضعف و حنين إليها… كم يرغب في هذه
اللحظة أن يجذبها نحوهه و ينهال على
شفتيها بقبلة عميقة ليرتشف شهد شفتيها
الذي إشتاق إليه بجنون…
يعوض سنين حياته الباردة التي توقفت منذ
أن غادره دفئ جسدها الذي كان ينعم
به و حرم منه بسبب غبائه و غروره….
ضغط شفته اليسرى بقوة حتى شعر بطعم
دمائه في محاولة منه لإخماد فتيل الحرب
الذي اشعله قربها داخله..
كل ذرة في جسده الأحمق تطالب بقربها و أخذها بين ذراعيه الآن يكفيه صبرا و تعقلا فليذهب العقل
للجحيم ففي النهاية هو رجل و هذه الجميلة
التي بجانبه تمتلك من الفتنة و السحر ما
يلهب حواس قديس فمابالك برجل حرم
من الحب لسنوات……
حرك رأسه يمينا و يسارا لينفي هذه الأفكار
المزعجة التي لا طالما أرقت نومه لينتبه
لها عندما وقفت بجانبه…
ليليان بصوت هادئ :”كلما آجي أتكلم معاك في
موضوع تتهرب زي عوايدك…كل حاجَة عاوزها
على مزاجك تضربني، تعذبني، تخوني، و تبهدلني
و بعدين تسافر و تهرب عشان مطلقنيش و دلوقني
راجع و عاوزنا نرجع عشان سيادتك ندمان و ضميرك
صحى و بقيت بتحبني و عاوز تعيش حياة
طبيعية معايا انا و إبنك…و أنا المفروض اوافق
و أقبل بكل حاجة إنت تعملها…و عشان توصل
للي إنت عاوزه بتخلي عيلتك تضغط عليا
بكل الطرق عشان أقبل… كلهم شايفين قد إيه
بتحاول تنجح علاقتنا و بتعمل كل اللي تقدر
عليه عشان تراضيني و اقبل ارجعلك من ثاني
و لو ماوافقتش حيزعلوا مني…و حيقولوا إن
أنا اللي ظالماك…
إلتفتت نحو لتنظر في وجهه بتمعن قبل
أن تكمل :”لو كنت مكاني حتعمل إيه؟؟؟
أغلق أيهم عينيه بألم قبل أن يجيبها بصوت
مختنق:” مينفعش الشيطان يكون مكان
الملاك…
ليليان بصراخ مفاجئ:”ليه مصر تحسسني
إني لعبة بتحركها زي ما إنت عاوز…طول
عمري معنديش لا رأي و لا قرار…و لا أهمية”.
لم يعد يطيق صبرا ليجذبها بذراعه الصلبة
من خصرها نحوه حتى إصطدمت بصدره
لم يعر دهشتها أي إهتمام و لا تراقص
أهدابها التي رمشتها بحيرة و لادقات قلبها
الفزعة التي يجزم انه سمع صوتها…
همس بصوت مسترخي و هو يتمعن بتفاصيل
وجهها الناعم :أنا… آسف… ياريتني كنت مت
قبل ما أزعل العنين الحلوة دي….
أحنى وجهه لتلفحها أنفاسه الساخنة كلهب
حارق زادت من إرتجافها بين يديه لم تستطع
إن تعارضه او أن تتكلم… كلما إستطاعت فعله
هو أن تحافظ على وعييها في حضرته…مشتتة و
خائفة…و كأنها مراهقة صغيرة و ليست إمرأة
ناضجة في سن الثلاثين…
انامله الخبيرة التي تمسد ظهرها و خصرها
بنعومة فائقة جعلتها تغلق عينيها و تنفصل عن الواقع….
لم تعي حتى عندما أزاح حجابها ليظهر
أمامه عنقها الأبيض بسخاء و ذلك العرق
النابض في رقبتها كم إستفزه ليطبع
عليه قبلة ناعمة أشبه بلمسات الورود…
ليزيد من جنون ليليان التي لو كانت بوعييها
لجلدت نفسها أرحم لها من ان تستسلم أمامه
بهذا الشكل المخزي….
لم تشعر بابتسامته المنتصرة و هو يرى
ذوبان جسدها بين يديه لكن من يلومها
فرجل كأيهم البحيري زير النساء السابق
رغم إبتعاده الطويل عن هذه الأجواء
إلا أن خبرته الكافية و وسامته المهلكة تجعل
أي إمرأة تذوب أمامه كقطعة ثلج…..
ليستغل هو الوضع و ينحني ليحملها
بين ذراعيه كعروس ليلة زفافها متجها
نحو باب جانبي يحتوي على غرفة نوم مجهزة
كان أيهم قد أضافها في تصميم مكتبه
تحسبا لتأخره في العمل و إضطراره في
تمضية ليلة هنا…
أراح جسدها على السرير بعد أن تأكد
من إغلاق الباب خلفه تحسبا لأي دخيل..
ثم إنحنى نحو شفتيها مقبلا إياها بشغف
و جوع أيام طويلة فيما إمتدت يداه
لتزيح عنها ثيابها التي تخفي مفاتنها عنه
ببطئ و هدوء….
يحب عليه الاستفادة بكل الطرق من هذه
الفرصة التي قدمت له على طبق من الماس
فإما الان و إما سيضطر لمزيد من الانتظار
و هو الذي لم يعد يكره في من حياته
أكثر من الانتظار….هذا الشعور الذي بات
يقتله عرقا بعرق… يوما بعد يوم.
و كأنها تفترش إحدى الغيوم القطنية…هذا
ماتشعر به ليليان في هذه اللحظة بعد أن
فقدت السيطرة على جسدها الخائن الذي
أصبح في لحظات رهن إشارته…بعد أن
سقط العقل من على عرشه و اصبح القلب
هو الملك… هو الآمر الناهي فلا مكان بعد
الان لما يسمى حدود…
الحب و الرغبة و لغة الجسد هذا ما يميز
هذه اللحظات الفاصلة بين قلبين إنفصلا
منذ سنوات…..
منذ ساعات و لم يكتفيا و كأنهما إتفقا على
تعويض مافاتهما فكلما شعر أيهم بعودة ليليان
لواقعها يسحبها من جديد نحو عالمه الخاص
يقسم انه لن يتركها حتى تخضع له بإرادتها…
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
دخلت الجامعة بخطى مرهقة بعد ليلة
طويلة لم تذق فيها طعم النوم بسبب
شجارها اليومي مع والدتها التي لم تكتفي
بضربها و شتمها لتهاتف شقيقتها و زوجها
حتى يأتيا في ساعة متأخرة من الليل
في محاولة منها للضغط عليها حتى تتراجع
عن قرارها المتهور…دون جدوى.
أخذت طريقها نحو الكافتيريا للحصول
على كوب قهوة كبير عله ينجح في إعادة
نشاطها و حيويتها التين يفتقدهما جسدها
حتى تستطيع الصمود في هذا اليوم الطويل
كطالبة في كلية الطب…
رمت الكوب الورقي في أقرب سلة
مهملات قبل أن تتابع طريقها نحو قاعة
محاضرتها التالية بعد أن فاتتها اول الحصص…
تصنمت مكانها و هي تستمع لضحكات عالية
وراء أحد الأبواب المغلقة بعدم إحكام ليظل
فراغ صغير بين طرف الباب الحائط… بدا
لها الصوت مألوفا لتقترب بتمهل و تسترق
السمع…
لحسن الحظ لم يكن سوى صوت ضحكات
ميار التي بدت و كأنها ستطير فرحا في أي
لحظة و هي تحدث صديقتها المقربة ديالا…
ديالا:”أمال هي فين مجاتش المحاضرة اللي
فاتت… مش من عوايدها أنها تغيب”.
ميار بنبرة سعيدة :”مش حتيجي النهاردة
أنا سألت الغبية بسمة و هي قالتلي إنها
كلمتها إمبارح و قالت إنها مش حتحضر
النهاردة…
أضافت و هي تجلس على إحدى الطاولات
العالية :” أحسن…..بقيت مش طايقة أشوفها
قدامي،انا ماسكة نفسي بالعافية عشان
ماقتلهاش بإيدي…. بس بعدي يقول إهدي
يا بنت و إستني لغاية ما أوصل لهدفي
و بعدين إعملي اللي إنت عاوزاه…
ديالا بابتسامة مصطنعة :” أنا مش عارفة
إنت ليه متمسكة بمحمد… اقصد هو شكله
حلو و شيك و من عيلة غنية بس في
كثير أحلى منه و اغنى منه كمان… ليه
محمد البحيري بالذات؟؟
وضعت نور كفها على فمها تمنع خروج
شهقتها المصدومة هي تستمع لهذه
الحقائق لأول مرة…إبتلعت ريقها بصعوبة
و هي تستند على الحائط لتوازن جسدها
الضعيف تجاهد لتبقي جميع حواسها
مركزة على ماستقوله تلك الحية ميار….
ميار و قد برقت عيناها بتصميم :”عشان
مختلف اللي زيه صعب تلاقي منه كثير
في زماننا داه…راجل بجد مش زي العيال المدلعة
اللي إحنا نعرفهم…راجل حقيقي تقدري تأمنيه
على نفسك و إنت متأكدة إنه مش حيخونك
و لا حيغدر بيكي….محمد لو قعدت معاه
سنة في اوضة واحدة مش حيبصلي و لا
حيحط إيده عليا عارفة ليه.. عشان هو كن النوع الوفي اللي لما بيحب يحب بجد……
راجل يحبك و يحتويكي في كل أشكالك
بعصبيتك و جنونك لما تكوني مخنوقة
و لما تكوني متضايقة…في كل حالاتك مش
حيبص لغيرك مهما كانت الاغراءات
محمد مش زي أخوه أيهم و سيف عمره
ماكان عنده تجارب مع البنات اول واحدة دخلت حياته هي نور…
أنا أعرفه من سنين بسمع اخويا دايما بيتكلم
عليه حبيته من قبل ما أشوفه كان فارس
أحلامي و انا عندي سبعتاشر سنة
عرفته قبلها يعني هو من حقي أنا… هي مش بتحبه
و مش حاسة بيه اصلا…نور متستاهلش واحد
زي محمد…لو كانت بتحبه و متمسكة بيه
مكنتش حقدر أاثر عليها مهما قلت في حقه
و شوهت صورته قدامها بس
هي كانت محتاجة حد يشجعها عشان
تتخلص منه… الغبية مش عارفة إنها لو لفت
العالم مش حتلاقي حد يحبها و يحافظ
عليها زي محمد البحيري…
ديالا بتعجب :” بس هو مش بيحب غيرها؟؟
ميار و قد إحمر وجهها من شدة الغضب :” عارفة
إنه مش بيتزفت بيحب غيرها بس انا بحبه…
و مش حخليها تتهنى بيه….محمد ليا أنا و حعمل
كل اللي اقدر عليه عشان أخليه يحبني….
هما خلاص حيطلقوا و هو أكيد حيكون محتاج
حد يقف جنبه عشان يخرجه من إحساس
الوحدة و الخذلان و انا بقى حبقى الحد
داه.. حعمل كل اللي اقدر عليه عشان يكون
ليا… “.
ديالا بتفكير :” بس داه مش حب يا ميمي
هو بالنسبة ليكي حاجة صعبة و إنت عاوزة
تحصلي عليها بأي ثمن…و لما تمتلكيها
حتزهقي و ترميها….
ميار بغضب :” إيه التخريف داه…بقلك
بحبه من و انا عندي سبعتاشر سنه… داه
حلم العمر و مش حستسلم غير لما أحققه…
هزت ديالا كتفيها باستسلام من عنادها
قبل أن تسألها :” طيب هما خلاص يعني
مفيش أمل…..
تبدلت ملامح ميار الغاضبة إلى أخرى
سعيدة :”لا النهاردة متفقين يروحوا
المحامي عشان يكملوا الإجراءات… انا
متابعة كل حاجة بنفسي و بستنى
بالدقيقة و الثانية إمتى يبقى حر
و ساعتها حيبقى ملكي….yes yes yes
انا حعمل party بالمناسبة الحلوة دي..
أنهت جملتها بضحكة طويلة تعبر عن مدى
سعادتها بانتصارها الرائع الذي حققته دون
معاناة… نصر لم تتعب كثيرا لتحقيقه فلم
يكن يتطلب منها سوى القليل من الصبر
و خطة ذكية حاكتها بذكاء و تمهل شديدين..
و كأن خنجرا حادا تسلل بخفة من بين
أضلعها ليصل نحو قلبها ليقسمه شطرين
دون رحمة او شفقة….لو لم تسمعها بنفسها
لما صدقت…ضحكت بداخلها و عيونها
تنهمر دموعا تعبيرا عن ضياعها و تخبطها
إبتعدت عن باب الغرفة بخطوات حذرة
حتى لا يتفطنا لها…
بعد أن إبتعدت مسافة جيدة ركضت بسرعة
نحو سيارتها متجاهلة نظرات باقي
الطلاب المتعجبة من حالتها…
ألقت مافي يديها في الكرسي الجانبي
للسيارة قبل أن تجلس مكانها لتضرب
رأسها عدة مرات بالمقود….
رفعت رأسها لتقابلها صورتها بالمرآة ليزداد
جنونها أكثر فأكثر صفعت وجنتيها بكفيها
مرات عديدة ثم جذبت خصلات شعرها
القصيرة حتى شعرت باقتلاع بعض منها
لكنها لم تهتم فالالم الذي كانت تشعر
به بداخلها أقوى بكثير من ألم جسدها….
أرخت رأسها على ظهر المقعد بعد أن
تعبت و هي تتمتم بصوت لاهث :غبية….
غبية…انا أكثر واحدة غبية و حمارة
في الدنيا كلها….إزاي قدروا يوقعوني
إزاي…عقلي كان فين و انا بسمع كلامهم
للدرجة دي انا كنت هبلة و عبيطة.. عندها
حق ماما و الله عندها حق…محمد ميستاهلش
واحدة غبية يستاهل واحدة قوية و خبيثة
زي ميار تقدر توصل للي هي عاوزاه بكل
سهولة طبعا ماهي لما تلاقي واحدة حمارة
زي نور أكيد حتوصل لاهدافها بسهولة….
أخرجها من هذيانها صوت رنين الهاتف…
لتمد يديها بعشوائية تبحث عنه داخل حقيبتها
لم تجد فاضطرت لرمي محتويات الحقيبة
دون إهتمام حتى وجدته….
شهقت بصوت عال و هي تغرس أصابعها
بخصلات شعرها المنكوش عندما رأت
إسمه يزين الشاشة :”داه محمد… أكيد
بيتصل عشان المحامي”.
همهمت بغصة و دموعها لاتكف عن الأنهمار
لترد أخيرا رغم عدم قدرتها على الكلام
:”محمد… إنت فين؟؟
أغمضت عينيها سامحة لآخر قطرات دموعها
بالسقوط على وجنتيها المحمرتين بشدة
عندما آتاها صوته الدافئ الحنون رغم
تصنعه الصرامة :”إنت اللي فين يا نور مش
إتفقنا إننا نتقابل عند المحامي…. أنا كلمتك
الصبح بس إنت مرديتيش فاضطريت اروحله
و أجيب الأوراق عشان ناقصة إمضتك….
إرتجاف يديها جعل الهاتف يقع على الكرسي
لتلتقطه مرة أخرى بصعوبة و تحدثه بصعوبة:” أنا حجيلك
دلوقتي الستنر بتاعك….
سقط الهاتف مرة أخرى و تعالى صوت نحيبها
و هي تقود السيارة بعدم تركيز حتى وصلت
بعد نصف ساعة تقريبا إلى المكان….صفت
سيارتها بصعوبة ثم فتحت الباب لتنزل
و تسير بخطوات مرتعشة حتى كادت تقع على الأرض عدة مرات قبل أن تصل أخيرا
إلى أولى الدرجات الرخامية لباب المركز
الرياضي…
حدقت نور في صورتها التي إنعكست على بلور الباب بضياع…شعر مبعثر و وجه أحمر تملأه الخدوش و بعض الدماء الجافة في أعلى جبينها
الملتصقة بشعرها….حمدت الله في سرها أنها
لم تجد وقتا في الصباح لوضع مستحضرات
التجميل و إلا لكان وضعها أسوأ….
أنهى تأملاتها محمد الذي جذبها بقوة من
ذراعها دون قصد قائلا بلهفة و عيناه تتفرسان هيئتها المزرية:”نور إنت كويسة
حصلك إيه…. مين اللي عمل فيكي كده؟؟؟
إكتفت بالتحديق به و قد إرتسمت على
وجهها إبتسامة بلهاء و هي تؤكد لنفسها
للمرة الالف هذا اليوم أنها غبية…
فمن التي تضيع من يدها رجلا كمحمد…
في غاية الوسامة شعره الأسود الذي يطابق
لون عينيه و بشرة وجهه البيضاء المغطاة
بلحية خفيفة تعشقها…. أما جسده الرياضي
الضخم الذي تمنت في هذه اللحظة أن
يحتضنها داخله حتى تشعر بدفئه و حنانه
الذي طالما غمرها به رغم صدها له….
هز جسدها بخفة عندما لاحظ شرودها و هو
يعيد سؤاله من جديد :”نور… إنت سمعاني
تعالي حوديكي المستشفى….”.
أحاط خصرها بذراعه ليساعدها على
المشي لكنها ثبتت أقدامها في الارض
لتوقفه عن السير قائلة بصوت مبحوح
:”مفيش داعي أنا كويسة..”.
اجابها بقلق :”كويسة إزاي….وشك
مليان دم و جروح…. قوليلي مين اللي
عمل فيكي كده و إيه اللي حصل ؟؟؟؟
نور ببكاء لم تعد تحتمل طيبته و إهتمامه بها
حتى بعد مافعلته معه :” أنا… انا اللي عملت
في نفسي كده و لو كنت أقدر كنت عملت
أكثر….
محمد بذهول و عيناه تجوبان كامل
جسدها :” إنت؟؟ ليه؟؟؟
إستندت نور عليه بعد أن فشلت في
تصنع القوة ليتلقفها محمد بحركة
خفيفة جعلتها في ثوان بين ذراعيه
لم تقاومه نور او تعترض عندما
دلف بها إلى الداخل نحو مكتبه…
صعد الدرج بخفة و نور تخفي نفسها
داخل أحضانه حتى كادت تختفي كليا
و قد ساعدها في ذلك جسدها الضئيل
دلف إلى داخل مكتبه ليضغها على
اريكة جلدية سوداء اللون كسائر اثاث
المكتب…
تململت نور لترتاح في جلستها و قد
بدأت تشعر الان فقط بآلام في وجهها
و ذراعيها…. عاد محمد و في يده علبة
صغيرة للاسعافات الأولية ليجلس بجانبها
ويضع العلبة على ساقيه….
أشاحت نور بوجهها بعيدا عن يده التي
إمتدت لتفحصها ليزفر محمد قائلا :”خليني
على الاقل اعقملك الجروح و الكدمات اللي
في وشك….
نور بحرج :” مش عاوزة أتعبك “.
أجابها و قد إرتسمت على وجهه إبتسامة
ساخرة:” متقلقيش مش حتعب في حاجة
بسيطة زي دي…إثبتي و متحركيش وشك “.
بعد دقائق قليلة إنتهى محمد من وضع
آخر شريط لاصق على جرح بجانب شفتيها
لتغمض نور عينيها بقوة و تشرع في البكاء
من جديد…
ربت على ظهرها بيده بينما يده الأخرى
كانت تمسح خصلات شعرها المتناثرة
بفوضوية كابحا فضوله القاتل الذي يحثه
على معرفة ما يحصل معها….
همس لها بخفوت محاولا تخفيف حزنها
::”كفاية عياط يانور و إحكيلي…إيه
اللي وصلك للحالة دي؟؟
صرخت نور ببكاء و قد عادت لها نوبة
جنونها من جديد :” أنا…. قلتلك أنا…
أنا السبب في كل حاجة “.
ضربت وجهها و رأسها بقوة بكفيها
مما أثار فزع الجالس بجانبها ليمسك
بسرعة كلتا يديها جاذبا إياها نحوه
حتى أصبح وجهها ملاصقا لوجهه لا
يفصل بينهما سوى إنشات قليلة…
اخفضت نور عينيها رافضة النظر في
وجهه و كأنها خائفة من مواجهته… تشعر
بداخلها بالخجل و الذنب مما فعلته معه
رغم حقارتها و نذالتها معه إلا أنه مازال يهتم لأمرها….يبدو أن ميار كانت محقة فمحمد
مختلف….
تركها عندما شعر بسكونها لتنهد بصوت مسموع
قبل أن يهتف للمرة العاشرة بنفس السؤال لكن
هذه المرة بنبرة مصرة :”نور… إتكلمي انا أعصابي
خلاص بازت و مش قادر أستنى أكثر من كده
يا تحكيلي إيه اللي حصل يا حنزل أكتشف بنفسي”.
فركت نور يديها مكان قبضته بتوتر قبل أن تستجمع
شجاعتها و تتحدث باقتضاب :” كاميليا… أختي
لما تجوزت شاهين الألفي كنا مش مصدقين اللي
حصل و…. كنا فرحانين جدا خصوصي انا و كريم
جوز أختنا بقى….. راجل غني و عنده فلوس
كثير و حيساعدنا و يخرجنا من الفقر اللي
إحنا عايشينه…..كنت أنانية جدا و مش
شايفة حاجة الفلوس عمت عينيا….فاكرة
كويس آخر يوم ليها في بيتنا القديم
مكانتش فرحانة زي اي عروسة…كانت بتخفي
خوفها و قلقها علينا كلنا عشان متبوزش
فرحتنا…مكانتش عاوزة تحسسنا بحاجة
كاميليا أختي ضحت بنفسها عشاننا…عشان
تعالج بابا و اقدر انا و اخويا نكمل تعليمنا
اللي كنا مهددين في اي لحظة إننا نسيبه
عشان معندناش فلوس…..
مسحت دموعها قبل أن تتابع…كان بيهددها
يا تتجوزه يا حيدمرنا و طبعا داه شيئ سهل
جدا عنده…و هي قبلت…. قبلت يا محمد
قبلت إنه يعذبها و يهينها و يعيشها أسوأ
ايام حياتها… كان… كان بيغتصبها كل ليلة
و بيضربها و….
توقفت عن الحديث عندما إختنقت بدموعها
لكنها رغم ذلك واصلت :”أنا كنت خايفة… خايفة
مكنتش عاوزة ابقى زيها…انا و الله مش معترضة
عشانك إنت…. بالعكس إنت راجل تحلم بيه
اي بنت…. بس أنا كنت بتخبط يمين و شمال
و مكنتش قادرة احكيلك….السر داه كنت شايلاه
لوحدي.. مقدرتش احكيه لأي حد عشان مينفعش
حد يعرفه….انا مش قادرة أتحمل يا محمد
أنا تعبت و مش عارفة اعمل إيه و عشان
عبيطة أول حاجة فكرت فيها إني مش حتجوز
طول عمري….
أطلقت ضحكة قصيرة مستهزئة مضيفة
:”مش قلتلك عبيطة…
مسح محمد وجهه بحيرة غير مصدق
لما يسمعه…حقائق غريبة اشبه بالخيال
فلطالما تعجب محمد من عشق شاهين
المفرط لزوجته حتى أنه تمنى أن في
يوم من الايام أن تكون حياته مع زوجته
كحياتهما….و هاهي نور الان تصدمه
بحقائق مغايرة للواقع….
إلتفت نحو نور التي لم تتوقف عن البكاء
ليشعر بالشفقة نحوها…بالرغم من انها لأول
مرة تتحدث معه هكذا دون قيود او أقنعة…
لأول مرة يعلم ماتفكر به لا و أيضا تشاركه
مشاعرها… يبدو أنه يوم المعجزات بالنسبة لمحمد…..
هتف بصوت هادئ رغم تزاحم الأفكار
داخل رأسه :”طيب انا ممكن أساعدك
في إيه؟؟ مش عارف يعني لو عاوزة تتكلمي
او تفضفضي.. انا موجود….
نظرت نحوه بعينين دامعتين تعكسان
مدى ضعفها قائلة برجاء:” مش عاوزاك
تسيبني…. أرجوك….
إتسعت عيناه بدهشة و هو يرمقها بنظرات
غير مفهومة قبل أن يهتف :”تقصدي إيه؟؟
نور و هي تعض شفتيها بتوتر و دقات قلبها
بدأت تتسارع بسبب خوفها من ردة فعله
:”خلينا مع بعض.. بلاش طلاق عشان
خاطري…. و أنا مستعدة أعمل أي حاجة
إنت عاوزها “.
يحق له ان يرفض فبعد كل مالاقاه منها
جفاءها و صدها له كلما حاول أن يتقدم
بعلاقتهما….لم تهتم به يوما او تشاركه
اي تفصيل من حياتها كباقي الأحباء…
يركض وراءها من مكان إلى آخر حتى
يلفت إنتباهها بالهدايا الفاخرة و دعوتها
للخروج بمناسبة او بدونها…. فماذا قدمت
له هو… قلبها يكاد يخرج من مكانه و هي
تنتظر جوابه…رغم توعدها بداخلها انها
لن تتركه مهما كان جوابه….
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
إستيقظت ليليان من غفوتها القصيرة
لتجد نفسها نائمة على سرير في غرفة
غريبة تحتوي على خزانة صغيرة و أريكة
باللونين الرصاصي….رفعت الغطاء عنها
لتتفاجئ بنفسها عارية… إتسعت عيناها
بدهشة و كانت ستصرخ لو لا ذكريات
الصباح التي تدفقت داخل رأسها في هيأة
مشاهد متفرقة…
تمتمت بانزعاج و هي ترمي رأسها على الوسادة
:”إيه اللي أنا عملته داه؟؟
لفت جسدها بالغطاء ثم بدأت بالبحث عن ملابسها
التي للأسف لم تجدها…عادت لتجلس مرة
أخرى على الفراش مقابل الباب و هي تضرب
رأسها بكفها قائلة بحنق :” عجبك كده اهو
بقيت محبوسة بالمنظر داه..
أضافت بحزن و عيناها تلتمعان بالدموع لشعورها
المرير بالذل و الإهانة
:”بعد ما وصل للي هو عايزه سابني مرمية
هنا زي….أي وحدة من بنات الشارع….
أجهشت بالبكاء و هي تعض أناملها حتى
تمنع خروج شهقاتها.. تزامنا مع دخول أيهم
للغرفة وفي يده عدة أكياس…
رمى الاكياس جانبا ثم إنحنى على ركبتيه أمام ليليان ليدير رأسها نحوه و
يحيط وجهها بيديه
في إحدى النوادي الراقية تجلس زوجة خيرت الشناوى والد عمر… فريدة هانم مع إحدى صديقاتها
اللواتي يشتركن في نفس الصفات….التكبر و
التعالي عن بقية الناس و لايهتممن سوى
بمكانتهن في المجتمع…..
فريدة بملل و هي تتفحص ساعتها الفاخرة
ذات الماركة العالمية:”يوه يا شيري الساعة بقت
عشرة الصبح و فيفي و نبيلة لسه مجوش
لحد دلوقتي بصراحة انا زهقت أوي من
القعدة هنا”.
أجابتها الأخرى بنبرة متعالية :” نبيلة أكيد
زمانها في الطريق ما إنت عارفاها دايما بتيجي
متأخرة…و فيفي زمانها وصلت إسكندرية
عند إبنها….الدكتور عادل…..
أرجعت فريدة خصلات شعرها الأصفر
وراء أذنها بحركة عفوية تزامنا مع قولها
:”و ليه تروحله…. ماهو دايما هو اللي
بيجي هنا هو و مراته”.
تصنعت شيري إبتسامة متملقة قبل أن
تهتف :”راحت عشان تشوف حفيدها….
اصل مرات عادل إمبارح ولدت و جابت
ولد…..
إنحنت لتأخذ كوب عصيرها لتترشفه
و هي تكمل بنبرة متكبرة و كأن من
ولد هو حفيدها :” عقبال مانشوف
أحفادك إنت كمان يا فريدة….
زمت فريدة شفتيها بضيق وهي
تشيح بوجهها للجهة الأخرى مدعية
عدم الاهتمام :” أنا عندي جاسر و لجين
و إلا ناسياهم يا شيري…..
شيري بابتسامة خبيثة :”أقصد أحفادك
ولاد عمر…أصلي مستغربة يعني
عنده ثلاث سنين متجوز و لحد دلوقتي
مخلفش….
شهقت في آخر كلامها مدعية الأسف
لتكمل بنبرة كاذبة :”اااوه سوري يا فريدة
متأخذينيش يا حبيبتي انا مش قصدي
بس…
قاطعتها الأخرى إشارة من يدها قائلة
:”مفيش داعي للأسف انا فاهمة قصدك
كويس بس إنت أكيد عارفة إن مراته
هي اللي مبتخلفش… و هو عشان إبن
أصول لسه صابر عليها و مش عاوز
يحسسها بالنقص….. و إن شاء الله
ربنا يعوض صبره خير و يرزقه بالذرية
الصالحة قريب”.
قلبت الأخرى عينيها من لهجتها الجافة
التي تتميز بها فريدة لتجيبها :” آمين…
عمر شاب كويس و يستاهل كل خير…. أهي
نبيلة جات الحمد لله….
أشارت لصديقتها من بعيد تحييها و هي تحمد
ربها أنها نجت من لسان فريدة السليط
رغم أنها هي من بدأ باستفزازها…..
أما فريدة فقد إرغمت نفسها على الابتسام
و تصنع الفرحة برؤية صديقتها الأخرى
و تجاوز ما حدث لكن في داخلها تشعر أن
نارا عارمة تشتعل داخلها لتمضي بقية
الجلسة و هي تتقلب على الجمر….
لتقود سيارتها بعد إن إنتهت جلستها الصباحية
المعتادة مع صديقاتها تجاذبن خلالها مختلف
أطراف الحديث حول عدة مواضيع… تافهة..
وصلت إلى المبنى الرئيسي لشركات الألفي
لتدلف بكل غرور و تكبر دون أن تلقي
التحية على أحد…. إستقلت المصعد
الخاص بالمدراء ليصعد بها نحو الطابق
الاخير الذي يوجد به مكتب إبنها عمر…
دلفت بخطواتها الواثقة و هيأتها الأنيقة
التي لا تعكس عمرها الحقيقي بل من يراها
يقول أنها سيدة في مقتبل العمر بشعرها
الأصفر و وجها الذي تملأه مساحيق
التجميل….. ملابسها الباهضة و حذائها ذو
الكعب العالي الذي زادها طولا.
طرقت الباب بطريقة مهذبة قبل أن
تدلف للداخل لتجد عمر كعادته منكبا
على حاسوبه المحمول و أمامه عدة
ملفات أخرى…
رفع رأسه لتتهلل اساريره عندما وجد
والدته أمامه فبالرغم من إختلافه معها
بشأن زواجه إلا أنه مازال يحبها و يفرح
كثيرا لرؤيتها….إلتف من وراء مكتبه متجها
نحوها بيدين مفتوحتين لمعانقتها لكن
فريدة هانم تجاهلته و هي تجلس على
الاريكة تاركة عمر ينظر نحوها بصدمة….
تنهد بصوت مسموع قبل أن ينمحي الابتسامة
من علي شفتيه ليقول و هو يتجه نحو الكرسي
المفرد ليجلس عليه :”و أهلا يا أمي….منوراني
بزيارتك السعيدة دي”.
زمت فريدة شفتيها بضيق و هي تنظر نحوه
باستهزاء قائلة :”عشان كده بقالك أسبوع
لا بتيجي و لا بتقول عندي عيلة أسأل
عليها… الظاهر إن الهانم تأثيرها جامد اوي
عليك….لدرجة إنها مخلياك مش فاكر أهلك”.
تنحنح عمر و هو يدعك رقبته المتشنجة
بسبب جلوسه وراء المكتب منذ الصباح
الباكر :”متزعليش مني اصلي كنت مشغول
جدا الايام إلى فاتت عشان عندنا شغل
كثير… يادوب أروح أنام على طول…
بس إن شاء الله حبقى آجي أتغدى عندكم
يوم الجمعة “.
اصدرت فريدة صوتا من بين شفتيها
يدل على عدم رضاها قبل أن تهتف
بسخرية :”لا كثر خيرك يا حبيبي
و يا ترى حتيجي وحدك و إلا حتجيب ست
الحسن و الجمال معاك…أمال هي فين أنا
لما دخلت ملقيتهاش في مكتبها يعني “.
أجابها عمر بحذر و قد علم أن وراء مجيئها
حكاية ما :”تلاقيها عند كاميليا مرات شاهين
أصلها لسه جديدة في الشغل و أحيانا
هبة بتروح عشان تفهمها الحاجات اللي
مش عارفاها… لو عايزاها حبقى
أكلمهالك تيجي “.
فريدة بتكبر :” و أنا حعوز منها إيه يعني
و هي حتة عيل مش قادرة تجيبه… الدكتور
عادل إبن صاحبتي فايزة الشريف متجوز
بقاله سنة و إمبارح مراته جابت ولد مشاء
الله زي القمر انا صورتي بقت وحشة
اوي قدامهم و هما بيسألوني إمتى حنفرح
بأولاد عمر….
قاطعها بصرامة بعد أن فهم ما تنوي إليه
هذا ليس غريبا على والدته فهي في كل
مناسبة لا تتوانى عن قول ما تريده دون
الاهتمام بالآخرين ما يهمها فقط هو مكانتها
الاجتماعة أمام صديقاتها…
:”بصي يا ماما أنا بجد تعبت و زهقت
و انا بعيد نفس الكلام في كل مرة…
انا بحب مراتي و ميهمنيش كلام الناس
اللي حضرتك عاملاله حساب و هما مين
اصلا عشان يفرحولنا انا أخلف او مخلفش
هما مالهم دول ناس منافقين و آخر همي
رأيهم و بتأسف جدا لما الاقي شخص
راقي و مثقف زيك مخه مليان بحاجات
تافهة و ملهاش قيمة زي دي….
لو عاوزة تتكلمي في اي حاجة ثانية
فأهلا و سهلا و لو مش عاوزة أرجوكي
بلاش تزيدي عليا و إرحميني…انا تعبان
من الشغل و مش ناقص….
وقف من مكانه محاولا إنهاء الحديث بأسلوب
لين لكن فريدة كان لها رأي آخر فغضبها
تضاعف بسبب فشلها مرة أخرى في
جعله يطيع كلامها لتهب من مكانها تصرخ
بغضب :”إنت لحد إمتى حتفضل كده كل
أما آجي أكلمك تقلي بحب مراتي…. داه
إيه التخلف اللي إنت فيه داه… مراتك
مين ها… مش كفاية إنك جايبها من الشارع
مش عارفينلها اصل و لا فصل و تجوزتها
غصب عننا كلنا…. خلتك تخسر عيلتك
عشانها و في الاخر مقدرتش حتى
تفرحك بحتة عيل يشيل إسمك….
مسح عمر وجهه بارهاق وهو ينظر نحوها
بخيبة أمل رغم تعوده على أسلوبها الجاف
في الحوار قائلا بعد أن رسم ملامح اللامبالاة
على وجهه :”أنا حافظ الاسطوانة المشروخة دي
اصلي لاسف من اول شهرين جواز و انا كل أسبوع بسمعها مرة و أحيانا مرتين ثلاثة…و لو
على العيلة فكلهم قابلين هبة و بيحبوها
بابا و إخواتي مكانش عندهم اي إعتراض
عليها إنت بس اللي مش متقبلاها عشان عقلية
الطبقات و الباشوات اللي لسه معششة
في دماغك…من الاخر إنت عاوزة إيه
ياست ماما “.
جلس على كرسيه محاولا العودة
لعمله متجاهلا توتره و ضيقه من كلامها
ليرفع عينيه نحوها ناظرا إليها بصدمة عندما
قالت له بلهجة آمرة :” تطلقها و انا بنفسي
حجوزك واحدة تليق بيك و من مستوانا
كفاية رمرمة…..
صرخ عمر بصوت عال بعد أن ضاق
ذرعا من تصرفاتها و جنونها :” ماما… لو
سمحتي داه مكان شغل مينفعش نتكلم
في حاجات خاصة هنا.. في ناس كثير
هنا و ميصحش حد يعرف أسرارنا….
حملت فريدة حقيبتها متجهة نحو الباب
قائلة :” و هو في حد ليه معرفش بحكايتك
فتحت الباب لتجد هبة تجلس وراء مكتبها
رأتها لتقف و تلقي عليها التحية بأدب
لكن فريدة نظرت إليها باشمئزاز من فوق
إلى أسفل قبل أن تشير باصبعها نحوها
ملتفتة لعمر الذي وقف من مكانه
إستعدادا لأي مشكلة :” اهي شرفت الهانم
أنا مش عارفة إيه اللي عجبك فيها
دي….على الاقل مرات شاهين حلوة
و شبه الأجانب و مخلفة بدل العيل
إثنين إنما دي….
نفخ عمر الهواء بقوة و هو يشعر
أنه سينفجر في اي لحظة خاصة بعد
أن لمح دموع هبة التي حاولت إخفائها
عنه لكنها فشلت ليقول :”ماما لو سمحتي
مافيش داعي للكلام داه… هبة عندي بالدنيا
كلها و ميهمنيش رأي حد حتى لو رأيك… أنا
حوصلك لباب المكتب… الساعة داخلة على
واحدة زمانه بابا و إخواتي مستنيينك
على الغدا…..
أحاط كتفيها بذراعه ليرغمها بلطف على
المشي بجانبه و يوصلها نحو باب المصعد
لتلتفت نحوه فريدة مرة أخيرة قبل أن
تدلف و تهتف بوعيد :”مش حسيبك
يا عمر و مش حرتاح غير لما أطردها برا
حياتك و عيليتنا خالص و يا أنا يا هي بنت منصور….
حرك عمر رأسه باستسلام و هو يودعها
باشارة من كفه قبل أن يغلق أمامه باب
المصعد…. تنهد لينفث كل تعبه و إرهاقه
و غضبه الذي تمكن منه رغم تصنعه
الهدوء إلا أن والدته في كل مرة تحدثه
فيها توقظ جميع آلامه و أحزانه التي
يحاول نسيانها… لاتعلم المجهود الذي
يبذله حتى لا ينفجر أمامها مخبرا إياها
بالحقيقة و أنه هو من يعاني مشاكل
في الإنجاب و ليس زوجته المسكينة
التي تضطر في كل مرة تحمل كلامها
السام بصمت….
رجع سريعا نحو المكتب ليطمئن على
هبة و التي رسمت على وجهها بتسامة
مزيفة على وجهها كعادتها حتى لا تشعره
بالذنب….
أشار لها بأن تتبعه لمكتبه….
دخلت هبة لتجده يجلس على الاريكة
ناكسا رأسه باحباط كمن يحمل هموم
الدنيا على كتفيه… رفع عينيه نحوها
يتأملها بعشق مفرط قبل أن يفتح ذراعيه
نحوها لتسارع هي بتلبية طلبه و تقف
مقابلا له ليدفن عمر وجهه داخل جسدها
كطفل صغير يختبئ داخل أحضان
والدته….
إبتسمت هبة على تصرفه فهذا مايفعله
عمر دائما عند إحساسه بالضيق…خللت
أصابعها داخل شعره ليهمهم عمر باستمتاع
قائلا :”مش عارف مين غيرك كنت حعمل إيه؟؟
حتفضلي مستحملة لغاية إمتى و انا واقف
كده بتفرج عليكي و مش عارف أعمل حاجة
أنا نفسي افرحك و اعوضك على صبرك معايا
بس للاسف انا”.
أجابته هبة و هي لاتنكر تضايقها الشديد
من كلام والدته لكن حبها لعمر يجعلها
تتحمل و تتناسى رغم تأثير كلامها على
نفسيتها لكن ما باليد حيلة كما يقال
فلو كانت غيرها لما سكتت هبة و لكانت
اوقفتها عند حدها….
:” معلش يا حبيبي دي بردو مامتك و إنت
عارفها كويس بلاش تزعل نفسك انا
مصدقت إنك بقيت كويس بعد آخر زيارة
للدكتور “.
جذبها عمر برقة لتجلس بجانبه
على الاريكة ليقبل كلتا يديها هاتفا
بحسم :”انا حعدي عليهم المساء بعد
الشغل و حبقى أفهمهم الحكاية خلي الكل
يعرف إن ملكيش ذنب و إن إنت اللي متحملاني
و صابرة عليا بالرغم من أنا… .
توسعت عينا هبة بفزع لتقاطعه هاتفة برجاء
:” إوعى تعمل كده يا عمر عشان خاطري
بقالنا سنتين محتفظين بالسر داه و محدش
يعرف عننا حاجة غير كاميليا و شاهين بيه….
ارجوك خلينا كده أحسن انا مش حستحمل
إن أي حد يقول عليك كلمة وحشة اوو….
قاطعها هو الاخر :” داه بردو نفس إحساسي لما
حد يتكلم عليكي زي ماما من شوية
أنا كنت ماسك إيدي بالعافية عشان مقلهاش
الحقيقة…. صدقيني انا بتألم أكثر لما بشوفك
كده مظلومة و انا واقف متكتف مش عارف أعملك
حاجة… هبة إنت مراتي يعني من واجبي إني
أحميكي…. كفاية إنك تحملتي كل السنين دي
علشاني…آن الأوان إني أتحمل عنك شوية…
هبة و هي تنفي برأسها :”لا يا عمر مفيش
داعي ارجوك مش عاوزة مشاكل…. و إن كان
عليا انا خلاص تعودت يعني…
عمر بنبرة متألمة :” مفيش حد بيتعود على الألم
يا بيبة….خلينا ننسى الموضوع داه و تعالي
أحضنييني جامد… انا محتاج حضك الدافي
عشان أهدأ…
لم يمهلها حتى تستوعب ماقاله ليجذبها
نحوه بعناق قوي عساه يخفف عنه بعضا
مما يشعر به…من ضعف و عجز عن حماية
حبيبته التي يحبها أكثر من نفسه يكفيها
ماتحملته في السابق من إهانات و كلام
جارح من أجله… تنفس عطرها بقوة و هو
يشعر بعودة الهدوء لجسده المتشنج
تدريجيا و قد عزم بداخله على إنهاء
معاناتها و قول الحقيقة…اغمض عينيه
بخزي لإحساسه بالجبن و الخوف من
مواجهة المجتمع و الناس ليقف متفرجا
على زوجته و هي تتعرض لابشع الاتهامات
التي من الممكن أن تتعرض لها أي إمرأة….
خاصة في مجتمع لايرحم كمجتمعنا الشرقي.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في مكتب شاهين…..
تأففت كاميليا للمرة العاشرة منذ أن دخلت
للمكتب…. تكاد تنفجر من شدة الغيظ
من كتلة الجليد الذي يجلس وراء مكتبه
يدقق في الملفات المبعثرة أمامه و لا يعيرها
اي إهتمام….
:”شاهين لو سمحت أنا بكلمك…. ليه مش
بترد عليا”.
اجابها شاهين بنبرة متثاقلة دون أن يرفع عينيه
من علي الأوراق :” عاوزة إيه يا حبيبتي
معلش مكنتش مركز معاكي”.
نفخت وجنتيها بحنق لتضرب الأرض
بقدميها كما يفعل آسر ولدها عندما
يغضب قائلة :”على فكرة دي ثالث
مرة أسألك نفس السؤال و إنت مش
منتبه…انا رايحة مكتبي كفاية
ضيعت وقت على الفاضي هنا….
قلب شاهين عينيه نحوها قبل أن
يدير رأسه بحركة بطيئة بعد أن
إستوعب ماترمي إليه…راقبها
و هي تسير نحو الباب رافعة
رأسها بكبرياء ليخفي ضحكته متصنعا
الجدية لينبس بلهجة آمرة :”كاميليا
تعالي هنا…..
تسمرت مكانها و هي تسمع صوته
الجدي المرعب لتحاول تمالك نفسها
و التظاهر بالقوة أمامه… إستدارت نحوه
تخفي توترها لترتبك أكثر عندما رأته
يشير لها باصبعه أن تتقدم نحوه…
زفرت مدعية اللامبالاة لتسير باتجاهه
قبل أن تقف بعيدا عنه بخطوتين…
أشار لها مرة أخرى بأن تتقدم اكثر لكنها
ظلت واقفة مكانها قائلة بصوت جاف :”عاوز
إيه أنا ورايا شغل….
جاءها صوته الرجولي الخشن ليبعث
داخلها قشعريرة سرت بكامل جسدها
:” قربي…..
كم تمقت هذه الكلمة التي تذكرها بأيام
عذابها معه….
نفت برأسها و هي مازالت تقف مكانها
رافضة الحراك ليرمقها شاهين بنظرات
مستمتعة قبل أن يهتف بصوت جدي
:” طيب…إعملي حسابك بكرة حتقعدي
مكان غادة السكرتيرة….
قفزت كاميليا مكانها ناظرة إليه
بعدم تصديق لتهتف دون وعي
:” مستحيل…معناها انا مش جاية الشركة
بكرة انا اصلا بدور على حجة عشان
ابطل شغل….
شاهين بعيون محذرة اوقفتها عن إكمال
كلامها :” إتفضلي روحي لمكتبك دلوقتي “.
نظرت نحوه كمن تقول له هل أنت جاد
قبل أن تتحدث بنبرة لينة محاولة كسب
عطفه :” ماهو مينفعش أقعد مكانها انا
مابفهمش حاجة في السكرتارية دي…
و بعدين انا هنا مهندسة مش سكرتيرة
يعني….أنا آخر مرة مسكت مكانها بهدلت الدنيا….
هز شاهين حاحبيه بتعجب من تحولها
فهذه القصيرة ستصيبه يوما ما بالجنون
من تقلبها و تصرفاتها الطفولية التي يعشقها
ليقول مدعيا الحزم:” أنا المدير هنا و اظن إن ليا الحق أدير شركتي زي ما أنا عاوز…..داه أمر يا مدام كاميليا… إحنا مش في البيت….
أطرقت رأسها بقلة حيلة من غطرسته
التي لن تتغير لتهمس بطاعة و هي تتوعد
له بالانتقام داخلها :” حاضر يا فندم اللي
تشوفه “.
أكملت بخبث تعلمته على يديه مدعية
الحزن :”على فكرة حضرتك كل مرة تقلي
إني من حقي أعترض و اقول رأيي من دون
خوف بس انا لما أتجرأ و اتكلم بتعاقبني
زي ما كنت بتعمل زمان…يعني بتخليني أخاف
منك أكثر و أكثر……
صدم من إعترافها فهو كان فقط يريد أن
يمزح معها قليلا لا غير لكن كلماتها أصابت
نقطة ضعفه الا و هو ماضيه معها….
قبض على يديه بقوة حتى إبيضت مفاصله
تزامنا مع إزدياد تنفسه لشدة غضبه
من نفسه ألا يكفي كلام محمد معه بالأمس
و الذي مازال كل كلمة ترن داخل رأسه
رغم إدعائه التجاهل بعد أن أقنع نفسه
بأنه ليس سوى ماض و إنتهى لتصدمه
هي الآن بعدم نسيانها رغم جميع محاولاته
لكسب رضائها مرة أخرى….
رفع عينيه نحوها ليجدها تتراجع إلى
الخوف مما زاد من غضبه ليجذبها نحوه
بخفة و يجلسها على قدميه معتصرا إياها
داخل أحضانه بتملك و هو يهمس لها محاولا
تهدئتها و إزاحة خوفها الذي نجحت في تصنعه
و تهدئة نفسه أيضا
:”أنا آسف حقك عليا انا و الله كنت بهزر
معاكي…. إللي إنت عاوزاه أنا حعمله المهم
تسامحيني…. انا مش حبطل أطلب منك
داه لغاية آخر يوم في عمري….
إبتسمت كامليا بمكر انثوي لايليق سوى
بها مخفية فخرها بنفسها فهي إستطاعت
بذلك إكتشاف نقطة ضعفه أخيرا و لن تتوانى
أبدا في إستخدامها لصالحها في كل مرة
حسب رغبتها رغم إحساسها البسيط
بالذنب بسبب خداعها له….
مسحت على ظهره بأناملها الصغيرة
قبل أن تهتف برقة محاولة التخفيف
عنه :”متزعلش نفسك انا قلتلك قبل
كده أنا مسامحاك انا مكنش قصدي
اضايقك….
إبتعد عنها ليحاوط وجهها الفاتن بكفيه
و نظرات عينيه لوحدها كفيلة بأن تحكي
مدى عشقه لها هاتفا بصدق :” يارتني كنت اقدر
ارجع الزمن لوراء عشان أصلح اللي عملته
زمان معاكي…مستعد ادفع عمري كله
عشان اشيل الخوف اللي زرعته بإيدي
جواكي…داعب خصلات شعرها و هو
يتفحص ملامحها بحنان مفرط قبل أن
يكمل :” أنا حديكي أجازة يومين تعملي
فيهم اللي إنت عاوزاه مع أولادك بس
بعدها حترجعي عشان مش حقدر على
بعدك طول اليوم و إنت عارفة داه”.
أدمعت عيناها من فرط تأثرها رغم أنها
هي من تسببت في حزنه…لتومئ له هامسة
بمزاح محاولة إخراجه من دوامة إحساسه
بالذنب التي لازال يعيش فيها منذ ثلاثة
سنوات و هذا يعتبر أكبر عقاب له…
:”أكيد وحشتهم الخضار المسلوقة اللي
بعملهالهم خصوصا فادي…..
قهقه على مزاحها بخفة ليزداد وسامة مما
جعل كاميليا تسرح قليلا متأملة ضحكته الساحرة
التي سلبت أنفاسها…..
إنتهى من ضحكه ليتحدث بصعوبة :” أنا نسيت
الحكاية دي….بتخيل شكلهم لما يعرفوا إنك حتقعدي
في البيت يومين… هو ليه الاولاد بتفرح لما
ماماتهم بتقعد في البيت إلا هما….
ضربته على كتفه هاتفة بحنق :” بطل تريقة
هما بس صغيرين و مش عارفين مصلحتهم….
شاهين بضحك :”ااه و مصلحتهم بقى
في الخضار المسلوقة…
كاميليا باصرار :”أيوا انا بختارلهم الاكل
الصحي عشان خايفة عليهم و كمان
بنظملهم وقتهم للعب و المذاكرة….
شاهين بتعجب :” دول أطفال يا حبيبتي
عمرهم سنتين و نص مذاكرة إيه بقى
اللي فارضاها عليهم….
كاميليا :” لازم يتعلموا حاجات كثير
زي يمسكوا القلم و يعرفوا الألوان و حاجات
كثيرة… ماهو فادي مشاء الله عمره سبع سنين بيعرف يتكلم ثلاث لغات كويس اوي… داه
غير إنه شاطر جدا في المدرسة”.
شاهين و هو يداعب أنفها برقة :”و
الفضل لحبيبة قلبي اللي بتعلمه كل حاجة
بنفسها…
كاميليا بابتسامة عذبة :”أنا عاوزة أولادي
الثلاثة دايما الأوائل و متميزين عن غيرهم
عشان هما أولاد شاهين الألفي…..
شاهين بنظرات فخر :” بحبك جدا و كل يوم
حبك بيتضاعف في قلبي أكثر…..
كاميليا بخبث و هي تلاحظ نظراته
المشتاقة لها…مدت أصابها لتداعب أزرار قميصه
الأولى قائلة بدلال :” حبيبي إنت على فكرة
نسيت تجاوبني…
شاهين بعدم تركيز :”اجاوب على إيه؟؟؟
كاميليا و هي تلوي شفتيها بحزن :” أنا
قلقانة على نور….مش عارفة إيه اللي حصل معاها
خايفة أكلم ماما أسألها ألاقيها متضايقة”.
شاهين و هو يقبل وجنتيها عدة قبلات
خفيفة :”متقلقيش الأمور كويسة بينها
و بين محمد…. هو قلي… إنهم إتفقوا….
يدوا… لبعض فرصة.. ثانية…
إبتعدت عنه صارخة بلهفة :”بجد… إنت
عرفت إزاي”.
تنهد شاهين بغيظ لابتعادها عنه ليجيبها
بضيق :”حبيبتي… انا قلتلك محمد هو اللي
قالي إمبارح….إطمني نور كويسة و المشكلة
إتحلت… هو إنت حاطة روج؟؟
نظرت له ببلاهة و كأنها تراه برأسيه
قائلة :” تؤ… روج إيه؟؟؟
قرب وجهها نحوه متمعنا في شفتيها
ذات اللون الوردي الطبيعي مدعيا
إستغرابه رغم معرفته بأن ذلك لونهما
الحقيقي كحجة لتقبيلها بما أنها ترواغهه
بذكاء لن يكتشفه سوى شاهين الألفي
قائلا باهتمام :” روج الشفايف داه
اصل مرات عمر كل أما تيجي مكتبك
بتجبلك معاها روج…
وضعت كاميليا يدها على أصبعه الذي كان
يتحسس شفتيها محاولة إبعاده عنها قائلة
بتذمر :” و الله ما أنا حاطة حاجة….
شاهين بعدم إقتناع :”سيبيني أتأكد بنفسي….
كاميليا محاولة الوقوف :”على فكرة إحنا
في المكتب…ميصحش كده….
شاهين بعدم خجل :” و فيها إيه يعني هي
اول مرة….
كاميليا و هي تقاطعه:”بطل بقى…. انا عاوزة
اروح مكتبي”.
ضغط شاهين على خصرها ليثبها مكانها
قائلا بتصميم :” مش قبل ما أتأكد من الروج…
كاميليا يضحك :” طيب موافقة بس تديني
ثلاثة أيام أجازة”.
شاهين بتعجب :”ممم تقدم ملحوظ بقيتي
بتعرفي تاخذي حقك مني بسهولة تامة… طيب
انا موافق بس في المقابل مش عاوزك
تغصبي الاولاد ياكلو الأكل الصحي بتاعك….
كاميليا بدلال و هي تشير باصابعها الاربعة
:” تؤ… كده يبقوا أربعة أيام….كل حاجة مقابل يوم أجازة… داه شرطي”.
شاهين بضحك :” بقى كده…طيب إيه رأيك نعقد
صفقة مقابل أسبوع إجازة….
كاميليا مدعية التفكير :” موافقة إتفضل…..
إبتسم الاخر بخبث قبل أن يهمس في أذنها
عدة كلمات لتشهق كاميليا صارخة بحنق :”
قليل الادب…. سيبني انا رايحة لمكتبي….
و انا راضية بيومين الاجازة اللي إنت إدتهملي
في الأول…..
أجابها شاهين :”طيب إهدي خلينا نتفق…..
دفعته ليرتخي على الكرسي بسبب ضحكه
لتستغل هي الفرصة و تبتعد هاربة من بين
أحضانه و تغادر المكتب بوجنتين متوردتين
من شدة الخجل….
تبدلت ملامح شاهين الضاحكة حالما أغلقت
الباب متخيلا هروبها من حياته بهذا
الشكل…
أظلمت عيناه و تجهمت ملامحه بشدة
بعد أن تذكر حواره البارحة مع محمد
بدأ شعور الغضب ينهش جسده تدريجيا
تزامنا مع صوت أنفاسه المتصاعدة بحدة
حتى أصبح مظهره مخيفا كوحش
مستعد للانقاض على فريسته…. لكن كل
هذا الغضب لم يكن موجها سوى لنفسه
أغمض عينيه ليتراءى له وجه محمد
الذي يتهمه دون رحمة في تدهور نفسية
نور بسبب تأثرها لما حصل لاختها….
كاميليا حبيبته…
تمتم بداخله و هو يشعر بدمائه تغلي
:”مش حترتاح يا شاهين مهما عملت”.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
على الساعة الحادية عشرة ليلا في غرفة
أيهم…..
فتحت ليليان عينيها لشعورها بالعطش…لتجد
أيهم مستيقظا و هيئته تدل على عدم نومه…
كان مستندا على ذراعه و يتأملها و هي نائمة
إبتسم بسعادة لرؤيتها تفتح عينيها قبل
أن يلتفت وراءه ليحضر كوب الماء الموضوع
فوق الطاولة الصغيرة بجانب السرير… أزاح
الغطاء و هو يمده نحو شفتيها لترتشف
ليليان منه حتى إكتفت ليرجعه مكانه
ثم يعود لنفس وضعيته السابقة قائلا:”لسه
بتصحي في الليل عشان تشربي….
ليليان بابتسامة مقتضبة و صوت مغلف
باثار النوم :” أيوا…بعطش في الليل….بس
إنت ليه صاحي لحد دلوقتي “.
رتب الغطاء حولها بعناية قائلا بحنو :”
خايف أنام و أصحى الاقي نفسي كنت
في حلم…خليني كده أحسن…
ليليان بابتسامة خفيفة :” طيب حتفضل
صاحي لحد إمتى… متنساش بكرة وراك شغل
كثير…..
أيهم و هو يبعد خصلات شعرها عن وجهها
:” كل حاجة بتكون سهلة معاكي…يلا نامي
و إرتاحي متشغليش بالك بيا صدقيني
أنا حاسس إني في الجنة دلوقتي.. كفاية
إنك نايمة جمبي….
أومأت له ليليان لتغمض عينيها متمتمة
بصوت منخفض :” طيب لو حسيت إنك
عاوز تنام…متقاومش إنت محتاج
إستيقظت نور باكرا على غير عادتها…رغم أنها
ظلت ليلية البارحة مستيقظة حتى ساعة متأخرة
تفكر في ما ستفعله بعد أن قبل محمد
باعطائها فرصة أخيرة حتى تصلح معاملتها
معه…. شردت قليلا بينما تنظم فراشها عندما تذكرت عدم حماسه للفكرة رغم إعترافه بأنه مازال
يحبها رغم كل ما فعلته معه…..
لكنه كأي رجل حقيقي يضع كرامته فوق
كل إعتبار…..
بعد ساعة إنتهت من حمامها و تنشيف
شعرها و هاهي الان تقف أمام خزانتها
لتختار ماذا سترتدي…..
ترددت قليلا قبل أن تخرج ملابس
رياضية صوفية باللون الكراميل
قريب من لون شعرها الأشقر القصير….
إرتدتهم ثم نظرت لنفسها المرآة لتقيم
نفسها.. تفننت في وضع زينة وجهها كما
لن تفعل من قبل و حرصت على إخفاء الجروح و الكدمات بوضع طبقة إضافية من مساحيق
التجميل ثم إرتدت حذاءها
الرياضي الابيض …
خرجت من غرفتها و هي تدندن احدى
الألحان المصرية القديمة بصوت خافت
لتجد والدتها تجهز الإفطار…و التي رمقتها
بطرف عين قبل أن تنشغل من جديد
بما تفعله قائلة :” صاحية بدري النهاردة
غريبة مش عوايدك يعني…..
قضمت نور بعضا من الكايك اللذيذ الذي تصنعه والدتها قبل أن تجيبها
:” صباح الخير…. أصل عندي مشوار مهم الصبح “.
الام :” بالهدوم دي؟؟
أنزلت نور رأسها تتفحص ملابسها قائلة بتعجب
:”وحشة؟؟؟
الام بخبث :” مش حكاية وحشة بس…و إلا
بلاش المهم إنكم رجعتوا لبعض..
نهضت نور من مكانها و هي تمسح فمها
بالمنديل بحذر حتى لاتفسد أحمر الشفاه
قائلة :”ماما انا رايحة محتاجة حاجة؟؟؟؟
الام بحنو:” لا ياحبيبتي سلامتك… خلي بالك
من نفسك….
أجابتها نور من بعيد و هي تتفحص مظهرها
في كاميرا هاتفها :”حاضر ياماما….
سمعت والدتها صوت إغلاق الباب
لتتنهد بخفوت قائلة :” ربنا يهديك يا بنتي و
َ ينور طريقك…..
في الخارج وقفت نور أمام باب الشقة… اخذت
نفسا عميقا قبل أن تتقدم بخطواتها نحو
شقة محمد المقابلة لهم…. طرقت الباب
بهدوء ثم وضعت يديها في جيب
السترة الرياضية محركة يديها بتوتر…لحظات
و اطل محمد من وراء الباب بسترته الرياضية
ذات اللونين الأزرق و الأبيض…
إبتسمت بعد أن لاحظت ملامحه المتعجبة
قائلة برقة :”صباح الخير…..متستغربش
كده كل الحكاية إني عاوزة اجري معاك
شوية… طبعا لو معندكش مانع….
نفى محمد برأسه و هو يجيبها مبتسما :” صباح
الورد…بالعكس اهلا و سهلا…
إستدارت نور نحو الدرج لتطل عليه من اعلى
هاتفة بتحمس :”طبعا إنت حتنزل من السلم
عشان كدة انا حسبقك لتحت….
محمد :”طيب انا حجيب موبايلي و المفاتيح
و حلحقك….
أشارت له نور ثم نزلت الدرج مهرولة…حتى
وصلت لاسفل العمارة تلهث…وضعت يدها
على خصرها و الأخرى على صدرها لتتنفس
بقوة هامسة من بين لهاثها :”يخرب بيت
غبائي كان لازم يعني …حوار الرياضة
و الجري داه… انا نزلت السلم بالعافية…. أمال
حعمل إيه في الباقي….
إلتفتت وراءة فزعة بعد أن سمعت ضحكات
محمد الذي كان يستمع إليها بعد أن وصل
بعدها بثوان..
زمت شفتيها بحزن مصطنع زاد ملامحها
البريئة جمالا في عيني محمد الذي كف
عن الضحك قائلا بمزاح:”حتستسلمي من
أولها.. انا كنت متأكد إنك مش حتقدري
تكملي…
توسعت عيناها بصدمة من كلامه قبل أن
ترمقه بتحدي :” مستحيل…وإنت عارفني. كويس
لما أحط حاجة في دماغي بوصلها…يلا
خلينا نكمل….
أشار لها بيده لتسبقه قائلا :”طيب يلا خلينا
نشوف…
تجاوزها راكضا بسرعة خفيفة لتلحقه نور
متسائلة :”مش حناخذ العربية؟؟
أجابها محمد بضحك :” طب لما نركب
العربية حنجري إزاي يا ناصحة؟؟
نور بخجل :” لا قصدي ناخذها و لما نوصل
النادي نركنها و نكمل جري….
محمد بنفي:”لا انا متعود اجري من البيت
لحد النادي كل صبح و العربية يسيبها
هنا على… كل النادي مش بعيد ربع ساعة
جري و نوصل…..
نور بانفاس لاهثة من الركض :”ربع ساعة؟؟
قليل جدا بصراحة….انا لو حكمل دقيقة
ثانية حقع….خلينا نرتاح شوية….
محمد بضحك :”داه إنت طلعتي ضعيفة
اوي ثلاثة دقائق جري و عاوزة ترتاحي…
دي العمارة اللي إحنا ساكنين فيها لسه
بتبان هناك…يلا بلاش كسل…
جذبها من يدها يحثها على المشي…
لتبدأ نور بالتذمر من جديد حتى وصلا
بعد دقائق إلى النادي الرياضي….
دخلا ليجدا العم محروس المسؤول على
تنظيف النادي و الاهتمام به….
محمد :”صباح الخير يا عمر محروس….
العم محروس بابتسامة وهو يضع المنشفة
على كتفه :” صباح الخير يا ابني…
نظر بتردد نحو نور و قد بانت على ملامحه
التعجب من وجودها فماذا تفعل فتاة
بهذا الوقت المبكر في نادي رياضي رجالي
زال ضياعه و تهللت اساريره بعد أن
سمع محمد يقول :” دي مراتي يا عم
محروس…
ليجيبه الاخر بفرحة :”اهلا و سهلا يا بنتي
لمؤاخذة اصلي اول مرة اشوفك….
نور بابتسامة مماثلة :”أهلا و سهلا….
القى محمد نظرة تفحصية في الارجاء
قائلا :” كل حاجة تمام ياعم محروس
مفيش مشاكل؟؟
العم بنفي:”الحمد لله كله زي الفل…بس
الكابتن طارق قلي أفكرك عشان إشتراكات
الدفعة الجديدة… مش فاكر هما تابعين اي
قسم بس هو قالي إنك عارف….
محمد بايجاب :”تمام يا عم محروس روح
شوف شغلك و….. إستنى شوية….
إلتفت نحو نور متسائلا :”تحبي تشربي
إيه و إلا نخليها فطار…..
نور بنفي :”لا أنا فطرت مش عاوزة حاجة غير
كباية مية بس….
محمد :” لا إنت اول مرة تشرفيني في النادي
بتاعي… يبقى مفيش إعتراض….عم محروس
لو سمحت خلي هادي يبعثلنا أحلى فطار
من الكافتيريا و متنساش كباية الشاي…
محروس بإيجاب :”حاضر يا إبني….
غادر الرجل ليكمل محمد طريقه نحو
مكتبه و هو يحدث نور التي كانت تسير
لجانبه و هي تتفحص ما حولها بانبهار
قائلة :” واو النادي كبير أوي….
أجابها محمد و هو يصعد الدرج للأعلى
:”إنشاء الله يوم الجمعة تبقي تشوفيه
بالتفصيل … و أكيد حيعجبك و لو عاوزة
تمارسي أي رياضة حبقى اساعدك….
نور بنفي :”لالا مفيش داعي… انا أصلا
مش بحب الرياضة من و انا صغيرة….
محمد بضحك :” ما أنا عارف بس قلت
يمكن لما تشوفي النادي من جوا تغيري
رأيك…
فتح الباب ليشير لها لتدخل بحركة نبيلة مكملا بلهجة درامية :”تفضلي ماي برنسس…أنرتي مكتبي المتواضع…..
ضحكت نور و هي تبادله المزاح :”شكرا ايها
البرنس…. مش عارفة تتقال إزاي…
محمد :” متقلقيش المعنى وصل و داه المهم….
جلست نور على الاريكة و هي تتنهد عندما
تذكرت يوم أمس عندما جاءت إلى هنا باكية
جالت ببصرها في أنحاء المكتب لتنتبه
لأثاثه الرمادي و وجود بعض التحف الأنيقة
التي كانت تزينه إضافة إلى خزانة بلورية
تحتوي على عديد الميداليات و الجوائز
التي تحصل عليها محمد خلال إشتراكه
في عدة مسابقات منذ طفولته…..
تنهدت بأسف لأنها للتو إكتشفت أنها لا تعلم
عنه شيئا رغم مرور أكثر من عام على
زواجهما…..
نفت أفكارها ثم هبت من مكانها متجهة
نحو محمد الذي كان يتفحص عدة
أوراق…. وقفت لجانبه قائلة بحماس
:”إيه رأيك اساعدك…
نظر نحوها محمد بتعجب قبل أن يعيد
نظره نحو الأوراق :” تساعديني في إيه؟؟
نور و هي تهز كتفيها :”طبعا مش حدرب
الناس التي حتيجي بعد شوية…انا اقصد
اساعدك هنا في شغل المكتب… مثلا الأوراق
دي….
محمد بعدم تصديق :” بجد… عاوزة تساعديني؟؟
نور بابتسامة رقيقة :” طبعا اصلي مش ناوية
اسيبك النهاردة يعني حفطر و حتغدى و يمكن
أتعشى هنا….قاعدة على قلبك يعني….
محمد :”طب و كليتك….
نور و هي تخفي تضايقها عندما سمعت
كلمة الجامعة فهي تذكرت جميع ماحصل معها
البارحة :” لا مش حروح الاسبوع داه…اصلي
تعبانة من ضغط الدراسة و عاوزة أرتاح
شوية…
أمسك محمد بعض الملفات ثم سار ليجلس
على الاريكة.. رفع رأسه ليجد نور مازالت
واقفة مكانها و تنظر له…سألها و هو
يضع يده على الكرسي بجانبه كدعوة للجلوس :” مش قلتي عاوزة تساعديني.. و إلا غيرتي
رأيك بعد ماشفتي الملف…
هرولت نور لتجلس بجانبه قائلة بعد أن وضعت
هاتفها على الاريكة بجانبها أمامها :” لا طبعا.. إنت
فهمني انا حعمل إيه و انا حنفذ…
بدأ محمد يشرح لها ما ستفعله ليتضح لنور
أنه عمل بسيط فقط تكتب أسماء المشتركين
بالنادي و بعض بياناتهم على بطاقات إشتراكات صغيرة…
بينما إنشغل محمد بالعمل على حاسوبه
بعد دقائق قليلة….
رفع محمد عينيه لتتراءى أمامه نور
منكبة على الأوراق…كم بدت لطيفة
و هي تحاول بشتى الطرق تثبيت
خصلات شعرها القصيرة التي كانت
تسقط على وجهها في كل مرة
نفخت وجنتيها بتأفف لتقرر أخيرا
وضع القلم من يدها و إنهاء المشكلة
إبتسم محمد وهو يراقبها كيف جمعت
خصلات شعرها لتضعهم على تحت ياقة
السترة ثم عادت من جديد لتركز على
عملها…
قطع مراقبته صوت طرقات على الباب
ليدخل بعدها شاب نحيل لم تتعرف عليه
نور يدفع أمامه طاولة صغيرة تحتوى
على الفطور الذي طلبه محمد….
الشاب :”صباح الخير ياكابتن…داه
الفطار اللي وصاني عليه عم محروس….
إستقام محمد من مكانه متجها نحوه قائلا
:” صباح إلخير يافتحي…تقدر ترجع شغلك..
فتحي و هو يومئ برأسه بطاعة :”تؤمرني
بحاجة ثانية؟؟؟
محمد بنفي :” لا شكرا…
غادر الشاب ليدفع محمد العربة نحو نور
التي كانت تجلس مكانها بصمت….
جلس بجانبها ثم لملم الملفات و الأوراق
التي كانت تضعها على ساقيها قائلا
:”سيبي كل حاجة من إيديكي دلوقتي
و خلينا نفطر…
نور بأعتراض:” لازم أخلص الشغل الأول
بعدين…
قاطعها محمد و هو يخطف آخر ورقة من
يدها عنوة قائلا :” نفطر الأول و بعدين
نكمل شغل.. يلا…و إلا إنت عاوزاني أفطر
لوحدي…
إستسلمت نور لإلحاحه ملبية رغبته في
مشاركته الطعام ليمد لها كأسا كبيرة بها
عصير أخضر لم تعرفه…. عقدت حاحبيها
قائلة :” إيه داه؟؟
محمد بحماس :”داه عصير ميكس خضار
ذوقيه حيعجبك جدا….
أخذت نور رشفة من الكأس لتبتلعه
بملامح ممتعضة و هي تبعد يد محمد
قائلة باشمئزاز:”أنا آسفة بس طعمه…
مقرف بصراحة…. إنت إزاي بتشربه…
محمد و هو يرتشف منه باستمتاع
قائلا :” إنت الخسرانة…داه صحي
أكثر من أي نوع عصير ثاني….
نور بمجاراة :” بالهنا و الشفاء…فكرتني
في كاميليا أختي بتحب الاكل الصحي جدا
يتعاقب أولادها بالخضار المسلوقة…
أنهت حديثها لتنفجر ضاحكة و هي تتذكر
ذلك اليوم الذي زارتها فيه لتجدها تتشاجر
مع أولادها و هي تقنعهم بتناول الخضروات
نظرا لفوائدها الصحية….
محمد :” مممم فكرة حلوة اوي….
نور و هي تتوقف عن الضحك :” قصدك
إيه؟؟
رفع محمد حاحبيه قائلا :” العقاب بالخضار
المسلوقة.. خاصة للناس اللي بتكره الأكل
الصحي…
نور :” قصدك انا صح؟؟
أومأ لها محمد بمعنى نعم :”مش قلتيلي إنك حتسمعي
كلامي طول الاسبوع اللي جاي… و حتعملي
كل اللي انا اطلبه منك….
نور بلهجة متوسلة و هي تبتعد عنه قليلا :”عشان خاطري بلاش دي….بكره الخضار بكل أنواعها….
محمد غامزا :” تؤ مش داه قصدي طبعا….
قضت نور و محمد بقية اليوم مع بعضهما
و هذا ما أسعده كثيرا حيث
إكتشف عدة جوانب من شخصية نور فهي
تبدو صارمة و قوية من الخارج لكنها داخليا
تعتبر طفلة صغيرة بحاجة للإحتواء و ترميم
جروحها التي تخفيها خلف صرامتها و تشددها…
شعر بأنه لم يخطئ عندما قرر إعطائها فرصة
أخرى لتغير من طباعها معه….بينما لم تكن
نور اقل منه سعادة رغم أنها لازالت تحتاج
وقتا طويلا و جهدا كبيرا لتستطيع إذابة
سد الجليد الذي بنته سابقا بينهما….لتصبح
علاقتهما طبيعية..
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ليلا في فيلا عمر…..
تقف هبة في مدخل الفيلا تنتظر وصول عمر
على أحر من الجمر…تفحصت هاتفها للمرة الالف
منتظرة إتصاله بها لكن دون جدوى…
تذكرت منذ ساعات عندما أوصلها للمنزل
ثم غادر نحو فيلا والديه رغم معارضتها
و توسلها له ان يتراجع عن قراره لكنه رفض
ذلك رفضا قاطعا…
هرولت للخارج عندما لمحت سيارته
تتعدى البوابة لتتوقف في الحديقة
قرب الباب الرئيسي للفيلا….وصلت
إليه متفحصة ملامحه المتعبة بقلق
ليفاجأها عمر بارتمائه بين ذراعيها
يحتضنها بشدة…
إنهمرت دموعه بصمت و إهتز جسده
رغما عنه لتعلم هبة أنه يبكي…فضلت
الصمت مكتفية بتمسيد ظهره بلمساتها
المهدئة التي تمنكنها في كل مرة من
تهدأته و كأنها سحر….
إبتعد عنها ليجفف دموعه بكلتا يديه…
هاتفا بصوت جامد خال من الضعف و كأنه لك يكن يبكي منذ قليل :”أنا حكيتلهم على كل حاجة
و مشيت على طول…. مكنتش عاوز أشوف
ردة فعلهم.. مقدرتش أشوف نظرات الشفقة
و الحزن في عنيهم….
خاصة ماما…عشان مهما عملت و مهما أذتني
حتفضل في الاخير أمي و انا مقدرش غير
إني أشوفها صلبة و قوية… مقدرتش أشوف
إنكسارها بسببي…. و إنت ياهبة… إنت كمان
مش عاوزك تحسي في يوم من الايام بالنقص
أو الخجل بسببي… من حقك تكوني ام و تفرحي
زي اي ست متجوزة…هبة انا بحبك اوي… بحبك
حتى أكثر من نفسي و إنت عارفة داه كويس…
بحبك لدرجة إني مستعد أحررك مني عشان
تحققي حلمك في الامومة…. انا عارف إني
حعيش بعدك زي الميت بس يمكن داه حيكون
أهون عليا من إني اشوفك بتتعذبي قدامي…..
فجأة توقف عن مواصلة حديثه بسبب
صفعة نزلت على وجنته جعلته يغمض
عينيه بقوة تزامنا مع ضربات أخرى
طالت صدره و كتفيه من هبة التي جن
جنونها و كأن شيطانا تلبسها…..
صرخت بعنف و هي لاتزال تدفعه و تضربه
بعشوائية بسبب تلك النار التي اضرمها في
فؤادها جراء كلامه المهين لها…..
:”بكرهكككك…. بكرهك يا عمر و انا اللي
حقولهالك المرة دي عشان بجاااااد…. زهقت
تعبت من ضعفك و هروبك في كل مرة تواجهك
مشكلة….. نفس الكلام في كل مرة….
كل لما نرجع من الدكتور انا مستعد
اطلقك ياهبة…..إنت من حقك تشوفي حياتك
ياهبة….
صمتت قليلا بسبب إختناقها بدموعها قبل أن
تواصل حديثها من جديد:”كل لما تسمع مامتك
او اي حد من ثاني…. كل اما تشوف طفل
في الشارع معدي كلما……
أسهل حاجة تفكر فيها… إنك تستغنى
عني…. طبعا ما إنت عارف و متأكد
إني مش حقدر أسيبك…حروح فين يعني…
حتى بابا لسه زعلان مني و بيسيب ماما
و إخواتي يقابلوني بالعافية… هبة اللي
إنت متأكد إنها بتعشقك أكثر من روحها
مستحيل تسيبك عشان كده عمال تهين
في كرامتي كل شوية مين غير تفكير….اناني
مش شايف غير نفسك طب و انا…. ها….
ماأنا كمان بشر زيك و ليا طاقة إحتمال
يعني حستحمل نظرات الناس و إلا إتهامات
أهلك و إلا كلامك اللي زي السكاكين…..
طيب خلاص….
مسحت دموعها مدعية القوة و هي تنظر
إلى الجهة الأخرى….
:”عاوز تسيبني و تروح إتفضل…. ما إنت عملتها زمان سبتني و رجعت لقيتني مستنياك
…. بس المرة دي
اوعدك إنك مستحيل حتلاقيني…. حطلق
منك و حتزوج و حجيب أطفال و خليك
إنت قاعد هنا لوحدك بسلبيتك و ضعفك وووو
:” هبببببببة.. إخرسيييي…
عمر بصراخ مماثل مقاطع حديثها….
:”لا مش حسكت عاوزة أقلك كل حاجة
في قلبي و حتسمعني يا عمر…. عشان دي
حتكون آخر مرة نتكلم فيها…زي ما إنت
مش عاوزني انا كمان مش عاوزاك…مش
حتمسك بيك بعد كده و مش حاخذك في
حضني و اطبطب عليك زي ما بعمل في
كل مرة…. مش حضحي عشانك ياعمر
عشان إنت متستهلش كل اللي بعمله
عشانك…
تراجعت عدة خطوات للخلف قائلة
بلهجة رسمية :”إديني ساعة واحدة عشان
ألم هدومي… متقلقش مش عاوزة منك
حاجة و حتنازلك على كل حقوقي… حاخذ
بس الهدوم اللي أنا إشتريتها بمرتبي…
ركضت إلى الداخل بعد أن أنهت آخر
كلماتها تاركة إياه واقفا ينظر أمامه بذهول…
لم يكن يتوقع انها ستنفجر أمامه هكذا
في يوم من الايام و تخرج كل ما في قلبها…
الان فقط إكتشف أنه…
لم يكن الوحيد الذي يعاني بل هي أيضا
كانت تتحمل أضعاف ما يشعر به و فوق
كل ذلك كانت تبذل قصارى جهدها للتخفيف
عنه و إخفاء آلامها أمامه حتى لا تزيد من
معاناته.
مسح وجهه بتعب قبل أن يأخذ طريقه
نحو غرفته بخطوات مرهقة محاولا
تنظيم أفكاره و إيجاد الكلمات المناسبة
حتى يراضيها…
في فيلا البحيري…..
إنتهت العائلة من تناول العشاء لينتقلوا
للصالون لقضاء بقية السهرة….إستأذنت
ليليان منهم لتصعد غرفتها حتى ترتاح
بعد إن إطمئنت على ايسم مع جدته
إغتسلت ثم غيرت ملابسها و القت
بجسدها على الفراش لتغرق في نوم عميق…
بعد ساعات قليلة إستيقظت ليليان كعادتها
بسبب شعورها بالعطش…وجدت الغرفة
مظلمة و باردة و كأن لا حياة فيها….
لفت الغطاء حول جسدها جيدا قبل أن
تقف من السرير متجهة نحو الشرفة لتغلقها
حتى تمنع دخول نسمات الهواء الباردة..
عقدت حاحبيها بتعجب و هي تتساءل
داخلها عن سبب غياب أيهم و عدم
مجيئه حتى هذه الساعة المتأخرة…
انارت الغرفة ثم بدأت بالبحث عنه في
الحمام و غرفة الملابس دون جدوى…
إنتبهت لوجود ورقة باللون الوردي معلقة
على مرآة تسريحتها ذكرتها بتلك الورقة
التي تركها لها أيهم منذ ثلاثة سنوات…..
امسكتها بيدين مرتعشتين و بدأت في قراءتها
بصوت عال….
:”ليلياني…انا آسف… للمرة المليون بقولهالك بس
صدقيني المرة دي غصب عني…. مجبر إني
أسيبك و أمشي للأبد…لكن على الاقل حمشي و انا مطمن إني سبت ذكرى حلوة ليا في قلبك بعد
كل القسوة والعذاب اللي إنت عشتيهم
بسببي….الايام الاخيرة اللي انا قضتها
معاكي حتبقى الونس الوحيد ليا في وحدتي
اللي جاية… انا لما كنت في لندن عملت تحاليل و طلع عندي كانسر في المخ و للأسف في المرحلة
الأخيرة و الدكاترة قالولي إن فاضلي شهور
قليلة عشان كده قررت إني أرجع و أصلح كل أخطائي…. انا سافرت لمكان محدش يعرفه
عشان اقضي آخر ايامي فيه…مش عاوز حد يشوفني ضعيف و خصوصا إنت… عاوزك تفتكريني دايما أيهم القوي اللي بيحبك و اللي محبش في الدنيا غيرك ارجوكي تسامحيني و إفتكريني
دايما بالخير و لما أيسم يكبر قوليله إن أبوك
بيحبك اوي و إنه كان نفسه يعيش عشان يشوفك و إنت بتكبر… إوعي تبكي عليا او تحزني عشان
دموعك أغلى مني بكثير….انا زمان غلطت
في حقك اوي و دلوقتي بدفع الثمن…لما أموت
أرجوكي متنسينيش بالدعاء و الصدقة و كملي
مشروع العيادة المجانية اللي اتفقنا إننا نعمله
خلي بالك من نفسك و من أيسم و لو قررتي
في يوم من الايام إنك تتجوزي ارجوكي
إختاري الشخص الصح…
بحبك اوي…..
ايهم.
شهقت ليليان محاولة التنفس بعد أن شعرت
بنفسها على وشك الاختناق…سقطت على
الأرض و هي تحاول الصراخ بأقصى صوتها
لكنها لم تستطع فقد تتحرك شفتيها باسم
أيهم……
طرق عمر باب الغرفة عدة مرات بتهذيب
قبل أن يفتح الباب و يدخل…. جال ببصره
في كافة أنحاء الغرفة الخالية ليزفر بتعب
و هو يتساءل عن مكانها… هل يعقل أنها
لم تأت إلى هنا و فضلت المكوث في إحدى
الغرف الأخرى و لكنها أخبرته انها سوف تصعد
حتى تتجمع ملابسها و أشياءها وتغادر……
قادته قدماه نحو الحمام ليطرق على بابه
عدة مرات قبل أن ينزل يده نحو المقبض
إستعدادا لفتحه لكنه توقف فجأة بعد أن
سمع صوت سقوط شيئ ما على الأرض
في غرفة الملابس…. لوهلة ما ظن عمر أن
هبة بالداخل و انها من الممكن أن تكون قد أوقعت
احد الأشياء كحقيبة مثلا او…. إن تكون هي
نفسها من وقعت و عند هذه النقطة تحفزت
كامل خلاياه و إزدادت نبضات قلبه ليسارع
دون تفكير نحو الغرفة داعيا الله بصوت
عال ان تكون حبيبته بخير…..
دفع الباب الذي كان نصفه مفتوح بقوة
غير مبال و هو يبحث عنها كالمجنون
حتى وجدها واقعة على أرضية الغرفة
ليسرع نحوها و قلبه و روحه تسبقانه إليها
صرخ بصوت متألم :”هبة… حبيبتي مالك
حصلك إيه؟؟
جثى بجانبها ليرفع نصف جسدها العلوي
على ركبتيه و يبدأ في صفع خدها بلطف
تزامنا مع صراخه باسمها علها تستيقظ :” ردي
عليا يا بيبة مالك….
حملها دون تردد ثم وضعها على السرير
و هو يتفحص وجهها و رأسها خوفا من
أن تكون قد تأذت أثناء سقوطها…تلمس
جيوب بدلته بحثا عن هاتفه و الذي من
حسن حظه أنه لازال يحتفظ به و بأصابع
مرتعشة ضغط على ازراره ليتصل بأيهم
الذي أجابه بعد وقت قصير
عمر بصوت خائف:”أيوا يا أيهم أرجوك
إلحقني…. هبة هبة… ارجوك يا أيهم..
تحرك أيهم من مكانه متوجها نحو سيارته
و هو يحاول بشتى الطرق تهدأة صديقه
حتى يفهم منه ما به
‘” بالراحة يا عمر و فهمني مالك.. انا جايلك
دلوقتي إنت فين؟؟
عمر بارتعاش و هو يضع يده على رأسه ناظرا
لهبة بضياع لا يعلم مالذي يفعله و كيف يتصرف
ليجيب أيهم بصوت باكي:” مش عارف… هبة
أغمى عليها لقيتها على الأرض ارجوك هات
الدكتورة و تعالي… ارجوك يا أيهم….
زفر أيهم بتأسف قبل أن يجيب الاخر
بهدوء :” مسافة السكة و أكون عندك
متقلقش…
أنهى مكالمته مع صديقه ليبدأ بمكالمة
أخرى مع شخص آخر و الذي لم يكن
سوى الدكتورة صفاء التي تعمل منذ سنوات
في المستشفى عنده ليطلب منها المجيئ
إلى العنوان الذي وصفه لها…..
بعد نصف ساعة كان أيهم يجلس بجانب
عمر الذي لم يكن يعي ما يحدث
معه و كأن الحياة فارقته و لم يبق سوى
جسده..
فمنذ قدوم أيهم و تلك الطبيبة
و هو يجلس على نفس حالته ينظر أمامه
بشرود و بصره معلق فقط على باب الغرفة
التي تقبع داخلها حبيبته و قطعة من
روحه ساكنه لاتدري مايحصل من حولها….
هرع من مكانه مسرعا عندما لمح مقبض
الباب يتحرك لتطل من وراءه الدكتورة
صفاء و التي تفاجأت من إمساك عمر
لكتفيها و هو يصرخ دون وعي :”مراتي
مالها يادكتورة….. إنطقي؟؟؟؟
شده أيهم بصعوبه ليبعده عنها قائلا
:” إهدا ياعمر و خلي الدكتورة تتكلم….
عدلت صفاء نظارتها و هي تحدق بعمر
بتوتر قائلة بلهجة عملية تعودت عليها
:”المدام حامل….ألف مبروك…..
حملق فيها عمر ببلاهة و قد إتسعت عيناه
كطفل صغير يرى أمامه شاحنة مثلجات..
ليردد بصوت
:”قلتي إيه؟؟ مين اللي حامل؟؟؟
قهقه أيهم بشدة على مظهر صديقه
قبل أن يدفعه قليلا من أمام صفاء
ثم يكمل هو حديثه معها حيث طمأنته على
صحتها ثم أعطته ورقة تحتوي على أدوية و فيتامينات الإضافة إلى ظرورة إحضارها
للمستشفى حتى تتابع حملها مع دكتورة
نسائية كحال جميع النساء الحوامل…
هذا كله تحت دهشة عمر الذي ظل يحرك شفتيه
بعدة كلمات غير مسموعة إلى أن
تلقى لكمة على كتفه من أيهم جعلته يستيقظ
من توهانه….
:” الف مبروك يا صاحبي”. تحدث أيهم
بفرح صادق لأجل رفيق دربه الذي عانى
و صبر كثيرا حتى سمع هذا الخبر…..
عانقه عمر بقوة و كامل جسده يرتعش
من شدة التأثر قبل أن يبتعد عنه و يمسح
عينيه التي إغرورقتا بدموع الفرح…..
و هو يجيبه بصوت مبحوح :”الله يبارك
يا أيهم…..انا مش عارفة أعمل إيه دلوقتي….
ايهم بضحك :” إجمد ياظ و إنت
شكلك زي عيال المدرسة….يلا روح لمراتك
دلوقتي عشان محتاجالك و متنساش
تجيبها بكرة الصبح المستشفى
عشان تكمل باقي الفحوصات
و نطمن عليها و على البيبي…..
تحولت ملامح وجه عمر هاتفا بقلق:” مالها
هبة يا أيهم هو في….
أجابه أيهم بعد أن قاطع بقية حديثه:” متخافش
هي كويسة و البيبي كمان كويس بس
دي فحوصات روتينية لأي ست حامل…
يعني مفيش قلق و لا حاجة يلا انا مروح
عايز حاجة….
عمر بامتنان :”شكرا يا أيهم بجد مش عارف
من غيرك كنت عملت إيه؟؟
أيهم بابتسامة :”متقلش كده داه إحنا إخوة
مش بس صحاب…انا رايح عاوزة حاجة ثانية
قبل ما امشي؟؟
عمر بنفي:”سلامتك يا صاحبي….
ايهم هو يلتفت لينزل الدرج :” يلا سلام
و متنساش تكلم شاهين و طنط فريدة دول
حيفرحوا اوي…
عمر وهو ينظر في اثره :” ماشي.. مش حنسى
تصبح على خير…
نزل أيهم الدرج راكضا متجها لخارج الفيلا
نحو سيارته حتى يعود لمنزله لكنه توقف
فجأة بعد أن سمع رنين هاتفه….
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في فيلا البحيري…..
جميع أفراد الأسرة مجتمعين في الصالون
يتسامرون كعادتهم محمد و سيف، أميرة و
كاريمان و بجانبها صفوت البحيري يلاعب
حفيده أيسم….
فجأة سمعوا صوت صراخ في الطابق العلوي
و تحديدا في غرفة أيهم… اسرع محمد
و سيف نحو مصدر الصوت لكنهم ظلوا
واقفين أمام غرفة أيهم غير قادرين على الدخول
محمد بصراخ و هو يقرع باب الغرفة
:”ليليان…مالك….. في إيه بتصرخي ليه؟؟؟ ….
إلتفت سيف وراءه ليجد أميرة التي
وصلت للتو ليدفعها للداخل قائلا
بصراخ :” بسرعة يا أميرة أدخلي شوفي مالها ؟؟؟
وصلت كاريمان هي الأخرى لتدلف
للداخل تطمئن على زوجة إبنها اللتي
كانت تصرخ و تبكي دون توقف….
كاريمان و هي تنحني نحو ليليان
الجالسة أرضا تنظر حولها بانهيار :” حبيبتي مالك؟؟ إيه اللي حصل و خلاكي بالشكل داه؟؟
نظرت نحوها ليليان التي كانت في
حالة إنهيار تام :” أيهم… سابني يا طنط
سابني من ثاني؟؟
لطمت كاريمان صدرها شاهقة بقوة
و هي تنظر لاميرة التي لم يكن حالها
بأفضل من حال والدتها اتردد بتلعثم
:”أيهم؟؟ ماله حصله حاجة؟؟
أجابتها ليليان من بين شهقاتها :”أيوا يا طنط
سابلي ورقة زي المرة اللي فاتت و قلي
إنه راح و مش حيرجع….
نظرت كاريمان لاميرة من جديد و هي
تحتضن ليليان التي إرتمت داخل أحضانها
تبكي بعنف دون توقف قائلة :”أميرة
روحي كلمي أخوكي و شوفي إيه الحكاية؟؟
أميرة و هي تقف من مكانها :”حاضر يا ماما
أنا حكلمه دلوقتي….
عادت كاريمان لتهدأة ليليان بينما غادرت
أميرة الغرفة لتجد سيف و محمد ينتظران
أمام الباب بقلق بينما والدها يقف غير بعيد
عنهما يحمل حفيده الذي بدأ بسؤاله عما يجري
و صفوت يحاول بكل جهده إلهائه عما يحدث…
محمد باندفاع حالما رأى أخته أمامه :”ليليان
مالها يا أميرة كانت بتصرخ ليه؟؟؟
هزت أميرة كتفيها بجهل قائلة :” مش عارفة
يامحمد… حالتها غريبة اوي بتصرخ و بتقول
إن أيهم سابلها ورقة و قال إنه راح
و مش حيرجع ثاني.. انا مش فاهمة
حاجة…. حروح أكلم أيهم دلوقتي
افهم منه إيه اللي حصل… انا نسيت
تلفوني تحت في الصالون…
أوقفها سيف الذي أخرج هاتفه من جيبه
قائلا بتوتر :”أنا حكلمه خليكي…..
وصله صوت أيهم السعيد قائلا :” سيف
باشا…اكيد وحشتكم انا عارف القعدة
مين غيري ولا…..
سيف مقاطعا إياه بصوت عال :”أيهم إنت رحت
فين؟؟
أيهم بنبرة متحمسة :” كنت عند الواد عمر
و دلوقتي راجع البيت لما اوصل ححكيلك “.
سيف بجدية و قد هدأ قلقه بعض الشيئ
:”طب تعالى بسرعة متأخرش…
أيهم و قد إستشعر نبرة أخيه الغريبة
:”في إيه يا سيف.. مالك صوتك مش عاجبني
في حاجة حصلت في غيابي “.
سيف و هو يحدق في محمد الذي
كان يشير له بيده :”لا مفيش متقلقش
بس تعالى بسرعة…
ايهم و هو يفتح باب سيارته بإستعجال
:”تمام إقفل انا جاي حالا “.
أغلق سيف الهاتف ليروي لأخويه و والده
ماسمعه من أيهم ليزيد إستغرابهم
محمد و هو يحدث أميرة :”ادخلي
قوليلها إن أيهم جاي دلوقتي و إنه
كان عند واحد صاحبه…. يمكن تهدأ
شوية..
أومأت له أميرة قبل أن تدخل للغرفة
حيث وجدت كايمان قد نجحت في
جعل ليليان تقف من على الأرضية
و تجلسها على السرير لتهرول نحوهما
قائلة :” ماما أيهم جاي دلوقتي ووهو
كان عند واحد صاحبه….
رفعت ليليان عينيها الدامعتين نحو
اميرة قائلة ببكاء :” إنت بتكذبي عليا
أيهم مش حيرجع هو خلاص راح…سابني
و ساب إبنه مرة ثانية….
أميرة بنفي ‘” الله سيف كان بيكلمه
من دقيقة و هو اللي قال إنه حييجي…..
إنحنت أميرة جالسة أمام ليليان تربت
على يديها و هي تكمل حديثها من جديد :”
و الله دي الحقيقة مش بكذب…. طب
إستني نص ساعة بالكثير و حتلاقيه قدامك….
نظرت ليليان نحو كاريمان الجالسة
بجانبها قبل أن تتحدث بصوت مرتعش
:” أنا حنزل تحت استناه….
وقفت أميرة من أمامها مؤيدة كلامها
:”طيب خلينا ننزل كلنا نستناه في الصالون
و هو شوية حييجي….
إستقامت ليليان من مكانها ببطئ بسبب
إرتجاف جسدها لتتجه نحو الباب متمتمة
بصوت منخفض و كأنها تحدث نفسها
:”أنا عاوزة أستناه في الجنينة…تحت…..
أسرعت أميرة لتوقفها قائلة :”طيب
ممكن تغيري هدومك قبل ما تنزلي… عشان
إنت….
توقفت عن الحديث و هي تشير ليليان
التي كانت ترتدي ملابس نوم خفيفة
عبارة عن بنطال و قميص حريري
نصف كم لتومئ لها ثم تتجه نحو غرفة
الملابس بخطوات خاوية لا حياة فيها
و كأنها آلة….
إرتدت اول معطف تجده أمامها ثم غطت
رأسها بحجاب و خرجت لتجد كاريمان
و أميرة تنتطرناها…..
بعد دقائق كانت ليليان تجلس على
احد كراسي الحديقة و نظرها معلق
ببوابة الفيلا و كل دقيقة تمر عليها و كأنها
دهر….أغمضت عينيها بألم و هي تتذكر
كلمات تلك الرسالة التي قرأتها منذ قليل
في حلمها لتتجسد أمامها من جديد
و كأنها حقيقة….
لم تستطع تصديق عائلتها التي كانت تحاول
طمئنتها و إزالة تلك الأفكار الحزينة من رأسها
إلا أنها لم تستطع…. كانت خائفة من إختفاء
أيهم هذه المرة للأبد…تظن انه قد رحل و لم
يخبر عائلته بأمر مرضه..
غير بعيد عنها و تحديدا امام باب الفيلا
الرئيسي يقف سيف بجانب محمد متكئين
على الباب الكبير ينتظران هما أيضا قدوم
أخيهما حتى تنتهي هي المشكلة التي حلت
عليهم فجأة….
سيف بسخرية و هو يفرك كتفيه بيديه
لشعوره بالبرد :”الستات دول كائنات غريبة
تحس إنهم نقيض من كل حاجة… بصراحة
أنا عمري مافهمتهم…
محمد بضحك :و لا أنا بس اهو بنحاول…
صمت قليلا قبل أن يتنهد و يتحدث مرة أخرى بصوت خال من المرح:” صعبانة عليا بنت عمك دي إتبهدلت اوي في حياتها…لا أم تحن عليها و لا
أب يحميها و إنت فاكر طبعا أيهم زمان كان
إزاي و دلوقتي لما تغير و بقى إنسان ثاني
بردو ما إرتاحتش…..
سيف مؤيدا :” معاك حق… الظاهر من كثر
الصدمات اللي واجهتها في حياتها عقلها لسه
مش مطمن إنها ممكن تعيش في يوم من الايام
مرتاحة…..
أشار نحوها مكملا :” بص إزاي قاعدة مستنياه
في الجو داه…. دا انا قربت أتجمد مكاني….
قاطعهم صوت أزيز سيارة أيهم التي دخلت
البوابة للتو ثم توقفت بالقرب من مكان
جلوس ليليان و كاريمان بعد أن تركتهم
أميرة لشعورها الشديد بالبرد…
أسرع أيهم ناحيتهم متسائلا بقلق :” في
إيه ياماما…قاعدين هنا ليه؟؟؟
نظر حوله ليجد سيف و محمد مقبلين
نحوهم ليعاود التساؤل من جديد
:” بابا و أيسم و أميرة فين؟؟ هما كويسين صح؟؟
كاريمان بهدوء و هي تتنفس الصعداء بعد
إن رأت إبنها بخير أمامها فهي أيضا لم تكن
مطمئنة بسبب كلام ليليان رغم معرفتها بأن
ماروته لهم لم يكن سوى حلما و لكن هكذا
هو قلب الأم لاتطمئن حتى ترى صغارها
بخير أمامها…
:”ابوك جوا مع أيسم و أميرة و هما كويسين
متقلقش.. خذ مراتك و إطلعوا فوق هي
بس قامت من النوم مرعوبة عشان ملقتكش
جنبها فقلقت عليك عشان كده جبت
تستناك هنا….رواية بقلمي ياسمين عزيز
صفحتي الوحيدة على الواتباد
رفع أيهم حاجبيه بشك و عدم تصديق خوفا
من أنهم يخفون عنه شيئا :” تستنوني هنا في
الجنينة؟؟
سيف بمرح :” حكم القوي بقى…
غمزه مشيرا نحو ليليان برأسه ليبتسم
أيهم قائلا :”طيب خلونا ندخل جوا و نكمل
كلامنا لحسن عندي ليكم خبر بمليون جنيه….
حاوط كتف والدته بذراعه اليمنى و ليليان
بذراعه اليسرى ليسير بهم نحو الداخل
مكملا :” أنا كنت عند عمر…اصل مراته
طلعت حامل…. لو تشوفو شكله إزاي
و هو بيعيط من الفرحة…كان نفسي أصوره فيديو للذكرى…..
كاريمان و هي تبتسم بفرحة :” الحمد لله
عمر طيب و إبن حلال و ربنا عوض صبره
خير… و الله فرحتله انا بكره إن شاء الله
حبقى اكلم مراته و أطمن عليها….
سيف بمزاح:”و انا حبقى أكلمه و أفكره
في الحفلة اللي هو واعدنا بيها لو ربنا
رزقه بطفل….
محمد و هو يدفعه بخفة :”يا إبني
هو إنت دايما كده همك في كرشك….
سيف و هو يتظاهر بالالم :”يا عم إيه داه..
مليون مرة قلتلك بلاش كده… إيدك ثقيلة
عيني عليك يا نور يا أختي….
محمد بتهديد مزيف :”سمعني ثاني إنت قلت
إيه؟؟ كأني سمعت كلمة نور…
كاريمان :” ياإبني سيبه داه اخوك الكبير..
أيهم بمزاح :” كبير بس مخه لاسع…
ركض سيف صاعدا درج الفيلا الامامي
ثم إلتف وراءه قائلا لمحمد بمشاكسة
:” قلت إن نور مراتك رقيقة و زي حتة
البسكوتة إزاي حتتعامل مع ثور زيك…يالهوي
إلحقوني داه حيفرمني…..
صرخ سيف مهرولا للداخل بعد أن رأى
محمد يركض وراءه كعادته عندما يشاكسه
رغم انه أخاه الكبير إلا أن تصرفاته الطفولية
لاتوحي بذلك ابدا…
جلس سيف بجانبه والده يلهث بشدة ثم
إلتفت بجانبه ليجد أيسم يجلس باحضان
جده شبه نائم ليأخذه برفق حاملا إياه
بين ذراعيه يهدهده حتى لا يستيقظ
نظر لمحمد و على وجهه إبتسامة مستفزة
و كأنه يقول له تعالى و اكمل ماكنت تفعله….
محمد بحنق :”بتتحامى في عيل.. ماشي
يا سيف بس اكيد مش حتقعد شايله للأبد….
سيف بغرور :” ساعتها حتنسى….
محمد :”مش حرحمك….
سيف بخوف مصطنع'” و الله انا سمعت
أميرة بتقول كده…. انا أصلا مش فاكر
شكل مراتك إزاي….
وصل البقية لتجلس كاريمان بجانب
سيف حتى تأخذ الصغير لكنه تشبث
به لتزفر بحنق قائلة :” يا إبني هات
الولد أنيمه و بلاش شغل العيال داه
و إنت يا محمد روح اوضتك و بكره
إبقى اللي إنت عاوزه… عاوزين ننام
بقى كفاية دوشة مش كفاية اللي حصل
من شوية ….
أومأ لها بطاعة بينما أعطاها سيف
الصغير ثم توجه الجميع نحو غرفهم بهدوء
غريب و هو ينظرون نحو بعضهم البعض ليستغرب
أيهم من تصرفاتهم و يتأكد انهم يخفون عنه
شيئا …..
داخل غرفة أيهم…
كانت ليليان تتجنب نظرات أيهم المتسائلة
و هي تنزع معطفعها و حجابها ثم إندست
تحت غطاء السرير تدفئ جسدها الذي
كاد يتجمد من شدة البرد….
أنتهى من تغيير ملابسه ثم إستلقى
على الفراش بجانبها… إقترب منها يتحسس
حرارة جبينها ووجهها بعد أن لاحظ برود
جسدها عندما كانا في الحديقة…
همس بارتياح قائلا :”الحمد لله مفيش حرارة
بس انا لسه مش فاهم إنتوا كنتوا بتعملوا
إيه في الجنينة؟؟
أجابته ليليان بصوت متحجرش بسبب
كثرة بكائها :” اصل انا بقيت مجنونة
و بتخيل في حاجات مش موجودة….
رمش أيهم عدة مرات قبل أن يهمهم
بنبرة ضاحكة ظنا منه أنها تمزح :”مممم و إيه
كمان إحكيلي “.
تجلست ليليان مكانها تضم ساقيها بيديها
هي تحاول بصعوبة
التحكم في دموعها التي كانت تهدد بالنزول
:”أصل أنا كنت نايمة…و بعدين صحيت
ادور على مية عشان كنت عطشانة.. و بعدين
لقيت الأوضة كلها ظلمة و البلكونة والشبابيك
كلها مفتوحة و الدنيا برد اوي…و إنت مكنتش
موجود…. انا كنت فاكراك تحت سهران مع
العيلة…انا قمت من السرير علشان أنور الأوضة
و بعدها لقيت ورقة…زي الورقة اللي سبتهالي
زمان… بتقلي فيها إنك رحت و مش حترجع….
كفكفت دموعها التي إنهمرت رغما عنها
قبل أن تلتفت نحو أيهم الذي كان يستمع
لها باهتمام قائلة بعيون باكية متوسلة
:”أيهم صدقني انا مكنتش بحلم زي
ما أميرة و طنط فاكرين.. انا كنت صاحية
وواعية بكل حاجة انا قريت الورقة
كانت هنا بس مش عارفة فين بالضبط
ضاعت او يمكن طارت عشان الأوضة
كان فيها نسمة هواء باردة…و الستاير
كانت بتتحرك…انا كنت خايفة اوي
عشان حتسيبني زي زمان….
إحتضنها أيهم بلهفة و هو يشعر بقلبه
قد تمزق لألاف القطع الصغيرة بسبب
دموعها و بكائها :”شششش متعيطيش
يا حبيبتي… يمكن داه مقلب من سيف
ما إنت عارفاه مخه لاسع و عيل…بكره
حخلي محمد ينفخه عشان يبطل المقالب
السخيفة اللي هو بيعملها كل مرة….
قبل رأسها عدة مرات مهدئا إياها بإكمال
الكذبة التي إخترعها :” إنت نسيتي مقلب
الحشرات البلاستيك اللي حطها في
أوضة أميرة آخر مرة… شفتي حصل
فيها إيه… اغمى عليها و كنا حناخذها
المستشفى لو لا ستر ربنا…إهدي و بلاش
تعيطي عشان قلبي بيوجعني لما تكوني
زعلانة وفي كل مرة بتبكي فيها بكون انا
السبب….
مسحت ليليان دموعها بطاعة و هي تومئ
برأسها كطفلة صغيرة….ليساعدها أيهم
في الاستلقاء واضعا رأسها على ذراعه
وفي كل مرة كان يقبل خدها و يديها
و شعرها ليبث داخل بعض الأمان و الطمئنينة
لا ينكر أن أمر تعلقها به و خوفها الشديد
من بعده عنها قد أسعده كثيرا فهذا ماكان
يحاول بكل جهد تحقيقه منذ عودته…
لكن من جهة أخرى قلق من تدهور حالتها
الصحية بسبب التخيلات و الأوهام التي
أصبح ينسجها عقلها الباطني فاصبحت
بذلك لاتميز بين الحلم و الحقيقة لذلك
عليه أن يجد حلا لهذه المشكلة من البداية
حتى تسوء اكثر في المستقبل إن تجاهلها و لذلك
عزم على الاستعانة بأحد الأطباء النفسيين
الموثوق بهم من المستشفى….
ضمها أكثر إليه و هو يغرس وجهه داخل
شعرها و عنقها ليستنشق اكثر رائحتها الناعمة
التي تميزها….
أحس بارتجاف جسدها ليبتسم بخبث
عازما على إخراجها من حالة الاكتئاب
التي تملكتها فجأة بسببه…
رفع رأسه للأعلى قليلا عن الوسادة ليستند بذراعه
ثم بدأ في تجميع خصلات شعرها و إبعادهم عن رقبتها ثم بدأ في تقبيل وجهها و عنقها قبلات
طويلة و هو يتعمد دغدغتها بشفتيه و إصدار صوت عال كما يفعل عندما يقبل أيسم….
ضحكت ليليان و هي تحاول إبعاده بكفيها
لكن أيهم قيدها بيده الأخرى و هو يكمل
مايفعله قائلا :”ممم ريحتك حلوة اوي
دا برفيوم أيسم صح؟؟؟؟
أجابته ليليان من بين ضحكاتها :” أيهم…
عشان خاطري كفاية…
ايهم و هو ينفي برأسه :”تؤ…مش عاوز ابعد
اصلك واحشاني أوي..
ليليان بتذمر:” طب بالراحة…مش كده انا مش
عيلة صغيرة عشان… تبوسني كده…
أكملت آخر جملتها بهمس و قد تلون وجهها
بالاحمر القاني لشدة خجلها و ندمها على ماتفوهت
به لتغمض عينيها ….
رفع أيهم رأسه ليتفرس ملامح وجهها الجميلة
محررا يديها قبل أن يردف بابتسامة خبيثة
:” لا في دي معاكي حق…كويس إنك نبهتيني….
فتحت ليليان عينيها يترقب بعد أن فهمت
مايلمح له لتجده ينظر إليها بنظرات متسلية
كانت ستتحرك من مكانها لكنه اسرع لتثبيتها
هامسا بنعومة :” رايحة فين؟
ليليان بتأتاة :”لا… مش را.. يحة كنت
عاوزة انام بس….
أيهم و هو يجول باصبعه على خدها
و غمازتيها ثم ينزل نحو ذقنها و رقبتها…
قائلا بنفس النبرة :”نوم إيه بس دلوقتي …طب قوليلي الأول هو انا موحشتكيش؟؟ …..
أومأت ليليان برأسها بالايجاب لتتسع
إبتسامته لكنها سرعان ما نفت برأسها
ليعبس وجهه كطفل صغير قائلا :” كده
يا لولو….طب انا زعلان منك….
تسارعت أنفاس ليليان بسبب تخدرها
تحت لمساته الرقيقة… كانت سنتحدث
لكن إصبعه الذي وصل لشفتيها ليضغط
عليهما بخفة مسكتا إياها تزامنا مع إقترابه
منها حتى أصبحت أنفاسه الدافئة تلفح
وجهها :” و رغم كده انا اللي حصالحك…..
تمتم أيهم قبل أن يلاصق شفتيه مع شفتيها
الناعمتين بقبلة حنونة أنستها ماكانت تعانيه
منذ ساعات قليلة….
~~~~~~~~~~~~~~~~~
عودة لعمر……
دلف عمر الغرفة ليجد هبة مستلقية
على الفراش تمسد بطنها بيديها و ملامح
وجهها السعيدة تظهر جليا فرحتها رغم
تعبها …
إنتبهت لدخوله لتلتفت بوجهها للجهة
الأخرى متجاهلة إياه رغم ان الفضول يكاد
يقتلها لمعرفة ردة فعله عند سماعه بالخبر….
كانت تراقبه بطرف عينيها و هو يقترب من
الفراش بخطوات بطيئة ليجلس بجانبها…
تحركت قليلا مبتعدة عنه لكنه اوقفها بأن
وضع يده على كتفها هامسا برجاء :”ارجوكي
يا هبة… و حياة أغلى حاجة عندك بلاش الليلة دي…أجلي الزعل لبكرة…خليني افرح انا مستني
الخبر داه بقالي سنين..
نفخت هبة الهواء بصوت عال ثم إلتفتت
نحوه تاركة المجال ليديه التي كانت تتحسس
بطنها من فوق ثيابها بحذر….أما وجهه فيكاد
ينطق من شدة الفرح….
همس بصوت مبحوح و كأنه على وشك البكاء
:”إبننا هنا يا هبة…حيبقى عندنا بيبي صغير
يفضل يعيط طول الليل و ميخليناش ننام….
بس متقلقيش انا حبقى أهتم بيه..ححضرله
الببرونة و حغيرله البامبرز …. ضحك قليلا
قبل أن يكمل….. بس هو ييجي بالسلامة
بكرة إن شاء الله حنروح للدكتورة عشان
تتطمن عليكي أكثر و بعدها نروح عشان
نشتريله هدوم كثير و لعب… بس إحنا لسه
مش عارفين… هو ولد و إلا بنت؟؟
تجاهلت هبة فرحته العارمة رغما عنها
فهي فقط أرادت الثأر لكرامتها حيث
أجابته بنبرة مستهزئة :” دلوقتي بقيت
فرحان و مبسوط مش كنت عاوز تتطلقني
إيه نسيت؟؟؟
تجمدت ملامح وجه عمر لكنه ببراعة أخفى
ضيقه… يعلم أنه مخطئ و قد تفوه بكلام
ليس في محله لكن كل ذلك حصل بعدم
إرادته فقد كان متعبا و يائسا….تنبه لحديثها
مرة أخرى حيث قالت :” نفذت اللي دماغك
و رحت قلت لعيلتك إنك مش بتخلف… رغم
إني إترجيتك اكثر من مرة أنك متقلهمش…
شفت لو كنت استنيت شوية…دلوقتي خلاص
اللي حصل حصل…و مش حنقدر نغير الواقع
مهما عملنا إنت كنت عاوزنا ننفصل و كل واحد
فينا يروح لحاله…
قاطعها عمر بانفعال بعد أن فقد سيطرته
على نفسه :”أنا قلت كده عشان كنت تعبان
و خايف… لكن إنت عارفة انا بحبك اوي و
مستحيل أسيبك او أتخلى عنك حتى لو
إنت اللي طلبتي داه….
أجابته بانفعال مماثل و هي تنظر نحوه لتحدي:” و انا دلوقتي بقلك طلقني يا عمر خلي كل واحد فينا
يشوف طريقه….مين غير شوشرة و لا مشاكل
اللي بينا إنتهى و انا إستحملت منك كثير
و مابقتش قادرة اتحمل أكثر من كده…. و لو
على إبنك لما يشرف بالسلامة إن شاء الله
اكيد مش حمنعك إنك تشوفه…..
حدق فيها عمر لعدة ثوان و قد توسعت عيناه
بدهشة من حديثها المفاجئ قبل أن تصدح ضحكته
في كامل أنحاء الغرفة….
توقف بعد دقائق ليمسح وجهه بيديه
متنهدا بحرقة من عنادها :”طيب خلينا نأخل
الخصام لبكرة عشان الليلة دي مميزة…
هبة بتصميم :” ماشي حأجل الكلام في
الموضوع داه لبعدين…بس يكون في علمك
“بابي…. بابي…إصحى سوف آسل…خد بابي
بتاعي و لماها ملبلكوننننن…. بابي بابي….
(شوف آسر خذ الباربي بتاعي و رماها من البلكونة “.
صرخت أسيل الصغيرة و هي تقفز
فوق سرير والدها هنا و هناك كالارنب الصغير
ليبدأ شاهين في الاستيقاظ و هو يفرك
وجهه بانزعاج..
فتح عينيه ببطئ بسبب أشعة الشمس
التي تسللت و انارت الغرفة بعد إزاحة
الستائر….
حدقت فيه الصغيرة لبعض الوقت
قبل أن ترتمي عليه ليتلقفها بين
ذراعيه مقبلا وجنتها المكتنزة بقوة
قبل أن يتحدث :”صباح النور يا قلب
بابي….
آسيل ببراءة:” بونجور يابابي… يلا
إنوح لآسل و إدبه(نروح لآسر و إضربه).
قهقه شاهين بخفة مداعبا أنفها قبل أن
يهتف :”بالراحة عليا عشان انا مش بفهم
لغتك الغريبة دي”.
أسيل و هي تحرك يديها محاولة إفهامه
:”آسل….
شاهين :” دي فهمتها… ماله آسر يا ست أسيل…..
أسيل بعبوس :”خد باببييي و لماه مالبكونة…..
شاهين بدهشة :” خذ إيه…
أسيل بتأفف لانزعاجها هي الأخرى من
عدم فهمه و الاستجابة لها فهي كل
مايهمها الان هو النيل من أخيها لانه أفسد
لعبتها المفضلة…
:” بابي…اوووف مش تفهم ليه؟؟؟
ظلت أسيل تتحدث كثيرا و هو يتعمد
عدم فهمها حتى يستمتع أكثر بصوتها
الطفولي الرقيق و كلامها المبعثر مما جعله
ينفجر من الضحك عدة مرات تحت نظراتها
الساخطة و المنزعجة……
دخلت عليهم كاميليا لتجد إبنتها تجلس
فوق بطن والدها و تحدثه باهتمام شديد
ضحكت هي الأخرى على مظهرهما فمن
يراهما يظن أنهما يتناقشان في أمر مهم للغاية….
لمحها شاهين ليستقيم في جلسته ممسكا
بالصغيرة باحكام حتى لا تسقط قائلا بنبرة
مرحة :”تعالي شوفي بنتك عاوزة إيه… بقالي
نص ساعة بحاول أترجم اللي بتقوله و بردو
مفيش فايدة….
توجهت نحوهما كاميليا بابتسامة واسعة
لتجلس بجانبهما على الفراش قائلة :” دي
عاوزاك تعاقب آسر عشان كسر الباربي
بتاعتها و رماها من باب الفيلا.. الولد داه طالع
شقى اوي و مش بيسمع الكلام …مش زي فادي
عاقل و هادي…
همهم مدعيا التفكير :” مممم طيب إقترحوا عليا
إزاي حنعاقب آسر الشرير .
داعب أنف الصغيرة لتتعالي ضحكتها السعيدة
بعد أن فهمت مايقصده والدها بحديثه لتومئ
له مؤيدة :” خذ كل اللعب تاعته و حطه
كرسي العكاب كثير اوي … (خذ كل اللعب بتاعته و حطه في كرسي العقاب كثير اوي)….
هز شاهين حاحبيه بعدم فهم و هو ينظر
لكاميليا قائلا :” يعني إيه كرسي العقاب “.
إستندت كاميليا بكسل على ذراعها على
الفراش قبل أن تجيبه :” يعني أي واحد فيها
لما يتعاقب يقعد على الكرسي مدة نص ساعة ميتحركش من مكانه و داه من أكثر الحاجات
اللي بيكرهوها أولادك طبعا بعد الخضار
المسلوق”.
قهقه شاهين بخفة قبل أن يهتف بعدم تصديق
:” عشان كده البنت إقترحت كرسي العقاب
لا و عاوزاه يقعد كثير يعني أكثر من نص
ساعة …
لوت كاميليا شفتيها بانزعاج عندما تذكرت
شقاوة إبنها قائلة :”بصراحة يستاهل… آسر
بقى متعب جدا حتى بعد ما يتعاقب بيرجع
ثاني يتشاقى اكثر من الاول…..
شاهين :”داه ولد.. يعني شيئ طبيعي
يكون أشقى من البنت….
كاميليا باستهزاء :”طب ما فادي بردو ولد
ليه مش طالع زيه…
إنحنى شاهين بجذعه ليقف من على السرير
ثم قبل وجنة الصغيرة هاتفا بهدوء:”روحي إنت
دلوقتي و انا جاي وراكي…نعاقب آسر و نروح مع بعض عشان نجيب باربي جديدة إيه رأيك “.
لمعت عينا الطفلة بفرح لتصرخ قائلة
:” و مش ناخد آسل….
شاهين و هو يعيد كلامها بمرح :” مش ناخد آسل
حاضر…..
أسيل مرة أخرى :”و نجيب باربي كبييييلة”.
شاهين و هو يومئ برأسه :” حاضر…
طبعت الصغيرة قبلة صغيرة على وجنته
قبل أن تنطلق لخارج الغرفة تحت نظرات
والدها المندهشة… تمتم و هو يستدير
عائدا لكاميليا التي كانت لاتزال ممدة
على الفراش و تراقبهما
:” البنت طالعة شريرة كده لمين؟؟
قلبت الأخرى عيناها بملل قبل أن تهمس بصوت منخفض ظنت انه ان يسمعها
:”حيكون لمين يعني..ماهي طالعالك….
شاهين بخبث:”هو إنت قلتي حاجة اصلي
مش سامعك كويس”.
كاميليا بنفي :”لا و لا حاجة قلت إنك
صاحي متأخر و مرحتش الشغل و دي
مش عوايدك يعني”.
توقف أمامها مباشرة لترفع رأسها نحوه ثم
حركت رأسها ليصبح على الفراش بدلا من
ذراعها… ضيقت حاحبيها بحيرة عندما وجدته
يحدق فيها بدقة و كانه يبحث عن شيئ ما
حتى شعرت بالتوتر بينما هو فقد إعتلت
شفتيه إبتسامة شقية ليسقط جسده فجأة
فوقها مما جعلها تصرخ فزعة بينما هو فقد
إستند على ذراعيه التين أحاطتا جسدها من
كلتا الجانبين و باقي جسمه فوقها….
همس من قهقهته و هو لايزال يتفرس وجهها
الجميل الخائف :”جبانة….
أجابته من بين انفاسها اللاهثة وهي تحاول
دفعه عنها بدون فائدة :” إنت مش حتبطل
حركات العيال دي…. قوم بقى حتفرمني…
شاهين و هو يتابع محاولاتها الفاشلة في
إبعاده بتسلية :”تؤ… عاجبني المنظر هنا…
توقفت عن مقاومته لتنظر قليلا إلى وجهه
الذي يكاد يلامس وجهها قائلة ببلاهة:”منظر
إيه إنت بتخرف؟؟
تسللت يده نحو وجنتها ليصفعها بطرف
أصابعه صفعة خفيفة لاتذكر قبل أن يهتف
بتهديد مزيف
:”لسانك يا كوكي…
قلبت عيناها بملل و هي تتصنع الشجاعة
مردفة :”مابقتش بخاف خلاص… هات غيرها..
:” بقى كده…ماشي إستحملي بقى نتيجة
جرأتك “.
هتف متوعدا و هو ينحني برأسه نحو
شفتيها لتحرك كاميليا رأسها نحو الجهة
الأخرى بعناد ليزمجر شاهين بانزعاج لحرمانها
له من كرزيتيها اللتين يعشقهما….
حاوط رأسها بيديه مثبتا إياها حتى لا تتحرك
ثم خفض رأسه ليقبلها قبلة خفيفة
رغما عنها قبل أن يبتعد عنها لتصرخ
كاميليا مدعية الغضب :” مش حتبطل
عادتك دي أبدا…
شاهين بمكر :” أبدا…بتكون أحلى لما بتكوني
متضايقة “.
مسحت كاميليا وجهها مكان قبلته قائلة بتلاعب:”
قصدك لما بتكون غصب… “.
إستند شاهين على إحدى جانبيه
مرتكزا على ذراعه بينما ذراعه الأخرى
مازالت تحاوط خصر كاميليا الممدة بجانبه
هاتفا بحيرة :”غصب؟؟
كاميليا وقد تحول مزاحها للجدية :”أيوا
غصب عني…عشان إنت لسه في حاجات
كثير لسه بتعملها غصب عني و مش فارق
معاك إن كنت موافقة و إلا لا…زي الشغل
مثلا بالرغم من إني قلتلك إني مش عاوزة
اشتغل بس إنت مش بتسمعني…..
زفر شاهين بضيق من هذا الموضوع التافه
برأيه قبل أن يتكلم بصوت واثق :” كل مرة
بتيجي فيها سيرة الموضوع داه بتنرفزيني…
مكنتش عارف إنك زنانة كده…
مد يده ليرجع إحدى خصلات شعرها التي
سقطت على وجهها و هو يكمل حديثه بنبرة حنونة :” كاميليا…. حبيبتي
أنا مش بجبرك تشتغلي و لاعاوز أغصبك
على حاجة إنت مش عاوزاها بس…انا بحبك اوي لدرجة إني بقيت عاوزك
تكوني معايا دايما في البيت وفي الشغل مش بستحمل تغيبي عن عيني أكثر من ساعتين…
أعمل إيه بقى حاولت كثير بس مااقدرتش
بقيت بنفسك و كل يوم بيزيد حبك في
قلبي الضعف….انا عشت طول عمري مابخافش
من حاجة حتى… الموت بس دلوقتي بقيت
بخاف… خايف تحصلي حاجة و اسيبك
في العالم الوحش داه لوحدك… عشان كده
عاوزك تكوني قوية عشان تقدري تواجهي
الدنيا من بعدي
في عالمنا داه الناس بقت ذيابة… وحوش
و القوي بياكل الضعيف و مفيش حد حيحن
عليكي و حيساعدك مين غير ماتكون ليه مصلحة ….
و لو مكنتيش قوية بما فيه الكفاية الكل
حيدوس عليكي مين غير شفقة و لا رحمة
عرفتي بقى انا ليه مصمم تيجي
معايا الشركة… عشان تقدري تفهمي الشعل
و تقدري تديري الشركات لو حصلي حاجة و….
توقف عن الحديث بعد أن وضعت كاميليا
أناملها على ثغره توقفه عن مواصلة الحديث
قائلة من بين دموعها :”بعد الشر عليك…إنت
ليه بتتكلم كده؟؟ إنت بتخوفي عليك ليه هو
إنت مخبي عليا حاجة…
حرك شاهين أصابعه على وجنتيها ليمسح
دموعها قائلا بنبرة عاشقة :” مفيش حاجة
يا حبيبتي بس انا بحسب كل الاحتمالات
إنت لازم تكوني مستعدة لكل الاحتمالات
مفيش حد ضامن عمره و بعدين الموت علينا
حق.. ساعتها إنت حتلاقي نفسك فاهمة
الشغل و مش حتحتاجي مساعدة حد….
كاميليا و هي تدير رأسها بعنف رافضة
كلامه و قد زادت حدة بكائها :”لا مش
عاوزة…. مش عاوزة.. إنت لو جرالك حاجة
حموت نفسي مش حقدر اعيش من غيرك….
شاهين بحنو :” بعد الشر عليكي يا قلبي….
مسحت كاميليا دموعها بعنف قائلة :”إنت
مخبي عليا حاجة… شاهين عشان خاطري
صارحني….
شاهين بابتسامة :” تؤ صدقيني مفيش
حاجة انا بس كنت ببررلك انا عاوزك تروحي
معايا الشغل ليه….إهدي بقى بلاش عياط عالصبح….
كاميليا و هي تنهض قليلا لتصبح جالسة
على الفراش :”إنت بتخوفني ليه؟ لو على
الشغل حاضر انا حسمع كلامك بس ارجوك
بلاش تخوفني إنت عارف ان انا مش حستحمل…
نهض شاهين الاخر ليجلس بجانبها جاذبا
إياها لتصبح بأحضانه قائلا مربتا على ظهرها بحنان :” أنا آسف حقك
عليا انا مش عارف جرالي إيه عشان اتكلم
في موضوع زي داه بس كان لازم اوضحلك
عشان يبقى عندك سبب قوي يخليكي تروحي
الشغل و تقفي على رزقك بنفسك …
كاميليا و هي تضحك من بين دموعها :” حاضر
بس دلوقتي لازم تنزل تشوف بنتك اللي إنت
وعدتها تأخذلها حقها من أخوها….
شاهين و هو يزيد من إحتضانه لها مستمتعا بدفئ جسدها :”تصدقي نسيتها… انا بصراحة مش
بعرف اتعامل مع العيال….و عاوز مساعدتك…
كاميليا و هي ترفع رأسها نحوه قائلة :”انا
ححللك المشكلة دي بس على شرط…متجيبش
سيرة الموت و الفراق دا ثاني على لسانك ابدا….
شاهين و هو يقبل جبينها :”حاضر اللي تؤمر بيه
ماي برنسس…و دلوقتي انا جعان و عاوز افطر….
كاميليا بابتسامة :”ما انا كنت طالعة عشان اصحيك عشان تنزل تفطر ….
شاهين من بين ضحكاته :”و انزل ليه؟؟و أحلى فطار قدامي…
توقف عن الضحك يتأملها بابتسامة ماكرة قبل
إن يتابع بخفوت :” الظاهر مفيش شغل النهاردة….
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
في منزل عمر…..
إستيقظت هبة من نومها بعد إفتقادها لذلك
الدفئ الذي كان يغمرها طوال الليل…رفعت
الغطاء بهدوء تزامنا مع دخول عمر يحمل
صينية مكتضة بجميع انواع الطعام….
إبتسامة عريضة شقت وجهه عندما رآها
ليضع الصينية على أقرب طاولة ثم يسارع
نحوها قائلا بلهفة :”صباح الورد والياسمين
يا حبيبتي…. حاسة بإيه النهاردة…
طأطأت هبة رأسها لتضع يدها على بطنها
قائلة بصوت مبحوح من أثر النوم :” كويسة
متقلقش….انا خروج اغسل وشي…
تجاوزته متجهة نحوالحمام ليزفر عمر بحزن
و هو ينظر في أثرها متمتما بيأس:” مكنتش
عارف إن قلبك إسود كده… دي اول مرة تعاملني بالشكل الوحش داه…
هز رأسه و هو ينظر ناحية الصينية قبل أن تعود إبتسامته من جديد هاتفا :”بس انا مش حيأس
و حخليها تسامحني…
قاطعت تأملاته خروجها ليراقبها بصمت و هي
تتجه نحو التسريحة لترتب شعرها و مظهرها
متجاهلة النظر نحوه و كأنه ليس موجودا….
مما أثار حنقه…ليقف من مكانه متوجها نحوها
ليقف وراءها و يحدق في صورتها المنعكسة
بتمعن مما آثار توتر هبة التي إستدارت
بغية الذهاب… لكنها تفاجأت بذراعين
حديديتين تثبتانها مكانها لتعود كما كانت
مقابلة للمرآة….
شعرت بيدي عمر تلتفان حول خصرها متحسسا
بطنها بلمسات رقيقة و صوته الحنون يهمس
في أذنها:”صباح الخير…. انا بابي عمر إنت سامعني
طب قلي إمتى حتكبر و تيجي الدنيا عشان
نلعب سوى… حشتريلك العاب كثير اوي و حاخذ
كل يوم جمعة للملاهي و ناكل ايسكريم و…
ماما لا…. نخليها في البيت أحسن عشان
لما نرجع نلاقيها محضرالنا أكل حلو….و اااااه ليه
كده بس يا حبيبتي سيبيني اتكلم مع الواد
براحتي….
تأوه عمر بزيف بعد أن نكزته هبة بمرفقها
على بطنه لينحني واضعا ذقنه على احد
كتفيها لتنظر له هبة من خلال المرآة قائلة
بحنق :”بقى عاوز تاخد إبني و تطلع تفسحه
في الملاهي و تسيبوني قاعدة في البيت
لوحدي مستنية حضراتكم لحد ماتيجوا….
أجابها عمر من بين ضحكاته السعيدة
لنجاحه في إستفزازها و إجبارها على
التحدث معه :” الظاهر في هنا حد غيران….
بس معلش حبقى أقنعه عشان ناخذك
معانا بس موعدكيش ها….
هبة عدم رضا :” لا كثر خيرك و بعدين مين
قلك إنه ولد مش يمكن يكون بنت…
عمر بفرحة تلمع من عينيه :” يا ريت تكون
بنوتة وحسميها هبة الصغيرة.. و بردو حاخذها
للملاهي و حشتريلها فساتين كثير و اعملها شعرها
و….
عقد حاجبيه فجأة لتوقف عن الحديث برهة
من الزمن قبل أن يسترسل :” هو مش بيقولوا
إن الست لما تكون حامل بتبقى نفسها تاكل
حاجات كثيرة… إنت مش بتتوحمي على
حاجة معينة؟
نفت هبة برأسها قائلة:” لا بس…. جعانة شوية..
إبتسم عمر ثم رفع يده لظهرها ليقودها
برفق نحو السرير… أجلسها ثم أحضر الصينية
و جلس بجانبها…
شرع في إطعامها رغم ممانعتها
إلا أنه تحجج بأنه يقوم باطعام الطفل و ليس هي
لتستسلم هبة و تتناول طعامها مستمتعة
بأحاديثه الفكاهية حول مشاريعه المستقبلية
مع الطفل رغم أنه لم يرى النور بعد…
هي فعلا غاضبة منه و لاتزال تشعر ببعض
الحزن من كلامه الليلة الماضية و لكنها
لم ترد كسر فرحته أكثر….
تعلم انه لم يقصد ماقاله و ان كل ماتفوه
به كان بسبب شعوره باليأس و الخوف و
انها هي أيضا كانت ستفعل نفس الشي لو
كانت مكانه….
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
في كلية الطب….
و تحديدا في الكافتيريا… جن جنون ميار و هي
تستمع لكلام ديالا التي أخبرتها بعودة محمد و نور
لبعضها بعد تراجع الأخيرة عن رغبتها في الانفصال
لأسباب غير معروفة….
ضربت ميار الطاولة أمامها بقوة مما آثار
إنتباه جميع الموجودين داخل الكافيتيريا
الذين نظروا إليها بأعين متعجبة من صراخها مراقبين ما تفعله..
:”يعني تراجعت في قرارها…إيه السبب
و إنت سمعتي منين؟؟ صرخت ميار بنفاذ
صبر في وجه صديقتها المرتبكة.
نظرت ديالا حولها بخجل عندما وجدت
نفسها محط أنظار الجميع لتشعر بالندم
من إخبار هذه المجنونة الجالسة أمامها
تترقب ما تقوله بأعين متقدة حقدا و غضبا
أمسكت يدها محاولة تهدئتها هامسة بصوت
خافت :”ميار ارجوكي وطي صوتك…كل الموجودين
بيبصوا علينا… طب خلينا نمشي من هنا و انا ححكيلك كل حاجة بالتفصيل..
نفضت ميار يد الأخرى بعنف و هي تسب
و تلعن بصوت عال غير عابئة بأحد فهي كل ماتشعر به هو غضب حارق جعلها تخرج عن وعييها لمجرد تخيل ضياع محمد من يدها بعد أن كانت على بعد قاب قوسين من الحصول عليه :” اقسم
بالله يا ديالا لو طلع كلامك غلط لكون مورياكي
وش عمرك مشفتيه قبل كده…
جمهت ديالا أغراضها بسرعة ثم هرولت
خارج المكان تفاديا لفضائح اكثر…جذبتها
ميار من يدها لتأخذها إلى مكان فارغ نسبيا
من الطلبة قائلة :” دلوقتي عاوزاكي تحكيلي
كل اللي حصل بالتفصيل.”
ديالا بضيق من لهجة ميار الآمرة :”بقلك
إيه كفاية الفضائح اللي عملتيها جوا…. انا
صبرت عليكي عشان مقدرة حالتك لكن إهانة
أكثر من كده مش حقبل… كفاية و روحي إسالي
بسمة هي اللي حكتلي كل حاجة الصبح.. عن
إذنك”.
رمقتها بنظرة مشمئزة قبل أن تغادر المكان
تاركة ميار في حيرة…
:”و انا حستنى لما الاقي الغبية بسمة
اووف من غبائك ياميار انا حتجنن حتجنن
حصل إزاي داه هي مش كانت خلاص حتتطلق…
كانت ميار تسير في ارجاء الجامعة بحثا
عن بسمة او ديالا حتى تفهم منهما ما يحصل
لكنها للأسف لم تجدهما…
إستندت على سيارتها تراقب الطلبة الذين
كانوا يخرجون من الجامعة في مجموعات و فرادى
تبحث عن ظالتها لتلمح من بعيد بسمة قادمة
مع إحدى الفتيات…
أشارت لها ميار ثم إتجهت نحوها قائلة بابتسامة
مزيفة :”إزيك يا بوسي..عاملة إيه ؟؟ بقالي
كثير مش بشوفك…
بسمة و هي تبادلها إبتسامة صفراء :” اهلا
يا ميار إزيك..
لم تهتم ميار بجفائها و لا بسخريتها الظاهرة
فهي مضطرة لتحملها من أجل مصلحتها الشخصية
:”كنت عاوزة أسألك عن نور اصلي مش
شايفاها اليومين دول..
تمتمت ميار بتحفز منتظرة جواب الأخرى
التي أجابتها على الفور :”مش عارفة
بس آخر مرة كلمتها قالتلي إنها مع جوزها
اصلهم رجعوا لبعض و عن قريب حيحددوا
موعد الفرح…. عقبالك يا ميمي “.
هتفت بسمة بشماتة و هي تتفرس ملامح
ميار المصدومة و التي حاولت إخفاء إنزعاجها
من كلام الأخرى دون فائدة لتهرع سريعا نحو سيارتها و تختفي بداخلها…
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
في النادي الرياضي….
إستندت نور على حائط الغرفة تتنفس
بقوة بعد أن أطفأت جهاز المشي هاتفة بتذمر
:”يخرب بيت الرياضة على اللي بيلعبوا
رياضة… يانهار اسود حموت… مقدرتيش
تستمري اكثر من عشر دقايق فوق الهبابة
دي…..
إلتفتت نحو باب الغرفة بعد أن سمعت
ضحكات محمد الخافتة…. إستقامت
في وقفتها بعد أن رأته متجها نحوها
و هو يحمل كوبي عصير طازج…أعطاها
أحدهما ثم توجه نحو إحدى الآلات ليجلس
فوقها مقابلا لنور…
:”بقى انا جايبك أوضة الرياضة الخاصة
بتاعتي عشان تتدربي… أغيب خمس دقائق
و آجي الاقيكي بتشتمي في الآلات….
لوت نور شفتيها بضيق قائلة :” عشان
تعبت….
محمد بصدمة و هو ينظر لساعته :”بس إنت مكملتليش عشر دقائق على بعض…انا مضبطلك
الوقت بنفسي..بقلمي ياسمين عزيز
وضعت نور كوب العصير ثم تقدمت للأمام
قليلا لتجلس على الأرض أمام محمد على
ركبتيها تحت أنظار الآخر المتعجبة مما
تفعله…
A
رفعت جسدها قليلا لتضع يديها فوق
ركبتي محمد قائلة بصوت رقيق :” محمد
حبيبي…انا عمري ما مارست رياضة قبل كده
غير في المدرسة…عشان خاطري مش عايزة
أنا اصلا وزني 48 يعني عاوزني أخس
أكثر من كده حرام و الله….
تحدثت بتذمر محاولة إقناعه للعدول عن قراره
بجعلها تتمرن ساعتين كل يوم عنده
في النادي في أوقات فراغها و ذلك بعد
إتفاقهما بتنفيذ كل مايطلبه منها خلال هذا
الاسبوع بعد أن طلبت منه فرصة أخيرة
لإصلاح أخطائها معه…
لوحت بيدها أمام وجهه بعد أن وجدته
شاردا ينظر إليها و على وجهه إبتسامة بلهاء
فهو لم يسمع من كلامها سوى كلمة حبيبي
و التي كان وقعها على سمعه كأحدى السنفونيات
النادرة…
إنتبه لها و لصوتها المعاتب :”محمد إنت رحت
فين؟ بقالي ساعة بكلمك؟
تنحنح محمد قائلا :” آسف سرحت شوية
كنتي بتقولي إيه؟؟
نور :”كنت بقلك انا مش عاوزة أتمرن هنا…
و…
محمد مقاطعا و هو يضع إبهامه تحت
ذقنها :” تؤ ثاني كلمة قلتيها كانت إيه؟؟
لم تجبه نور بل ظلت صامتة تنظر
نحوه باستغراب ليكمل محمد :” قلتي
حبيبي…. مش كده؟؟
هزت رأسها بالموافقة و هي تبتلع ريقها بتوتر
خاصة بعد أن لمحت إبتسامته الخبيثة التي إعتلت
ثغره….
محمد بهمس و هو ينحني نحوها :”اول
مرة تقوليهالي …بس حلوة اوي لدرجة
إني عاوز اسمعها مرة ثانية..ممكن ؟؟
رمشت نور بارتباك و هي تتراجع للخلف
إستعدادا للوقوف من امامه…لكنها بدل
ذلك وجدت نفسها تجلس فوق ساقيه
بعد أن جذبها محمد بيد واحدة…قائلا
بلهجة معاتبة:”عاوزة تمشي و تسيبيني
يانور…
قضمت نور شفتيها بحركة عفوية جعلت
من محمد يفقد آخر ذرة من تعقله ليحيط
رأسها بيده مقربا وجهها منه مقبلا إياها
قبلة طويلة متذوقا شهد شفتيها بتمهل
لأول مرة في حياته….
لطالما رغب في فعل ذلك منذ اول يوم
رآها فيه و هي تتشاجر مع أخيها….
للحظة ظن أنها تبادله القبلة ليزداد شغفه
و رغبته أضعافا حتى أفاق على يديها الصغيرتين
تدفعانه بضعف عنها ليزمجر بغضب مثبتا
يديها الاثنتين بيده الحرة رافضا إبتعادها
عنه فمن يقبل الخروج من الجنة بعد أن
ذاق نعيمها هكذا كان شعور محمد بالضبط…
شعر بارتخاءها ليبتعد عنها مكرها لتشهق
نور بقوة و تتنفس الهواء بعنف بعد أن كانت
على وشك الاختناق…. تململت تريد النزول
من فوق ساقيه لكنه ثبت جسدها بذراعه
مانعا تحركها إنشا واحدا و أنفاسه اللاهثة
تضرب جانب وجهها و رقبتها لتدمع عيناها
من شدة الخجل التوتر….و الالم.
رفعت يدها بصعوبة لتحررها من بين يديه
و تمسح دموعها قبل أن ينتبه لها محمد
لكنها لم تكن تدري أنه كان يراقب أدق تفاصيلها
ليمسك بوجهها يديره نحوه مرة أخرى متفحصا
عينيها الدامعتين….
إنتبه لتراكم بعض الدماء فوق شفتيها ليهتف بلهفة :”أنا آسف….عشان أذيتك بس كان غصب
عني مقدرتش أمسك نفسي أكثر من كده”.
حاولت نور بأقصى جهدها أن تتحكم في
رغبتها في الانفجار بالبكاء قائلة بنبرة مختنقة
:”إنت ليه… عملت كده؟”.
اجابها بنبرة واثقة رغم إحساسه بالذنب
لأذيتها:”نور… حبيبتي…. انا جوزك يعني اللي
عملناه داه… لا عيب و لا حرام و كان لازم
يحصل من زمان “.
نور بعد أن إنفجرت بالبكاء:”بس انا مش عاوزة
كده….
كتم محمد ضحكته من ردة فعلها الغريبة
فهو لم يفته شعورها الشديد بالخجل و التهرب
من النظر إليه لكنه يعذرها فهي لطالما كانت
مشاعرها جافة او فلنقل منعدمة الاحساس تماما….
لذلك يعلم محمد أن طريقه صعب و طويل
للنجاح في تغييرها و الحصول على قلبها….
و جسدها معا..
مرر أصابعه على وجنتيها ليمسح دموعا
نابسا برقة :”قصدك إيه مش فاهم؟؟
اجابته بتلعثم :” اللي كنت بتعمله اااا قصدي
كنا بنعمله “…
إستنشقت الهواء بقوة بعد أن شعرت به يكاد
ينفذ من رئتيها مع إرتفاع حرارة جسدها
قبل أن تجيبه رغم محاولاتها الكثيرة للتهرب
َمنه :” و لا حاجة…. انا عاوزة أروح بيتنا….
محمد بخبث:” قصدك بيتنا انا و إنت…
نور باندفاع:”لا لا….بيتي أقصد بيت بابا “.
محمد ضاحكا :”طب إهدي و إنت بقيتي
شبه الفرولاية…و لعلمك بقى إنت لازم تتعودي
عشان داه حيكون النظام من هنا و رايح….
و مفيش مرواح النهاردة إحنا إتفقنا حنقضي
النهار مع بعض و إلا إنت غيرتي رأيك…
نور بارتباك :” طيب خليني أقوم اكمل تمرين.
محمد بنفي و هو يقف من مكانه حاملا
إياها بين ذراعيه :” إيه داه هو إنت وزنك
كام؟؟
نور :”مش عارفة؟؟ يمكن خمسين..اااه
قذفها محمد قليلا للأعلى ثم عاد ليتلقفها
من جديد مقهقها على صراخها و مظهرها
الخائف قائلا بمزاح:”قصدك خمسة كيلو…
بس معاكي حق إنت مش محتاجة رياضة
إنت محتاجة شوية دلع و…..نور إحنا لازم
نتجوز “.
توسعت عينا نور بدهشة مما سمعته الان
و هي تتفرس ملامح محمد
التي تغيرت فجأة فمنذ قليل كان يمرح لكنه
في لحظة واحدة تحول ليصبح شخصا
آخر…
أنزلها ليقفا متقابلين أمام النافذة ليمسك كتفيها
بيديه الاثنين موجها إياها نحوه حتى تنظر
داخل عينيه مكملا بتصميم :” آخر الأسبوع
داه….و لو مش عايزة يبقى الأحسن كل واحد
فينا يروح لحاله…”.
بعد ثلاثة أيام…..
على الاريكة البيضاء الصغيرة التي تتوسط مكتب كاميليا تجلس نور في الوسط و على يمينها هبة
التي كانت تضع يدها على بطنها كعادتها
و كأنها المرأة الوحيدة الحامل في هذا
العالم اما على يسارها فكانت كاميليا
تتفحص عدة أوراق تخص إحدى المشاريع
التابعة للشركة…
تأففت نور بصوت عال قبل أن تصرخ
بحنق :”على فكرة انا الغلطانة اللي سايبة
مذاكرتي و جايلاكم هنا عشان تساعدوني
الاقي حل في مصيبتي… اتاريكم إنتوا في حد
ذاتكوا أكبر مصيبة…
نظرت لهبة قبل أن تكمل بسخرية :” واحدة
سرحانة و كأنها في عالم ثاني و كل شوية تضحك
زي الهبل و الثانية مشالتش عنيها من الورق
و كأنه الشغل حيطير منها…..
قهقهت هبة على كلام نور الساخر قبل أن
تجيبها :” و لما انا هبلة عاوزة تاخذي رأيي ليه
يا ست العاقلين….
جاءها صوت كاميليا من الجهة الأخرى :” أنا
من رأيي ياريت تتجوزي و ترحمينا و إنت
كل أسبوع جايلنا بمشكلة شكل…
شهقت نور متصنعة الحزن :”قصدك إن انا
بتاعة مشاكل….ماشي يا كوكي متشكرة”.
كاميليا بابتسامة صفراء :” you welcome
ياحبيبتي “.
هبة بموافقة:” أيوا معاكي حق…يتجوزوا أحسن
على الاقل نغير جو انا بقالي كثير محضرتش فرح”.
كاميليا :”و انا كمان…الله الولاد حيفرحوا اوي”.
هبة بفرح:”حيكون اول فرح أحضره وانا حامل “.
:” بس بقى كفاية إنت و هي…نهاركوا أسود و مخطط بالاسود…. بقى عاوزيني
اتجوز عشان تتبسطوا إنتوا و أولادكم….
هي حصلت تعملوني لعبة؟؟
صرخت نور بغيظ و هي تبادل نظراتها بين
أختها و صديقتها اللتين كانتا تكتمان ضحكاتهما
قبل أن تنفجرا مقهمقتين بأعلى صوتهما….
نفخت نور خديها بغضب ثم إقتربت منهما لتأخذ
حقيبتها الموضوعة مكانها :”أنا ماشية و إبقوا
إحذفوني بالطوب لو رجلي هوبت ناحية
الخرابة دي ثاني….
جذبتها كاميليا على حين غفلة لتقع على الاريكة
قائلة من بين ضحكاتها:” يابنتي أقعدي و اقفلي
ماسورة الشتايم اللي إتفتحت دي…إحنا كنا
بنهزر معاكي بس…
نور بتهكم:”شايفاني أسيل بنتك عشان تهزري
معايا…
هبة بخفوت :”و هو مين يقدر يهزر مع العفريتة دي؟؟
كاميليا وقد تركت نور :” بقى انا بنتي عفريتة
ياست هبة…
هبة بتأسف مزيف :” متزعليش مني بس
دي حقيقة الكل عارف…
كاميليا و هي تلوي شفتيها بعدم رضا :”عفريتة
عفريتة… بس قمر… طالعة لماماتها
حبيبة قلبي إبقي توحمي عليها “.
هبة :” لا دي شبه باباها و فادي…آسر هو اللي
شبهك حتى عينيه نفس لون عنيكي…
إنحنت نور للأمام واضعة رأسها بين كفيها
مستندة على فخذيها:” لما تكملوا حصة الشبه
دي قولولي عشان انا نسيت انا أصلا جاية هنا
ليه؟؟؟
قاطع جلستهم دلوف شاهين للمكتب
بهيئته الساحرة و عطره النفاذ الذي
يسبقه لتجفل نور بخوف و تتراجع بجسدها إلى الوراء متحاشية النظر إليه…
إبتسم شاهين حالما رأى ملامح حبيبته
السعيدة ليشير إليها أن تأتي نحوه….
ثم إنتبه لوجود هبة نور ليضحك في
داخله على نفسه على هذه العادة السيئة التي إكتسبها …فهو عندما تكون كاميليا في مكان ما عيناه لاترى سواها و كأنها الوحيدة الموجودة..
:”صباح الخير يا بنات…
هبة :” صباح النور…
بينما تجاهلته نور و لم ترد عليه مدعية الانشغال
بحقيبتها…
إقتربت منه كاميليا مضيقة حاجبيها بتساؤل
عما يريده لكنه فاجأها بأن أحاط كتفيها
بذراعه ليحثها على الخروج قائلا :”أستأذنكوا
شوية عشان عاوز كاميليا في كلمتين…
خرج بعدها مباشرة دون أن ينتظر إجابتهما
ليجد كاميليا تنظره أمام باب المكتب…
:” هي نور مالها متضايقة؟؟؟
همهم شاهين بتفكير و هو يسير بها نحو مكتبه
فهو طبعا لم تفته نظرات نور الحادة نحوه رغم
انه لم ينظر إليها سوى لثوان معدودة….
هزت كاميليا كتفيها بعدم فهم و هي تدلف داخل المصعد قائلة :” أصلي رخمت عليها شوية
أنا و هبة… بصراحة كثير مش شوية عشان
كده زعلت”.
دلف وراءها ثم قام بالضغط على ازرار المصعد
إلتفت مجددا نحو كاميليا التي كانت تثرثر
دون توقف :”اصل محمد عاوز يعمل حفل
الجواز آخر الأسبوع داه يعني بعد بكرة يا
إما توافق يا إما كل واحد فيهم يروح لحاله”.
شاهين بدهشة:”إيه بعد بكرة بس ليه الاستعجال
داه كله “.
حدقت فيه كاميليا قليلا قبل أن تجيبه
بسخرية :”ليه هو أول و إلا آخر واحد
يقرر يعمل فرحه على غفلة”.
شاهين بخبث وقد فهم مقصدها :”قلبك ابيض
يا كوكي بس محمد عرف يلعبها صح…..
كاميليا :”زيك بالضبط…هو بيعيد اللي إنت
عملته بس بطريقة ثانية…. جواز بالاجبار”.
فتح باب المصعد لتخرج كاميليا تاركة
شاهين مصدوما من كلامها… زفر بحنق
قبل أن يتبعها نحو مكتبه….
تجاهلت كاميليا ترحيب السكرتيرة
بها لتندفع نحو المكتب لكنها فوجئت
بالأحرى توقفها قائلة :” شاهين بيه مش
هنا حضرته خرج من….
توقفت بعد أن وجدت كاميليا تتوقف
عن فتح المكتب و تعود نحوها…تفحصت
ملابس السكرتيرة بتمعن :قميص أبيض
ضيق جدا يبرز تفاصيل جسدها و بالطبع تنورة
قصيرة سوداء هذا ماخمنته كاميليا فهي
لم تكن ظاهرة لها بالكامل فقط جزءها العلوي
أما وجهها فكان عبارة عن لوحة زيتية احمر شفاه
صارخ و عدستين باللون الأزرق و وو …
وصل شاهين ليجدها مازالت تتفحص السكرتيرة
و الأخرى واقفة أمامها لا تدري ماذا تفعل
حمحم ليجلب إنتباهها لكن دون فائدة….
أشار لداليا لتخرج لترافقها عينا كاميليا
الغاضبتين إلتفتت نحوه بعد أن غابت
الأخرى عن أنظارها قائلة بحنق :”دي بتشتغل
سكرتيرة في شركة و إلا في كباريه؟
إكتفى شاهين بالصمت محدقا فيها
لتكمل حديثها بعد أن ثارت ثائرتها
:” أكيد عجباك عشان كده ساكت و
مخليها….. جاوب ساكت ليه؟؟ طبعا
مفيش حاجة تقولها عشان عندي حق
لاقيني ساكتة و مش بتكلم فقلت
خلاص تعمل اللي تعمله”.
فرك شاهين ذقنه مخفيا ضحكته التي
تكاد تفضحه في اي لحظة هامسا بخفوت
:”شكلها حتولع….
كاميليا بحدة قبل ان تتجه نحو الخارج
لتعود لمكتبها :”نكمل كلامنا في البيت
و لو سمحت متجيش ورايا عشان انا
عفاريت الدنيا بتنطط قدامي و كنت
ماسكة نفسي بالعافية قدام نور.. بس
حبيت اقلك إني حكلم محمد بنفسي
و أفهمه إن اللي بيعمله مينفعش و لو
عاوز يمشي خليه يمشي نور أختي الف
واحد يتمناها الدنيا مش حتقف عليه
يعني….
أنا مستحيل أخلي اللي حصل معايا زمان
يحصل مع أختي مرة ثانية….. عن إذنك “.
عند نور و هبة……
نور بهدوء:” فهمتي بقى انا ليه مش عاوزة
اتجوز من أساسه..؟؟؟
هبة بصدمة :”يعني إنت كنتي عارفة كل
حاجة حصلت مع كامي و ساكتة؟؟
نور بحزن :” و كنتي عاوزاني أعمل إيه
كاميليا لو عرفت إن انا عرفت حتزعل
أكثر هي فضلت كل السنين دي ساكتة
و كاتمة في قلبها عشان متحسسناش
بالذنب… ماهي في الأول و الاخر إتجوزت
شاهين عشاننا.. “.
هبة و هي تمسك بكف نور لمساندتها:”بس إنت
غلطانة يا نور محمد غير شاهين بيه خالص….
مفيش أي وجه مقارنة بينهم….و كمان شاهين
بيه تغير اوي داه بقى بيتنفس كاميليا…
لما تجوزوا مكانش بيحبها و….
نور بمقاطعة:”يعني عشان مش بيحبها
يقوم يعمل فيها كده؟؟ داه حيوان مش بني
آدم اصلا….
هبة بخفوت :” يابنتي وطي صوتك في
كاميرات هنا…بقلك إيه من الاخر محمد
بيحبك اوي و هو عمل كده عشان إنت
بصراحة و متزعليش مني حجر… لوح
ثلج متنقل….و مينفعش معاكي غير كده…
نور بحنق:” اوووف ليه مفيش حد عاوز
يفهمني….
هبة بخبث:”طب لما إنت مش عاوزاه سيبيه
يعني هو بصراحة ارحم من شاهين بيه بكثير
عشان زمان هدد كاميليا لو ماوافقتش تتجوزه
حيأذيكم لكن محمد عداه العيب…هو خيرك
ياتتجوزوا يا إما كل واحد فيكم يروح لحاله
و بصراحة انا شايفك إن معاه حق…. الراجل
مش عاوز يضيع وقته أكثر كفاية صابر عليكي
بقاله سنه….
نور :”دلوقتي بقيت انا الشريرة في الحكاية….
هبة بتفكير :” طب إنت عاوزة إيه من الآخر
عاوزة تتجوزي و إلا تفركشي…
نور بتنهيدة :”مش عارفة بصراحة انا
ساعات بقول ياريتني ماقابلت محمد و لا عرفته….
قاطتها هبة بلهفة :” يبقى بتحبيه..
نور بنفي:”حب إيه إنت كمان… انا عمري
ماحبيت في حياتي… انا وافقت عليه عشان
بيحبني و قبل بيا رغم إني اقل من مستواه
بكثير…و كمان خايفة ملاقيش حد غيره
في أخلاقه و رجولته و متنسيش إن ماما
بتحبه اوي…. دي ضربتني لما قلتلها إني
عاوزة أتطلق….
هبة :” طب حتعملي إيه… حسب كلامك
هو إداكي مهلة لغاية النهاردة بالليل…
نور و هي تتراجع بجسدها على الاريكة
:” أيوا
هبة :”إنت مشكلتك إنك مش عارفة إنت عاوزة
إيه.. للأسف لو كنتي بتحبي محمد ربع حبه
ليكي كنتي إنت بنفسك بتطلبي منه إنكوا
تتجوزوا…نور إنت ليه مش عاوزة تتخلي
عن الفكرة اللي زرعتيها في دماغك فجأة
دي…يا بنتي إفهمي محمد مش زي شاهين….
طب اقلك على حاجة انا إتجوزت عمر
بعد جواز كاميليا بشهور قليلة و رغم إني
عرفت بعدها بكل اللي حصل معاها بس
عمري ماقارنت بين حياتها و حياتي…و لا
شفت عمر زي صاحبه أبدا و إنت كمان
لازم تعملي زيي عشان متتعبيش…. إنت لو
فضلتي كده حتتعبي اوي و مش حتقبلي
تتجوزي لا دلوقتي و لأبعد عشرين سنة….
نور :َ”مش عاوزة… كفاية إنت و كاميليا
تجوزتوا..
هبة و هي تتظاهر بالتفكير :” على فكرة إنت
مجاوبتنيش… ليه مش عاوزة تتجوزي و متقليليش
خايفة ليطلع محمد زي شاهين بيه… السبب
داه مش داخل دماغي “.
نور :” أمال حيكون في إيه غير داه….
هبة بخبث:”يمكن خايفة.. من الجواز اقصد
العلاقة ال……
دخلت كاميليا في تلك اللحظة بملامحها
الغاضبة… جلست على الاريكة في مكانها
السابق تحت أنظار اختها و صديقتها المتعجبتين
توجهت بعيناها نحو نور قائلة دون تفكير:” بقلك إيه إنت لو مش عاوزة تتجوزي بلاش مافيش حد حيقدر
يغصبك على حاجة طول ما انا عايشة…و لو
على ماما انا حبقى أتكلم معاها وافهمها… امتى
حيفهموا إن الجواز مش بالعافية…
نور محاولة تهدأة كاميليا فكلامها يوحي بأنها قد تذكرت ماحصل معها قديما :” خلاص ياكوكي
مفيش داعي تزعلي نفسك…محمد مش جابرني
على حاجة انا بس اللي مكبرة الحكاية…يلا
اسيبك انا بقى عشان عندي محاظرة بعد
ساعة…
هبة بعد أن خرجت نور :” مالك ياكوكي
إيه اللي حصل معاكي…
كاميليا بغضب مكبوت :”مفيش حاجة
خلينا نرجع لشغلنا أحسن… و لو على نور
انا مش حخلي نفس اللي حصل معايا زمان
يرجع يحصل معاها دلوقتي….
هبة بخفوت :”بس محمد مغصبهاش على
الجواز هو خيرها…
كاميليا بحدة :” وإيه الفرق…يا تتجوزيني
يا كل واحد يروح لحاله… مايمشي هو يعني
حد ماسكه و إلا مفيش رجالة بعده…
هبة بلهجة حالمة و هي تتذكر وسامة محمد
و جسده الرياضي الضخم ‘”لا في رجالة
بس مش زيه….
كاميليا بتهديد :”إتلمي بدل ما اقول لجوزك…
إنتفضت هبة من مكانها قائلة برجاء:” أنا كنت
حقول إنه مش أحلى من عمر طبعا”.
كاميليا بحاجبين مرفوعين:”كذابة و جبانة…”
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
بعد نصف ساعة وصلت نور للجامعة…
نزلت من سيارتها لتجد ميار تقف مستندة
على سيارتها و كأنها تنتظر شخصا ما….تملكها
الغضب عندما رأتها لتتجه نحوها و قد عزمت
علي تلقينها درسا حتى تريها قيمتها الحقيقة…
ميار :” كويس إنك جيتي اصلي كنت
مستنياكي”.
نور باشمئزاز :”خير عاوزة إيه ثاني…
ميار و هي تنظر في عيني الأخرى قائلة
بثقة:” عاوزة محمد “.
نور بضحكة مستهزئة:” نجوم السماء أقربلك
عشان محمد عمره ماحيفكر يبص لواحدة
وسخة زيك….
ميار بابتسامة :”حنشوف بكرة مين فينا
اللي يضحك يا.. بنت سعيد.. “.
أجابتها نور بصفعة قوية نزلت على
وجنتها جعلتها تعانق الأرض ثم نزلت
لمستواها لتمسكها من شعرها لتصرخ الأخرى
بألم لكن نور لم تتركها بل كانت تهزها بعنف
حتى شعرت باقتلاع بعض الخصلات….
أسرع بعض الطلبة المتواجدين في المكان
لإبعاد نور التي كانت تضرب و تركل ميار
بكل قوتها و هي تصرخ :”سيبوني أربيها
الحيوانة دي…إنتوا متعرفوش هي عملت
إيه.. يا شيطانة و الله لندمك على عملتك
السودا معايا بكرة حتشوفي ياميار بنت
سعيد حتعمل فيكي إيه أصبري بس …
نفضت يديها من الفتاتين التين كانتا
تمسكانها ثم ألقت نظرة أخيرة على ضحيتها
التي كانت تبكي بعنف وهي تحاول لملمة
شعرها و ثيابها قبل أن تتجه من جديد
نحو سيارتها لتنطلق مغادرة الجامعة..
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
عند شاهين….
إستدار بكرسيه ليصبح مقابل الحائط
الزجاجي مدلكا صدغيه بتعب :”مهما
عملت و صلحت.. ماضيك لسه حيفضل
يطاردك ياشاهين …..هي عمرها ما حتنسى
اللي حصل زمان…يارب…يارب….
هتف شاهين بخفوت قبل أن يلتفت
من جديد نحو مكتبه ليحاول التركيز
من جديد و إكمال أعماله بقلمي ياسمين
عزيز صفحتي على الواتباد..
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
مساء…..
طرقت نور باب شقة محمد و هي تعض
يديها بتوتر… فتح الباب لتدلف إلى الداخل
رفعت نظرها لتتفحص أركان الشقة التي
تدخلها لأول مرة في حياتها…
تشبه كثيرا شقتهم لكن هناك فرق طفيف
في ألوان الحيطان التي تراوحت
بين البيج و الرمادي لون محمد المفضل..و
الأرضية الخشبية باللون البني الفاتح .
توجهت للأمام لتجد الصالون الذي تميز بلونه
الرمادي و الأحمر و البيج لونين متناقضين
لكنهم شكلا مزيجا رائعا مريحا للعين
أغلق محمد الباب ثم سار نحو المطبخ ليحضر
كوبين من عصير الفراولة الذي تحبه نور…
وضع احد الاكواب على الطاولة ثم جلس بجانبها
و كأنه يتعمد زيادة توترها أكثر…مد لها الكوب
الثاني لتتشبث به نور و كأنه حبل النجاة بالنسبة
لها….
حمحمت لتنظف حلقها قليلا قبل أن تتحدث
بصوت منخفض :”شقتك حلوة اوي…
أجابها :” ميرسي… بس للاسف العفش كله
حيتغير بكرة…..
نور هي تنظر له بدهشة :”ليه؟؟
محمد. هو يسند ظهره بارتياح على
الاريكة :”عشان مش معقول نتجوز بالعفش
القديم و إلا إنت عاوزة نعيش في الفيلا
َمع العيلة؟؟
نور :”عادي مش بيفرق معايا الكلام داه
بس إنت اكيد حتحب نقعد عنا عشان الشقة
قريبة من مكان شغلك…
محمد بابتسامة :” لا عادي.. اللي يريحك
حنعمله و إلا أقلك إحنا نعيش شوية هنا
و شوية هناك….
أومأت له بالايجاب و هي ترتشف من كوبها
معاتبة نفسها في داخلها:”يخرب بيتك يا نور
إيه اللي هببتيه داه…. مش على أساس جاية
عشان ترفضي ياشماتة كاميليا فيكي..
تحدثت هذه المرة بصوت عال و هي تضع
الكوب على الطاولة :” محمد… انا كنت عاوزة
أقلك على موضوع مهم….
محمد و هو يستند بكتفه على ظهر الاريكة
متوجها ببقية جسده نحوها :” إتفضلي…
نور :”أنا… بصراحة مش عاوزة أخبي عليك
أي حاجة عشان متلومنيش بعد كده… انا…
مش بعرف أعمل حاجة في شغل البيت
حتى اوضتي أحيانا بكسل أرتبها…كل
وقتي بقضيه في المذاكرة…. و مش بعرف
أطبخ و كمان عصبية و مجنونة….و مش
مبعرفش أتصرف أحم أحم أقصد يعني
معاك إنت…يعني انا مش بفهم في الحاجات
الرومنسية و كدا….
أمسك محمد يديها اللتين غابتا بين يديه
الضخمتين مدلكا إياهم بحنو ليحثها على
قول كل ما يعتمر قلبها ليجيبها بعد أن إنتهت
من إعترافاتها.
:”طيب مبدئيا انا مش متجوزك عشان تطبخي
و تغسلي و تنظفي البيت…و متقلقيش انا بعرف
أطبخ كويس و حعلمك و باقي الحاجات في البيت
حتبقى نعملها سوى داه لما نبقى هنا و لما نروح
الفيلا في رحمة و البنات هناك هما بيعملوا كل حاجة
و بالنسبة للعصبية و الجنون فأنا متعود عليكي….
و حافظ تفاصيلك كلها متقلقيش اما موضوع
الرومنسية أحم أحم (تعمد تقليدها) فدي مشكلة
بصراحة….
توسعت عينا نور بدهشة ممزوجة بالخوف
من كلام محمد لتقاطعه بنبرة خافتة قبل أن تبتلع
ريقها بتوتر :”قصدك إيه… ميؤوس مني صح؟؟كنت
عارفة اصلا هبة و كاميليا بيقولوا عني لوح
ثلج متنقل….
أوشكت على البكاء ليكتم محمد ضحكته
التي كادت تفضحه ليسارع بمواساتها و إبعاد
هذه الفكرة من عقلها رغم إقتناعه بصحتها
:” فشر…مين اللي لوح ثلج اكيد بيتكلموا
عن نفسهم دول…
نور بعدم إقتناع :” ما إنت لسه قايل إني
مشكلة “.
محمد بابتسامة مشاكسة :” و كل مشكلة
و ليها حل بس إنت تطاوعني يا قمر “.
عض بوقاحة على شفتيه لتشهق نور و تجذب
يديها قائلة باضطراب:” أنا… انا لازم امشي
ماما زمانها بتدور عليا…
وقفت من مكانها تريد المغادرة لكنها ما لبثت
إن وجدت نفسها تطير في الهواء بعد أن
حملها محمد ليدور بها عدة مرات كما يفعل
ما أيسم إبن أخيه… تشبثت في قميصه
و هي تغمض عيناها بخوف و خجل لتتعالى
قهقهات محمد و ينزلها على الأرض محتفضا بها
بين أحضانه حتى لاتقع بسبب الدوار…
وضعت نور يديها على صدره لتدفعه عنها
رغم شعورها بعدم توازنها ليحكم محمد ذراعيه
حول خصرها ملتهما شفتيها بقبلة قصيرة
قبل أن يبعدها عنه قليلا هامسا أمام شفتيها
برقة :” إوعي تخافي مني يا نور انا كنت بهزر معاكي بس .. نور إنت لازم تتأكدي إن انا عاوز كون
سندك و امانك في الدنيا مش مصدر خوف و رعب
ليكي.. إمتى حتفهمي إني بحبك بجد و إني
مش حيوان عشان يكون همي الحاجات دي…
أنا مستحيل أعمل حاجة غصب عنك و لو
قعدت أستناكي مية سنة لقدام مش حزهق
عشان انا غايتي قلبك قبل جسمك….
أنهى كلامه بغمزة :”و البوسة دي كانت
عشان تحاولي تتعودي عليا مش أكثر
يعني step by step ماشي يا قلبي…
أومأت له نور وهي مازالت تشعر و كأنها
في عالم ثاني لتقفز فجأة بعد أن أفاقت
من غفوتها قائلة :” ماما… ماما انا لازم
أمشي….
اوصلها محمد إلى الباب لتفتحه نور متلهفة
للخروج لكن محمد جذبها إليه بعد أن ألقى
نظرة أمام الشقة ليتأكد من عدم وجود أي
شخص… قبل وجنتيها الاثنتين قائلا
بتأكيد :” الصبح تكوني جاهزة تمام…عشان
نكمل كل اللي ناقصنا….
نور و هي تشعر باحتراق وجهها من شدة
الحرارة :” تمام… تصبح على خير..
افلتها محمد و هو لايزال يراقبها حتى وصلت
نور لشقتهم قائلا بهيام :” و إنت من أهلي يا
نوري”.
🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸🌸
في فيلا فخمة…..
تجلس ميار فوق سريرها تبكي بحرقة
و هي تتوعد نور بأن تنتقم منها بأبشع
طريقة…. رن هاتفها لتجيب عليه..
ميار ببكاء:”كنتي فين يا زفتة عمالة
ارن عليكي من ساعة مش بتردي ليه؟
ديالا بملل :”كنت بدور على الرقم أصله
كان ضايع مني و كلمت كريم عشان يدهولي….
ميار بصراخ :”إخلصي هو إنت حتحكيلي
قصة حياتك… إبعثيلي النمرة حالا على
الواتس….
أقفلت الخط في وجه ديالا ثم رمت الهاتف
جانبا و دلفت إلى الحمام غسلت وجهها ونشفته
جيدا ثم عادت إلى الفراش لتجد رسالة
من ديالا….
إبتسمت بخبث و هي تدقق النظر في الرقم
الذي أرسلته لها هامسة بشر :”أقسم بالله
لخليكي تبوسي رجلي عشان أرحمك
يا نور و بردو مش حرحمك…العين بالعين
و السن بالسن و البادي أظلم… يابنت سعيد..
:”صباح الخير يا حبيبي “.
همست كاميليا بصوت رقيق و هي تمرر أناملها
على وجه شاهين الذي إستيقظ للتو… نظر إليها
قليلا قبل أن يزيح يديها بلطف قائلا بصوت
أجش به آثار النوم :”صباح الخير”.
كاميليا محاولة إرضائه فهي تعلم انه مازال غاضبا منها بسبب حوارهما بالأمس
:” إمبارح جيت من أوضة فادي لقيتك نايم
فمهانش عليا اصحيك”.
شاهين بجمود و هو يستقيم من مكانه ممثلا اللامبالاة
:”و تصحيني ليه؟؟؟
كاميليا :” عشان نتكلم شوية…
إلتفت نحوها شاهين بوجه جامد قبل
إن يهتف ببرود :”بخصوص إيه ؟؟ الولاد ناقصهم حاجة؟؟
أزاحت عنها الغطاء قائلة :” لا الولاد كويسين
أنا أقصد نتكلم علينا انا و إنت “.
شاهين بابتسامة صفراء :” أنا و إنت….مممم للأسف
يا كاميليا معادش في حاجة إسمها انا و إنت “.
ألقى كلماته التي كان وقعها كرصاصات
إخترقت قلب كاميليا المسكينة التي لم تتوقع
ابدا هكذا إجابة…
يبدو أن صبره قد نفذ و النهاية
قد حانت الهذه الدرجة هو غاضب منها حتى
يعاملها بهذه الطريقة الموحشة لأول مرة منذ أن
صارحها بحبه و وعدها ببدء حياة جديدة ينام
ليلا دون أن تتوسد أحضانه و لأول مرة لا
تستيقظ على ملمس قبلاته المخملية التي
يغرقها بها كل صباح رغم تذمرها…
هل هناك أنثى أخرى تمكنت من أخذ مكانها في قلبه ؟؟ هل احب غيرها و قرر
إبعادها و بدأ حياة جديدة خالية من ماض
أليم؟
توسعت عينا كاميليا عند مرور هذه
الفكرة داخل عقلها لتهب من مكانها فزعة
تبحث عن شاهين الذي إختفى من أمامها
و لاتدري اين ذهب …. فتحت باب الحمام
لتجده خاليا لتنتقل بسرعة إلى غرفة
الملابس…
دلفت إلى الداخل لتتوقف مكانها فاتحة
فاها بانبهار لما تراه أمامها….
كان شاهين يقف بشموخ أمام إحدى المرايا الكبيرة
التي مرتديا بنطالا قماشيا باللون الأسود و
قميصا قطنيا بنفس اللون مفتوحا ليبرز تقاسيم عضلات بطنه و صدره فبدا كأحد تماثيل الالهة الاغريقية….
مد يده لينزل أكمام القميص لتظهر جليا عروق يديه
البارزة بشكل أخاذ سلب عقل وقلب
كاميليا التي تبخرت جميع الأفكار من عقلها
و عجز لسانها عن الحديث و تاهت عن الواقع
لا ترى سواه أمامها…
رغم أنها لم تكن المرة الأولى التي تراه
هكذا لكنها لاتعلم لما شعرت هكذا…
همهمت كاميليا بكلمات غير مفهومة قبل
أن يحرك رأسها يمينا و شمالا تنفي أفكارها
المنحرفة التي غزت عقلها و التي تحثها على
الإسراع و الارتماء بين ذراعيه القويتين لتنعم
بدفئ أحضانه التي حرمت منها ليلة امس….
اما شاهين فقد كان مركزا مع كل حركة و نظرة
و نفس يصدر منها مخفيا إبتسامته الخبيثة فقد
قرأ جيدا في عيناها نظرات الإعجاب التي
كادت تخترق جسده و لكم أعجبه ذلك و اسعده
لكنه تظاهر بعدم الإهتمام و اكمل ما يفعله
تحت غطاء الجمود الذي يبرع دائما في إرتدائه….
لكنه سرعان ما فوجئ بها تجذبه من ذراعه
ليلتفت نحوها ثم تدفعه من جديد إلى الوراء
صارخة بجنون :”إنت تقصد إيه بكلامك اللي
قلته من شوية…يعني إيه معادش في حاجة
إسمها انا و إنت؟
شاهين بحزم و هو يكتم ضحكاته على صغيرته الهادئةالتي تحولت فجأة إلى نمرة شرسة :”يعني زي ما فهمتي و بلاش تعلي صوتك قدامي..متنسيش إنت واقفة بتتكلمي مع مين؟؟
شهقت كاميليا بتعجب مما يقوله لكنها تداركت الأمر بسرعة مقررة عدم الاستسلام مجددا :” نعم…و حكون بتكلم مع مين يعني… مع جوزي وابو عيالي “.
شاهين بصرامة :” عشان انا جوزك و ابو عيالك
زي ما بتقولي فلازم تحترميني و لما تتكلمي
معايا تتكلمي بهدوء مين غير زعيق”.
كاميليا بحنق :” بقلك إيه بطل برود عشان
بتنرفزني… إيه مالك قلبت مرة واحدة كده
كل داه عشان خناقة إمبارح ما انا إعتذرتلك
بدل المرة الف بس إنت اللي مش راضي
تسامحني….
شاهين بصوت متعب :”عشان في كل مرة
بيحصل موقف يفكرك في اللي حصل زمان
اول حاجة تعمليها تيجي جري عليا عشان
تفكريني بأنك عمرك مانسيتي و إن الماضي
عمره ما حيسيبنا و حيفضل عايش مابينا لحد النهاية…
كل مرة بتسمعيني كلام قاسي و بتدوسي على قلبي … عمرك ما اهتميتي بيا و لا بمشاعري و
لا انا بكون حاسس بايه لما اسمع إن حبيبتي
اللي مستعد أموت و لا شوف دموعها إني
أنا سبب حزنها.
للأسف يا كاميليا مش شايفة غير إني جلادك و إنت ضحيتي…
كاميليا بخوف :” قصدك إيه؟
شاهين بتنهيدة :”أنا دلوقتي مستعجل ورايا شغل
مهم لما ارجع المساء نبقى نتكلم “.
كاميليا و قد عميت عيناها:” تعالي هنا رايح
فين.. مش حتتحرك خطوة واحدة مين غير
ماتفهمني إيه اللي بيحصل معاك…و إيه سر
النغمة الجديدة دي تكونش السكرتيرة الحلوة
ام عنين مش باينلهم لون اللي إنت عينتها من اسبوع …. إيه عاجباك…
شاهين بحدة :”كاميليا… إحترمي نفسك مش
انا اللي اعمل كده و إنت عارفاني كويس…
كاميليا و هي تشيح بيديها في الهواء:” أمال
فيه إيه فهمني..
شاهين و هو ينفخ الهواء بملل :”زي ماقلتلك
بالليل حنبقى نتكلم….حاجات كثيرة كان لازم
تتغير من زمان…
كاميليا بضعف و عيناها مغرورقتان بالدموع
:” عاوز تطلقني يا شاهين…حتسيبني…….
أغمض عينيه بقلة حيلة قابضا على يديه بقوة
حتى إبيضت مفاصله ليمنع نفسه من جذبها
و إعتصارها في عناق طويل حتى يعاقبها
على تفوها بهذه الكلمات التي يبغضها…
يريد طمئنتها و تعريفها بأسلوبه الخاص انه
لها لوحدها و إن جميع نساء العالم لايعنون
له شيئا فقلبه ملك لها منذ سنين و لايوجد
غيرها و لن يوجد لكنه أراد أن يعاقبها قليلا
على كلامها معه يوم أمس فهو و إن أخفي
مشاعره أمامها إلا أنه يتألم بشدة….
همس بصوت عادي و هو يرفع يديه لاغلاق
ازرار قميصه :”كاميليا مش وقته الكلام داه….
هبت كاميليا تلكمه و تضربه على صدره
و ذراعيه بكل غضب و قوة صارخة بجنون
بعد أن فقدت السيطرة على نفسها :” لا…لا
داه وقته و نص… قولي و صارحني بقى
قولي إنك خلاص ما بقتشي تحبني… و إنك زهقت
مني و عاوز ترميني في حياتي….
كانت تصرخ بجنون حتى أن شاهين إستطاع
إيقافها بصعوبة ليمسكها من كتفيها مقاطع إياها
بغضب :” عشان عمرك ما سامحتيييييني على اللي
حصل زمان و عشان عمممممرك ما حتنسيييي..حاولتتتتت كتير اوي إني اعيش
معاكي حياة طبيعية…بس فشلتتتتت و في كل موقف يحصل بيأكدلي إننا مستحيل نكمل مع بعض بالطريقة دي …
كاميليا بصراخ و هي تحاول التملص منه :” لا لا
و الله أقتلك و اقتل نفسي….
إرتخى جسدها بضعف ليرفعها شاهين و يحملها
متجها بها نحو السرير هاتفا بذعر:” حبيبتي
مالك… فيكي إيه؟؟؟
وضعها على الفراش و قلبه يكاد يخرج من
مكانه من شدة خوفه عليها..
كاميليا بجسد مرتعش :”أنا بردانة اوي….
جذب الاغطية ليغطيها قائلا بلهفة :”أنا آسف
يا قلبي حقك عليا مكانش قصدي ازعلك….
كاميليا بانهيار من بين شهقاتها:” متسبنيش… انا مقدرش اعيش من غيرك… و الله مكانش قصدي غصب عني
الكلام بيفلت مني بس عشان كنت خايفة
على نور….لو قلت كده مرة ثانية عاقبني
زي ما إنت عاوز…بس متبعدنيش عنك… إمبارح
مقدرتش انام عشان كنت بردانة اوي.. تعودت
بدفا حضنك…..
شاهين بلهفة و ندم فهو سبب إنهيارها
و بكائها :”حبيبتي إهدي… ثواني و حجيبلك
الدكتورة….
تشبثت به كطفلة صغيرة و هي تكمل :” اللي حصل زمان…كان صعب اوي بس كمان كان ممكن يكون
أسوأ من كده….كان ممكن ترميني بعد ماتزهق
مني او كان ممكن تسجني او حتى تقتلني….
بس إنت معملتش كده إنت تجوزتني رغم كرهك
ليا… حبيتني رغم قساوتك معايا و بعدها عيشتني
أجمل أيام حياتي…. خليتني احبك و اعشقك
و خليتني ابقى أم لثلاث ملايكة…..
شاهين انا غلطت في حق و يمكن حغلط كمان
في المستقبل بس إنت عاقبني خذ حقك
مني زي ما إنت عاوز بس متسبنيش عشان
أنا ممكن اموت…
شاهين و هو يقبل جبينها بلهفة :”بعد الشر
عليكي يا قلبي….في حد يتخلى عن روحه
شيلي الأفكار الغبية دي من دماغك عشان
ملهاش وجود…
كاميليا و هي تتشبث اكثر بيديه :” طب
خليك جنبي شوية متمشيش عاوزة انام في حضنك …
شاهين :”كده من غير فطار…
كاميليا و هي تحارل جذبه نحوها :” تؤ… عاوزة
انام… إمبارح طول الليل مانمتش….شاهين..
شاهين بايجاب :” نعم يا حبيبتي….
كاميليا بصوت منخفض :”حبيبي… انا آسفة
مكنش قصدي إني اوجعك بكلامي… بس
إنت عارفني مجنونة و لساني فالت… متزعلش
مني ارجوك….
شاهين بتفهم و حب :” طيب يا حبيبيتي.. إرتاحي
بعدين نكمل كلامنا….
كاميليا بصدق :” بحبك اوي…بعشقك
إستلقي شاهين بجانبها على الفراش لتضع
كاميليا رأسها على صدره و تتنفس رائحته
المنعشة التي تمثل مصدر امانها و قوتها في
هذه الحياة…. ليضمها هو نحوه دافنا وجهه
داخل شعرها البني الطويل مستمتعا برائحة
الفراولة المنبعثة من شعرها و رقبتها مردفا
بصوت اجش :”نامي يا حبيبتي و إرتاحي…
أنا جنبك و عمري ماحسيبك…إنت الهوا اللي
بتنفسه…. إنت ملكي انا و انا ملكك إنت لوحدك
إنت الوحيدة اللي قدرتي تسيطري على الشيطان
َ تحوليه لملاك طيب…. بس لازم تعرفي إن غيابك
بيعني عودة الشيطان اللي جوايا عشان كده مستحيل اسيبك مهما حصل.. حطي داه في دماغك
شعر بانتظام انفاسها ليزيح جسدها بلطف والذي كان
يتفرش جسده بدل السرير من شدة تعلقها به
مقبلا كل جزء من رأسها ووجهها بنعومة و هو
يضحك بداخله على نفسه على جنونها و كيف
تحولت النمرة الشرسة إلى قطة مطيعة بمجرد
كلمات بسيطة.. فهذه كاميليا التي يعشقها
نقية و بريئة كطفلة صغيرة لم تعرف الخبث
يوما.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في فيلا البحيري…..
خرجت ليليان من الحمام ترتدي ملابس
بيتية و تلف منشفة بيضاء على رأسها و هي
تدندن ألحان إحدى الاغاني الرومنسية…
عادت خطوتين إلى الوراء بعد لمحت مجموعة
من الحقائب المصطفة بانتظام بجانب الباب…
إبتلعت ريقها بصعوبة و بدأ جسدها في
الارتعاش رغم حرارة الغرفة و هي تتمتم
دون وعي :”حيسافر مرة ثانية…و حيسيبني
أيهااااااام….. أيهااااااام….
بدأت في الصراخ بصوت عال قبل أن تسقط
بضعف على أرضية الغرفة و هي تحدق بجنون
في تلك الحقائب…
ركض أيهم نحوها يتفحصها بلهفة قائلا بقلق :” في
إيه… إنت كويسة؟
نظرت له ليليان بعض الثواني ثم عادت ببصرها
نحو الحقائب تنظر لها بذعر و تشير نحوها بيديها
و كأنها ترى شبحا أمامها
تمتمت ببكاء:” الشنط…. إنت حتسافر تاني
و تسيبني لوحدي……
عقد أيهم حاجبيه بتعجب لعدم فهمه
ماتقصده لكنه تدارك الأمر بسرعة و إنحنى
من جديد نحوها ليحملها و يضعها برفق
على الفراش و يحضر كأسا من الماء ليعطيه
لها حتى تهدأ….
دفعت يده بعيدا عنها ثم شرعت تبكي
بقوة تحت أنظار ايهم الذي يكاد يموت
قلقا عليها….
ليهتف :”طب قوليلي على الاقل بتعيطي
ليه؟؟ انا سايبك من شوية و كنتي كويسة
حصل إيه بس…
ليليان بتقطع :” الشنط…. اللي هناك
إنت ليه مقلتليش إنك حتسافر…..
نفخ أيهم الهواء بقوة تعبيرا عن إرتياحه
قبل أن يجلس بجانبها و يمسح وجهها
الذي اغرقته دموعها رغم ممانعتها…
امسك رأسها بلطف ليديره من جديد نحو
الحقائب ليهمس في اذنها بنبرة ضاحكة
: طب بصي كويس للشنط و قوليلي إيه
رأيك في الألوان…شنطة لونها اسود و
إثنين بينك…يا ترى حيكون مظهري إيه
و انا دكتور جراح بهيبتي و مركزي حاطط
هدومه في شنطة لونها بينك زي البنات ….
نظرت نحوه ليليان و هي تبتسم رغم
دموعها لكنها عاودت ما لبثت ان تحولت
ملامحها إلى الفزع مرة أخرى لتقول :”حتسافر
مع واحدة….إنت لسه بتخ..
أيهم مقاطعا إياها بصوت عال و هو يمسك
كتفيها بكلتا يديه مشددا على كل كلمة يقولها :” لا… لا….. يا ليليان انا و إنت اللي حنسافر مع بعض بعد فرح محمد اخويا… عشان
إحنا بقالنا فترة كبيرة مفيش في حياتنا
غير الشغل فقلت نروح شرم الشيخ نقضي
اسبوعين لوحدنا….انا كنت عاوز نروح مكان
برا مصر عارفك مش حتوافقي عشان ايسم
فهمتي الشنط دي لمين…..
هزت ليليان رأسها بايماء ليكمل هو حديثه
:”اتمنى لو إنك تحاولي تسأليني قبل ماتحكمي
من دماغك…
أغمض عينيه بالم و هو يشعر بضعف شديد
يحتاج كيانه خاصة بعد معرفته بما تعانيه
بسببه فمنذ إستعانته بذلك الطبيب النفسي
الذي اخبره بأن ماتعانيه سببه عدم ثقتها
به و خوفها الدائم من إن يعود كما كان
في السابق قبل أن يتغير و هذا ما سبب
لها هواجس دائمة تجعل عقلها الباطني يصدر
احكاما متسرعة فهي أصبحت حساسة جدا
و يلزمها معاملة خاصة و اولها ان يحاول
التواجد معها طوال الوقت و ان تكون هي
محور حياته حتى يشعرها بالامان
و ان يستعيد ثقتها فيه …..
جذبها نحوه فجأة ليعانقها بقوة كبيرة
و كأنه يريد إدخالها لقلبه لتتاكد بنفسها
إنه ملكها لوحدها….
طبع قبلات كثيرة على مقدمة رأسها محاولا
تجاوز المه فهو قد قرر انه سوف يكون قويا
لاجلها و لن يشعرها ابدا بما تعانيه
بل سوف يحاول بكل قوته ان يعالجها حتى
تعود طبيعية لكن دون أن تعلم….
أبعدها عنه قليلا ليهتف بمرح أجاده و هو
يتفرس ملامح وجهها المحمرة :”هو إنت
حلويتي كده ليه…. ممممم و إيه ريحة التفاح
الأحمر اللي طالعة من شعرك دي….
ليليان بابتسامة و هي تمسح دموعها :”تفاح
إيه بس دي ريحة ورد الجوري….
ايهم و هو ينحني ليشتم رائحة شعرها
بقوة قائلا :”طب إستني كده…. مممممم لا
دي ريحة تفاح…..لا عنب….انا لازم اذوق عشان
اتاكد…
حاولت دفعه بعيدا و هي تضحك لكنه
حاصرها حتى لاتفلت وهو يهتف بتهديد
مزيف :”رايحة فين ياحلوة..مش حسيبك
غير لما اعرف…لمون و إلا برتقان…الله
انا جعت اوي و عاوز آكل….
ليليان من بين ضحكاتها :” طب اوعي
كده عشان اكمل لبس و ننزل نفطر سوى….
ايهم بخبث :”طيب إيه رأيك تعملي العكس….
ليليان بصراخ بعد أن فهمت مقصده :” يا قليل الادب يا سافل.. عمرك ما حتتربى….
ايهم هو يمسك يديها لتكف عن ضربه مردفا
بضحك :” يا بنتي و اتربى ليه و هو في احلى
من قلة الأدب و بعدين إنت لسه شفتي حاجة
أنا بقول نخلع نسافر دلوقتي إيه رأيك….
ليليان :”و فرح محمد…
أيهم و هو يقترب منها اكثر :” و هو لازم
نحضره… بقلك إيه إسمعي كلامي و إنت
تكسبي…..
ليليان و هي تهز حاجببها :”مممم طيب
و حكسب إيه بقى…..
غمزها بوقاحة قبل أن يهمس لها :” دلع و رومانسية
و حاجات كثير…. حقلهالك في شرم الشيخ…
أنهى كلامه بقبلة خفيفة على رقبتها قبل
إن يخرج من جيبه علبة حمراء و يفتحها أمامها
لتشهق ليليان قائلة بانبهار :”تحفة يا أيهم.. تجنن…..
ايهم و هو يتفرس ملامحها بعشق :”داه قلبي
و داه نبضه….الاثنين ملكك إنت…
ليليان و هي تحتضنه :”بجد يا أيهم… بجد
إنت بتحبني…
أيهم بصدق :” تؤ…. انا عديت المرحلة دي
من خمستاشر سنة….بس كنت غبي و حمار
عشان بعدتك عني طول السنين دي…
لا و المصيبة إني كنت بعمل كل حاجة وحشة
عشان اكرهك فيا و ابقى زبالة في نظرك…
أنا كنت بعمل كل حاجة حرام في الدنيا
و عصيت ربنا سنين طويلة رغم انه كريم
معايا و أنعم عليا بكل حاجة يحلم كل إنسان في الدنيا… و آخرهم زوجة زيك… حلوة َ مثقفة
و أخلاقها عالية و بنت ناس.. لكن عشان انا كنت
شيطان عاصي سبت الحلال و إنغمست
في المحرمات….انا كل يوم و كل ليلة و كل
لحظة بتمر في حياتي مش بيفارقني
إحساس الندم و الخوف من عذاب ربنا
على اللي عملته و بدعي في كل صلاة
إنه يغفرلي ذنوبي… انا خايف اوي يا ليليان
خايف اوي من حساب ربنا و خايف يعاقبني
بيكي إنت او بحد من ولادي…..
نزلت دموعه رغما عنه و هو يتذكر كل أفعاله
الشنيعة و التي يتمنى لو ان الزمن يعود به
قليلا إلى الوراء لما كان سيقترف كل تلك
الأخطاء و المحرمات….
ربتت ليليان على ظهره بحنان قائلة :”الحمد لله
إنك تبت و عرفتك أخطائك و اديك بتحاول تصلح من نفسك و على فكرة زي ما ربنا سبحانه و تعالي شديد العقاب إلا أنه كمان غفور رحيم…مش لازم
نيأس ابدا من رحمته….
سمعت شهقاته الخافتة و إهتزاز جسده و هو
يحتضنها بكل ما لديه من قوة لكنها لم تمانع
رغم إحساسها بالاختناق.. لتهتف بمرح محاولة
التخفيف عنه:”لا إنت اكيد عاوز تنسيني الهدية الحلوة اللي إنت جبتهالي…. عاوز ترجعها صح؟؟
حرك رأسه و هو لا زال يحتضنها لتحاول
إبعاده قائلة :” طب لبسهالي عشان اشوف
حتطلع إزاي عليا…
ايهم و هو يمسح دموعه :”طبعا حتطلع
حلوة اوي… عشان إنت لابساها…
ليليان :” اوكي حنشوف….
ألبسها إياها لتتحرك نحو المرآة تحسسها بابتسامة
فرغم بساطة السلسال إلا أن كان في غاية
الرقة و الجمال….
أمالت رقبتها قليلا و على شفتيها إرتسمت
إبتسامة مطمئنة عندما أحست به يحتضنها
من الخلف مقبلا أعلى كتفها عنقها متنفسا
رائحتها بقوة :”عمري ماشفت أجمل من
كداه….ياريت لو اقدر اخبيكي في قلبي
عشان تفضلي معايا على طول و مفيش
حد غيري يشوفك…بقيت بغير عليكي
من اي حد حتى ماما و ايسم… القرد
بقى بيتعمد يبوسك قدامي…ببقى عاوز
أعلقه في السقف…
ليليان بضحك :” و يهون عليك داه لسه
بيبي صغير….
ايهم بنبرة منزعجة :” طب و الأطفال اللي
بتعالجيهم…. انا شايف إنك تقعدي في البيت
يعني عشان ترتاحي… بقالك سنين بتشتغلي
و أكيد تعبتي….
ليليان بضحك :”لا متعبتش و إلا إنت عاوز تقعد
لوحدك في المستشفى…..
أيهم باستدراك :”مستحيل…أكون موجود في مكان
إنت مش فيه؟؟ طيب إنت تروحي معايا و
تفضلي طول الوقت في مكتبي…
ليليان :”مممم و حعمل إيه في مكتبك مين
غير شغل….
أيهم :” تقعدي عشاني انا…. عشان بتوحشيني
في كل دقيقة بتغيبي فيها عن عيني…قوليلي اعمل
إيه؟؟
ليليان و هي تضع يدها على يديه التين تحاصران
خصرها بتملك:”ننزل تحت عشان نفطر و نلحق
نروح الشغل…لازم نرجع بدري عشان نحضر
نفسنا للفرح بكرة…
ايهم و هو يلوي ثغره باستهزاء:” أحضر نفسي
إزاي يعني….
ليليان :”اقصد عشاني انا… عشان ألحق
أختار الفستان اللي حلبسه بكرة و كمان
بدلة ايسم…..
أيهم بغيرة :” طيب و انا؟؟ مش حتختاريلي بدلتي
و إلا إنت بتهتمي بس بالقرد أيسم….
ليليان و هي تضربه على يده :” متقولش
على إبننا قرد……
ايهم :” عشان تبطلي تحبيه اكثر مني…
ليليان :” أيهم.. داه إبننا على فكرة
أيهم :”عارف بس بغير منه الله إنت مش
بتفهمي ليه…. مش عاوز حد يشغل قلبك
و عقلك غيري…. أنا حشتريله بدل كثير
و إنت إختاري منها و حشتريلك كمان الفستان
على ذوقي بس إنت إختاريلي البدلة….إيه
رأيك….
ليليان بدهشة :”على فكرة إنت مجنون….
أيهم و هو يديرها نحوه قائلا :” إنت لسه
شفتي جنون….
لم يمهلها حتى تتحدث ليطبق شفتيه على
شفتيها بقبلة عاشقة متملكة…لتتجاوب معه
ليليان بكل كيانها و قلبها الذي إنصاع رغما
عنها لسيطرة ذلك الذي كان في الماضي مصدر
شقائها في الحياة…. لم تتوقع يوما أنها ستقع
في حبه لهذه الدرجة حتى أن قلبها الخائن
من شدة عشقه له أصبح يدق لأجله فقط….
حملها أيهم برفق و هو مازال يقبلها في
جميع أنحاء وجهها و عنقها و ليليان
كالمخدرة تماما لاتعي شيئا سوى انها بين
أحضانه… التي أصبحت ملجأها و امانها….
قطع قبلاته ليهتف بصوت مرتعش لاهث
:”بحبك اوي… اوي…و حفضل احبك
لآخر يوم في عمري….حياتي الجاية
حتكون ليكي إنت و بس… اوثقي فيا
ارجوكي…..
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
مساء في مكتب شاهين الألفي…..
طرق باب المكتب ليسمح شاهين للطارق بالدخول
ليدلف رجل ضخم جدا يرتدي بدلة سوداء اللون
يحمل في يده ملفا…لم يكن هذا الرجل سوى احد
الحرس المكلفين بحراسة نور أخت زوجته…. فطبعا
شاهين الألفي يضع حراسة خاصة على جميع أفراد
عائلته و كذالك عائلة زوجته بمن فيهم كريم
الصغير…..
الرجل :” مساء الخير يا شاهين بيه.. انا جبت
الملف اللي حضرتك طلبته.
شاهين و هو يدعوه للجلوس :” تمام ياهاشم و البنت
خذتها مكان ما قلتلك….
هاشم بطاعة :”أيوا يا باشا و كمان الواد اللي
هي تقابلت معاه من الصبح… طلع اخو واحد
زميلهم في الجامعة…عامل نفسه هاكر و بيخترق
إيميلات و تليفونات و آخر واحد ان تليفون
الآنسة نور…حضرتك إحنا لقينا صور كثير و
تسجيلات انا حطيتهم كلهم في الملف…
شاهين و هو يتفحص الملف :”تمام…قلتلي
ابوها إسمه إيه؟؟
هاشم :” طلعت الشريف رجل أعمال عنده سلسلة
محلات أجهزة كهربائية…
شاهين بإبتسامة مرعبة:”قصدك كان رجل أعمال..
هاشم بطاعة و خوف فهو يعلم أنه إذا إبتسم
تلك الابتسامة فهذا يعني أن الشيطان هو من يتكلم :” اللي حضرتك تأمر بيه يا باشا…
شاهين :”تمام… الواد تخلوه مرمي في المخزن. اسبوعين و كل يوم تصبحوا و تمسوا عليه كويس
عاوزه يتمنى الموت في كل دقيقة….و البنت
خلوها زي ماهي بعد فرح محمد حقلك حنعمل إيه
فيها هي و ابوها حخليهم عبرة لأي حد
يفكر يقرب من حد من عيلة شاهين الألفي….
خرج هاشم من المكتب و هو يتنفس الصعداء
أسرع في خطواته حتى يبدأ في تنفيذ ما أمره
به رب عمله متمتما في داخله :”الله يكون في
عون اللي يقف قدامك مغلطش اللي سماك
شيطان… انا بقالي بشتغل عنده سبع سنين و لسه
بترعب منه زي اول مرة……
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
يوم الحفل……
أمام أحد الفنادق الفاخرة التابعة لأملاك الألفي
توقفت سيارة إسلام شقيق آيه الذي صمم
على إيصالها بنفسه..
نزلت و هي ترفع ثوبها الطويل لتتجه إلى
الداخل بعد أن أخبرها اخوها انه سوف يعود
لاخذها بعد إنتهاء الحفل….توقفت أمام مدخل
الفندق تبحث عن أميرة التي وعدتها انها
سوف تنتظرها في الخارج….
آيه بحنق :” اوووف هي فين القردة أميرة مش قالت
حتستناني برا..حدخل إزاي دلوقتي دا انا حتى معنديش كارت دعوة…
خطت للأمام مع بقية المدعوين الذين كانوا
يدخلون بالتدريج بعد التثبت من بطاقات الدعوة الخاصة بالحفل من قبل بعض المنظمين…
:” لو سمحت انا صاحبة أميرة أخت العريس
ممكن ادخل….
هتفت أميرة برجاء لأحد الحراس.
:” للأسف يا آنسة مقدرش ادخلك التعليمات
كده ممنوع دخول أي شخص بدون دعوة”.
أجابها الحارس و عيناه تلمعان باعجاب
بهذه الجميلة الواقفة أمامه
نفخت وجنتيها بعدم رضا ثم إبتعدت لتسمح
لبقية المعازيم بالدخول..
لكن الحارس نادى عليها مجددا :”يا آنسة…
إلتفتت نحوه من جديد و على وجهها
إبتسامة آسرة ضنا منها انه سوف يسمح
بها بالدخول..
:” إنت ممكن تكلمي الآنسة أميرة و هي
حتبعثلك حد من جوا يدخلك..
هزت حاجبيها بعدم رضا و هي تجيبه بسخرية
:” تصدق جبت التايهة يا خويا…ما انا بقالي ساعة بتنيل
بكلمها و مش بترد…اووف حعمل إيه
أنا دلوقتي….
نزلت الدرج و هي تخرج هاتفها من حقيبتها
الصغيرة لتعاود الاتصال بها علها تجيبها هذه
المرة…
:” الحمد لله… فينك يا كلبة ياحمارة ياجزمة
من غير.. إيه مش سامعة حاجة….. طب ماشي
إستعجلي بقالي ساعة واقفة برا منظري بقى
وحش اوي…منك لله يا قردة داه الميكاب بدأ
يسيح و انا لسه مدخلتش جوا…..
أنهت الاتصال لتغلق هاتفها و تضعه في
حقيبتها من جديد..و هي تثرثر من جديد
وتشتم كعادتها…إلتفت فجأة بعد أن سمعت
صوتا غريبا يناديها :”آنسة آية… مش كده؟؟
فتحت عيناها بصدمة عندما وجدت شابا
اقل مايقال عنه انه وسيم بل في غاية
الوسامة و الجاذبية بشعره الأشقر و عيناه
الزرقاوان و بشرته البيضاء المحمرة التي
تناقضت مع لون بدلته الفاخرة ذات اللون
للاسود..لتتمتم بشرود :” أحيييه حضرتك
بتكلمني انا ….
ضحك سيف عندما سمع كلامها ليتأكد من
أنها نفسها آية المجنونة ليمد يده نحوها
مصافحا :” أهلا و سهلا يا آنسة آية انا
سيف اخو أميرة….تفضلي معايا هي مستنياكي
جوا….
تمسكت آية بحقيبتها و هي تنظر نحوه
يده الممدودة بتردد قبل أن تمد يدها
لتصافحه قائلة بصوت منخفض :” مساء الخير حضرتك….
أشار لها لتسير معه ليدخلا الي القاعة
التي كانت تعج بمئات المدعوين من الشخصيات
الهامة و رجال الأعمال في البلاد….
رمشت آية عدة مرات قبل أن تتقدم من جديد
و هي تنقل بصرها بين جموع الحاضرين
الذين كانوا يرتدون افخم و أجمل الازياء..
لمحت من بعيد أميرة تشير لها بيديها لتذهب
إليها…بينما إتجه سيف إلى مجموعة من أصدقائه.
آية بلوم :”أنا لو كنت أعرف إني حتبهدل كده
مكنتش جيب يا ميرو…
أميرة بضحك :” سوري يا يويو أصلي إنشغلت
شوية بالعروسة….
نظرت آيه إلى حيث تشير أميرة لتبتسم
قائلة باعجاب :”مشاء الله العروسة حلوة اوي
اخوكي باين عليه حيتجنن الليلة….
أميرة هي تلكزها :” يابنت اسكتي ..
آية :” هو انا جاية هنا عشان اسكت ماتسيبيني
اعبر براحتي… بقلك إيه و مين الحلوة اللي واقفة
جنبها دي…
أميرة بخفوت :” دي أختها الكبيرة كاميليا…
آية :”إيه العيلة اللي كلها مزز دي…البنت قمر
بصراحة بصي..خلي اخوكي سيف يتجوزها
و…..
أميرة بضحك:” يابنتي لو سمعك شاهين الألفي
حتكون دي آخر ليلة في حياتك….
آية ببلاهة :” و ليه إن شاء الله ؟؟
أميرة :” عشان دي مراته ياهبلة…
آيه برعب :” يالهوي… مراته؟؟ بقى دي
مرات شاهين الالفي انا شفتها زمان مرة في
صور بس نسيت اصل شكلها متغير شوية….
علي العموم انا كمان شكيت مهو مش معقول
قمر زي دي تفضل سنجل… عيني عليكي يا آية
الوحيدة اللي في الفرح اللي ملهاش كراش..
أميرة :” اللي يسمعك بتقولي كده ميعرفش
إن كل يوم جايلك عريس الواحد فيهم احلى
من الثاني…. زمايل اخوكي إسلام
كلهم كلموه عنك بس إنت اللي راكبة دماغك…..
آية :” بقلك إيه يا ميرو حلي عن دماغي
أنا قلتلك قبل كدة مية مرة انا مش عاوزة
اتجوز جواز تقليدي…انا عاوزة أعيش قصة
حب نارية حاجة كده زي أحمد السقا و نور
في فيلم شورت و فانيلا و كاب….
نور باستهزاء:” شورت و فانيلا و كاب…
داه إنت قديمة اوي.
آية بعدم إهتمام :” ملكيش دعوة و قومي
هاتيلنا حاجة ناكلها…عشان أنا جعانة اوي
داه إيه البخل اللي إنتوا فيه داه…. بصي حواليكي
الطرابيزات كلها فاضية مفيش غير عصاير
و سلطات …
نور :”اووف منك و من لسانك… اللي لازمه
قص داه..انا مش عارفة إتنيلت ليه وعزمتك….
الاكل اللي مش عاجبك داه مستوردينه
من برا خصيصا عشان الفرح يعني ثمنه
بالدولار….
آية :” و على إيه كل داه…. داه شبه اكل العيانين
قال مستورد قال ….يلا قومي و بالمرة
قولي للفرقة تغير الاغاني المملة دي عشان
المعازيم شكلهم حيناموا مكانهم…
نور بتعجب :”أغاني إيه…دي ميوزك ياجاهلة
إنت فاكراه فرح شعبي عشان نشغل اغاني…
آية و هي تلوي شفتيها :”نسيت إن داه فرح باشاوات…طب اروح انا بقى….
نور :” بجد إنت مش طبيعية…. هو إنت جاية
الفرح عشان تاكلي…
آية :” لا بس بصراحة الحفل ممل جدا…حفضل
أنا قاعدة زي الكرسي اللي ملوش لازمة و ببص
على اللي رايح و إللي جاي…يا خسارة الفستان اللي
بقالي سنتين بحوش في ثمنه…
في إحدى الطاولات القريبة حيث يجلس
ايهم بجوار ليليان التي كانت تنفخ وجنتيها
بضيق في كل دقيقة من شدة الغيظ بعد
إن منعها ايهم من مبارحة مكانها….
ليليان باستعطاف للمرة العشرون :”طب خمس
دقايق بس اسلم على نور و محمد و حاجي
على طول…
ايهم بحزم :” و لا نص دقيقة… إنسي
إنك تتحركي لأي مكان… نص ساعة
كمان و حنقوم نسلم عليهم و نروح
على طول….
ليليان بضيق :”بس الحفل لسه في أوله…
معقولة حتسيب فرح اخوك و تمشي…
أيهم بلامبالاة:”عادي و اصلا بصي هو
باين عليه مستعجل إنه يروح اكثر
مني….
نظرت له ليليان بصدمة قبل أن تهتف
بعدم تصديق :”مش معقول.. بجد إنت قليل
الادب و…
ايهم بغمزة :” و سافل و عمري ما حتغير…
:” ماما هو فادي راح فين؟ انا مش لاقياه؟؟؟
سألت كاميليا والدتها التي كانت تحمل بين
ذراعيها أسيل النائمة….
:” مش عارفة يا بنتي… هو كان من شوية
بيتكلم مع نور… و بعدها مشفتوش..
هتفت الام بهلع و هي تدير عيناها في ارجاء
القاعة…قبل أن تضيف :”طب مش يمكن
مع ابوه… روحي دوري عليه يابنتي الصالة
كبيرة و هو صغير و ممكن يكون ضايع هنا
و إلا هناك…. “.
أجابتها كاميليا بقلق :”حاضر ياماما المهم
خلي بالك من الأولاد و انا حروح اشوفه
فين؟؟؟
أسرعت كاميليا تبحث عن فادي تارة
و عن شاهين تارة أخرى حيث بدأت
تسأل عنه جميع من تعرفهم حتى ارشدها
احد الحرس لمكانه…
وصلت إلى الحديقة الخارجية الاوتيل يتبعها الحارس حتى يضمن حمايتها لتجد شاهين
واقفا و بجانبه رئيس الحرس جهاد و معهم
رجال آخرون لم تتعرف عليهم و لكنها لاحظت
أنهم يخفضون رؤوسهم و هذا يعني انهم من
الممكن أن يكونوا من ضمن رجال شاهين
السريين..
شهقت بصوت عال عندما رأت رجلين يقومان
بإمساك رجل آخر يبدو من مظهره انه كبير في السن
بعض الشيئ ثم يقومان بدفعه تحت أقدام
شاهين الذي كان يقف بكل غطرسة و جمود…
صرخ الرجل بتألم و هو مازال راكعا أمامه
يترجاه بصوت خافت :”ارجوك يا شاهين بيه
سامحها و رجعهالي… دي عيلة و غلطت و انا بنفسي
حعاقبها على اللي عملته…انا حنفذ كل اللي
تأمر بيه بس سيبها دي مش حمل بهدلة و…
شاهين بكل غرور :” ولما هي مش حمل بهدلة
زي ماتقول..إزاي تتجرأ و تلعب مع حد من عيلة
الألفي….
الرجل بتذلل و هو يكاد يقبل حذائه :” اكيد..
اكيد مكانتش عارفة.. ارجوك سامحها دي
بنتي الوحيد و مقدرش اخسرها… اوعدك إني
مش حخليها دقيقة في مصر حسفرها برا
و مش حترجع ثاني… بس ابوس إيدك
سامحها…..
شاهين بتفكير :” ممم حفكر في عرضك بس خليها كده يومين في ضيافتي…و اهو بالمرة أعرفها
هي غلطت في مين… ماهو اكيد انا مش حعدي
إللي هي عملته بالساهل و بالنسبة لموضوع
السفر فدي حاجة تخصك… عاوز تحمي بنتك
من غضبي سفرها.. جوزها… إعمل اللي تعمله
المهم مش عاوز اسمع باسمها ثاني…عشان إنت
عارف الشيطان مبيديش فرصة ثانية مهما حصل
و إنت عارف انا أقصد إيه…..
الرجل بانتحاب :”عارف عارف..المهم بنتي
ترجعلي ثاني و…..
قاطع كلامه إندفاع كاميليا التي أقبلت بسرعة
عندما رأت ذلك الرجل راكعا بذل أمام زوجها
المتغطرس..شعرت بالاسف عليه هو يبكي
و ينتحب كطفل صغير رغم كبر سنه فقد ذكرها مظهره بوالدها لتتدخل قائلة :” إنت بتعمل إيه
و مين الراجل داه؟؟ قوم يا أنكل ميصحش اللي
إنت بتعمله….
كانت ستنحني و تساعده على الوقوف لكن
ذراع شاهين سبقتها ليرفعها من خصرها
و هو يهتف بنبرة حادة:” إنت إيه اللي جابك
هنا…إتفضلي إرجعي جوا و إياكي تتحركي
لأي مكان لغاية ما أخلص و أجيلك…
كاميليا هي تحاول التملص منه دون جدوى
صارخة دون وعي
:” سيبني بقلك إنت حتعمل إيه في الراجل المسكين داه و ليه بتذله كده عملك إيه عشان تعمل فيه
كده قدام الناس…
شاهين و هو يضغط على أسنانه بغضب
ليهمس في أذنها:” كاميليا إسمعي الكلام
و ادخلي جوا… دقائق و حخلص شغلي
و احصلك “.
نظرت كاميليا أمامها للرجل المسكين الذي
كان ينظر لها باستعطاف علها تشفق على حاله
و تنقذه من زوجها لتنفي برأسها قائلة بتصميم
:”مش قبل ماتسيب المسكين داه في حاله…
شاهين عشان خاطري سيبه و لو في مشكلة
بينك و بينه اقعد و حلها بهدوء معاه بلاش
كده…
زفر شاهين بقلة صبر من عنادها ليومئ
لرجاله الذين امسكوا بالرجل يجرونه
معهم إلى مكان ما حتى يكمل معه حديثه
في وقت لاحق بعد أن افسدت عليه هذه
العنيدة حواره معه أو فلنقل عقابه له….
رفعها شاهين من خصرها ليحملها إلى الداخل
و هي تصرخ و تتلوى محاولة التخلص منه
لكن هيهات كيف تفر قطة صغيرة من براثن
نمر غاضب….
:”نزلني يا شاهين… إنت بتعمل إيه الناس
بتبص علينا… إنت تجننت”.
هتفت كاميليا بحنق و هي مازالت تفكر
بذلك الرجل المسكين الذي سحبوه أمامها
كخروف عاجز لتكمل بنفس الغضب :”و الراجل
المسكين داه حتعمل فيه إيه.. إنت مش حتبطل
اسلوب الشيطان داه…ليه بتحب تذل الناس و
تستقوى عليهم كده…كل داه ليه عشان ترضي
غرورك…سيبني بقلك يا مجنون….
شاهين محاولا التحكم بغضبه الجحيمي :” أول
و آخر مرة اسمحلك تتدخلي في شغلي…عشان
أقسم بالله المرة الجاية مش حتعدي على خير
و حضطر اعاقبك عقاب شديد اوي …..
شهقت كاميليا عندما وضعها على الأرض :” عقاب…
شاهين بتهديد و هو يمسح على وجهه بغضب :”
بحذرك ياكاميليا آخر مرة توقفي قدامي و انا
بتكلم مع رجالتي…و دلوقتي اطلعي على الجناح
حجيب الولاد و أحصلك… و متفتكريش إن
كلامنا خلص على كده انا بس مش عاوز اعمل
حاجة اندم عليها بعدين…..يلا “.
اردف بلهجة آمرة و هو يمر بجانبها محاولا
التحكم في نفسه حتى لا يعاقبها كما كان يفعل
في الماضي…. زفر الهواء عدة مرات و هو يحاول
تهدئة غضبه الذي إشتعل بداخله فأكثر شيئ
يكرهه شاهين هو عدم طاعة أوامره خاصة
أمام رجاله فكيف تجرأت على كسر احد اهم
قواعده التي تعلمها جيدا….
تابع طريقه غير عابئ باولئك الذين يحاولون
بشتى الطرق لفت إنتباهه و الفوز بفرصة
للحديث معه أو عقد صفقة مع وحش الاقتصاد
الذي يحلم الجميع بالتقرب منه.
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
من الجهة الأخرى للحديقة تقف آية و أميرة
التي طلبت من صديقتها مرافقتها إلى خارج
القاعة لاستنشاق بعض الهواء النقي بعد أن شعرت
بالاختناق في الداخل…
آية و هي ترتعش من البرد بسبب فستانها الرقيق
الذي كان شفافا من ناحية الكتفين
:”يلا يا ميرو ندخل جوا انا دقيقة زيادة و حتحول لرجل الثلج هنا…”.
أميرة :” ارجوكي يا يويو خمس دقائق كمان
إنت عارفة إني بتخنق من الاماكن المقفولة..
آية باستهزاء:” نعم ياختي داه انا لو أطول
اتحبس جوا بقية حياتي…ديكور الصالة يجنن
تحسي نفسك قاعدة في الجنة داه غير الاكل و
الميوزك…ناقصة واي فاي و تبقى مقر إقامة
ملوكي….
أميرة بضحك :”بس يا عبيطة داه… اوباااا بصي
هناك يا يويو يالهوي إيه داه بيعملوا إيه دول….
آية و هي تشهق بقوة :” نهاااار إسوح إيه داه
يااااع داه بيبوسها إيه القرف داه…
أميرة و هي تلتفت للجهة الأخرى :”ملقوش
غير المكان عشان يعملوا القرف بتاعهم…انا
لازم اقول لسيف و هو حيتصرف معاهم….
آية بانبهار فهي اول مرة ترى هذه المشاهد
أمامها :”يااااع شوفي الواد حياكل بقها داه
و هي بنت الجزمة ماسكة فيه و كأنه حيهرب….
أميرة بغضب :”هو فين الجاردز اللي هنا و إزاي
يسمحوا للمسخرة دي تحصل انا مش
عارفة دول إزاي يتجرؤوا و يعملوا كده في
فرح اخينا و الله لخلي سيف يدخلهم السجن..
آية بخبث و هي تخرج هاتفها :”لا انا عندي فكرة أحلى من كده انا حصورهم كم فيديو حلو حخليهم
يبقوا الترند الجديد في مصر كلها لا بل في
العالم العربي كله يا لهوييي داه انا حشهرهم
بكره حيدعولي ولاد شحيبر دول …
أنهت كلامها بضحكة شريرة و هي تلتقط لهم
عدة صور و فيدوات لتضحك أميرة بصخب
قبل أن تشير لاحد الحراس الذين كانوا ينتشرون في
الحديقة و الفندق بأكمله تحسبا لأي مشكلة….
إنطلق الحارس نحوهما و على وجهه علامات
الاستياء ليحمحم حتى يلفت إنتباههما قائلا
بنبرة رسمية :”لو سمحت يافندم ميصحش
اللي بيحصل هنا إنتوا في مكان محترم مش
في كباريه انا مضطر أتخذ الإجراءات اللازمة
ضدكوا…
إصفر وجه الفتاة بخوف و حرج و هي تعدل
من مظهرها المبعثر بينما نظر الرجل نحو الحارس
بنظرات متتالية ثم اخرج بعض النقود من جيبه
ليعطيها له قائلا بتكبر :”اظن كده إنت لا شفت
و لاسمعت…
الحارس بقلق و خوف فهو يعلم أن من أمامه
من ذوي الطبقة الغنية من هيئة ثيابهم و كذلك
حفل تابع لعائلة البحيري لن يحضره سوى الأشخاص الأثرياء في البلاد :” يا فندم انا مقبلش حاجة زي
دي انا بس بقوم بشغلي و لازم انفذ الأوامر…
الرجل بغضب :” الظاهر إنك مش عارف إنت
بتكلم مين داه انا باشارة مني ممكن اوديك ورا الشمس إنت عيلتك كلها يا…..
قاطع حديثه بصراخ آية التي كانت تتابع
الحوار من بعيد هي و أميرة :”جرا إيه
يا أفندينا هو كل ماتيجي نكلم واحد يقلنا إنت
مش عارف بتكلم مين….. حتكون مين يعني
رشدي أباضة و بيصور فيلم هنا و إ حنا مش عارفين…مش كفاية إنك ممسوك بفعل فاضح في جنينة الاوتيل و كمان بتتقبح إلا صحيح اللي إختشوا ماتوا على رأي أحلام….
الرجل بغضب رغم إعجابه بجمالها الباهر :”و إنت
مين و إيه اللي دخلك؟؟؟
آية بغرور و هي تضع يدها على خصرها :” أنا أخت
العريس ياعنيا و شفتك كنت بتعمل إيه إنت و
السلعوة اللي وراك دي …
الرجل بصوت عال رغم إرتباكه:”إحترمي نفسك
يا آنسه إحنا كنا بنتكلم مع بعض مش أكثر…
آية بسخرية :” بتتكلموا….و هو الكلام
مش بييجي غير خلف الشجرة…إنت بتستهبل
أنا شايفاكوا بعنيا دول و إنتوا بتعملوا قلة الأدب
مش لاقيين غير فرح اخويا عشان تهببوا اللي
هببتوه…إنت مش عارف إحنا مين؟؟
قالتها و هي ترفع رأسها بغرور لتهمس لها أميرة
التي كانت تقف بجانبها تشاهد هذه المسرحية
و هي تكتم ضحكاتها :”يابنتي كفاية كده
أنا حقول لسيف و هو يتصرف معاهم ملناش
دعوة بالاشكال دي…
آية برجاء :” لا و النبي ياميرو سيبيني شوية كمان
أنا نفسي من زمان اوي اقول الجملة دي بشوفها كثير في الأفلام و إنت عارفة إني نفسي ابقى ممثلة و اعمل دور بنت الاكابر …
الفتاة و هي تنظر لآية بغضب فقد لاحظت
نظرات رفيقها نحوها :”يلا يا حبيبي خلينا
نمشي من هنا و دي مش حتقدر تعملنا حاجة اصلا مفيش عندها دليل و كمان مش باين إنها من
أصحاب الفرح دي واحدة لوكال إنت مش شايف شكلها إزاي ……
آية بولولة :” نعااام ياعومرررر اللوكال دي تبقى
أمك يا حبيبتشييي إنت متعرفيش انا مين….. ميغركيش الفستان الحلو و إلا الكعب الكيوت اللي انا لابساه لالا داه انا معايا الحزام الأسود وممكن اقلبلك فاندام دلوقتي…داه غير الفيلم الحلو اللي
منور تلفوني و بعدين تعالي هنا يا بت إنت
وشك مش غريب عليا مش إنت قريبك إسمه
أحمد آل… مممم مش فاكرة إسمه بالكامل
بس حدور عليه علشان أحكيله على بجاحتك
و عمايلك السودا…
إصفر وجه الفتاة بشدة لتبتلع ريقها بصعوبة
قبل أن تجيبها بشجاعة زائفة :”أنا مفيش
حد قريبي إسمه أحمد… إنت… إنت اكيد
غلطانة”.
آية بخبث :”حبقى اوريله الفيديو و أتأكد….
الرجل بغضب :” فيديو إيه إنت بتهزري… هاتي
التلفون يا آنسة. خلي الليلة تخلص على خير…
آية بتحدي :”مش قبل ماتعتذر إنت و هي….
الرجل :” نعتذر على إيه إنت بتهزري”.
آية :”إعتذروا عشان شوهتوا المكان المحترم
داه بدل ما إنده الأمن يرموكوا بره…لما إنتوا
مش قد البوس بتهببوا ليه؟؟
الرجل بنفاذ صبر و هو ينظر لها بغضب جارف
:”بقلك إيه أنا مش فاضي لهبلك… وسعي كده…
الفتاة و هي تمسك ذراعه هامسة بصوت
خافت :”ارجوك يا وليد خلينا نعتذر دي
ممكن تفضحنا خاصة إنها تعرف أحمد
إبن انكل سامي…
قاطع حوارهم سيف الذي حضر للتو
بعد أن هاتفته أميرة :”هو إيه اللي بيحصل
هنا…. وليد إنت بتعمل إيه هنا….
وليد بحرج :” و لا حاجة انا كنت واقف هنا
بتكلم انا و زينة و بعدين حصل سوء تفاهم
و البنات كبروا الحكاية….
آية بغضب :”كذاب كانوا بيعملوا حاجات
قليلة الادب…و انا و أميرة شفناهم….
أشار وليد لسيف حتى يكلمه جانبا ليومئ
له سيف ثم يذهبا بعيدا عن البقية ليتحدثا
بعض الوقت….
الفتاة بخوف و حرج :” أنا آسفة مكانش
قصدي اكلمك بأسلوب وحش بس انا ووليد
بنحب بعض و حننخطب قريب….لو سمحتي
متقوليش حاجة لأحمد داه واحد فتان و حيفضحني
في العيلة كلها….
أميرة بغضب :” على فكرة اللي بتعمليه
داه غلط هو لو كان بيحبك كان صانك و حافظ
عليكي و خاف على سمعتك و منظرك قدام
الناس…. ضحك عليكي بكلمتين باسم الحب
و استغل مشاعرك عشان يوصل للي هو عاوزه
و يوم ما يمل منك صدقيني حيرميكي بدون
تردد… انا معرفكيش بس نصيحة ليكي
خلي بالك من نفسك عشان عشان مفيش
غيرك حيتأذي و حيجي يوم و تندمي و ساعتها
مش حيفيدك الندم…
الفتاة بتوتر :”بس انا بحبه… و هو….
آية :” تصطفلي إنت اصلا باين عليكي غاوية
قرف…سيبيها ياميرو إحنا مالنا و مال الأشكال
دي… دول باين عليهم متجوزين قبل الخطوبة
حتى…..
اتي سيف ليصرف الحارس الذي كان
يقف جانبا ينتظر الأوامر قائلا :”يلا
يا أميرة خذي صاحبتك و ادخلوا جوا
و انسوا اللي حصل هنا و إنت يا آنسة
تقدري تروحي بس ياريت اللي حصل
داه ميتكررش….
أومأت له الفتاة قبل أن تختفي بينما
همست أميرة في اذن آية قائلة بتعجب
:” هو إنت بجد تعرفي قريبها اللي إسمه
أحمد داه….
آية و هي ترفع ثوبها قليلا لتتمكن من الحركة
:” و هي في عيلة في مصر مفيهاش إسم أحمد و إلا محمد …أنا معرفش قريبها داه انا إخترعت الحكاية دي من دماغي عشان اخوفها
بس و هي ياعيني كانت حتموت من الرعب… تستاهل و هي شبه سلاكة السنان كده انا و الله
محترمة إني في فرح اخوكي غير كده كنت
ربيتها من جديد…
أميرة بضحك :”طب يلا خلينا ندخل نكمل كلامنا جوا الجو برد هنا..
سيف :” آنسة آية ممكن تمسحي الفيديو
اللي إنتي صورتيه…
آية و هي تنظر له باستغراب:” و امسحه ليه
داه حيبقى ترند مصر الجديد بكرة…متنساش
تتفرج عليه…
سيف بضحك :” طب ليه الفضايح دي
كلها إنت كده حتسوئي سمعة الاوتيل
و الفرح كمان…
آية :” لو كان صاحب الاوتيل شاف اللي
حصل انا متأكدة إنه مكانش سابهم بالساهل كده
و إلا عشان هما اصحابك….
سيف بانزعاج :”مفيش داعي للكلام داه
الحكاية إنتهت خلاص و اي حد بيغلط
أنا طردتهم هما الاثنين و نبهت عليهم ميرجعوش
هنا ثاني عاوزاني اعمل إيه كمان… اشنقهم.
أميرة :” يا سيف آية متقصدش بس
البنت الوقحة غلطت فينا قالت علينا لوكال
عشان كده مكانش لازم تسيبها تمشي…
سيف بتعجب :” طيب ليه مقلتيليش لما
كانت هنا.. و بعدين إنتوا المفروض كنتوا
تعلموني بالحكاية مين غير متتدخلوا و انا
كنت حتصرف …
آية باستهزاء قبل أن تغادر :” و اديك تصرفت
و خلصنا….
لحقتها أميرة محاولة إقناعها :”يمكن الراجل
داه صاحب سيف عشان كده سابه يا آية
بس الحمد لله الحكاية تمت على كده و محصلش
مشاكل…
آية بعدم إهتمام : “و انا مالي الفرح فرحكم
و إنتوا أحرار…. انا مروحة يا أميرة و بكرة
إن شاء الله حكلمك…
أميرة باستياء :”طب خليكي شوية الفرح
لسه في أوله….
آية بمرح:”أوله زي آخره اصل أفراح الناس الاغنياء اللي زيكوا مملة بصراحة بتحسي نفسك كانك في حفلات الممالك و السلاطين زمان موسيقى هادية و ناس بتتكلم و بتعقد صفقات و شغل… مفيش حمه بيكا و لا عمر كمال… دي حتى أغنية بنت الجيران
لايقة على العرسان اوي…
أميرة :”عندك حق انا حدخل جوا و حقول
للفرقة يغيروا الاغاني..
آية :” بتتكلمي جد طب و الناس الاكابر اللي
جوا دول يقولوا علينا إيه لوكال… قالتها بنبرة
مضحكة مقلدة تلك الفتاة لتنفجر أميرة
من الضحك على جنون صديقتها.
داخل القاعة…
تأففت ليليان بملل قائلة :” أنا بجد زهقت ياأيهم
عاوزة أقف من مكاني…عاوزة اسلم على نور
و محمد…
أيهم بابتسامة عاشقة :” تؤ مفيش روحة
لمكان من غيري….
ليليان برجاء:” طب نروح سوى…. انا رجلي ورمت
من القعدة…
أيهم باستسلام:” حاضر ياستي بس
شوية و نروح إتفقنا….
ليليان :” لو عايز تروح خذ أيسم معاك انا
حفضل مع طنط و ا…
سكتت ليليان عندما سمعت صوتا أنثويا
يقاطع حديثها إلتفتت لتجد فتاة أقل ما يقال
عنها جميلة ترتدي فستانا أحمر قصيرا في
غاية الروعة ليبرز مفاتن جسدها بشكل جذاب
:” أنا مش مصدقة إيه الصدفة الحلوة دي
إزيك يا أيهم أخبارك إيه بقالي كثير مشفتكش”.
أيهم و هو مازال ينظر لليليان :”إنت مين؟
شهقت الفتاة بعدم تصديق من تصرفه اللامبالي
و كأنها غير موجودة فأيهم المعروف زير النساء
لم يكن ليتصرف هكذا ابدا خاصة مع فتاة
جميلة مثلها :”أنا سالي إنت مش فاكرني و إلا
إيه (سالي خطيبة فريد لو فاكرينها)….
أيهم و هو لا يحيد بعينيه عن ليليان و كأنهما الوحيدين الموجودين في هذا المكان :” سوري مش فاكرك…
سالي باحراج :” كنا بنسهر مع بعض زمان في
شقة شاهين بيه الألفي…
ايهم بانزعاج دون أن يلتفت إليها:” اوكي و بعدين عاوزة إيه؟
سالي باصرار:” كنت عاوزة اسلم عليك عشان
وحشتني… قصدي وحشتنا إحنا كنا أصحاب
جدا زمان…انا متأكدة إنك فاكرني ….
نظرت لها ليليان بغضب وكانت ستتكلم لولا قاطعها أيهم الذي تحدث ببرود :” تشرفنا يا مدام
سلوى او سامي مش مهم … مع السلامة تقدري تمشي دلوقتي ….
شهقت سالي من تصرفه الوقح معها قبل أن
ترمقه بنظرات غاضبة و هي تغادر متمتمة
بكلمات غير مفهومة….
نفخ أيهم بضيق في أثرها قائلا بحنق :” ابو
ثقل دمها…
ليليان :” أهي دي من ذكريات الماضي
يا زوجي العزيز….
أيهم و هو يفرك رقبته بتوتر :”و إنت قلتيها
بعظمة لسانك يا حببتي… داه ماضي يعني
خلاص إنتهى وراح يلا قومي خلينا نروح
لمحمد و عروسته….
جذبها من يدها متجها نحو منصة العروسين
دون إنتطار ردها…..
بعد إنتهاء الحفل …..
في جناح محمد الذي حجزه لقضاء اول ايام
الزفاف قبل السفر إلى أحد البلدان الاوروبية
لقضاء شهر العسل…
نفخت نور وجنتيها بضيق قائلة :”يامحمد
نزلني بقى خلاص رحنا دخلنا الأوضة اهو… إنت
حتقعد شايلني كده”.
محمد بضحك :”أصلك خفيفة خالص حتى
بعد ما لبستي البتاع داه… منفوش على
الفاضي”.
نور :”طيب خليني اغير الفستان و بعدها
شلني براحتك…نزلني بقى
محمد و هو يغمزها بوقاحة :” لا بقى بعد
ما تغيري الفستان داه حيبقى لينا كلام ثاني
خالص بس و حياتك توصي بيا و إختاري
حاجة من بتوع الست فيكتوريا سكريت دي
اصلي بحبها اوي….
نور و هي تلكمه على صدره العضلي :” يا قليل
الأدب يا سافل نزلني…بقلك و يكون في علمك
لا ست فيكي و لا ميمي إنسى يا كابتن انا
تعبانة و عاوزة انام….نزلني….
أنزلها محمد برفق و هو ينظر لها بنظرات
إستعطاف :” اوعدك حبقى مؤدب بس و حياتي
عندك اللي تلاقيه فوق السرير إلبسيه…عاوز
اشوفك بيه الليلة…..
نور بتلعثم و هي تحاول الخروج من أحضانه
:” تمام بس سبني دلوقتي عشان أغير
الفستان ثقيل و انا تعبت اوي….
محمد بحنان :”سلامتك يا قلبي…
قبلها من جبينها قبل أن يتوجه نحو الباب
الذي كان يطرق منذ مدة لكنه كان يتجاهله
لتدخل هي إلى الداخل نحو غرفة النوم
حتى تغير ملابسها….
خرج ليجد إحدى العاملين (الروم سيرفس)
فتح له الباب ليدخل و هو يدفع عربة
تحمل اصنافا فاخرة من الطعام مغطاة
بأغطية بلورية شفافة لكن أكثر ماجذب
محمد هو ذلك الظرف الكبير الذي وضع
تحت احد الاطباق…
أخرج من جيبه عدة ورقات نقدية ليعطيها
للنادل الذي شكره بامتنان قبل أن يغادر
ليلتفت محمد مرة أخرى و يبعد الطبق
حتى يكتشف مابداخل هذا الظرف الغريب
الذي يحمل إسمه من الخارج…..
بعد ساعة….
تجلس نور على السرير و هي تفرك يديها بتوتر
و قلبها يكاد يخرج من مكانه من شدة القلق
فمحمد تأخر و لاتعرف أين ذهب…
تمددت على السرير بعد أن نزعت روب القميص
لتندس تحت الغطاء بعد شعورها بصداع كببر
في رأسها….
في الخارج أمام الجناح كان محمد يتحدث
في هاتفه و ملامح وجهه الغاضبة جعلت بعض
النزلاء و العاملين في الفندق يفرون خوفا من امامه
محمد بصراخ :”شاهين لو سمحت للمرة الالف
بسألك مين الكلب اللي عمل كده…إنت بس
قلي على إسمه و انا وديني وما أعبد لادفنه
مكانه… الوا.. ال… إبن ال….
شاهين بنفاذ صبر :” محمد قلتلك خلاص
الحكاية بقت عندي و انا اوعدك حاخذلك حقك
و حق نور منهم كلهم و حخليهم عبرة لأي
حد يفكر يلمس شعرة من عيلتي…إقفل دلوقتي
و متسيبش عروستك لوحدها… عيب داه
إنت عريس و المفروض تركز على حاجات
ثانية أهم….
مسح محمد وجهه الذي كان عبارة عن كتلة
حمراء من شدة غضبه إضافة إلى عروق
رقبته ويديه البارزة التي جعلت من مظهره
مرعبا بحق :”عريس و ليلة فرحه يتفاجئ
بصور مراته و هي…..ماشي يا شاهين انا
حوصلهم بنفسي و ساعتها و الله لخليهم
يتمنوا الموت… الكلاب..
شاهين بتريث:” إحمد ربنا إننا لحقنا الحكاية
في الوقت المناسب و إلا كانت الصور دي
إتنشرت في الحفل و داه كان مخططهم
البنت و صاحبتها و الواد اللي عمل الصور
دي كانوا عاوزين يعملوا فضيحة للعروسة
و كانوا مأجرين ناس من جوا الاوتيل
عشان يعملوا كده….
محمد بهستريا :” ااه يا ولاد الكلب و الله
ما حرحمهم…
شاهين :” خلص إنت شهر العسل بتاعك و انا
اوعدك اول ماترجعوا بالسلامة حجيبهملك
تحت رجليك و إنت تصرف فيهم زي
ماتحب بس حاول متحسسش نور بحاجة
عشان مفيش حد عنده خبر بالحكاية دي….
محمد :”تمام انا أسبوع كده و حرجع إن شاء الله….
شاهين :”أسبوع بس… ياإبني داه شهر عسل
إتبسط براحتك و لما ترجع إبقى إعمل اللي
إنت عاوزه متخليش حكاية تافهة زي دي
تأثر عليك حتة بنت متدلعة و حتاخذ جزاتها…
محمد و هو يغمض عينيه لتظهر أمامه صور
نور المفبركة ليصرخ منتفضا:” هي و عيلتها
كلها… كلهم يا شاهين كلهم….البنت دي إسمها
مش غريب عليا بس مش عارف هي مين
بالضبط….
شاهين :” حاضر ياعريس اي أوامر ثانية..
محمد :لا شكرا كفاية وقفتك معايا لولاك
أنا مكنتش حعرف اتصرف خصوصا لو
كانت الحكاية كبرت اكثر من كده…
شاهين متجاهلا حديثه:” محمد انا عاوز أسألك
لما شفت الصور مشكيتش لحظة أنها ممكن تكون
نور اللي في الصور….
محمد بغضب :” طبعا لا هو انا عبيط عشان
أصدق حاجات زي دي….انا واثق من نور لدرجة
إني مستحيل أصدق أي حاجة تتقال عنها
هي اول و آخر حب في حياتي…
شاهين :” طيب إقفل دلوقتي و روح للعروستك
زمانها نامت…. و على فكرة انا مش ححاسبك
على صوتك العالي و إنت بتكلمي عشان إنت عريس
بس المرة الجاية حيكون ليا كلام ثاني معاك
يلا good luck وراك شغل كثير الليلة ..
بعد عدة دقائق…..
أغلق محمد الهاتف ثم لكم الحائط بقوة
محاولا تفريغ شحنة غضبه التي تتزايد
بداخله كل دقيقه…
تمنى فقط لو كانوا أمامه لما تركهم أحياء رغم ان محمد شخص مسالم في حياته العادية و نادرا مايغضب لكن عندما يتحول يصبح وحشا
قاتلا…..
دفع باب الجناح ليدلف إلى الداخل بحثا
عن شقرائه التي سلبت عقله من اول نظرة
ليجدها نائمة إبتسم عندما وجدها ترتدي
ذلك القميص الأبيض الذي لائم
بشرتها الناصعة البياض….إختاره خصيصا
من أجلها حتى أنه أصبح لونه المفضل..
عقد حاجبيه متمتما بأسف و هو يقترب
ليجلس بجانبه :”الظاهر إن الليلة باضت…
جذب الغطاء قليلا ليبتلع ريقه بصعوبة
و هو يتفرس باعجاب كتفيها و ظهرها
العاري…تحامل على نفسه ليعيد تغطيتها
من جديد هامسا بصوت ضائع :” نور.. حبيبتي
إصحي…..
تململت نور بانزعاج دون أن تفتح عينيها
قائلة :”مصدعة… و عايزة انام…..
محمد باصرار
:”حبيبتي قومي عشان
تاكلي و بعدين إرجعي نامي…. مينفعش
تنامي من غير اكل خصوصا إنك مذقتيش
حاجة من الصبح…. يلا يا قلبي إصحى
بقى…
نور بنعاس:”حبيبي عشان خاطري سيبني
انام بعدين حصحى و حاكل….
محمد :” و هو لسه في نوم بعد كلمة حبيبي
دي….نور إصحي انا لسه بحاول اسيطر على
نفسي…
نور وهي تنتفض من مكانها تنظر له بقلق واضح على ملامحها :”قصدك إيه….
لاحظ محمد خوفها ليخفي ضحكته قائلا
:” قصدي على العشاء..يلا انا حروح اغير
هدومي و اجيلك العشا برا بس إوعي تاكلي
عشان عاوز أاكلك بإيدي…
غمزها قبل أن يختفي وراء الباب تاركا نور
ترتعش من الخوف و القلق…
“حسافر بعد ثلاثة أيام عندي شغل مهم
في إيطاليا و حاخد الاولاد عشان يتفسحوا…”.
أردف شاهين و هو يفتح ازرار بدلته الفخمة
دون أن ينظر لكامليا التي كانت تراقبه خفية…
اجابته بدهشة بعد أن فهمت مقصده :”مش فاهمة
يعني إيه حتاخذ الولاد… طب و انا؟؟
شاهين بقسوة و هو يتذكر عنادها منذ ساعات
قليلة في حفل الزفاف :”أنا قلت لماما عشان تيجي
معايا بس هي رفضت فقررت إنك تقعدي
معاها…
رمت كاميليا قرطها الماسي على التسريحة
قبل أن تلتفت نحوهه صارخة بغضب :”نعم..
يعني إيه قررت….انا طبعا مش حرفض
إني اقعد مع طنط بس كمان مش قادرة
افهم إيه سبب قرارك المفاجئ داه؟؟
شاهين ببرود :” قلتلك شغل…
أخذت نفسا عميقا حتى تتحكم في غضبها
قبل أن تحيبه بهدوء رغم النار التي كانت
تشتعل بداخلها لتخيلها إبتعادها عن اطفالها
ليوم واحد :” إعمل اللي يريحك…انا مش حعترض
على حاجة بعد كدة…
تركته مذهولا من كلامها لتتجه نحو غرفة
الملابس لتغير فستانها… أغلقت باب الغرفة
لتنفجر ببكاء مرير…لم يتغير و لن يتغير
ابدا تعلم جيدا انه يعشقها حد الجنون
و يحاول بكل جهده إرضائها و لاتنكر
إن حياتها أصبحت جنة معه لكن عندما
يغضب فهو يتحول لشخص آخر غريب
لايرحم حتى اقرب الناس له….
في الخارج رمى شاهين جاكيت بدلته
على الأرض بعنف و عيناه الحمرواتان مثبتة
على الباب الذي أغلق أمامه بدأ في فتح ازرار
قميصه بقوة حتى أنه مزق بعضا منها
لتتناثر على الأرض مصدرة حفيفا ليغمض
عينيه بقوة و هو يستنشق الهواء
عدة مرات بصوت مرتفع دليلا على شدة
غضبه…هو لم يشأ إخبارها بمشكلة شقيقتها
حتى لاتحزن بل فضل إخفاء الأمر عنها و
التصرف بسرية تامة لكنه لم يحسب حسابا
لتدخلها مما جعل الأمر في غاية التعقيد
و الصعوبة…هاقد عادوا لنقطة الصفر للمرة
الالف بسبب عنادها و قسوته….
خرجت كاميليا بعد دقائق من غرفة الملابس
بعد أن إرتدت بيجاما بيتية مريحة… إتجهت
نحو باب الغرفة لتخرج لكن ما إن وضعت
يدها على المقبض حتى إستوقفها صوت شاهين
:”رايحة فين؟؟
كاميليا ببرود زائف :” رايحة اطمن على
الولاد….
تنهد بصوت مسموع قبل أن يجيبها:”الولاد
في الفيلا.. إحنا بس اللي هنا….
كاميليا بغضب لم تستطع كتمانه:” و مقلتيليش
ليه؟ و إمتى روحوا انا كنت معاهم من شوية
في الجناح بتاعهم…..
شاهين و هو يقترب منها :”كنت حقلك بس
بسبب اللي عملتيه في الفرح ووقفتك قدامي
و عنادك إنت معاقبة..
كاميليا و هي ترفع حاجبيها:”على أساس
إني أسيل و إلا آسر عشان تعاقبني… على
فكرة انا مراتك..
شاهين و هو يضغط على خصرها بيديه :”و عشان
مراتي نسيت إزاي تتعامل معايا قدام الناس
فهي محتاجة تتعاقب عشان تبطل تغلط
بعد كده…
كشرت كاميليا بوجهها بسبب شعورها بالالم
لكنها تحاملت على نفسها و هي تقول :” و مالو
إعمل اللي يريحك… و دلوقتي سيبني عشان
تعبانة و عاوزة انام.. داه طبعا لو مش حيضايق
حضرتك…
شاهين :” يعني إنت مش حاسة بغلطك
لحد دلوقتي و لسه بتعاندي…
كاميليا و هي تلف رأسها للجهة الأخرى
متحاشية النظر إليه :”و هو فين العناد داه انا بقلك
حاضر و موافقة على كل اللي حتعمله….
شاهين بتحذير :”كاميليا بلاش اسلوبك
داه….إنت غلطتي لما قللتي من قيمتي
قدام رجالتي و إنت عارفة إني مش
بسامح في الموضوع داه….و دلوقتي إعتذري
لحسن تتعاقبي وإنت عارفة كويس عقابي
حيكون إزاي….
شهقت كاميليا بخوف و إرتباك لتضع
يدها لا إراديا أسفل ظهرها و هي تتذكر
عقابه لها آخر مرة قبل أيام لأنها وضعت
أحمر شفاه مجددا في الشركة….
حاولت التملص من بين يديه لكنها فشلت
رفعت رأسها لتصطدم بابتسامته العابثة
قبل أن يخاف بتسلية :”بفكر أخليها
20 صفعة المرة دي إيه رأيك و متحاوليش
تهربي عشان مش حسيبك…ها قلتي إيه”.
كاميليا ببكاء بعد أن تيقنت من إصراره على عقابها :”الراجل المسكين كان متبهدل
و هو راكع تحت رجليك و إنت مش بترحمه…
هو راجل كبير و ميستاهلش إنك تذله بالشكل
داه.. حسيت بالشفقة ناحيته و مقدرتش امسك
نفسي…. انا آسفة..
شاهين باستمتاع رغم تألمه من رؤية دموعها :”
آسفة بس…
رفعت جسدها الضئيل و هي تستند بيديها على
كتفيه لتقبل وجنته قبلة خفيفة رغما عنها
ليرفعها شاهين إلى الأعلى ملتقطا شفتيها
في قبلة تعبر عن إعتذار و ندمه على جعلها
حزينة لكن رغما عنه فهذه هي شخصيته المسيطرة
التي لن يستطيع تغييرها مهما فعل…
فصل القبلة بعد دقائق لينتقل بشفتيه يمسح
دموعها التي اغرقت وجنتيها و هو يتمتم بكل
كلمات الأسف و الاعتذار :”آسف ياروحي…. يا
قطعة من قلبي يا كل دنيتي غضب عني
بتنرفز لما حد يعارضني داه طبع سيئ انا عارف بس للاسف مش حقدر اغيره… بس متنسيش إن إنت الوحيدة اللي سمعتي كلمة آسف مني عشان
أنا عمري ما إعتذرت لحد قبل كده………..
كاميليا بعتاب:” بس إنت لما تزعل بتبقى
قاسي جدا… إنت كنت عاوز تاخذ ولادي
و تسافر أسبوعين و إنت عارف إني مقدرش أعيش
من غيرهم يوم واحد….
شاهين بابتسامة :” طيب و إنت صدقتي إن
أنا ممكن اعمل كده بجد…طب بلاش دي إنت
متخيلة إن انا حقدر اتنفس و إنت بعيدة عني
داه انا باخذك معايا الشركة عشان تكوني جنبي
و أقدر اكمل يومي…
كاميليا بحب :” أنا كمان بحبك اوي…و بكلمتين
حلوين منك بتجيبني الأرض رغم إني كنت
زعلانة منك….
شاهين بخبث و هو يسير بها نحو السرير :”لا
يا روحي الحاجات دي بتكون بالفعل مش بالكلام…
كاميليا بضحك و قد فهمت مقصده :”مش حتبطل
قلة الأدب دي…
شاهين بغمزة و هو يعتليها:” عمري….
في جناح العروسين….
خرج محمد من الحمام يدندن لحن إحدى
الاغاني الشعبية التي يعرفها….جالت عيناه
بكامل الغرفة بحثا عن شقرائه الصغيرة لكنه
لم يجدها همهم باستغراب قائلا :”ياترى راحت
فين…
خطى خارج الغرفة الرئيسية ليكمل بحثه
في بقية المكان دون جدوى ليبدأ القلق
رويدا رويدا يتسرب بداخله…
ركض للداخل بحثا عن هاتفه لكنه توقف
فجأة عندما لمحها تقف في الشرفة…
اسرع نحوها قائلا بتأنيب :” حبيبتي إيه
اللي طلعك برا الجو برد….
إحتضنها من الخلف ليتفاجئ ببرودة
جسدها و إرتعاشه زفر بضيق قبل أن ينحني
و يحملها للداخل… أجلسها على ساقيه
و هو يحيطها بجسده الضخم كطفلة صغيرة…
محمد بعتاب:” الجو برد برا… كنتي بتعملي إيه….
نور بصوت منخفض:” كنت عاوزة اشم شوية
هوا…
هز محمد حاجبيه بخفة قبل أن يجيبها بعدم
إقتناع :”طيب بس كان لازم تلبسي حاجة
ثقيلة… كده حتمرضي…
رفعت نور عينيها نحوه لتجده يحدق فيها
بقلق:” آسفة بس…
محمد بجدية و هي يديرها قليلا لتصبح مواجهة
له :” مالك يا نور في حاجة مضايقاكي..
نور بارتباك و هي تفرك يديها بتوتر :” مفيش
بس انا كنت… يعني.. عاوزة اطلب منك
نأجل شوية…. مممم مش عارفة انا قصدي..
محمد بضحك :” قصدك إننا لازم نبطل خوف
و قلق على الفاضي تعالي الأول نتعشى عشان
أنا ميت من الجوع و بعدها ننام عشان عندنا سفر
بدري… إتفقنا…..
نور بابتسامة فرحة و هي لا تصدق ماتسمعه
منه :” إتفقنا….
قضيا وقتا طويلا و هما يتناولان طعام العشاء
الذي لم يخلو من دعابات محمد و طرائفه
و هو يحكي لها عن مواضيع عديدة محاولا
جعلها تتعود عليه و تنسى مخاوفها و قلقها
خاصة أن الزفاف كان فجئيا و بطلب منه..
خلدا للنوم ليضمها محمد إليه بتملك رافضا
جميع محاولاتها الخجولة للابتعاد عنه لتغفو
نور بعد مدة بعد أن شعرت بدفئ جسده الذي
يحاوطها من الخلف ليرفع محمد رأسها برفق
و يضعه فوق ذراعه الضخم محققا بذلك
امنيته التي طالما ما تمناها منذ أن رآها و هي ان تنام جميلته بين أحضانه.. قبل مقدمة رأسها
قبلة عميقة مستنشقا رائحة الفراولة اللذيذة
المنبعثة منهل قبل أن يخلد بدوره و على ثغره
إبتسامة سعيدة راضية….
في اليوم الموالي…..
إستيقظت نور من نومها على دغدغات خفيفة
شبيهة برفرفة الفراشات لتفتح عينيها الساحرتين
ببطئ لتجد محمد ممسكا بوردة حمراء في غاية
الجمال و يمررها صعودا و نزولا على وجنتيها و رقبتها…
نور بابتسامة جميلة اضاءت وجهها لتسلب لب
محمد :”صباح النور…
محمد بهيام و هو يتفرس وجهها الحسن :” صباح
الرقة و الجمال….نمتي كويس…
نور بإيماء :”أيوا….
محمد بحب :” بقالي كثير بحلم باليوم
اللي أصحى فيه من النوم و ألاقيكي جنبي…
بس مكنتش اتوقع إنه حيكون بالشكل داه…
نور :”قصدك وحش….
محمد بضحك :”وحش إيه بس… انا مش لاقي
كلام اصلا أعبر فيه على فرحتي بوجودك
جنبي…
نور بارتباك و قد غزت وجنتيها حمرة الخجل'”بس
أنا…يعني إمبارح…
رفع محمد ذقتها بسبابته متأملا عينيها التي
يعشقهما:” هو إنت ليه فاكرة إني متجوزك
عشان الحاجات دي…انا بحبك عارفة يعني
إيه بحبك…و مستحيل أقرب منك و انا عارف
إنك لسه مش مستعدة لداه…نور ارجوكي
حاولي تشيلي الحدود اللي حطاها بينا…انت دلوقتي
مراتي يعني انا بقيت أقرب شخص ليكي
متتردديش لحظة إنك تحكيلي أي حاجة
جواكي عشان نقدر نتجاوزها مع بعض…بلاش
نظرة الخوف و القلق اللي بشوفها في عنيكي
كل شوية دي عشان بتقتلني….
نور بابتسامة رقيقة :”حاضر.. ححاول…
محمد و هو يمنع نفسه بصعوبة على
إلتهامها برقتها و نعومتها :” تمام و دلوقتي
يلا عشان تغيري هدومك بسرعة عشان معاد
الطيارة قرب…
نور :”حسافر فين…
محمد :” إيطاليا…انا عارف إنك بتحبيها
اوي و نفسك تزوريها…..
نور بحماس و هي تقفز من السرير متناسية
ملابسها المغرية:” بجد حنروح إيطاليا انا مش
مصدقة..
محمد و هو يتفرس جسدها المثير :” ها….نور
يلا إختفي من قدامي دلوقتي قبل ما افقد
اعصابي..كفاية عذاب ليلة إمبارح…
نور ببلاهة :”ليلة إمبارح؟؟
محمد بخبث :” إستحميت ثلاث مرات بالمية
الباردة عشان حضرتك نايمة في حضني
زي الاميرة…
نور بصراخ و هي تهرول نحو الحمام :” قليل
الأدب.. و مش……..
محمد بضحك و هو يحدث نفسه :” إجمد يالا
هو إنت لسه شفت حاجة لسه الثقيل جاي…
خرجت نور بعد دقائق و هي ترتدي فستانها
رقيقا باللون الأسود رغم انه لايتناسب
مع الأجواء الباردة لكنها أعجبت بتصمبمه
و قررت أن ترتدي فوقه معطف فكانت رائعة
فوق الوصف
اطلق محمد تصفيرا يدل على إعجابه
و هو بتأمل مدى جمال زوجته الصغيرة
قبل أن يقترب منها و يمسك يدها و يديرها
ببطئ حول نفسها قائلا باعحاب :”واو…إيه
الجمال داه… صاروخ أرض جو..بجد مفيش أحلى
من كده …متجوز قمر ياناس…. بس للاسف مينفعش يتلبس برا عشان مفصل جسمك بالملي و انا
طبعا مش حقبل على نفسي إني أعرض مراتي
للرجالة كده…
بهتت نور من كلامه لتجيبه:” إنت بتقول إيه
أنا طول عمري بلبس كده و إنت عارف….
محمد و هو يحتضن خصرها بخفة حتى أن
قدميها لم تعودا تلامسان الأرض :” تؤ…الوضع
تغير يا قلبي إنت دلوقتي مراتي و انا مش ححرمك
إنك تلبسي اللي إنت عاوزاه حتى لو بيكيني
بس…. جوا البيت إنما برا تؤ معادش ينفع…
سار بها و كأنها لاتزن شيئا حيث السرير ليريها فستانا في
غاية البساطة الجمال و معه طرحة بنفس
اللون
محمد و هو ينزلها :” إيه رأيك في داه… حلو
نور و قد لمعت عيناها باعجاب:” يجنن
بس داه فستان للمحجبات….
محمد بابتسامة :”ما انا ححاول اقنعك بالحجاب
و مش حيأس لغاية متوافقي…انا عارف إن داه
مش الحجاب الشرعي بس على الاقل أحسن
من مافيش….و عارف كمان إنك حتقولي ليه
مراحش تجوز واحدة محجبة و إختارني انا
رغم إنه عارف طريقة لبسي و حياتي المختلفة عنه بس انا نفسي معنديش إجابة غير إني بحبك و عشان كده إخترتك إنت…. ها قلتي إيه.. إعتبريها هديتك
ليا بمناسبة جوازنا و انا مستعد احققلك
اي طلب تطلبيه في المقابل….
رق قلب نور بسبب لهجة محمد اللينة و نظرااته
الحنونة التي كان يرمقها و كأنه ينتظر شيئا
عظيما لتومئ برأسها دون شعور منها حتى
شعرت به يحملها من جديد مقبلا جبينها
عدة مرات قائلا بخفوت :”بحبك اوي… اوي
اوي….
في فيلا البحيري…..
وقف أيهم أمام السرير و هو يرمق ذلك
الصغير الذي كان متشبثا باحضان والدته
بنظرات حارقة و هو يتذكر كيف وصلا البارحة
ليجداه يبكي بصوت عال و يصر على النوم
في أحضان والدته….
إنحنى ليحمله لكن فوجئ به يفتح عيناه
و يبدأ بالصراخ من جديد ليبتعد عنه ايهم
متمتما بحنق :”لا بقى… داه قاصد يبوز
السفرية العفريت داه…
ليليان و هي تقبل صغيرها تهدأه بعد أن
ايقضها صراخه:” متقولش على إبني عفريت….
ايهم و هو يجلس بجانبها على طرف السرير
:”صباح الخير يالولو…
ليليان و هي تقبله على وجنته :” صباح الورد…
ياروح قلب لولو….
ايهم و هو يفرك عنقه بتوتر ناظرا للصغير
بضيق:” حرام عليكي هو يعني الكلام الحلو
ميجيش غير قدام الولد…. طب أعمل إيه
انا دلوقتي….
ليليان بضحك :” و لا حاجة….
قاطعها أيهم ليخطف قبلة صغيرة من ثغرها
لتدفعه ليليان قائلة بعتاب:”أيهم مينفعش
كده….
ايهم بانزعاج:” إنت اللي إستفزيتيني قدام
القرد داه….
ليليان بشهقة :” بقى ايسم إبني بقى قرد
و عفريت…
ايهم بلامبالاة :”أيوا عشان ماسك فيكي
زي القرد اللي ماسك في شجرة موز… شوفي
إزاي بيبصلي و كأني عدوه… يا إبني
إفهم بقى و سيب مامتك عشان عاوزها
في كلمتين سر و مينفعش تتقال قدامك…
قطب الصغير حاجبيه و هو يتشبث اكثر
بوالدته قائلا :” ياااااء انا حفضل مع مامي
على طول..
ايهم بعدم رضى:” نعم ياخويا….. ولاااااا
أنا صابر عليك من إمبارح و مأجل السفر
عشانك….يلا إتفضل برا من غير مطرود…
أيسم برفض :”ياااااء.. مامي انا بث(بس)
إنت ياااااء….
ايهم و هو يحمله رغما عنه :” بقى إنت
تعمل كده يا بو نص لسان طب تعالى
داه انا حاكلك دلوقتي….
بدا أيهم يلاعبه و دغدغه حتى تعالت
ضحكات الصغير و ليليان تراقبهما باعين
مستمتعة فماتراه أمامها هو أجمل مشهد
زوجها و إبنها و أخيرا إجتمعوا جميعا بعد
ان كادت تيأس من إن تحيا حياة طبيعية
كالاخرين… فما قاسته في حياتها ليس
سهلا ابدا…شريط حياتها كر أمامها كذكرى
منذ اول يوم توفت فيه والدتها و تركتها وحيدة
في هذة الحياة…..
أفاقت من شرودها على أيهم الذي كان يحدثها
:”لولو… رحتي فين بقالي ساعة بنده عليكي….
ليليان و هي تسمح دموعها التي نزلت دون شعور
منها :” لا مفيش كنت بتقول إيه…
ايهم و هو يجلس بجانبها :”بتعيطي ليه؟؟
ليليان بابتسامة :” و الحاجة اصلي مبسوطة
لما شفتك إنت و ايسم مع بعض… امال هو فين؟؟
ايهم بضحك و هو يحتضنها:” للدرجة دي كنتي
سرحانة….انا بعثته لرحمة عشان تفطره و تلبسه
عشان حسافر معانا….
ليليان بلهفة :” بجد حناخذه معانا…
ايهم بفرح عندما شعر بسعادتها :” أيوا… مقدرش
ابعدك عنه اسبوعين بحالهم…. و كمان إحنا
حنسافر كلنا عيلة شاهين و محمد و مراته بس
هما حيروحوا إيطاليا الأول عشان نور حابة
تزورها و بعدين حيلحقونا على هناك….
ليليان بتعجب :”هناك فين…إحنا حنسافر فين؟؟؟
ايهم بابتسامة :”جزر السيشيل يا حبيبتي ….
أنا رحتلها اربع مرات تجنن حتعجبك اوي….
ليليان :”طيب و هبة و الباشمهندس عمر….
ايهم :” للأسف مرات عمر حامل و هو رافض
إنها تطلع من البيت اصلا لحد ماتولد…عشان خايف
عليها…
أومأت ليليان بإيجاب و هي تلف يدها
حوله تتشبث يه و كأنها لاتصدق حتى الآن
وجوده إلى جانبها ليكمل أيهم و هو يضمها
بدوره بعد أن شعر بها… ضمها إليه بقوة
يريد أن يدخلها داخل اضلعه و يضعها بجوار
قلبه قائلا بحنان و هو يربت على ظهرها :”لو
مش عايزة نروح معاهم بلاش…
ليليان بنعاس :” مش مهم المكان… المهم إنك
معايا….
ايهم بتنهيدة و هو يقبل مقدمة رأسها متمتما
:”إنت حترجعي تنامي و إلا إيه؟؟
ليليان و هي تبتعد عنه :” لا انا صحيت اهو…
ايهم و هو يتفرس وجهها الفاتن و غمازتيها
:”طب فين صباح الخير بقى…
ليليان بدهشة :”أنا قلتلك من شوية لما…
ايهم مقاطعا:”تؤ… مش كفاية انا عاوز صباح
الخير زي دي…
اكمل كلامه ليأخذ شفتيها في قبلة متملكة
تعبر عن عشقه الدائم لها لتبادله ليليان القبلة
بنفس اللهفة و الحب معلنة عن إستسلام
قلبها و جسدها للمرة الالف أمام طوفان
عشق الايهم……
سافر الجميع و قضوا وقتا رائعا و كيف لا
و هم في مكان اشبه بالجنة على وجه الأرض
جزر السيشيل
الشيطان شاهين
النهاية(فصل خاص بمحمد و نور)
بعد أسبوع في إحدى جزر إيطاليا الساحرة….
نظرت نور بعبوس نحو محمد الذي كان
ينهي مكالمة هاتفية مع شقيقه أيهم الذي
يحثه على الالتحاق بهم في جزر السيشيل
ليبتسم الاخر بخفوت قائلا :”إيه ماله القمر
زعلان النهاردة؟؟؟
نور و هي تمط شفتيها بحنق لطيف :” عشان
الاسبوع خلص بسرعة و بكرة حنروح السيشيل
و انا عاوزة اقعد هنا….
أنهت كلامها و هي تنزل ساقيها من الاريكة
حتى تترك مكانا لمحمد ليجلس بجانبها
:”ما انا قلتلك ياحبيبتي إحنا حسافر و نشوف
الجو هناك و لو معجبكيش اوعدك إننا نرجع
هنا على طول “.
أحاط خصرها بلطف ليرفعها ببطئ ليضعها فوق ساقيه كعادته منذ زواجهما لتهتف نور بتذمر :”
و ليه نضيع وقت في السفر… المكان هنا جميل
اوي”
محمد بعشق و هو يتفرس وجهها بهيام :”أنا
لو عليا مش عاوز اشوف اي حاجة قدامي
غيرك.. بس أيهم و ليليان كل يوم بيكلمونا
و بيزنوا علينا عشان نسافر…و انا مش
عاوز أكسر بخاطرهم…..
نور :” طيب بس على شرط….
محمد بضحك :” ربنا يستر من شروطك… إتفضلي
ياستي…”.
نور و هي تداعب وجنته :”حنفضل معاهم هناك يومين و لو معجبناش المكان هناك نرجع هنا على طول و نحاول نقنعهم ييجوا معانا… إيه رأيك “.
محمد و هو يلاعب إحدى خصلات شعرها
:” طيب لو فرضنا إن الجو هناك و المكان
معجبكيش لو إني أشك عشان بجد السيشيل جنة على وجه الأرض و لما تشوفيها حتنسي أوروبا كلها….. قوليلي بقى نقنعهم إزاي…
نور :”مش عارفة بس إنت ممكن تقول لاخوك
أنا بجد عاوزة كلنا نيجي هنا “.
محمد بضحك :” طيب انا حقلك على خطة
لو نجحتي فيها يبقى الباقي كله سهل….
إنت تقنعي أختك بفكرتك و هي حتتكلم
مع شاهين و ساعتها كلهم حياخذو برأيه
و ييجوا على هنا خصوصا إن فادي كمان
بيحب ييجي إيطاليا كثير عشان إبتدا يتعلم
اللغة “.
نور بدهشة :” واو…هو لحق يكمل الألماني
عشان يبتدي في الإيطالي.. بجد الولد داه
معجزة “.
محمد :” مش إبن شاهين الألفي…داه دلوقتي
بقى بيتكلم اربع لغات غير العربي.. ”
نور :” اكيد تأثير كاميليا أصلها بتحب اللغات
اوي… “.
محمد بمشاكسة :” طيب و إنت بتحبي إيه؟
نور و هي ترفع حاجبها بعبث:”لا انا الايام دي
مش بحب أي حاجة….
نظر لها محمد بصدمة تجاهلتها نور و هي تكمل
بهمس و قد أخفضت بصرها قليلا :” غيرك إنت “…
محمد بصدمة اكبر :” ها..مش سامع ممكن
تعيدي عشان اتأكد”.
نور و هي تستجمع شجاعتها:” أنا..كنت عاوزة
اقلك إني آسفة عشان انا مقدرتش اكون البنت
اللي تليق بيك… البنت اللي تكافئك على تعبك
و صبرك معاها و رغم إني كنت بعاملك وحش
عشان غبية و مابفهمش بس إنت تمسكت بيا
و ميبتنيش…و آسفة بردو عشان بوزتلك أجمل
ليلة كنت بتحلم فيها عشان اوهام و أفكار عبيطة
خليتها تسيطر عليا… محمد انا عاوزة إبتدي معاك
صفحة جديدة و ننسى اللي فات كله… انا دلوقتي
مراتك و إنت ليك حقوق…..
قاطعها محمد الذي كان مسحورا بكلامها و طريقة
تحرك شفتيها الناعمتين و هي تزمهما بطريقة
عفوية لكنها كانت مغرية بالنسبة له :”شششش
متكمليش عشان انا مش عاوز اسمع حاجة
في الموضوع داه.. انا قلتلك قبل كده إني
مش داه سبب جوازي منك….
نور و هي تتظاهر بالحزن :” يعني إنت مش
عاوزني ..
عضت شفتيها و هي تضع يديها على وجهها
بعد أن إنتبهت لما تفوهت به ليزداد إحراجها
أضعافا و هي تستمع لقهقهاته المرحة:طب
شيلي إيدك عشان اشرحلك النقطة دي بالذات…
حركت نور رأسها بنفي قائلة بصعوبة :” أنا مش
قصدي إنت اللي فهمت غلط “.
محمد :”و انا جاهز عشان تفهميني”.
نزعت نور يديها لتستند باحدها على كتفه
إستعدادا للنزول من على ساقيه :”مش دلوقتي
خليها بكرة الوقت تأخر”.
تركها محمد لتبتعد عنه قليلا قبل أن يقف هو الاخر
من مكانه و يلتقط جسدها بخفة بين ذراعيه
الصخمتين ليأرجحها إلى الأعلى قليلا في الهواء
قبل أن يلتقفها ثانية لتصرخ نور بذعر و هي تتمسك بثيابه :”محمد عشان خاطري متعملش كده ثاني
حتوقعني “.
محمد بضحك:” إنت لسه متعودتيش… انا أنصحك
تتعودي عشان موعدكيش إني حبطل اشيلك
بالطريقة دي…
تأوه بزيف بعد أن تلقى لكمة من يدها بالكاد
شعر بها قائلا :” بالراحة يا حبيبتي.. داه انا
لسه عريس..
نور بحنق :”طب نزلني عاوزة انام الوقت
تأخر “.
محمد و هو يرميها على الفراش :” و ماله
خليه يتأخر براحته…كنا بنقول إيه بقى…فكريني “.
نور بتلعثم :” مكناش بنقول حاجة.. و بعدين
أنا كنت حتكلم و افهمك بس إنت فصلتني…إنت
بتقرب ليه؟ خليك بعيد”.
محمد وهو يرفع يديه نحو الاعلى مكتفيا بالجلوس
على حافة الفراش :”لا انا قاعد مكاني متحركتش
و لو عاوزاني اقوم انام على الكنبة معنديش مانع
إستدار إلى الخلف ليتهيأ للوقوف من مكانه لتتمسك
به نور هاتفة بندم :”أنا آسفة مش قصدي؟؟… و بعدين ليه تنام على الكنبة ماهو السرير واسع
اهو “.
محمد بخبث مدعيا الجدية :” مش عاوز ازعجك
حخليكي الليلة تنامي براحتك”.
نور بشهقة :”إنت ليه بتقول كده؟ هو إنت خلاص
زهقت مني مش عاوزني يعني…..
إلتفت نحوها الآخر و هو يخفي ضحكته التي
تكاد تفضحه في اي لحظة :”مش فاهم تقصدي
إيه؟؟
رمشت نور بعينيها عدة مرات قبل أن تدير عيناها
عنه تشعر بسخونة جبينها من شدة الحرج لتصرخ
:”اوووف بقى و الله حرام عليك… انا مش عارفة
اصالحك إزاي و كل اما آجي اتكلم بتتريق عليا
و انا بتوتر بسرعة و ببقى معرفش اقول إيه”.
زحفت نحو آخر الفراش لتغادر الغرفة بأكملها
لكنها تفاجأت به يقف أمامها معترضا طريقها و هو
يقول:” طب خلينا نبدأ من جديد”.
نور و هي تقف على السرير لتصبح في نفس طوله
:” مينفعش عشان تقريبا نسيت انا كنت بقول إيه “.
لف يديه حول خصرها يقربها منه حتى أصبحت
قدميها بالكاد تلامس الفراش:”أنا حفكرك.. إنت
كنتي بتعتذري عشان كنتي نوتي و شقية معايا…
نور بضحك من كلامه :”نوتي و شقية.. بتكلم
بنت أختك “.
محمد :” و بعدها قلتي إنك بتحبيني اوي و بتموتي
فيا و إنك عاوزاني و انا بصراحة حموت و أقرب…..
نور بنفي :”أنا إمتى قلت كده؟؟
محمد بتلاعب :”إنت مقلتيش كده بالحرف الواحد
بس انا فهمت قصدك لوحدي”.
نور بذهول :”يبقى فهمت غلط…و دلوقتي سيبني…
محمد بخبث و هو ينزلها بخفة على الأرضية
:”في أحلامك إني اسيبك…مش بعد ما جننتيني
نور انا….
إبتلع ريقه و هو يشعر بسخونة جسده و تسارع
أنفاسه لشدة رغبته بها خاصة بعد أن شعر
بعدم ممانعتها من إقترابه منها ليهمس لها بعدة
كلمات بصوت منخفض لتومئ له نور بإيجاب
رغم خوفها لتبتسم بصعوبة و هو يحملها
متمتما بعدة عبارات يطمئنها بها قبل أن يريحها
على السرير ليأخذها معه في عالم آخر جديد على كليهما ……
في جزر السيشيل الساحرة….
كانت كاميليا و ليليان تجلسان على حافة البحر
تشاهدان الصغار و هو يسبحون و يمرحون
مع آبائهم..
ليليان :”الاسبوع عدا بسرعة هنا..
كاميليا بموافقة:” فعلا و المكان تحفة بجد..ياريت
لو نفضل هنا على طول.. “.
ليليان بضحك :” بصراحة هو آه جنة و انا مستعدة
أقعد شهر.. سنة بس على طول لا مفتكرش…عشان
المكان هادي بزيادة..و انا بصراحة بتوحشني دوشة مصر و زحمة القاهرة…
كاميليا و هي تكرمش وجهها :” إنت غريبة جدا
على فكرة مين المجنون اللي يسيب الجنة دي و يرجع على هناك مش عاوزة افتكر حتى ….
قاطع حديثهم أسيل التي إندفعت تقفز على
الكرسي بجانب والدتها هاتفة ببراءة :” مامي..
آسل قلي روحي اقعدي مع الستات…عشان هما
كلهم لجالة “.
حملت كاميليا إبنتها المبللة لتضعها بجانبها
و نبدأ في تنشيف وجهها و شعرها بالمناشف
قائلة :”طب خليكي معانا هنا إنت مزهقتيش
لعب”.
أسيل برفض :”لا إنتوا على طول قاعدين
هنا مش بتلعبوا ابدا…
ليليان بضحك :”طيب إنت خليكي معانا
و إحنا حنقوم نلعب معاكي “.
أسيل :” نلعب كورة في البحر هناك مع بابي
و انكل أيهم و فادي بس… آسل (آسر) و أيثم(ايسم) لا…إنت لازم تعاقبيهم يا طنط لولو خليهم يقعدوا
على الكرسي داه و إحنا نروح نلعب و بعدين
في الليل ننام و هما خليهم هنا “.
ليليان بضحك :” طب و لو طلع القرش
من البحر و أكلهم….
أسيل ببراءة:”لا بابي حيضربهم بالنار…متخافيش
ياطنط”.
كاميليا بضحك:”متخافيش ياطنط المهم عاقبيهم…
أنا مش عارفة البنت طالعة لمين؟ طول الوقت
عاوزانا نعاقب اخوها…عاملين زي القط و الفار
ياريتهم طلعوا هاديين زي فادي”.
أسيل :”ياااع فادي طول الوقت بيروح المدرسة
…و بياكل خضار مسلوقة “.
ليليان و هي تربت على شعرها :”عشان كده هو شاطر و ذكي “.
أسيل :” لا انا عاوزة العب مليش دعوة… انا
حروح اضربهم هما الاثنين “.
ليليان :” كاميليا إنت متأكدة إن بنتك دي
عندها ثلاث سنين”.
كاميليا و هي تنظر لزوجها :” ثلاث سنين و شهر و الله “.
خرج شاهين من المياه ليتجه نحو طاولة وضع
فوقها مجموعة من المناشف ليأخذ واحدة كبيرة باللون الأسود و يلفها حول كتفيه و ظهره ثم
يكمل طريقه نحو كاميليا ليتمدد على الكرسي
الذي بجانبها ..
شاهين و هو يلتفت نحوها :” محمد و نور
حيوصلوا بالليل متأخر على هنا…
كاميليا :” يوصلوا بالسلامة…حينبسطوا اوي
هنا انا متأكدة “.
شاهين بعدم إهتمام :” لو معجبهمش يقدروا
يسافروا اي حتة هما عاوزينها… “.
أومأت له كاميليا براسها قبل أن تلتفت
لتلاعب صغيرتها من جديد.
في إيطاليا….
حركت نور يدها بصعوبة و هي تتمتم بضحك
في داخلها :”يالهوي دا انا إتفرمت حاسة إن جسمي كله متكسر ..حسافر إزاي انا دلوقتي سفر إيه بس داه أنا ل قدرت اوصل الحمام ابقى عملت إنجاز
تاريخي ااااه…
تأوهت بألم قبل أن ترجع ذراعها لمكانه السابق
بعد أن حركته…شعرت بأنفاس محمد ضد
عنقها لتلفت نحوه قبل أن تهمس بخفوت تناديه :”
محمد… حبيبي إصحى معاد الطيارة…طب ممكن تبعد شوية عشان اقدر أتحرك…..
رفع محمد ذراعه التي كانت تحيط بطنها
قليلا قبل أن يعيده من جديد لكن بقوة اكثر
ليجذبها نحوه مهمهما برفض دون أن يفتح
عينيه…
نور بهزار:” طب ينفع كده..مكلبشني زي
الحرامية…و الله ماحهرب…
محمد بنعاس و هو يحشر وجهه في شعرها
:” خليكي في حضني كمان شوية….
نور :”طب و معاد الطيارة…
محمد :” مش مهم… تولع كل حاجة المهم إنت
معايا….
نور و هي تستشعر ثقل ساقيه التي كانت تقيد
ساقيها فهو حرفيا كان يقيد كامل جسدها بجسمه
:” أنا جنبك و مش حبعد صدقني بس عشان
خاطري فكني شوية…. جسمي كله بيوجعني….
محمد و هو يرفع رأسه ناظرا نحوها بقلق :”
إيه…طب و مصحتينيش من بدري ليه؟؟ انا
حكلملك دكتورة حالا…
إبتعد عنها محررا جسدها ليبدأ بالبحث عن
عن هاتفه لتسارع نور بإيقافه قائلة :” مفيش
داعي انا كويسة و الله…محتاجة آخذ دوش
و حبقى تمام…
نظر نحوها لتبادله نور بابتسامة صادقة
قبل أن تكمل بمرح :”صدقني مفياش حاجة
غير كسر او إثنين في الاظلاع على شوية رضوض و صداع خفيف في دماغي بس مع حبة مسكن
و نوم ثلاث اربع أيام على بعض و حرجع زي
الأول… داه إحتمال مش مؤكد طبعا….
محمد بقلق ينهش قلبه :” كل داه و بتقولي كويسة
لا انا حكلم دكتورة… خليها تفحصك
عشان اطمن عليكي..
نور و هي ترفع يديها نحوه ليقترب منها
محمد :” إنت ليه مكبر الموضوع كده…و بعدين
متنساش انا كمان أعتبر نص دكتورة…يعني
لو فيا حاجة كنت عرفت….
محمد :”طيب حجيبلك مسكن….
أومأت له نور قائلة :”الأول ادخل خذ شاور
على بال ما اكون انا قدرت اتحرك شوية…
قالتها بخفوت حتى لا يسمعها ليغمض
الاخر عيناه بحزن قائلا :”أنا آسف ياحبيبتي
بس انا حاولت على قد ما أقدر اكون…..
بتر بقية كلامه حتى يتجنب إحراجها ليلف
غطاء السرير على جسدها و يحملها ليسير
بها نحو الحمام….
نور باعتراض :” بتعمل إيه… إستنى يا مجنون….
محمد بصرامة :”نور و لا كلمة…انا مش
حسيبك مهما عملتي فوفري مجهودك عشان
إنت باين عليكي الشحن خلصان على الآخر….
نور و هي تسند رأسها باستسلام :”بتتريق عليا
حضرتك… ماشي…
وضعها على حافة حوض الاستحمام ثم فتح
صنبور المياه معدلا حرارته بعدها امسك بعلبة
سائل الاستحمام المفضلة عنده برائحة الفراولة
التي يعشقها عليها ليسكب نصفها في الحوض
حتى تشكلت رغوة كثيفة….
إلتفت لنور ليساعدها على النزول داخل المياه
قائلا:”لما تخلصي ناديلي…حستناكي برا…
خرج بعدها و اقفل الباب وراءه ليمسك بهاتفه
الذي وجده بين الاغطية ثم بحث عن إسم
شقيقه أيهم ليسأله عما حدث لها.. لكنه تراجع
في آخر لحظة :” دي مهما كانت أسرار بينا… يعني
مش لازم حد يعرف إن داه حصل بعد اسبوع
من جوازنا.. داه انا مفهمه إن كل حاجة تمام
و مفيش مشاكل… بس داه دكتور و انا حسأله
بس عشان صحة نور…. يوووه يا محمد إنت
إزاي غبي كده… لا بجد اغبى إنسان في الكرة
الأرضية كلها إنت سايب ليليان و جاي تسأل
أيهم داه حيفضل يتريق عليا عشر سنين
قدام….أحسن حاجة أستنى و لو لاحظت
أي حاجة مش طبيعية حبقى أكلمها….
و بالفعل رمي هاتفه ثم إتجه نحو باب
الحمام من جديد…. ليطرق الباب قائلا :”نور
إنت كويسة… خلصتي..
نور :” متقلقش انا كويسة بس إديني خمس
دقائق و حطلع….
بعد دقائق قليلة خرجت نور و هي تلف
منشفة طويلة على جسدها و أخرى صغيرة
على شعرها… تحركت ببطئ نحو التسريحة
و هي تنزع المنشفة المبللة من على رأسها
راقبها محمد بتفحص قبل أن يسير نحوها
أخذ المشط من على الطاولة ثم بدأ يمشط
شعرها القصير برفق و عناية… إبتسمت نور
ثم أغمضت عينيها مستمتعة بملمس يديه
الدافئة….
بعد يومين سافر محمد و نور نحو جزر السيشيل
ليقضا شهرا كاملا هناك بعد أن وقعت نور في
عشق ذلك المكان الساحر الذي انساها إيطاليا
و أوروبا كلها….
و بعد شهر عادا من جديد لمصر لتلتحق نور
بجامعتها و محمد بعمله بعد أن حل جميع
المشاكل العالقة التي كانت تنتظره…فقد نجح
بصعوبة في إقناع شاهين بترك ميار التي عاشت أصعب أيام حياتها في تلك المدة و الصفح
عنها بعد أن أمر شاهين أحد رجاله بتشويه
وجهها عقابا لها على محاولتها لتشويه
سمعة نور لكن محمد اقنعه بالعدول عن رأيه
و جعلها تسافر و لاتعود لمصر مرة أخرى
و إن حاولت إيذاء زوجته مرة أخرى فسيقوم
بقتلها بنفسه هذه المرة….
بعد خمس سنوات…..
مساءََ فيلا الألفي…..
يجلس الجميع كعادتهم كل يوم جمعة من كل شهر في حديقة الفيلا يتسامرون
و أمامهم أطفالهم يلعبون و يمرحون في أرجاء
الحديقة…
نور أنهت جامعتها و أصبحت طبيبة و قد بدأت
العمل في مستشفى البحيري مؤخرا و تعيش
حياة سعيدة مع محمد و إبنتهم “جنة” التي تبلغ
من العمر أربعة سنوات و هي الآن حامل في
الشهر السادس و لديها طفل ستيميه إياد..
أما هبة و عمر فلديهما طفلين توأم يبلغان
من العمر أربعة سنوات و نصف أصر على
تسميتهما “أيهم و شاهين”..
هبة تصالحت مع عائلتها بعد طول فراق…
أيهم إستمر في تدليل ليليان و معاملتها
كالاميرة خاصة بعد ولادتها لطفلتهما
الثانية سارة…يصر على أخذ إجازة لمدة أسبوع كل ستة أشهر ليمضيها معها و في كل مرة يزوران
بلد مختلف…
شاهين و كاميليا إكتفيا بأبنائهما الثلاثة
رغم ان شاهين يريد المزيد من الأطفال
مما جعل كاميليا تخضع لرغبته و هي الآن
حامل في فتاة في الشهر السابع….
سيف تزوج من آية تلك الفتاة الشقية و أنجبا
أيلول و آيلا بعد أن أصرت على تسميتهما
أسماء تركية…
اما بالنسبة لاميرة فهي تجوزت إبن صديق
والدها يعمل محامي و هو إنسان محترم و متدين
و عايشة معاه حياة سعيدة و مرتاحة بالرغم من إن
الجواز حصل بالاتفاق مابين العيلتين يعني مكانش
عن حب…بس بعدها وقعوا في عشق بعض(حب
بعد الجواز) و دلوقتي عندها أمير ثلاث سنوات
و مالك خمس شهور….
زكريا لم يتزوج من ميساء بعد أن إكتشف
أنها كانت حابة توقعه في شباكها و تتجوزه
و تخليه يكتبلها كل ثروته و بعدها تطلقه
زي ماعملت مع ازواجها اللي قبل و ذلك
بمساعدة شقيقها… و طبعا اللي إكتشف
أمرها هي جميلة و نعمة اللي بيحاولوا
في كل مرة يسيطروا على الوضع بطريقة
مختلفة خصوصا إن جوزهم راجل عينه زايغة
و مش حيبطل يبص برا ابدا للأسف 
تمت بحمدلله

تعليقات